من مكتبة مِداد الخطيب

وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.. حقيقةُ الإيمانِ ومِحَكُّ القُلوب

مشاركة
🕌 وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.. حقيقةُ الإيمانِ ومِحَكُّ القُلوب#خطبة_جمعة #التسليم_لله #طاعة_الرسول #الإيمان #العقيدة #الصحابةالحمدُ للهِ الذي أنزَلَ الكِتابَ تِبيانًا لِكلِّ شيءٍ وهُدًى ورَحمةً للمسلمين، الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ طاعةَ رَسولِهِ طاعةً له، وجَعَلَ التَّسليمَ لأمرِهِ مِحَكًّا تُختَبَرُ بهِ قُلوبُ المُدَّعين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، شَرَعَ فأحكَم، وقَضى فَعَدَل، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسولُه، أصدَقُ مَن نَطَقَ بالضَّاد، وأكمَلُ مَن أطاعَ وانقاد، مَن يُطِعْهُ فقد رَشَد، ومَن يَعصِهِ فقد غَوى وبَعُد. صلَّى اللهُ عليهِ، وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الأبرار، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ ما تَعاقَبَ اللَّيلُ والنَّهار. أمَّا بعدُ:يا عبادَ الله، كَثيرون هُمُ الذين يَدَّعونَ مَحبَّةَ اللهِ ورَسولِه. والمَدائِحُ على الألسِنَةِ سَهلة، والدَّعاوى عريضة. لكنَّ الإيمانَ ليس كَلِماتٍ تُردَّد، ولا شِعاراتٍ تُرفَع. الإيمانُ له مِيزانٌ دقيق، ومِحَكٌّ كاشف، ولَحظةُ اختِبارٍ لا يَنجَحُ فيها إلَّا الصَّادقون. هذا الاختِبارُ ليس في رَكَعاتٍ تُصَلِّيها وأنت مُرتاح، ولا في صَدقةٍ تُخرِجُها من فائضِ مالِك. الاختِبارُ الحقيقيُّ يَبدأُ حِينَ يَصطَدِمُ أمرُ اللهِ ورَسولِهِ مع هَواك، ومع عاداتِك، ومع مَصلَحَتِك الماديَّة، ومع ما تَهواهُ نَفسُك. فما هي الآيةُ المُفزِعَةُ التي أرسى بها القُرآنُ هذه الحقيقة؟ وكيفَ كانَ الصَّحابةُ يَرتَجِفونَ عندَ سَماعِ النَّصِّ النَّبويّ؟ تَعالَوا نَقف اليومَ أمامَ مِيزانِ القُلوب.إخوتي في الله، تأمَّلوا مَعي هذه الآيةَ العظيمةَ المُهيبةَ من سُورةِ النِّساء، آيةٌ بَدَأها اللهُ بقَسَمٍ عَظيمٍ بنَفسِهِ المُقَدَّسة، يَنفي فيهِ الإيمانَ نَفيًا قاطِعًا عَمَّن لم يُحَقِّق شُروطَها. يَقولُ جلَّ جَلالُه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].تَوَقَّفوا عندَ هذا القَسَم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. اللهُ يُقسِمُ بذاتِه! على ماذا؟ على أنَّ الإيمانَ يَنتَفي عَنِ العَبدِ حتَّى يَجمَعَ ثلاثَ مَراتِبَ مُتَدَرِّجة، كلُّ مَرتبةٍ أعمَقُ مِنَ التي قَبلَها.أمَّا المَرتبةُ الأُولى: فهي في الجَوارح والأفعال: ﴿حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. أي أن يَجعَلوا حُكمَ رَسولِ اللهِ ﷺ هو الفَيصَلَ في خُصوماتِهم، وأموالِهم، ودمائهم، ومَناهِجِهم. أن يكونَ النَّصُّ الشَّرعيُّ هو الحَكَم. ولكن هل يَكفي هذا؟ هل يَكفي أن تَخضَعَ ظاهِرًا وأنتَ مُتَبَرِّم؟