من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

سجدة الشكر: افتقار العبد واعترافه بفضل ربه

مشاركة
🕌 سَجْدَةُ الشُّكْرِ... اِفْتِقَارُ عَبْدٍ ومِنَّةُ رَبّ #خطبة_جمعة #سجدة_الشكر #الشكر #الافتقار_إلى_الله #رقائق #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الشُّكرَ قيداً للنِّعَم، ومِفتاحاً للمَزيد، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَبتَلي بالسرَّاء ليَرى شُكرَ الشَّاكرين، كما يَبتَلي بالضرَّاء ليَرى صَبرَ الصَّابرين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الشَّاكرين، وسَيِّدُ السَّاجدين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: أيها المسلمون، متى آخِرُ مرَّةٍ خَرَرتَ فيها ساجداً للهِ باكياً من فَرحةٍ غَمَرَتك؟ متى آخِرُ مرَّةٍ جاءَكَ فيها خَبَرٌ يَسُرُّك، أو اندَفَعَ عنكَ بَلاءٌ يَغُمُّك، فلم تَجِد لمشاعرك مُتَنَفَّساً إلا أن تَهويَ بجَبهَتكَ على التُّرابِ شُكراً لموليكَ ومُعطيك؟ هذا هو السؤالُ الذي نَفتَتِحُ به مَجلسَنا اليوم. سؤالٌ يَكشِفُ عن سُنَّةٍ نَبَويَّةٍ عَظيمة، وعبادةٍ قَلبيَّةٍ جليلة، غَفَلَ عنها الكثيرون في زَحمةِ الحياة ومُلهياتِها؛ سُنَّةُ "سَجدةِ الشُّكر". تلك السَّجدةُ التي تَختَزِلُ في طَيَّاتها أعمَقَ معاني العبوديَّة: افتقارُ العَبدِ المُطلَق، واعترافُهُ بِمِنَّةِ الرَّبِّ المُطلَقة. يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى واصفاً حالَ عباده: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة سبأ: 13]. تأمَّلوا هذه الآيةَ جيِّداً! لم يَقُل "قليل من عبادي الشاكر"، بل قال "الشكور"، والشكورُ هو الذي يَتَحَقَّقُ بالشُّكرِ قلباً ولساناً وعملاً في كُلِّ نَفَسٍ من أنفاسِه. وقد بَيَّنَ الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمه الله حقيقةَ الشُّكرِ بكلماتٍ تُكتَبُ بماءِ الذَّهب، حيث قال: "الشُّكرُ ظُهورُ أثَرِ نِعمةِ اللهِ على لِسانِ عَبدِهِ ثَناءً واعترافاً، وعلى قَلبِهِ شُهوداً ومَحَبَّةً، وعلى جَوارِحِهِ انقِياداً وطاعةً". وليسَت هناك طاعةٌ بالجوارحِ تَجمَعُ هذا كُلَّهُ في لَحظةٍ واحدةٍ كما تَجمَعُهُ سَجدةُ الشُّكر. واسمعوا لهذا الحديثِ العظيم، الذي يَرويه أبو بَكرَةَ رضي الله عنه، قال: «كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا جاءَهُ أَمرٌ سُرُورٌ أو بُشِّرَ بِهِ، خَرَّ ساجِداً شاكِراً لِلَّهِ» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه). هذا هو رسولُ اللهِ ﷺ، سيِّدُ وُلدِ آدَم، المُؤيَّدُ بالوحي، المنصورُ بالرُّعب. يأتيه الخَبَرُ السَّارُّ، بانتصارِ سَريَّة، أو إسلامِ قبيلة، أو حُصولِ نِعمة، فماذا يَصنَع؟ هل كان يَكتَفي بابتسامة؟ هل كان يَتَفاخَرُ بقوَّتِه وحُسنِ تدبيرِه؟ كَلَّا والله! بل كان يَهوي فوراً إلى الأرض، يَضَعُ أشرَفَ ما فيه - جَبهَتَهُ النَّبويَّةَ الكريمة - على التُّراب، اعترافاً بأنَّ الفَضلَ كُلَّهُ لله. إنَّ سجدةَ الشُّكرِ ليست مُجرَّدَ حَركةٍ بَدنيَّة، بل هي إعلانُ افتقار. هي ترجمةٌ عَمَليَّةٌ لقولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر: 15]. حين تَسجُد، فأنتَ تَقولُ بلِسانِ الحالِ قبلَ المَقال: يا رب، أنا الضَّعيفُ الذي قَوَّيتَه، وأنا العاجِزُ الذي أقدَرتَه، وأنا الفَقيرُ الذي أغنَيتَه، وما هذا النَّجاحُ أو هذا الخَبَرُ السَّارُّ مِن كَدِّي ولا ذَكائي، بل هو مَحضُ فَضلِك وواسِعُ جُودِك. ولنتأمَّل معاً مَشهداً دراميّاً من مَشاهدِ السِّيرةِ النَّبويَّة، مَشهداً يَفيضُ بالصِّدقِ والمشاعِر. إنَّهُ مَشهَدُ الصَّحابيِّ الجليلِ كَعبِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه، حين تَخَلَّفَ عن غزوةِ تَبوك، وقاطَعَهُ النَّبيُّ ﷺ والصَّحابةُ خَمسينَ ليلة، حتى ضاقَت عليه الأرضُ بما رَحُبَت، وضاقَت عليه نفسُه. تَخيَّلوا حَجمَ الخَنقَةِ النَّفسيَّةِ والوَحشَةِ التي عاناها. ثم بعدَ خمسينَ ليلة، وفي صلاةِ الفجر، يَسمَعُ صَوتَ مُنادٍ يَصرُخُ بأعلى صَوتِه من جبلِ سَلع: "يا كَعبُ بنَ مالك، أبشِر!". أبشِر بتوبةِ اللهِ عليك. ماذا فَعَلَ كَعبٌ في تِلكَ اللَّحظةِ الحاسمة؟ هل انطَلَقَ يَركُض؟ هل أخذَ يَقفِزُ من الفَرَح؟ يَقولُ كَعبٌ يَصِفُ حَرَكَتَهُ الأُولى: "فَخَرَرتُ ساجِداً". لم يَنتَظِر حتَّى يَلبَسَ ثِياباً جَديدة، ولم يَنتَظِر حتَّى يَتَوَضَّأ، بل في مَكانِه، وفورَ سَماعِهِ الخَبَر، خَرَّ ساجِداً يَبكي بين يَدَيِ الله. هذا هو الفقهُ الحَيُّ للشُّكر! وقد قال أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه معلِّقاً على مِثلِ هذه المعاني: "إنَّ النِّعمَةَ مَوصولَةٌ بالشُّكر، والشُّكرُ مَتَعَلِّقٌ بالمَزيد، وهُما مَقرونانِ في قَرن، فَلَن يَنقَطِعَ المَزيدُ مِنَ اللهِ حتَّى يَنقَطِعَ الشُّكرُ مِنَ العَبد". عبادَ الله، قارِنوا هذا الهَديَ النَّبويَّ وصَنيعَ السَّلَفِ بواقِعِنا اليوم! انظُروا إلى حالنا: يَنجَحُ الشَّابُّ في دراستِه بتَفَوُّق، فيَكونُ أوَّلُ عَمَلٍ لَهُ أن يُمسِكَ هاتفَهُ ليُعلِنَ الخَبَرَ على وَسائلِ التَّواصُل، يَنتَظِرُ التَّهاني والإعجابات! ويَحصُلُ الرَّجُلُ على ترقيةٍ في عَمَلِه، فيُقيمُ الولائمَ ويَرفَعُ صَوتَهُ مُفاخِراً بجُهدِه وشهاداتِه! ويُشفى المريضُ من عِلَّةٍ طالَت، فيَنسُبُ الفَضلَ للطَّبيبِ والدَّواءِ ويَنسى الشَّافيَ المُعافي! أين نحنُ من سَجدةِ الشُّكر؟ أين الافتقارُ الذي يُقَيِّدُ النِّعمةَ ويَحفَظُها؟ قال تعالى مُحذِّراً من هذا الغُرور: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [سورة النحل: 53]. كيف يَعقِلُ أن نَعرِفَ طريقَ السُّجودِ في حالةِ الكَربِ والدُّعاءِ والمسألة، فإذا كَشَفَ اللهُ ضُرَّنا وأعطانا سُؤلَنا، رَفَعنا رُؤوسَنا وكأنَّنا استَغنَينا؟ أليسَ من الجُحودِ أن يَبكيَ المَرءُ ساجداً وهو يَسألُ اللهَ الوَلَد، أو الشِّفاء، أو الوَظيفة، فإذا جاءَتهُ النِّعمَة، اكتَفى بكلمةِ "الحمد لله" عابِرةً بطَرَفِ اللِّسان، دون أن يَرتَجِفَ قَلبُهُ أو يَخِرَّ جَسَدُه؟ واسمعوا ماذا يقولُ الخليفةُ الراشدُ عُمَرُ بنُ عبدِ العزيز رحمه الله: "قَيِّدوا نِعَمَ اللهِ بِشُكرِ الله". فالنِّعمَةُ شَرودٌ، إن لم تُقَيَّد بالاعترافِ للمُنعِم، فَرَّت وزالَت. ولعلَّكم تسألون: ولماذا السُّجودُ تَحديداً؟ ألا يَكفي الشُّكرُ باللِّسان؟ الجوابُ في حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ حيث قال: «أقرَبُ ما يَكونُ العَبدُ مِن رَبِّهِ وهُوَ ساجِد» (رواه مسلم). في لَحظةِ الفَرَحِ العارِم، تَميلُ النَّفسُ البشريَّةُ إلى الطُّغيانِ والنِّسيان، فَيَأتي السُّجودُ ليَكسِرَ كِبرِياءَ النَّفس، ويُذَكِّرَها بحَجمِها الحقيقي. تَنزِلُ بأشرفِ مَوضِعٍ فيكَ إلى التُّراب، لِتَقول: أنا لا شيءَ بِدونِك يا رب. إنَّ الشَّيطانَ يَعرِفُ خُطورَةَ الشُّكر، ولذلك كانَ هَدَفُهُ الاستراتيجيُّ الأوَّلُ الذي أعلَنَهُ أمامَ اللهِ هو صَرفُ النَّاسِ عَن هذِهِ العِبادَة. قال تعالى حاكياً قولَ إبليس: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: 17]. لم يَقُل "ولا تَجدُ أكثَرَهم مُصَلِّين" بَل قال "شاكرين"؛ لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ الشُّكرَ هو غايَةُ الإيمان. وقد نَصَّ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمه الله على أنَّ "الشُّكرَ نِصفُ الإيمان، والصَّبرَ النِّصفُ الآخَر". ومِنَ العَجائِبِ أنَّ نَبيَّ اللهِ سُلَيمانَ عليه السَّلام، حينَ سَمِعَ قَولَ النَّملةِ ورأى نِعمَةَ اللهِ عليهِ في فَهمِ لُغَتِها، ماذا قال؟ ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ﴾ [سورة النمل: 19]. إنَّهُ يَسألُ اللهَ أن يُعينَهُ على الشُّكر، لأنَّ الشُّكرَ نَفسَهُ نِعمَةٌ تَحتاجُ إلى شُكر! يا مَن أنعَمَ اللهُ عليهِ بِصِحَّةٍ في بَدَنِه، ويا مَن رَزَقَهُ اللهُ ذُرِّيَّةً بَعدَ انتِظار، ويا مَن فَرَّجَ اللهُ كَربَهُ بَعدَ ضِيق.. أين أنتَ مِن قَولِ النَّبيِّ ﷺ لَمَّا قامَ اللَّيلَ حتَّى تَفَطَّرَت قَدَماه، فَقيلَ لَه: قَد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تَقَدَّمَ من ذَنبِكَ وما تَأخَّر! فقالَ ﷺ: «أفَلا أكُونُ عَبداً شَكُوراً» (متفق عليه). هل تظُنُّ أنَّ النَّجاحَ الذي حَقَّقتَهُ كان بِذَكائك؟ هل تَعتَقِدُ أنَّ المالَ الذي جَمَعتَهُ كان بشَطارَتِك؟ كيف نَأمَنُ زَوالَ النِّعَمِ ونحنُ عَن شُكرِها وافتِقارِنا فيها غافِلون؟ ماذا يَمنَعُكَ أن تَخِرَّ ساجِداً الآن في قَلبِك قَبلَ جَسَدِك، اعتِرافاً بِفَضلِهِ عليك؟ روي عن الحسنِ البَصريِّ رحمه الله أنَّهُ قال: "إنَّ اللهَ لَيُمَتِّعُ بالنِّعمَةِ ما شاء، فإذا لم يُشكَر عليها قَلَبَها عَذاباً". فاحذَروا أن تَتَحَوَّلَ نِعَمُكُم إلى مِحن، وأفراحُكُم إلى أحزان، بِسَبَبِ الغَفلَةِ عن السُّجودِ للمُنعِم. فيا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! ويا لَرَحمَةِ هذا الرَّبِّ الكَريم! يُعطيكَ الفَضلَ مِن عِندِه، ثمَّ يَطلُبُ مِنكَ أن تَشكُرَهُ لِيَزيدَك! ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم: 7]. فالشُّكرُ إذن ليسَ كَلِمَةً تُقالُ باللِّسانِ بَردًا وسَلاماً فَقَط، بَل هو جَبهَةٌ تُمَرَّغُ في التُّرابِ اعترافاً بِفَضلِ رَبِّ الأرباب. هو دَمعَةُ فَرَحٍ تَمتَزِجُ بغُبارِ السُّجود. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، نَشكُرُهُ على ما أعطى، ونَسألُهُ المَزيدَ مِن فَضلِه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أصدَقُ الشَّاكرينَ وأكرمُ السَّاجدين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ حقيقةِ "سَجدةِ الشُّكر"، وكيفَ أنَّها ليسَت مُجرَّدَ حَرَكَة، بَل هي إعلانُ افتقارٍ مُطلَقٍ للهِ تَعالى. ورَأينا كيفَ سَجَدَ النَّبيُّ ﷺ وكَعبُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه فورَ سَماعِ البُشرى، عُبوديَّةً ويَقيناً بأنَّ المِنَّةَ كُلَّها لله. والآن، إخوتي الأحبَّة، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَمّ: كيفَ نُتَرجِمُ هذا المَعنى ونُحيي هذه السُّنَّةَ المَهجورةَ في حياتِنا اليوميَّة؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): أَن تَستَحضِرَ في قَلبِكَ افتقارَكَ الكامِلَ للهِ في كُلِّ لَحظَة. اعلَم يقيناً أنَّ دَقَّاتِ قَلبِك، ودُخولَ الهَواءِ في رِئَتَيك، كُلُّهَا مَحْضُ مِنَّةٍ وفَضل. فمَن نَظَرَ إلى نَفسِهِ بِعَينِ الافتِقار، نَظَرَ اللهُ إليهِ بِعَينِ العَطاء. الثانية (لِسانيَّة): اجعَل كَلِمَةَ "الحَمدُ للهِ مِن قَبلُ ومِن بَعد" أوَّلَ ما يَقطَعُ صَمتَكَ عِندَ سَماعِ أيِّ خَبَرٍ سارّ. قال ﷺ: «مَن لَم يَشكُرِ القَليلَ لَم يَشكُرِ الكَثير» (رواه أحمد). عَوِّد لِسانَكَ ألَّا يَفتَر عن الثَّناءِ على رَبِّك. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): أَحْيُوا سُنَّةَ "سَجدةِ الشُّكر" فِعليّاً. إذا جاءَكَ ما يَسُرُّك، أو نَجَوتَ مِن حادِث، أو وُلِدَ لكَ مَولود، أو نَجَحتَ في عَمل.. خِرَّ ساجِداً للهِ مُباشَرَة. ولا يُشتَرَطُ لها طَهارَةٌ ولا قِبلَةٌ في أرجَحِ أقوالِ العُلَماء؛ لأنَّ المُفاجَأَةَ بالنِّعمَةِ لا تَحتَمِلُ التَّأخير. اسجُد مَكانَك، واحمَد رَبَّك. الرابعة (اجتماعيَّة): قَيِّد نِعمَةَ اللهِ بِنَفعِ خَلقِه. إذا أنعَمَ اللهُ عليك، فاشتَرِك مَع إخوانِكَ في الفَرَح بِصَدَقَةٍ أو عَفْوٍ أو مُساعَدة. الشُّكرُ الاجتِماعيُّ من أسبَب حِفظِ النِّعَم المُنَزَّلة. الخامسة (موضوعيَّة): عَلِّموا أبناءَكُم هذه السُّنَّةَ في بُيوتِكُم. إذا جاءَكَ ابنُكَ بِشهادَةِ نَجاحِه، لا تُبادِر بالاحتِفالِ المُجرَّد، بَل قُل لَه: "تَعالَ يا بُنَيّ، نَسجُدُ للهِ شُكراً أوَّلاً". اربِطوا قُلوبَ الأجيالِ بمُسَبِّبِ الأسبابِ قَبلَ الأسباب. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ الشُّكرَ حِصنٌ حَصين، ومَلجَأٌ مَتين، فَ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة: 152]. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَلَيه، فَقَد قال اللهُ جَلَّ وعَلا في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهمَّ اجعَلنا مِنَ الشَّاكرينَ لِنِعَمِك، المُثنينَ بِها عليك، القابلينَ لها، وأتمِمها علينا يا أرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهمَّ ارزُقنا سَجدةَ شُكرٍ تَبكي فيها عُيونُنا فَرَحاً بِواسِعِ فَضلِك وكَريمِ جُودِك. اللَّهمَّ أعِنَّا على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادَتِك، ولا تَجعَلنا مِنَ الغافِلين. اللَّهمَّ لا تَسلُبنا نِعمَةً أنعَمتَ بِها علينا بِشُؤمِ ذُنوبِنا، وتَجاوَز عَن قُصورِنا في شُكرِ نَعمائك. اللَّهمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، وارحَم مُستَضعَفي المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، وعَجِّل لَهُم بِفَرَجٍ يَخِرُّونَ لَهُ ساجِدينَ شُكراً لِعَظَمَتِك. اللَّهمَّ أحسِن خَواتيمَ أعمالِنا، واجعَل خَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك. عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.