وَعِبَادُ الرَّحمَنِ الَّذِينَ يَمشُونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن سَكِينَةِ المُؤمِنِ وَحِلمِهِ عَنِ السُّفَهَاءِ وَجَمعِهِ بَينَ التَّوَاضُعِ وَالغَضَبِ لِحُرُمَاتِ اللهِ
الحَمدُ للهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، العَزِيزِ الحَكِيمِ، الَّذِي شَرَّفَ أَولِيَاءَهُ الصَّادِقِينَ بِنِسبَتِهِم إِلَى اسمِهِ العَظِيمِ فَسَمَّاهُم «عِبَادَ الرَّحمَنِ»، وَكسَاهُم فِي مَشيِهِم وَحَرَكَاتِهِم حُلَلَ السَّكِينَةِ وَالوَقَارِ وَالإِيمَانِ، وَطَهَّرَ أَلسِنَتَهُم مِن مُجَارَاةِ السُّفَهَاءِ وَأَهلِ الطَّيشِ وَالبُهتَانِ، وَمَلَأَ قُلُوبَهُم غَيرَةً عَلَى دِينِهِ وَغَضَبًا لِحُرُمَاتِهِ إِذَا انتَهَكَهَا أَهلُ الزَّيغِ وَالعِصيَانِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ الذَّاكِرِينَ، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ المُخبِتِينَ الخَاشِعِينَ، القَائِلِ فِي مُحكَمِ الكِتَابِ المُبِينِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وَالقَائِلِ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠].
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن أَيقَنَ أَنَّ كَمَالَ الشَّخصِيَّةِ الإِيمَانِيَّةِ فِي الجَمعِ بَينَ التَّوَاضُعِ فِي غَيرِ مَذَلَّةٍ، وَالعِزَّةِ فِي غَيرِ كِبرٍ، وَالحِلمِ عَن حُظُوظِ النَّفسِ، وَالحَمِيَّةِ الصَّادِقَةِ لِحُدُودِ اللهِ وَشَرَائِعِهِ؛ كَمَا وَصَفَ اللهُ سُبحَانَهُ صَفوَةَ عِبَادِهِ فَقَالَ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].
وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَقُدوَتَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، سَيِّدُ عِبَادِ الرَّحمَنِ وَإِمَامُهُم، كَانَ أَحلَمَ النَّاسِ عَن جَهلِ الجَاهِلِينَ فِي حَقِّ نَفسِهِ، فَلَا يَجزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِن يَعفُو وَيَصفَحُ، فَإِذَا انتُهِكَت حُرمَةٌ مِن حُرُمَاتِ اللهِ احمَرَّ وَجهُهُ الشَّرِيفُ وَتَمَعَّرَ غَيرَةً للهِ وَلَم يَقُم لِغَضَبِهِ شَيءٌ حَتَّى يَنتَصِرَ لِلحَقِّ؛ فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، الَّذِينَ كَانُوا أَسوَدَ الحَقِّ عِندَ انتِهَاكِ الحُرُمَاتِ، وَيَنَابِيعَ الحِلمِ وَالرَّحمَةِ مَعَ الخَلقِ فِي المُعَامَلَاتِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخلَاقِ عِبَادِ الرَّحمَنِ الَّتِي رَسَمَهَا القُرآنُ الكَرِيمُ مَنَارًا لِلسَّائِرِينَ إِلَى الفِردَوسِ الأَعلَى؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ الفُرقَانِ، بَعدَ أَن ذَكَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى استِكبَارَ المُعرِضِينَ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمُ: اسجُدُوا لِلرَّحمَنِ، قَالُوا: وَمَا الرَّحمَنُ؟ أَعقَبَ اللهُ ذَلِكَ بِلوحَةٍ قُرآنِيَّةٍ بَاهِرَةِ الجَمَالِ، يَعرِضُ فِيهَا صِفَاتِ أَولِيَائِهِ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ عَرَفُوا الرَّحمَنَ فَعَبَدُوهُ، وَأَحَبُّوهُ فَأَطَاعُوهُ، وَاستَهلَّ تِلكَ الصِّفَاتِ العَظِيمَةَ بِأَظهرِ مَا يَبدُو عَلَى الإِنسَانِ فِي مُجتَمَعِهِ مِن هَيئَةِ سَيرِهِ وَمَنطِقِ لِسَانِهِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
يَا لَهُ مِن شَرَفٍ بَاذِخٍ، وَوسَامٍ رَبَّانِيٍّ لَا يَعدِلُهُ وِسَامٌ: أَن يُضِيفَكَ اللهُ إِلَى نَفسِهِ إِضَافَةَ تَشرِيفٍ وَتَكرِيمٍ وَمَحَبَّةٍ فَيَقُولَ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾! فَلَمَّا نُسِبُوا إِلَى «الرَّحمَنِ» سَرَت فِي أَروَاحِهِم وَأَخلَاقِهِم وَمِشيَتِهِم آثَارُ الرَّحمَةِ وَالسَّكِينَةِ وَاللُّطفِ!
وَانظُرُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- إِلَى الصِّفَةِ الأُولَى مِن صِفَاتِهِم: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾؛ فَمَا مَعنَى «الهَونِ» هُنَا؟
قَالَ أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ مِنَ السَّلَفِ كَابنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالحَسَنِ البَصرِيِّ وَقَتَادَةَ رَحِمَهُمُ اللهُ كَمَا فِي تَفسِيرِ الطَّبَرِيِّ وَابنِ كَثِيرٍ: «أَي يَمشُونَ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ وَالتَّوَاضُعِ، غَيرَ مُستَكبِرِينَ وَلَا مُتَجَبِّرِينَ وَلَا سَاعِينَ فِيهَا بِالفَسَادِ وَالأَشَرِ وَالبَطَرِ»؛ مِشيَةً تُترجِمُ خُشُوعَ القَلبِ للهِ، وَتَمتَثِلُ وَصِيَّةَ اللهِ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧].
وَلَكِن حَذَارِ ثُمَّ حَذَارِ أَن يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ المَشيَ «هَونًا» يَعنِي مِشيَةَ المَرِيضِ المُتَمَاوِتِ، أَوِ الذَّلِيلِ المُنكَسِرِ، أَوِ الكَسُولِ المُتَثَاقِلِ الَّذِي يَجُرُّ قَدَمَيهِ جَرًّا! كَلَّا وَاللهِ؛ فَالَهُونُ بِفَتحِ الهَاءِ هُوَ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ وَالرِّفقُ مَعَ القُوَّةِ وَالعِزَّةِ، وَأَمَّا الهُونُ بِضَمِّ الهَاءِ فَهُوَ الذُّلُّ وَالهَوَانُ، وَالمُؤمِنُ عَزِيزٌ قَوِيٌّ لَا يَعرِفُ الذُّلَّ إِلَّا لِرَبِّهِ!
تَأَمَّلُوا قِصَّةَ مِشيَةِ سَيِّدِ عِبَادِ الرَّحمَنِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي وَصفِ مِشيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنحَطُّ مِن صَبَبٍ»، وَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: «وَمَا رَأَيتُ أَحَدًا أَسرَعَ فِي مِشيَتِهِ مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كَأَنَّمَا الأَرضُ تُطوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجهِدُ أَنفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيرُ مُكتَرِثٍ»! مِشيَةُ الهِمَّةِ وَالعَزمِ وَالقُوَّةِ المَحفُوفَةِ بِالتَّوَاضُعِ وَالسَّكِينَةِ بِلَا خُيَلَاءَ وَلَا تَبَختُرٍ!
وَاسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ عَنِ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا أَورَدَهَا ابنُ كَثِيرٍ وَالقُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: رَأَى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ شَابًّا يَمشِي رُوَيدًا مُطَأطِئًا رَأسَهُ يَتَصَنَّعُ الضَّعفَ وَالمَسْكَنَةَ ظَنًّا مِنهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الزُّهدِ وَالتَّقوَى، فَنَادَاهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَا هَذَا، أَمَرِيضٌ أَنتَ؟» قَالَ: لَا يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! فَعَلَاهُ عُمَرُ بِدِرَّتِهِ وَقَالَ لَهُ: «ارفَع رَأسَكَ وَامشِ القَصدَ، فَإِنَّ الدِّينَ لَيسَ بِمَرِيضٍ، وَلَا تُمِت عَلَينَا دِينَنَا أَمَاتَكَ اللهُ»! وَرَأَت أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا رَجُلًا يَتَمَاوَتُ فِي مِشيَتِهِ وَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ مِنَ القُرَّاءِ، فَقَالَت رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ سَيِّدَ القُرَّاءِ؛ كَانَ إِذَا مَشَى أَسرَعَ، وَإِذَا قَالَ أَسمَعَ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوجَعَ، وَإِذَا أَطعَمَ أَشبَعَ، وَكَانَ هُوَ النَّاسِكَ حَقًّا»!
مَعَاشِرَ المُسلِمِينَ: ثُمَّ انتَقِلُوا بِنَا إِلَى الشَّطرِ الثَّانِي مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾!
لَيسَ المَقصُودُ بِـ«الجَاهِلِينَ» هُنَا مَن لَا يَقرَأُ وَلَا يَكتُبُ؛ فَرُبَّ حَامِلِ شَهَادَاتٍ دُنيَوِيَّةٍ عُليَا وَهُوَ مِن أَجهَلِ الجَاهِلِينَ إِذَا طَاشَ عَقلُهُ وَبَذُؤَ لِسَانُهُ وَاعتَدَى عَلَى النَّاسِ! وَإِنَّمَا الجَاهِلُ فِي لُغَةِ القُرآنِ وَالعَرَبِ هُوَ السَّفِيهُ الطَّائِشُ الَّذِي يَجهَلُ قَدرَ الأَدَبِ فَيَشتِمُ وَيَسُبُّ وَيَستَفِزُّ؛ وَفِي مُقَابِلِ هَذَا الجَهلِ وَالسَّفَهِ يَقِفُ عَبدُ الرَّحمَنِ شامِخًا بِحِلمِهِ، تَرَفُّعًا عَنِ الدَّنَايَا، فَلَا يَنزِلُ إِلَى وَحلِ السِّبَابِ، وَلَا يُقَابِلُ الفُحشَ بِالفُحشِ، بَل يَقُولُ «سَلَامًا»؛ أَي: قَولًا سَدِيدًا سَالِمًا مِنَ الإِثمِ وَالفُحشِ، يُطفِئُ بِهِ نَارَ الفِتنَةِ، وَيَصُونُ بِهِ كَرَامَةَ نَفسِهِ وَصَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ؛ كَمَا قَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفسِيرِهَا: «حُلَمَاءُ لَا يَجهَلُونَ، وَإِن جُهِلَ عَلَيهِم حَلُمُوا»!
وَمَا أَروَعَ القِصَصَ وَالمَوَاقِفَ الخَالِدَةَ الَّتِي سَطَّرَتهَا السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ وَتَارِيخُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي هَذَا المَيدَانِ:
فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كُنتُ أَمشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيهِ بُردٌ نَجرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدرَكَهُ أَعرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرتُ إِلَى صَفحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد أَثَّرَت بِهَا حَاشِيَةُ البُردِ مِن شِدَّةِ جَبذَتِهِ! ثُمَّ قَالَ بِغلظَةٍ وَجَفَاءٍ: يَا مُحَمَّدُ، مُر لِي مِن مَالِ اللهِ الَّذِي عِندَكَ! فَمَاذَا فَعَلَ سَيِّدُ عِبَادِ الرَّحمَنِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَحَولَهُ أَصحَابُهُ الَّذِينَ يَفدُونَهُ بِأَروَاحِهِم؟ قَالَ أَنَسٌ: «فَالتَفَتَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ»!
