من مكتبة مِداد الخطيب

تَحِيَّةُ الإِسلَامِ وَفَضِيلَةُ إِفشَاءِ السَّلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَكَانَةِ السَّلَامِ وَثَمَرَاتِهِ الإِيمَانِيَّةِ وَالاجتِمَاعِيَّةِ وَآدَابِهِ النَّبَوِيَّةِ

مشاركة
تَحِيَّةُ الإِسلَامِ وَفَضِيلَةُ إِفشَاءِ السَّلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَكَانَةِ السَّلَامِ وَثَمَرَاتِهِ الإِيمَانِيَّةِ وَالاجتِمَاعِيَّةِ وَآدَابِهِ النَّبَوِيَّةِ الحَمدُ للهِ المَلِكِ القُدُّوسِ السَّلَامِ، المُؤمِنِ المُهَيمِنِ العَزِيزِ الجَبَّارِ المُتَكَبِّرِ ذِي الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، الَّذِي سَمَّى نَفسَهُ السَّلَامَ، وَجَعَلَ دِينَهُ الإِسلَامَ، وَدَارَ كَرَامَتِهِ دَارَ السَّلَامِ، وَشَرَعَ لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ تَحِيَّةً مُبَارَكَةً طَيِّبَةً مِن عِندِهِ تُؤَلِّفُ بَينَ القُلُوبِ، وَتَغسِلُ صَدَأَ الصُّدُورِ، وَتَنشُرُ الأَمنَ وَالمَوَدَّةَ وَالوِئَامَ بَينَ الأَنَامِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ الذَّاكِرِينَ، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ المُخبِتِينَ الطَّائِعِينَ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]، وَالقَائِلِ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن أَيقَنَ أَنَّ شَرَائِعَ الإِسلَامِ وَآدَابَهُ مَا وُضِعَت إِلَّا لِإِصلَاحِ القُلُوبِ وَتَزكِيَةِ النُّفُوسِ وَبِنَاءِ المُجتَمَعِ المُتَرَاحِمِ المُتَمَاسِكِ الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ المُسلِمُ جَانِبَ أَخِيهِ المُسلِمِ عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ وَعِرضِهِ؛ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، كَانَ أَندَى النَّاسِ كَفًّا، وَأَطْلقَهُم وَجهًا، وَأَسبَقَهُم إِلَى إِلقَاءِ السَّلَامِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالغَنِيِّ وَالفَقِيرِ، وَالمَعرُوفِ وَالغَرِيبِ، وَجَعَلَ إِفشَاءَ السَّلَامِ مِفتَاحًا لِلمَحَبَّةِ الإِيمَانِيَّةِ وَطَرِيقًا مَوصِلًا إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ، فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، الَّذِينَ كَانُوا يَغدُونَ إِلَى الأَسوَاقِ لَا لِبَيعٍ وَلَا لِشِرَاءٍ، بَل لِيُفشُوا السَّلَامَ عَلَى مَن لَقُوا مِنَ المُسلِمِينَ ابتِغَاءَ مَرضَاةِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّمَسُّكِ بِسُنَّةِ نَبِيِّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي دَقِيقِ الأُمُورِ وَجَلِيلِهَا، وَإِحيَاءِ شَعَائِرِ الإِسلَامِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَجمَعُ الشَّملَ وَتُؤَلِّفُ القُلُوبَ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ شِعَارًا تَتَعَارَفُ بِهِ عِندَ اللِّقَاءِ، وَكَلِمَاتٍ يَحيِّي بِهَا بَعضُهُم بَعضًا فِي الغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ؛ وَلَكِنَّ تَحِيَّاتِ الأُمَمِ الأُخرَى مِن وَضعِ البَشَرِ وَاصطِلَاحِ العَادَاتِ، لَا تَتَجَاوَزُ مَجَامَلَةً لَفظِيَّةً عَابِرَةً لَا رُوحَ فِيهَا وَلَا أَجرَ عَلَيهَا! أَمَّا أُمَّةُ الإِسلَامِ، فَقَدِ اختَارَ اللهُ لَهَا مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ تَحِيَّةً رَبَّانِيَّةً مُبَارَكَةً، هِيَ عِبَادَةٌ وَدُعَاءٌ، وَذِكرٌ وَثَنَاءٌ، وَعَهدٌ بِالأَمَانِ وَالوَفَاءِ؛ إِنَّهَا تَحِيَّةُ الإِسلَامِ الخَالِدَةُ: «السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»! تَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- جَلَالَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ وَعُمقَ مَعَانِيهَا: فـ«السَّلَامُ» اسمٌ مِن أَسمَاءِ اللهِ الحُسنَى؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ». وَفِي الأَدَبِ المُفرَدِ لِلبُخَارِيِّ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ السَّلَامَ اسمٌ مِن أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَضَعَهُ فِي الأَرضِ، فَأَفشُوهُ بَينَكُم». فَحِينَ تَقُولُ لِأَخِيكَ: «السَّلَامُ عَلَيكُم»، فَإِنَّكَ تَذكُرُ اسمَ اللهِ عَلَيهِ، وَتَدعُو لَهُ بِالسَّلَامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ وَمَرَضٍ وَشَرٍّ فِي دِينِهِ وَدُنيَاهُ، وَتُعطِيهِ مِيثَاقًا غَلِيظًا بِأَنَّهُ سَالِمٌ آمِنٌ مِن يَدِكَ وَلِسَانِكَ، فَلَا يَنَالُهُ مِنكَ غَدرٌ وَلَا غِيبَةٌ وَلَا أَذًى! ثُمَّ تُتبِعُ السَّلَامَ بِـ«وَرَحمَةُ اللهِ»؛ فَتَسأَلُ اللهَ لَهُ الرَّحمَةَ الَّتِي بِهَا تُغفَرُ الذُّنُوبُ وَتُسترُ العُيُوبُ وَتُدفَعُ المَكارهُ! ثُمَّ تُتِمُّ النِّعمَةَ بِـ«وَبَرَكَاتُهُ»؛ فَتَسأَلُ اللهَ لَهُ النَّمَاءَ وَالزِّيَادَةَ وَالبَرَكَةَ فِي عُمُرِهِ وَعِلمِهِ وَمَالِهِ وَأَهلِهِ وَوَلَدِهِ! فَأَيُّ تَحِيَّةٍ عَلَى وَجهِ الأَرضِ تَجمَعُ بَينَ السَّلَامَةِ مِن كُلِّ مَكرُوهٍ، وَالرَّحمَةِ المَاحِيَةِ لِكُلِّ ذَنبٍ، وَالبَرَكَةِ المُنَمِّيَةِ لِكُلِّ خَيرٍ، سِوَى تَحِيَّةِ الإِسلَامِ؟! وَلِعِظَمِ شَأنِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ عِندَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، جَعَلَهَا أَوَّلَ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا أَبُونَا آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ سَاعَةَ نَفَخَ اللهُ فِيهِ الرُّوحَ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذهَب فَسَلِّم عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاستَمِع مَا يُحَيُّونَكَ؛ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ! فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيكَ وَرَحمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحمَةُ اللهِ». وَهِيَ تَحِيَّةُ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ وَالمَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن خَلِيلِهِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَ ضَيفِهِ مِنَ المَلَائِكَةِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩]. وَهِيَ التَّحِيَّةُ الَّتِي تُبَشِّرُ بِهَا المَلَائِكَةُ رُوحَ العَبدِ المُؤمِنِ عِندَ خُرُوجِهِ مِنَ الدُّنيَا؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. وَهِيَ تَحِيَّةُ خَزَنَةِ الجَنَّةِ لِأَهلِهَا يَومَ يُفتَحُ بَابُهَا: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وَتَحِيَّةُ أَهلِ الجَنَّةِ فِيمَا بَينَهُم فِي قُصُورِهَا وَرِيَاضِهَا: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠]، بَل هِيَ التَّحِيَّةُ العُظمَى الَّتِي يُكرِمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا أَولِيَاءَهُ فِي دَارِ الكَرَامَةِ: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]! فَعَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِمَن يَستَبدِلُ الَّذِي هُوَ أَدنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ! فَيَلقَى أَخَاهُ المُسلِمَ أَو يَدخُلُ مَجلِسَهُ أَو بَيتَهُ، فَيَعدِلُ عَن تَحِيَّةِ آدَمَ وَالأَنبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ وَأَهلِ الجَنَّةِ، لِيَقتَصِرَ عَلَى كَلِمَةِ «صَبَاحُ الخَيرِ» أَو «مَسَاءُ الخَيرِ» أَو «مَرحَبًا» أَو كَلِمَاتٍ أَعجَمِيَّةٍ جَوفَاءَ! لَا بَأسَ أَن تَقُولَ لِأَخِيكَ بَعدَ السَّلَامِ مَا شِئتَ مِن كَلِمَاتِ التَّرحِيبِ الطَّيِّبَةِ، وَلَكِن إِيَّاكَ أَن تَجعَلَهَا بَدِيلًا عَن تَحِيَّةِ الإِسلَامِ: «السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»! فَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ الكُبرَى وَمُسنَدِ أَحمَدَ وَالأَدَبِ المُفرَدِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ وَابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «السَّلَامُ قَبلَ الكَلَامِ». مَعَاشِرَ المُسلِمِينَ: لَقَد أَولَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ شَعِيرَةَ «إِفشَاءِ السَّلَامِ» عِنَايَةً فائِقَةً مُنذُ اللَّحظَةِ الأُولَى لِقُدُومِهِ المَدِينَةَ المُنَوَّرَةَ وَتَأسِيسِ المُجتَمَعِ الإِسلَامِيِّ؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ انجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ، فَجِئتُ فِي النَّاسِ لِأَنظُرَ إِلَيهِ، فَلَمَّا تَبَيَّنتُ وَجهَهُ عَرَفتُ أَنَّ وَجهَهُ لَيسَ بِوَجهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيءٍ سَمِعتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَن قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَفشُوا السَّلَامَ، وَأَطعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ»! انظُرُوا كَيفَ جَعَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ أُصُولِ بِنَاءِ المُجتَمَعِ المَدَنِيِّ المُسلِمِ: «أَفشُوا السَّلَامَ»! وَمَعنَى الإِفشَاءِ: النَّشرُ وَالإِذَاعَةُ وَالإِكثَارُ حَتَّى يَعُمَّ السَّلَامُ كُلَّ طَرِيقٍ وَمَجلِسٍ وَسُوقٍ وَبَيتٍ، وَحَتَّى يَشْمَلَ مَن عَرَفتَ وَمَن لَم تَعرِف! وَلِمَاذَا بَدَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِإِفشَاءِ السَّلَامِ؟ لِأَنَّ القُلُوبَ مَجبُولَةٌ عَلَى الوَحشَةِ وَالحَذَرِ مِنَ الغَرِيبِ، وَمُعَرَّضَةٌ لِلجَفَاءِ وَالشَّحنَاءِ مَعَ القَرِيبِ، وَلَا شَيءَ يُذِيبُ جَلِيدَ الوَحشَةِ، وَيَفتَحُ مَغَالِيقَ القُلُوبِ، وَيَزرَعُ المَحَبَّةَ الفَورِيَّةَ بَينَ المُسلِمِينَ مِثلُ إِفشَاءِ السَّلَامِ! استَمِعُوا إِلَى هَذِهِ المُعَادَلَةِ النَّبَوِيَّةِ العَجِيبَةِ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُم عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلتُمُوهُ تَحَابَبتُم؟ أَفشُوا السَّلَامَ بَينَكُم»! اللهُ أَكبَرُ! تَدَبَّرُوا هَذَا التَّسَلسُلَ النَّبَوِيَّ المُحكَمَ: إِفشَاءُ السَّلَامِ يُثمِرُ المَحَبَّةَ فِي القُلُوبِ، وَالمَحَبَّةُ تُكَمِّلُ الإِيمَانَ فِي الصُّدُورِ، وَالإِيمَانُ يُدخِلُ صَاحِبَهُ الجَنَّةَ دَارَ السُّرُورِ! وَكُلُّ ذَلِكَ يَبدَأُ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ لَا تُكَلِّفُكَ مَالًا وَلَا جُهدًا وَلَا وَقتًا: «السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»! وَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الإِسلَامِ خَيرٌ؟ قَالَ: «تُطعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَن عَرَفتَ وَمَن لَم تَعرِف»! قِفُوا عِندَ قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى مَن عَرَفتَ وَمَن لَم تَعرِف»؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ اليَومَ قَد يَمُرُّ بِالعَشَرَاتِ مِن إِخوَانِهِ المُسلِمِينَ فِي الشَّارِعِ أَو فِي المَصعَدِ أَو فِي رَدهَةِ المَسجِدِ أَوِ العَمَلِ، فَلَا يُلْقِي السَّلَامَ إِلَّا إِذَا رَأَى صَدِيقًا يَعرِفُهُ أَو قَرِيبًا يَأْلَفُهُ، وَأَمَّا مَن لَا يَعرِفُهُ فَيَمُرُّ بِهِ صَامِتًا كَأَنَّهُ جِدَارٌ أَو تِمثالٌ! وَمَا عَلِمَ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى مَن تَعرِفُهُ فَحَسبُ قَد يَكُونُ عَادَةً اجتِمَاعِيَّةً أَو مُجَامَلَةً شَخصِيَّةً، وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَى مَن لَا تَعرِفُهُ فَهُوَ عِبَادَةٌ خَالِصَةٌ للهِ، وَتَعظِيمٌ لِآصِرَةِ الإِسلَامِ الَّتِي تَجمَعُكَ بِهِ وَإِن لَم تَعرِفِ اسمَهُ وَلَا نَسَبَهُ! بَل لَقَد حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن تَخصِيصِ السَّلَامِ بِالمَعَارِفِ دُونَ غَيرِهِم وَجَعَلَهُ مِن عَلَامَاتِ السَّاعَةِ وَتَفَكُّكِ الأَوَاصِرِ؛ فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَصَحِيحِ ابنِ خُزَيمَةَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِن أَشرَاطِ السَّاعَةِ إِذَا كَانَتِ التَّحِيَّةُ عَلَى المَعرِفَةِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَن يُسَلِّمَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيهِ إِلَّا لِلمَعرِفَةِ»! عبادَ اللهِ: وَمَن أَرَادَ أَن يَعرِفَ عَظَمَةَ الغَنِيمَةِ الأُخرَوِيَّةِ فِي تَحِيَّةِ الإِسلَامِ، فَلْيَستَمِع إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم، فَرَدَّ عَلَيهِ السَّلَامَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «عَشرٌ»؛ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ، فَرَدَّ عَلَيهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: «عِشرُونَ»؛ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ثَلَاثُونَ»! ثَلَاثُونَ حَسَنَةً تُكتَبُ فِي صَحِيفَتِكَ فِي ثَانِيَتَينِ اثنَتَينِ بِلَا تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ! فَكَم مِن مِئَاتِ الحَسَنَاتِ وَالأُجُورِ يُضَيِّعُهَا المَرءُ عَلَى نَفسِهِ كُلَّ يَومٍ بِبُخلِ لِسَانِهِ أَوِ انشِغَالِ نَظرِهِ فِي هَاتِفِهِ عَنِ السَّلَامِ عَلَى إِخوَانِهِ؟! وَلِهَذَا كَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَتَّجِرُونَ مَعَ اللهِ بِهَذِهِ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ؛ فَفِي مُوَطَّإِ الإِمَامِ مَالِكٍ وَالأَدَبِ المُفرَدِ لِلبُخَارِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الطُّفَيلِ بنِ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ أَنَّهُ كَانَ يَأتِي عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فَيَغدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ، قَالَ الطُّفَيلُ: فَإِذَا غَدَونَا إِلَى السُّوقِ لَم يَمُرَّ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ عَلَى سَقَّاطٍ وَلَا صَاحِبِ بَيعَةٍ وَلَا مِسكِينٍ وَلَا أَحَدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيهِ! قَالَ الطُّفَيلُ: فَجِئتُ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ يَومًا فَاستَتبَعَنِي إِلَى السُّوقِ، فَقُلتُ لَهُ: وَمَا تَصنَعُ فِي السُّوقِ وَأَنتَ لَا تَقِفُ عَلَى البَيِّعِ، وَلَا تَسأَلُ عَنِ السِّلَعِ، وَلَا تَسُومُ بِهَا، وَلَا تَجلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ؟ وَأَقُولُ: اجلِس بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّث! فَقَالَ لِي عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: «يَا أَبَا بَطنٍ -وَكَانَ الطُّفَيلُ ذَا بَطنٍ- إِنَّمَا نَغدُو مِن أَجلِ السَّلَامِ، نُسَلِّمُ عَلَى مَن لَقِينَا»! يَا للهِ! صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ يَخرُجُ مِن بَيتِهِ إِلَى السُّوقِ لَا لِشِرَاءِ مَتَاعٍ وَلَا لِبَيعِ بِضَاعَةٍ، بَل لِيَجمَعَ الحَسَنَاتِ وَيُحيِيَ السُّنَّةَ بِإِلقَاءِ السَّلَامِ عَلَى كُلِّ مَن لَقِيَهُ مِن فَقِيرٍ وَغَنِيٍّ وَبَائِعٍ وَمِسكِينٍ! ثُمَّ إِنَّ البَدءَ بِالسَّلَامِ هُوَ الدَّوَاءُ الشَّافِي لِ دَاءِ القَطِيعَةِ وَالهَجرِ وَالشَّحنَاءِ بَينَ الإِخوَةِ وَالأَقَارِبِ وَالجِيرَانِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَن يَهجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلتَقِيَانِ فَيُعرِضُ هَذَا وَيُعرِضُ هَذَا، وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبدَأُ بِالسَّلَامِ». وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَولَى النَّاسِ بِاللهِ مَن بَدَأَهُم بِالسَّلَامِ». بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَبِسُنَّةِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي هَدَانَا لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ وَالآدَابِ، وَفَتَحَ لَنَا بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أَوسَعَ أَبوَابِ الثَّوَابِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَزِيزُ الوَهَّابُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أُولِي النُّهَى وَالأَلبَابِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الحِسَابِ. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ لِتَحِيَّةِ الإِسلَامِ فِقهًا وَآدَابًا نَبَوِيَّةً رَفِيعَةً، يَنبَغِي لِكُلِّ مُسلِمٍ أَن يَتَعَلَّمَهَا وَيُعَلِّمَهَا أَهلَهُ وَأَبنَاءَهُ حَتَّى تَظهَرَ جَمَالِيَّاتُ الإِسلَامِ فِي حَيَاتِنَا اليَومِيَّةِ: فَمِن تِلكَ الأَحكَامِ وَالآدَابِ: أَنَّ البَدءَ بِالسَّلَامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِيهَا الفَضلُ وَالسَّبقُ، وَأَمَّا رَدُّ السَّلَامِ فَهُوَ فَرضٌ وَاجِبٌ لَا يَجُوزُ تَركُهُ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «حَقُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ سِتٌّ»، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّم عَلَيهِ...». فَمَن سَلَّمَ عَلَيكَ بـِ«السَّلَامُ عَلَيكُم»، فَالوَاجِبُ أَن تَرُدَّ بِمِثلِهَا: «وَعَلَيكُمُ السَّلَامُ»، وَالأَفضَلُ وَالأَكمَلُ أَن تَحيِّيَ بِأَحسَنَ مِنهَا فَتَقُولَ: «وَعَلَيكُمُ السَّلَامُ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ» بِصَوتٍ مَسمُوعٍ وَوَجهٍ طَلِيقٍ مُبتَسِمٍ! وَمِن آدَابِ السَّلَامِ: مُرَاعَاةُ التَّرتِيبِ النَّبَوِيِّ الَّذِي يَحفَظُ التَّوَاضُعَ وَالوَقَارَ فِي المُجتَمَعِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ»، وَفِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ». فَالرَّاكِبُ يَبدَأُ المَاشِيَ شُكرًا للهِ عَلَى نِعمَةِ المَركَبِ وَتَوَاضُعًا لِأَخِيهِ، وَالصَّغِيرُ يَبدَأُ الكَبِيرَ تَوقِيرًا لِشَيبتِهِ وَمَقَامِهِ، وَإِن بَدَأَ الكَبِيرُ أَوِ القَاعِدُ فَلَهُ فَضلُ السَّبقِ! وَمِن أَعظَمِ آدَابِ السَّلَامِ الَّتِي يَغفُلُ عَنهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: إِلقَاءُ السَّلَامِ عِندَ دُخُولِ البَيتِ عَلَى الأَهلِ وَالزَّوجَةِ وَالأَولَادِ، وَحتَّى إِن كَانَ البَيتُ خَالِيًا فَيُسَلِّمُ الدَّاخِلُ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَا بُنَيَّ، إِذَا دَخَلتَ عَلَى أَهلِكَ فَسَلِّم، يَكُن بَرَكَةً عَلَيكَ وَعَلَى أَهلِ بَيتِكَ»! وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرَّ بِالصِّبيَانِ الصِّغَارِ فِي الطَّرِيقِ بَادَرَهُم بِالسَّلَامِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ تَربِيَةً لَهُم عَلَى السُّنَّةِ، وَتَكرِيمًا لِشَخصِيَّتِهِم، وَتَوَاضُعًا مِنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَمِن كَمَالِ السُّنَّةِ فِي السَّلَامِ: أَن يَسَلِّمَ المَرءُ إِذَا دَخَلَ المَجلِسَ، وَأَن يُسَلِّمَ كَذَلِكَ إِذَا قَامَ مُنصَرِفًا مِنهُ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا انتَهَى أَحَدُكُم إِلَى مَجلِسٍ فَلْيُسَلِّم، فَإِذَا أَرَادَ أَن يَقُومَ فَلْيُسَلِّم، فَلَيسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ». وَأَن يَقرِنَ سَلَامَهُ عِندَ اللِّقَاءِ بِبَشَاشَةِ الوَجهِ وَالمُصَافَحَةِ الحَارَّةِ الَّتِي تَتَحَاتُّ بِهَا الخَطَايَا؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِن مُسلِمَينِ يَلتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبلَ أَن يَتَفَرَّقَا»! فَأَحيُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- سُنَّةَ نَبِيِّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَأَفشُوا السَّلَامَ فِي بُيُوتِكُم وَطُرُقَاتِكُم وَمَسَاجِدِكُم وَأَسوَاقِكُم، عَلَى مَن عَرَفتُم وَمَن لَم تَعرِفُوا؛ تَأْتَلِف قُلُوبُكُم، وَتَعظُم أُجُورُكُم، وَتَدخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُم بِسَلَامٍ! هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالسَّلَامِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَنتَ السَّلَامُ، وَمِنكَ السَّلَامُ، تَبَارَكتَ وَتَعَالَيتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، اللَّهُمَّ اهدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَأَخرِجنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَأَلِّف بَينَ قُلُوبِنَا، وَأَصلِح ذَاتَ بَينِنَا، وَانزَعِ الغِلَّ وَالحِقدَ وَالشَّحنَاءَ مِن صُدُورِنَا، وَأَدخِلنَا الجَنَّةَ دَارَ السَّلَامِ بِسَلَامٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَاحمِ حَوزَةَ الدِّينِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ، وَفرِّج هَمَّ المَهمُومِينَ، وَاشفِ مَرضَانَا وَمَرضَى المُسلِمِينَ، وَارحَم مَوتَانَا وَمَوتَى المُسلِمِينَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.