من مكتبة مِداد الخطيب

شاشاتٌ تَخطِفُ الأَعمار... حَقيقَةُ العالَمِ الافتِراضي

مشاركة
🕌 شاشاتٌ تَخطِفُ الأَعمار... حَقيقَةُ العالَمِ الافتِراضي #خطبة_جمعة #وسائل_التواصل #حفظ_الوقت #الأسرة #حفظ_اللسان #غض_البصر #تربية الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الوَقتَ رَأسَ مالِ العَبدِ في مَعاشِه ومَعادِه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ السَّمعَ والبَصَرَ والفُؤادَ أماناتٍ نُسألُ عنها يومَ العَرضِ الأكبر، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أصدَقُ مَن نَطَق، وأعَفُّ مَن نَظَر، وأعظَمُ مَن حَفِظَ أوقاتَهُ في طاعةِ مَولاه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تُجلِسُنا في غُرفةٍ واحدة، وتُبَعثِرُ عُقولَنا في قارَّاتٍ شتَّى. نَضحَكُ لِما نَراهُ فيها، ولا نَبتَسِمُ لِمَن يَجلِسُ بجِوارنا. أدخَلَت في بُيوتنا آلافَ الغُرَباء، وأخرَجَت مِنها دِفءَ القُربِ واللِّقاء. سَرَقَت أوقاتَنا، وشَتَّتَت قُلوبَنا، وحَوَّلَت أعمارَنا إلى شاشاتٍ مُضيئةٍ نُحَدِّقُ فيها حتى المَمات. فما هو السِّرُّ الذي جَعَلَنا أسرى لهذه الأجهزة؟ وكيف نَستَرِدُّ أرواحَنا قَبلَ أن نَفقِدَها إلى الأبد؟ الجوابُ في خطبتنا اليوم. عبادَ الله، لم يَمُرَّ على البشريَّةِ زَمانٌ فُتِحَت فيهِ أبوابُ الدُّنيا على مِصراعَيها كما حَدَثَ في زَمانِنا هذا. في جيوبنا آلاتٌ صَغيرة، لا يَتجاوزُ حَجمُها كَفَّ اليَد، لكنَّها تَحمِلُ العالَمَ كُلَّه. ما يُسَمَّى اليومَ بـ "وسائل التَّواصل الاجتماعي"، التي جاءت لِتَصِلَ المقطوع، وتُقَرِّبَ البعيد، فإذا بها تَقطَعُ الموصول، وتُبعِدُ القَريب! تَأمَّلوا معي حقيقةَ حالِنا اليوم. ندخُلُ إلى بُيوتِنا، فتَجِدُ الأبَ في زاويةٍ يُحَدِّقُ في هاتِفِه، والأمَّ في زاويةٍ أُخرى تُتابِعُ شاشَتَها، والأبناءَ كلٌّ منهم أسيرٌ في عالَمِه الافتراضي. غُرفةٌ واحِدة، أجسادٌ مُتَقارِبة، لكنَّ الأرواحَ مُغترِبة. صارَت بيوتُنا صامتة! لا حوار، لا ضَحِك، لا نِقاش، إلَّا صَوتُ المَقاطعِ الَّتي تَتَوالى. لقد كان نبيُّنا ﷺ إذا حَدَّثَ رَجُلاً، أَقبَلَ عليهِ بِكُلِّيَّتِه. يُعطيهِ وَجهَهُ وقَلبَهُ وعَينَيه. يُشعِرُهُ أنَّهُ أهَمُّ شَخصٍ في الوجود. أمَّا اليوم... يَقِفُ الابنُ أمامَ أبيهِ لِيَرويَ له شيئاً يُفرِحُه، فيَرُدُّ الأبُ وهو يَنظُرُ إلى الشَّاشة: "أكمِل، أنا أسمَعُك". أنتَ تَسمَعُه بِمِسمَعِك نعم، لكنَّكَ لَستَ مَعه! لَقد سَلَبتَهُ حَقَّهُ في العِنايةِ والاهتِمام. ويا لَيتَ المُصيبةَ وَقَفَت عندَ حُدودِ الصَّمتِ الأسريّ! بل جاوَزَتهُ إلى سَرِقَةِ رَأسِ مالِ المُؤمِن: "عُمُره". السَّاعاتُ تَمضي... مقطعٌ يَجُرُّ مقطعاً، وصورةٌ تَتبَعُ صورة، وحِوارٌ يَجُرُّ حِواراً. يَجلِسُ الشَّابُّ أو الفتاةُ بَعدَ العِشاء، فلا يَرفَعُ رَأسَهُ إلَّا وقد جاوَزَ مُنتَصَفَ اللَّيل! السَّاعاتُ التي كان السَّلَفُ يَتَزَوَّدونَ فيها بالرَّكعاتِ والدَّعوات، نَحرِقُها نحنُ في التَّقليبِ المَحمومِ بينَ الشَّاشات. يقولُ نبيُّكم ﷺ مُحَذِّراً: «نِعمَتانِ مَغبونٌ فيهما كَثيرٌ من النَّاس: الصِّحَّةُ والفَراغ» (رواه البخاري). مَغبونٌ... أي مَخدوعٌ خاسِر. يَظُنُّ أنَّهُ يَستَمتِع، وهو في الحقيقةِ يُفلِس! واسمعوا لهذه الكلمات التي تَقطَعُ نِياطَ القَلب، قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمه الله: "إضاعَةُ الوَقتِ أشَدُّ من المَوت؛ لأنَّ إضاعَةَ الوَقتِ تَقطَعُكَ عنِ اللهِ والدارِ الآخِرَة، والمَوتُ يَقطَعُكَ عنِ الدُّنيا وأهلِها". أرأيتم؟ المُضيِّعُ لِوَقتِه أمامَ هذه التَّفاهاتِ أضَرُّ على نَفسِهِ من المَوت، لأنَّهُ يَقطَعُ حِبالَ صِلَتِهِ بربِّه! وكان الحَسَنُ البَصريُّ رحمه الله يَقولُ قولَتَهُ الخالدة: "يا ابنَ آدَم، إنَّما أنتَ أيَّام، فإذا ذَهَبَ يَومُكَ ذَهَبَ بَعضُك". هل سَألتَ نَفسَكَ يوماً: كَم ساعَةً تَذوبُ من عُمرِكَ كُلَّ يَومٍ أمامَ هذه الشَّاشات؟ لو أنَّكَ تَقضي ثَلاثَ ساعاتٍ يَومياً فقط (وكثيرٌ منَّا يَتجاوزُ ذلك بِكثير)، فهذا يَعني أنَّكَ تَقضي خَمسةً وأربعينَ يوماً كامِلاً كُلَّ عامٍ تُحَدِّقُ في هاتِفِك! شهرٌ ونصفٌ من السَّنةِ يَضيعُ في لا شيء! ماذا لو وقَفتَ بَينَ يَدَي الله، فسَأَلَكَ عن هذا العُمُرِ فيما أفنَيتَه؟ ماذا سَتُجيب؟ ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. أيها الإخوة في الله، وهنا نَصِلُ إلى الأمرِ الأخطَر. إنَّ هذه الوسائلَ لَم تَسرِق أوقاتَنا فَحَسب، بل جَعَلَت حَصادَ ألسِنَتِنا مُرعِباً. في الماضي، كان الرَّجُلُ إذا أرادَ أن يَغتابَ أحَداً، اغتابَهُ في مَجلِسٍ فيهِ ثَلاثَةٌ أو أربَعَة. أمَّا اليوم... "ضَغطَةُ زِرٍّ" واحِدة... "مُشارَكةٌ" أو "إعادَةُ نَشر"... تَصلُ بها الكَذِبَةُ والغِيبَةُ والشَّائِعَةُ والاتِّهامُ في ثوانٍ مَعدودةٍ إلى مِئاتِ الآلافِ من البَشَر! تَأمَّلوا مَعي هذا الخَطَر.