وَفِي صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ وَمُعجَمِ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ قِصَّةُ الحَبرِ اليَهُودِيِّ زَيدِ بنِ سَعنَةَ قَبلَ إِسلَامِهِ؛ قَالَ زَيدٌ: لَم يَبقَ مِن عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيءٌ إِلَّا وَقَد عَرَفتُهَا فِي وَجهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَظَرتُ إِلَيهِ إِلَّا اثنَتَينِ لَم أَخبُرهُمَا مِنهُ: يَسبِقُ حِلمُهُ جَهلَهُ، وَلَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الجَهلِ عَلَيهِ إِلَّا حِلمًا! فَأَسلَفَ زَيدٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ دَرَاهِمَ فِي تَمرٍ إِلَى أَجَلٍ مَعلُومٍ، فَلَمَّا كَانَ قَبلَ مَحِلِّ الأَجَلِ بِيَومَينِ أَو ثَلَاثَةٍ أَتَاهُ زَيدٌ فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ، وَنَظَرَ إِلَيهِ بِوَجهٍ غَلِيظٍ وَقَالَ: أَلَا تَقضِينِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي؟ فَوَاللهِ مَا عَلِمتُكُم يَا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ لَمُطلٌ!
فَانتَفَضَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَنَظَرَ إِلَيهِ وَعَينَاهُ تَدُورَانِ فِي وَجهِهِ كَالفَلَكِ المُستَدِيرِ وَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللهِ، أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَا أَسمَعُ وَتَصنَعُ بِهِ مَا أَرَى؟ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَولَا مَا أُحَاذِرُ فَوتَهُ لَضَرَبتُ بِسَيفِي رَأسَكَ! وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَنظُرُ إِلَى عُمَرَ فِي سُكُونٍ وَتُؤَدَةٍ وَتَبَسُّمٍ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّا كُنَّا إِلَى غَيرِ هَذَا مِنكَ أَحوَجَ يَا عُمَرُ: أَن تَأمُرَنِي بِحُسنِ الأَدَاءِ، وَتَأمُرَهُ بِحُسنِ التَّبَاعَةِ! اذهَب بِهِ يَا عُمَرُ فَاقضِهِ حَقَّهُ، وَزِدهُ عِشرِينَ صَاعًا مِن تَمرٍ مَكَانَ مَا رُعتَهُ»! فَلَمَّا رَأَى زَيدٌ ذَلِكَ الحِلمَ النَّبَوِيَّ الَّذِي لَا تَقُومُ لَهُ الجِبَالُ، قَالَ لِعُمَرَ: «أَشهَدُكَ يَا عُمَرُ أَنِّي قَد رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا، وَأَشهَدُكَ أَنَّ شَطرَ مَالِي -فَإِنِّي أَكثَرُهَا مَالًا- صَدَقَةٌ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»!
وَانظُرُوا إِلَى قِصَّةِ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكرٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَعجَبُ وَيَتَبَسَّمُ لِحِلمِ أَبِي بَكرٍ وَصَمتِهِ، فَلَمَّا أَكثَرَ الرَّجُلُ رَدَّ عَلَيهِ أَبُو بَكرٍ بَعضَ قَولِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ يَشتِمُنِي وَأَنتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدتُ عَلَيهِ بَعضَ قَولِهِ غَضِبتَ وَقُمتَ! قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنكَ، فَلَمَّا رَدَدتَ عَلَيهِ بَعضَ قَولِهِ وَقَعَ الشَّيطَانُ، فَلَم أَكُن لِأَقعُدَ مَعَ الشَّيطَانِ»!