يَأتي القُرآنُ ليَغوصَ في العُمق، إلى المَرتبةِ الثَّانية: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾. هنا اختِبارُ الصَّدر. الحَرَجُ هو الضِّيق. قد يَقوَلُ العَبدُ: سَمِعنا وأطَعنا، ويُنَفِّذُ الحُكم، لكنَّ في صَدرِهِ ضِيقًا وانقِباضًا من حُكمِ الله، يَتَمَنَّى لو كانَ الشَّرعُ بخِلافِ ذلك. هذا الضِّيقُ القَلبيُّ، هذا الغَلَيانُ الدَّاخليُّ الرَّافضُ لحُكمِ الشَّارع، يَنفي كَمالَ التَّسليم!ثمَّ تَأتي المَرتبةُ الثَّالثةُ والأخيرة، قِمَّةُ سَنامِ الإيمان: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. تَسليمٌ مُطلَق، رِضًا كامِل، طُمأنينةٌ بأنَّ ما حَكَمَ بهِ اللهُ ورَسولُهُ هو الحَقُّ، وهو العَدلُ، وهو الخَيرُ في الدُّنيا والآخرة، ولو خالَفَ العُقولَ والأهواءَ وعاداتِ الآباء.واسمَعوا لِسَببِ نُزولِ هذه الآية، لِتَعرِفوا خُطورةَ المَقام. رَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهِما أنَّ الزُّبيرَ بنَ العَوَّامِ رضي الله عنه خَصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنصارِ في مَسيلِ ماءٍ يَسقِيانِ بهِ النَّخل. فاحتَكَما إلى النَّبيِّ ﷺ. وكانَ المَجرى يَمُرُّ بأرضِ الزُّبيرِ أوَّلًا، فقالَ النَّبيُّ ﷺ قاضيًا بالعُرفِ والعَدل: «اسقِ يا زُبَيرُ، ثُمَّ أرسِلِ الماءَ إلى جارِك». حُكمٌ عادلٌ نَبويّ. لكنَّ الأنصاريَّ غَضِبَ، وقالَ كَلِمةً عَظيمة: "يا رَسولَ الله، أنْ كانَ ابنَ عَمَّتِك؟" (أي أَتَحكُمُ لهُ لأنَّه ابنُ عَمَّتِك صفيَّة؟). فَتَلَوَّنَ وَجهُ رَسولِ اللهِ ﷺ! غَضِبَ غَضَبًا شَديدًا. كيفَ يُتَّهَمُ الوَحيُ بالمُحاباة؟ كيفَ يُرَدُّ حُكمُ الرَّسولِ بِحُجَّةٍ عَقليَّةٍ فاسِدة؟ عِندَها نزَلَت الآيةُ القاطِعة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ...﴾.ألا يُشبِهُ هذا حالَ كَثيرٍ مِنَّا اليوم؟ يَأتيهِ حُكمُ اللهِ ورَسولِهِ واضِحًا، حَديثٌ صَحيحٌ صَريح، فيَقول: "ولكنَّ العَقلَ يَقولُ كذا!"، أو "هذا لا يُناسِبُ العَصر!"، أو "حُقوقُ الإنسانِ تَقولُ كذا!"، أو "نحنُ وجَدنا آباءَنا على هذا!". كلُّ هذه التَّبريرات هي في حقيقتِها قَولٌ بِلِسانِ
الحال: "لَا نُسَلِّم".إخوتي الكرام، تَعالَوا نَنظُر كيفَ كانَ السَّلَفُ الصَّالحُ يَتَعامَلونَ معَ نُصوصِ الوَحي. كيفَ كانَ التَّسليمُ يَسري في دِمائِهم. في صَحيحِ مُسلِم، حادِثَةٌ تَهُزُّ القُلوبَ وتَكشِفُ لنا مَعنى التَّعظيمِ الحقيقيِّ للشَّرع. يَروي عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضي الله عنهما، وهو الشَّيخُ الجَليلُ الفَقيهُ، حَديثًا عن رَسولِ اللهِ ﷺ يَقولُ فيه: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» (أي اسمَحوا لِلنِّساءِ بالذَّهابِ لِلمَساجدِ للصَّلاة). فَسَمِعَهُ ابنٌ لَهُ (قيل هو بلالٌ وقيل واقد). وهذا الابنُ رأى تَغَيُّرَ الزَّمان، ورأى بَعضَ الزِّينَة، فَحَمَلَتهُ "الغَيرَةُ" المَحمُودةُ ظاهِرًا على أن يَقول: "وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ! فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا" (أي مَكانًا لِلفَساد).تَأمَّلوا مَوقِفَ الابن: هو لَم يَرُدَّ الحَديثَ كُفرًا، بل رَدَّهُ "بِاجتِهادٍ عَقليٍّ" و"بِغَيرَةٍ على المَحارِم"، حُجَّتُهُ أنَّ الواقِعَ تَغَيَّر. فكيفَ كانَت رَدَّةُ فِعلِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَر؟ هَل طَبطَبَ على كَتِفِه؟ هَل تَفَهَّمَ اجتِهادَه؟ هَل قالَ لهُ "نَظَرُكَ مَحَلُّ اعتِبار"؟ يَقولُ الرَّاوي: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ! (شَتَمَهُ شَتمًا مُريعًا). ثمَّ قالَ لهُ كَلِمَتَهُ الخالِدةَ المُزَلزِلة: "أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ؟!". وفي بَعضِ الرِّواياتِ أنَّ ابنَ عُمَرَ هَجَرَ ابنَهُ هذا فلَم يُكَلِّمهُ حتَّى مات!لماذا كُلُّ هذهِ القَسوةِ مِن أبٍ رَحيمٍ على ابنِه؟ لأنَّ القَضيَّةَ أصبَحَت قَضيَّةَ مَنهَج. قَضيَّةَ استِعلاءِ العَقلِ على النَّص. ابنُ عُمَرَ يُؤَسِّسُ قاعِدة: إذا قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ كَلِمة، فلا مَجالَ لِـ "لكن"، ولا لِـ "أظُن"، ولا لِـ "العُرفِ يَقول". النَّصُّ فَوْقَ العَقل، وفَوْقَ الغَيرَة، وفَوْقَ الواقِع. هذا هو التَّسليمُ الذي تَتَحَدَّثُ عَنهُ الآية!وَهذا الإمامُ الشَّافعيُّ رَحِمَهُ الله، كانَ يَجلِسُ في مَجلسِه، فَسَألَهُ رَجُلٌ عن مَسألة، فأفتاهُ الشَّافعيُّ بحَديثٍ عن رَسولِ اللهِ ﷺ. فقالَ الرَّجُل: "يا أبا عَبدِ الله، وهل تَأخُذُ بِهذا الحَديث؟" فَانتَفَضَ الشَّافعيُّ، وارتَعَد، وتَغَيَّرَ لَونُه، وصاحَ بالرَّجُل: "يا هذا! أيُّ أرضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سَماءٍ تُظِلُّني، إذا رَوَيتُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ حَديثًا ولَم أقُل بِه؟! نَعَم، على الرَّأسِ والعَين، على الرَّأسِ والعَين!".يا سُبحانَ الله! يَرتَجِفُ العالِمُ أن يُتَّهَمَ بمُخالَفَةِ نَصٍّ، وفي زَمانِنا يُستَضافُ الرُّوَيبِضَةُ على الشَّاشات، فَيُسْتَخَفُّ بِأحاديثِ البُخاريِّ ومُسلِم، ويُسخَرُ مِن سُنَّةِ النَّبيِّ ﷺ باسمِ "التَّنوير" و"تَجديدِ الخِطاب"، ولا تَرتَجِفُ لَهم شَعرة! لأنَّ التَّسليمَ غادَرَ قُلوبَهم فَدَخَلَها العَجَبُ والاعتِدادُ بالعَقلِ القاصِر.يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في كِتابِهِ مَدارجِ السَّالكين: "عَلامَةُ صِحَّةِ التَّسليم: ألَّا يَكونَ في القَلبِ مُنازَعةٌ لِلأمرِ الشَّرعيِّ بِشُبهةٍ عَقليَّة، ولا مُعارَضةٌ لَهُ بِشَهوَةٍ نَفسيَّة". انتهى كلامه. وهذا هو الفَيصَل.ألا يُشبِهُ هذا حالَ الرَّجُلِ الذي يأتيهِ حُكمُ اللهِ في تَحريمِ الرِّبا الواضِحِ القاطِع، فيَقول: "يا أخي هذا قَبلَ ألفٍ وأربَعِمِائةِ عام، أمَّا الآن فالأمرُ مُختَلِف، والاقتِصادُ يَتَطَلَّبُ ذلِك!"؟ أينَ ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؟ ألا يُشبِهُ هذا حالَ المَرأةِ التي يَأتِيها حُكمُ اللهِ في فَرْضِيَّةِ الحِجابِ وشُروطِه، فتَقول: "أنا غَيرُ مُقتَنِعَة، والمُهِمُّ نَقاءُ القَلب، والمُوضةُ تَطَلَّبَت ذلك!"؟ أينَ ﴿وَلَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾؟ ألا يُشبِهُ هذا حالَ مَن يَقسِمُ المِيراثَ على هَواهُ فيَظلِمُ أخواتِه، فإذا ذُكِّرَ بِكتابِ الله، قال: "عُرفُ العائِلَةِ عندنا لا يُوَرِّثُ الإناث!"