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ: مَا دُمتَ صَابِرًا حَلِيمًا مُعرِضًا عَنِ الجَاهِلِ الَّذِي يَشتِمُكَ، فَإِنَّ اللهَ يُسَخِّرُ مَلَكًا مِنَ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ يُدَافِعُ عَنكَ وَيَرُدُّ عَلَى شَاتِمِكَ!
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قِصَّةُ عُيَينَةَ بنِ حِصنٍ حِينَ دَخَلَ عَلَى أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَالَ بِجَفَاءِ الأَعرَابِ: هِيْ يَا ابنَ الخَطَّابِ، فَوَاللهِ مَا تُعطِينَا الجَزلَ وَلَا تَحكُمُ بَينَنَا بِالعَدلِ! فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَن يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ بنُ قَيسٍ وَكَانَ مِن أَهلِ القُرآنِ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ! قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: «فَوَاللهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِندَ كِتَابِ اللهِ»!
وَهَكَذَا كَانَ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللهُ: فَفِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ وَسِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ الإِمَامَ زَينَ العَابِدِينَ عَلِيَّ بنَ الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَافتَرَى عَلَيهِ، فَأَقبلَ عَلَيهِ زَينُ العَابِدِينَ بِوَجهٍ هَادِئٍ وَقَالَ: «يَا هَذَا، إِن كُنتَ صَادِقًا فِيمَا قُلتَ فَيَغفِرُ اللهُ لِي، وَإِن كُنتَ كَاذِبًا فِيمَا قُلتَ فَيَغفِرُ اللهُ لَكَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكَ»! فَذَابَ الرَّجُلُ خَجَلًا وَقَبَّلَ رَأسَهُ وَقَالَ: بَل أَنَا الكَاذِبُ الآثِمُ يَا ابنَ رَسُولِ اللهِ!
وَشَتَمَ رَجُلٌ الإِمَامَ الشَّعبِيَّ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّعبِيُّ: «إِن كُنتُ كَمَا قُلتَ فَيَغفِرُ اللهُ لِي، وَإِن لَم أَكُن كَمَا قُلتَ فَيَغفِرُ اللهُ لَكَ»! وَتبِعَ رَجُلٌ سَفِيهٌ سَيِّدَ الحُلَمَاءِ الأَحنَفَ بنَ قَيسٍ رَحِمَهُ اللهُ يَشتِمُهُ طُولَ الطَّرِيقِ وَالأَحنَفُ صَامِتٌ يَمشِي هَونًا، فَلَمَّا قَارَبَ الأَحنَفُ مَحَلَّةَ قَومِهِ وَقَفَ وَالتَفَتَ إِلَى الشَّاتِمِ وَقَالَ لَهُ بِلُطفٍ: «يَا أَخِي، إِن كَانَ قَد بَقِيَ فِي نَفسِكَ شَيءٌ فَقُلْهُ هَاهُنَا قَبلَ أَن يَسمَعَكَ سُفَهَاءُ الحَيِّ فَيُؤذُوكَ»!
وَللهِ دَرُّ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ صَوَّرَ هَذَا الخُلُقَ القُرآنِيَّ فَقَالَ:
يُخَاطِبُنِي السَّفِيهُ بِكُلِّ قُبحٍ ... فَأَكرَهُ أَن أَكُونَ لَهُ مُجِيبَا
يَزِيدُ سَفَاهَةً فَأَزِيدُ حِلمًا ... كَعُودٍ زَادَهُ الإِحرَاقُ طِيبَا
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي جَمَعَ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الصَّادِقِينَ بَينَ الرَّحمَةِ وَالحِلمِ فِي حُظُوظِ النُّفُوسِ، وَبَينَ العِزَّةِ وَالغَضَبِ للهِ إِذَا انتُهِكَت حُرُمَاتُ القُدُّوسِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَانتَبِهُوا إِلَى حَقِيقَةٍ عَظِيمَةٍ فَرَّقَت بَينَ الحِلمِ المَحمُودِ وَالخَوَرِ المَذمُومِ؛ فَإِنَّ بَعضَ النَّاسِ قَد يَسمَعُ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، فَيَظُنُّ أَنَّ عِبَادَ الرَّحمَنِ قَومٌ بَارِدُو الإِحسَاسِ، مَيِّتُو الغَيرَةِ، لَا يَغضَبُونَ أَبَدًا حَتَّى لَو سُبَّ الدِّينُ أَمَامَ أَعيُنِهِم، أَوِ استُهزِئَ بِآيَاتِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أَوِ انتُهِكَت مَحَارِمُ اللهِ وَأُكِلَت حُقُوقُ الضُّعَفَاءِ!