؟ أين ﴿حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾؟واللهِ يا إخوَتي، إنَّ قَضيَّةَ التَّسليمِ هي قَضيَّةُ فَصلٍ بَينَ الكُفرِ والإيمان. قال اللهُ تعالى واصِفًا حالَ المُؤمنينَ الصَّادقين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51]. "سَمِعنا وأطَعنا"، كَلِمَتانِ لا ثالِثَ لَهُما. ليسَ فيها: "سَمِعنا ونُفَكِّر"، ولا "سَمِعنا ونَرى المُجتَمَع"، ولا "سَمِعنا إذا وافَقَ مَصالِحَنا". سَمِعنا وأطَعنا فَورًا!تَأمَّلوا مَشهدَ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم حين نَزَلَت آيَةُ تَحريمِ الخَمر. كانتِ الخَمرُ في دِمائِهم، شَرابَهم اليَوميَّ الذي عَقَدوا عليهِ تِجاراتِهم وأشعارَهم. يَمشي المُنادي
في طُرُقاتِ المَدينةِ ويُنادي: "ألا إنَّ الخَمرَ قد حُرِّمَت". ماذا حَدَث؟ هل شَكَّلوا لِجانًا لِدِراسَةِ التَّأثيرِ الاقتِصاديّ؟ هل قالوا: نُنهي ما في الكُؤوسِ ثمَّ نَتوب؟ هل قالوا التَّحريمُ مُفاجِئٌ ونَحتاجُ التَّدَرُّج؟ لا والله! مَن كانَت الكَأسُ على شَفَتَيهِ ألقاها. ومَن كانَت في فَمِهِ مَجَّها. ومَن كانَ عِندَهُ دِنانٌ وزِقاقٌ شَقَّقَها وأراقَها، حتَّى جَرَت شَوارِعُ المَدينةِ كالأنهارِ بِالخَمر، وهُم يَصرُخون: "انتَهَينا رَبَّنا! انتَهَينا رَبَّنا!".هذا هو الإيمانُ الذي اهتَزَّت لَهُ الأكوان، وبِهِ فُتِحَتِ البُلدان. إيمانُ العُبوديَّةِ المُطلَقةِ للهِ رَبِّ العالَمين.فيا مَن تُنازِعُ النُّصوصَ بِهَواك، وتَرُدُّ الأحاديثَ الصَّحيحةَ بِرَأيِك، تَدارَك إيمانَك قَبلَ أن تَقفَ بَينَ يَدَي مَن لا تَخفى عليهِ خافِية. قَبلَ أن يَقومَ الأشهاد، وتُطوى السِّجِلَّات، وتَجِدَ نَفسَكَ مَحرومًا مِن حَوضِ نَبيِّك ﷺ يومَ القيامة، لأنَّك رَدَدتَ سُنَّتَهُ في الدُّنيا.أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]🕌 الخطبة الثانيةالحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، تعظيمًا لشأنه، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسُولُه، الداعي إلى رضوانه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبتنا الأُولى عن آيةِ التَّسليمِ القاطِعة التي تَنفي الإيمانَ عمَّن لم يَرضَ بحُكمِ اللهِ ورَسولِه. ووَقَفنا مع حَسمِ الصَّحابةِ كابنِ عُمَرَ في كَبحِ كُلِّ رَأيٍ يُعارِضُ النَّصَّ النَّبويَّ، وكيفَ كانَ التَّسليمُ هو القُوَّةَ التي صَنَعَت جِيلَ الرِّيادة. والآن، إخوتي، بَقيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأهم: كيفَ نُتَرجِمُ هذا التَّسليمَ إلى واقِعٍ في حَياتِنا اليوم؟ كيف نُربِّي أنفُسَنا على ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؟أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مَنبري:الأولى (قَلبيَّة): طَوِّع قَلبَكَ للنَّص. إذا سَمِعتَ آيَةً مُحكَمةً أو حَديثًا صَحيحًا، فليَكُن أوَّلُ عَمَلٍ يَفعَلُهُ قَلبُكَ قَبلَ أن يُحَلِّلَهُ عَقلُك هو: "آمَنتُ وصَدَّقت". لا تَبحَث عَن مَخارِجَ لِتَبريرِ ضَعفِك. اعتَرِف بضَعفكَ وقُل: "يا رَبِّ هذا حُكمُكَ الحَقُّ وأنا المُقَصِّر"، فإنَّ اللهَ يَرحَمُ المُقَصِّرَ المُعتَرِف، ولا يَغفِرُ لِلمُتَكَبِّرِ المُتَفَلسِف.الثانية (لِسانيَّة): احفَظ لِسانَكَ من كَلِمَةِ "ولكن". إذا قيلَ لكَ "قالَ اللهُ، وقالَ الرَّسول"، فلا تَقُل: "ولكِنَّ العُلَماءَ اختَلَفوا" تَأويلًا للباطِل، أو "ولكنَّ الزَّمانَ غَيرُ الزَّمان". عَوِّد لِسانَكَ على كَلِمَةِ الإجلال: "سَمِعنا وأطَعنا". ولا تُجادِل في ثَوابِتِ الشَّرعِ على مَواقِعِ التَّواصُلِ فَتَبوءَ بإثمِكَ وإثمِ مَنِ اتَّبَعك.الثالثة (عَمَليَّة): أحيِ سُنَّةً كُنتَ تَترُكُها خَجَلًا مِنَ العُرف. كثيرون يَترُكونَ سُنَنَ النَّبيِّ ﷺ في الأفراحِ والأتراح، وفي اللِّباسِ، وفي التَّعامُلات، خَشيَةَ كَلامِ النَّاس. اليومَ، خُذ خُطوَةً: نَفِّذ حُكمًا شَرعيًّا واحِدًا كُنتَ تُؤَجِّلُهُ بضَغطِ المُجتَمَع، ليَرى اللهُ مِنكَ حَقيقةَ التَّسليمِ لهُ لا لِخَلقِه.الرابعة (اجتماعيَّة): إذا نَصَحتَ أخًا لكَ أو صَديقًا بآيةٍ أو حَديث، فَرَدَّها استِكبارًا، فكُن حَليمًا في النُّصحِ مُشفِقًا عَليه، ولكن لا تُغَيِّر حُكمَ اللهِ لِتُرضيَه! قُل الحَقَّ برَحمة، ولا تُمَيِّع دِينَ اللهِ خَجَلًا مِن عُبوسِ أحَد. العِزَّةُ للشرعِ لا للأشخاص.الخامسة (موضوعيَّة): رَبُّوا أبناءَكم على كَلِمة "سَمِعنا وأطَعنا". إذا نَهَيتَ ابنَكَ عن أمرٍ مُحَرَّم، فلا تَقُل لَهُ فَقَط: "هذا عَيب" أو "النَّاسُ سَتَضحَكُ عَلينا". قُل لَه: "يا بُنَيّ، هذا حَرَّمَهُ الله". اربِط قَلبَ طِفلِكَ بالخالِقِ لا بالعادات، حتَّى يَنشَأَ مُسَلِّمًا لِرَبِّهِ لا عَبْدًا لِنَظراتِ المُجتَمَع.فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ هذا الدِّينَ مَبنيٌّ على الاستِسلامِ التَّامِّ لله، ومَن لَم يُسلِّم قِيادَهُ لِلوَحي، ضَلَّ في مَتاهاتِ العُقول، وهَلَكَ في أودِيَةِ الشَّهوات.ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقولِ رَبِّكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبيِّنا مُحمَّد، وارضَ اللَّهمَّ عَنِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدين، والصَّحابَةِ أجمَعين، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.اللَّهمَّ اجعَلنا مِمَّن يَستَمِعونَ القَولَ فَيَتَّبِعونَ أحسَنَه. اللَّهمَّ ارزُقنا
التَّسليمَ الكامِلَ لِكتابِكَ وسُنَّةِ نَبيِّك. اللَّهمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِن كُلِّ حَرَجٍ أو ضِيقٍ مِمَّا قَضَيت. اللَّهمَّ اجعَل هَوانا تَبَعًا لِما جاءَ بِهِ النَّبيُّ الأمين. اللَّهمَّ ارنِقنا حُبَّكَ وحُبَّ رَسولِك، وحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنا إلى حُبِّك. اللَّهمَّ بَصِّرنا بعُيوبِنا، ورُدَّنا إليكَ رَدًّا جَميلًا، ولا تَكِلنا إلى أنفُسِنا ولا إلى عُقولِنا القاصِرَةِ طَرفَةَ عَين. اللَّهمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهمَّ كُن لَهم مُؤيِّدًا ونَصيرًا، وظَهيرًا ومُعينًا، واربُط على قُلوبِهم، وافرُغ عليهم صَبرًا من عِندِك.عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.