حَاشَا وَكَلَّا يَا عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الحِلمَ وَالتَّغَافُلَ وَقَولَ «سَلَامًا» إِنَّمَا يَكُونُ حِينَ يَكُونُ الخِطَابُ وَالإِسَاءَةُ فِي «حَظِّكَ الشَّخصِيِّ» وَشَأنِكَ الدُّنيَوِيِّ؛ وَأَمَّا إِذَا مُسَّ جَنَابُ التَّوحِيدِ، أَوِ انتُهِكَت حُرمَةٌ مِن حُرُمَاتِ اللهِ، أَوِ اعتُدِيَ عَلَى ثَوَابِتِ الشَّرعِ وَحُدُودِهِ، فَهُنَالِكَ يَستَحِيلُ الحِلمُ البَارِدُ خِذلَانًا وَمَذَلَّةً، وَيَجِبُ «الغَضَبُ للهِ» وَالغَيرَةُ لِحُرُمَاتِ اللهِ!
استَمِعُوا إِلَى هَذَا المِيزَانِ النَّبَوِيِّ الدَّقِيقِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: «مَا انتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِنَفسِهِ فِي شَيءٍ قَطُّ، إِلَّا أَن تُنتَهَكَ حُرمَةُ اللهِ فَيَنتَقِمَ للهِ بِهَا»! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ احمَرَّت عَينَاهُ، وَعَلَا صَوتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنذِرُ جَيشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُم وَمَسَّاكُم»!
فَذَلِكَ النَّبِيُّ الحَلِيمُ الَّذِي تَبَسَّمَ لِلأَعرَابِيِّ حِينَ جَبَذَ رِدَاءَهُ، هُوَ نَفسُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّذِي غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حِينَ أَرَادَ قَومٌ تَعطِيلَ حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ وَمُحَابَاةَ الشَّرِيفِ عَلَى حِسَابِ الضَّعِيفِ فِي قِصَّةِ المَرأَةِ المَخزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَت؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ قُرَيشًا أَهَمَّهُم شَأنُ المَرأَةِ المَخزُومِيَّةِ، فَكَلَّمُوا فِيهَا حِبَّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ، تَلَوَّنَ وَجهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا لِحُرُمَاتِ اللهِ وَقَالَ: «أَتَشفَعُ فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ؟!»، ثُمَّ قَامَ فَاخطَبَ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَهلَكَ الَّذِينَ قَبلَكُم أَنَّهُم كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيهِ الحَدَّ؛ وَايمُ اللهِ لَو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعتُ يَدَهَا»!
وَهُوَ نَفسُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّذِي غَضِبَ لِحِمَى التَّوحِيدِ كَمَا فِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَالأَدَبِ المُفرَدِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا حِينَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئتَ! فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَجَعَلتَنِي للهِ نِدًّا؟! قُل: مَا شَاءَ اللهُ وَحدَهُ»!
وَهُوَ نَفسُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّذِي غَضِبَ رَحمَةً بِالأُمَّةِ وَحِفظًا لِشَرِيعَةِ التَّيسِيرِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ شَكَا إِلَيهِ رَجُلٌ تَطوِيلَ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ؛ قَالَ أَبُو مَسعُودٍ: «فَمَا رَأَيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي مَوعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنهُ يَومَئِذٍ»!
وَانظُرُوا إِلَى أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: كَانَ أَرَقَّ النَّاسِ قَلبًا وَأَسرَعَهُم دَمعَةً وَأَوسَعَهُم حِلمًا عَمَّن آذَاهُ فِي نَفسِهِ؛ فَلَمَّا انتُهِكَت حُرُمَاتُ اللهِ بَعدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَرَادَ المَانِعُونَ إِسقَاطَ رُكنِ الزَّكَاةِ مِنَ الإِسلَامِ، انتَفَضَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الحَلِيمُ الرَّحِيمُ كَالأَسَدِ الهَصُورِ غَضَبًا لِدِينِ اللهِ وَقَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ وَجَامِعِ التِّرمِذِيِّ: «أَيَنقُصُ الدِّينُ وَأَنَا حَيٌّ؟! وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَاللهِ لَو مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلتُهُم عَلَى مَنعِهَا»!
وَلِهَذَا قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِيمَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ كَلِمَتَهُ الحَاسِمَةَ: «مَنِ استُغضِبَ فَلَم يَغضَب فَهُوَ حِمَارٌ، وَمَنِ استُرضِيَ فَلَم يَرضَ فَهُوَ شَيطَانٌ»! يَعنِي: مَن رَأَى حُرُمَاتِ اللهِ تُنتَهَكُ وَشَرَائِعَهُ تُستَهدَفُ فَلَم يَتَحَرَّك فِي قَلبِهِ غَضَبٌ للهِ وَلَا غَيرَةٌ عَلَى الحَقِّ فَقَد فَقَدَ إِحسَاسَ الإِيمَانِ، وَمَن اعتَذَرَ إِلَيهِ أَخُوهُ فِي حَقٍّ شَخصِيٍّ وَاستَرضَاهُ فَأَبَى أَن يَرضَى وَيَعفُوَ فَقَد أَطَاعَ الشَّيطَانَ!
وَلَمَّا أَتمَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصفَ عِبَادِ الرَّحمَنِ فِي مَشيِهِم هَونًا وَقَولِهِم سَلَامًا لِلجَاهِلِينَ بالنهار، أَتبَعَهُ فَوْرًا بِسِرِّ قُوَّتِهِم وَثَبَاتِهِم فِي اللَّيلِ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]، وَقَالَ فِيهِم: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]؛ لِنَعلَمَ أَنَّ مَن سَجَدَ لِرَبِّهِ بِاللَّيلِ خَاشِعًا، مَشَى عَلَى الأَرضِ بِالنَّهَارِ مُتَوَاضِعًا، وَتَرَفَّعَ عَنِ السُّفَهَاءِ حَلِيمًا، وَذَادَ عَن حُرُمَاتِ اللهِ عَزِيزًا كَرِيمًا!
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى سَيِّدِ عِبَادِ الرَّحمَنِ، وَإِمَامِ أَهلِ التَّقوَى وَالإِحسَانِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِن عِبَادِكَ عِبَادِ الرَّحمَنِ، الَّذِينَ يَمشُونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا، وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِم سُجَّدًا وَقِيَامًا، اللَّهُمَّ اهدِنَا لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنتَ، وَاصرِف عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنتَ، اللَّهُمَّ ارزُقنَا الحِلمَ وَالعِلمَ وَالسَّكِينَةَ وَالوَقَارَ، وَاجعَل غَضَبَنَا لَكَ وَحُبَّنَا فِيكَ، وَاجعَلنَا مِنَ المُعَظِّمِينَ لِحُرُمَاتِكَ وَشَعَائِرِكَ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا هَب لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا، وَاجزِنَا الغُرفَةَ بِمَا صَبَرنَا مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَاحمِ حَوزَةَ الدِّينِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
وَعِبَادُ الرَّحمَنِ الَّذِينَ يَمشُونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.