تَكتُبُ تَغريِدَةً، أو تَضَعُ تَصميماً، أو تَنشُرُ خَبَراً فيه فَضيحَةٌ لِمُسلِم، أو سُخريَةٌ من عالِم، أو اتِّهامٌ لِشَخصٍ في عِرضِه. ثمَّ تَنامُ مِلءَ جَفنَيك. لكنَّ عَدَّادَ السَّيِّئاتِ لا يَنام! يَقرَأُ الخَبَرَ ألفٌ... عَشَرَةُ آلاف... مِليون! وكُلُّ نَظرَةٍ سَيِّئة، وكُلُّ سُخريَةٍ نَتَجَت عن مَنشورِك، تُصَبُّ في ميزانِ سَيِّئاتِكَ وأنتَ لا تَشعُر. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى، واصفاً هذا التَّساهُلَ العَجيبَ بالكَلِمَةِ المَكتوبةِ والمَنطوقة: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]. وتَحسَبُونَهُ هَيِّناً! كلمةٌ، تعليقٌ، صورةٌ... نَحسَبُهُ شَيئاً عابراً في وسائلِ التَّواصل. ﴿وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾! ولقد أَمسَكَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه بِطَرَفِ لِسانِهِ يوماً وهو يَبكي، وقال: "هذا أورَدَني المَوارِد". أبو بكر! الصِّدِّيقُ الذي وَزَنَ إيمانُهُ إيمانَ الأُمَّة، يَخافُ من لِسانِه! فكَيفَ بِنا نحنُ وأصابعُنا تَكتُبُ كُلَّ يَومٍ ما تَمُجُّهُ الآذانُ وتَرفَضُهُ القُلوب؟ أَلَم يَقُل نَبيُّنا ﷺ لِمُعاذ: «وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجوهِهِم إلَّا حَصائِدُ ألسِنَتِهِم» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). والكِتابَةُ لِسانٌ صامِت، حَصادُهُ كَحَصادِ النُّطقِ سَواءً بِسَواء. ... فانتَبِه. قبلَ أن تَنشُرَ أو تُعَلِّق. لأنَّ المَنشورَ يُرصَد، والكَلِمَةَ تُكتَب: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. أيها المؤمنون، ومِن أَعظَمِ مَفاسِدِ هذه العوالِمِ الافتِراضيَّة: أنَّها دَمَّرَت عِندَ بَعضِنا "الرِّضا"، وذَبَحَت "القَناعَة". نَفتَحُ هذه التَّطبيقات، فَنَرى حَياةَ النَّاس. هذا يُصَوِّرُ طَعامَهُ الفاخِر، وتِلكَ تُصَوِّرُ بَيتَها الأنيق، وذاكَ يَعرِضُ سَيَّارَتَهُ الفارهة، وهؤلاءِ يَستَعرِضونَ رِحلاتِهم ومَلابِسَهم ومُتَعَهم. يَرى الشَّابُّ البسيطُ أو الزَّوجةُ القانِعَةُ هذه الصُّوَرَ، فَتَبدَأُ المُقارَنَةُ القاتِلَة. تَنظُرُ الزَّوجَةُ إلى حَياةِ "المَشاهير"، ثُمَّ تَلتَفِتُ إلى زَوجِها المُتعبِ البسيطِ، فَتَحتَقِرُ عَطاءَه، وتَعمى عن مَحَبَّتِه، ويَشتَعِلُ البَيتُ نَكَداً لِأنَّها تُريدُ أن تَعيشَ الوَهمَ الذي رَأَتهُ في الشَّاشَة! ويَنظُرُ الشَّابُّ إلى أموالِ غَيرِهِ وتَنَقُّلاتِهِم، فَيَزدَري نِعمَةَ اللهِ عليهِ في صِحَّتِهِ وأمنِه. واللهِ يا عبادَ الله، إنَّ ما تَرَونَهُ في وسائلِ التَّواصلِ ليسَ هو الحَقيقَة! إنَّهُم يُصَوِّرونَ لكُم "لَحظَةَ السَّعادَة" المَصنوعَة، ويُخفُونَ عَنكُم سَاعاتِ الأَلَم، والبُكاء، والخِيانَة، والمَرض، والفَراغِ الرُّوحيّ. لا أحَدَ يُصَوِّرُ دُموعَهُ وحُزنَه! ولذلك، حَذَّرَنا اللهُ جلَّ وعلا من هذا الخَطَرِ بِآيَةٍ قاطِعَة، آيةٍ تَصلُحُ أن تَكونَ شِعاراً لكلِّ مُتَصَفِّح: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131]. لا تَمُدَّنَّ عَينَيك! لا تُطلِق بَصَرَكَ في نِعَمِ غَيرِك! فإنَّكَ إن فَعلت، استَقلَلتَ نِعمَةَ اللهِ عَليك، وعِشتَ في عَذابِ التَّحَسُّر. يقولُ النَّبيُّ ﷺ واضِعاً لَنا ميزانَ الرِّضا: «انظُروا إلى مَن هو أَسفَلَ مِنكُم، ولا تَنظُروا إلى مَن هو فَوقَكُم؛ فإنَّهُ أجدَرُ أن لا تَزدَروا نِعمَةَ اللَّهِ عَلَيكُم» (متفق عليه). فكيفَ بِمَن يَقضي سَاعاتِهِ يَنظُرُ إلى مَن يُظهِرونَ أنَّهُم فَوقَهُ في الدُّنيا دَائِماً؟ ومِنَ المَفاسِدِ الطَّامَّة يا أُمَّةَ مُحَمَّد: تَمزيقُ سِترِ البُيوت، وَذَبحُ "الحَياء". لقد كانَت بُيوتُ المُسلمينَ حُرُمات. كانَ الرَّجُلُ يَستَحيي أن يَكشِفَ سِرَّ بَيتِه، وكانَت المَرأَةُ مَلِكَةً مُصانَةً لا يَطَّلِعُ الأجانِبُ على تَفاصيلِ حَياتِها. ثُمَّ جاءت هذه البَرامِج، فإذا بِالحَياءِ يُنحَرُ على عَتَبَةِ "المُتابِعين" وحَصْدِ "الإعجابات"! أصبَحنا نَرى رِجالاً يُصَوِّرونَ تَفاصيلَ غُرَفِهِم وأسرارَ بُيوتِهِم! وأصبَحنا نَرى نِساءً — نَسألُ اللهَ السَّلامَة — يَعرِضنَ مَفاتِنَهُنَّ، وحَركاتِهِنَّ، وتَفاصيلَ زِينَتِهِنَّ، بَل ويُصَوِّرنَ أزواجَهُنَّ في حَالاتٍ لا تَليقُ بالرُّجولَة ولا والمُروءة، كُلُّ ذلكَ بَحثاً عن الشُّهرةِ الكاذِبَة. أينَ غَيرَةُ الرِّجال؟ أينَ حَياءُ النِّساء؟ أينَ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. واسمَعوا لهذا الوَعيدِ الشَّديدِ مِنَ الصَّادِقِ المَصدوق ﷺ: «كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرين» (متفق عليه).
والمُجاهَرَةُ ليسَت فقط أن تَفعَلَ المَعصيَةَ في الطَّريق، بَل أن تَصنَعَها في بَيتِك المُغلَق، ثُمَّ تَحمِلَ هاتِفَك لِتَنشُرَها أمامَ مَلايينِ البَشَر، مُتَفاخِراً بِكَشفِ سِترِ اللهِ عَليك! ويَصدُقُ في كثيرٍ منَّا اليومَ قولُ الفُضَيلِ بنِ عِياضٍ رحمه الله: "مَن عَدَّ كلامَهُ مِن عَمَلِه، قَلَّ كَلامُهُ إلَّا فيما يَعنيه". لَيتَنا نَعُدُّ "تَصَفُّحَنا وكِتابَتَنا" مِن عَمَلِنا الذي سَنُحاسَبُ عليه. عبادَ الله... الهاتِفُ الَّذي لا يُفارِقُ يَدَكَ اليَوم، سَيَسقُطُ مِنها غَداً عِندَ أوَّلِ سَكرَةٍ مِن سَكَراتِ المَوت. حينَها، لَن يَنفَعَكَ أُلوفُ المُتابِعين، ولَن تُنقِذَكَ إعجاباتُ المَادِحين. سَتُغلَقُ الشَّاشَة، وتُفتَحُ صَحيفَةُ عَمَلِك. فيا وَيحَ مَن وَجَدَ في صَحيفَتِهِ أوقاتاً ضائِعَة، وصَلَواتٍ مُؤَجَّلَة، وأعراضاً مَنهوكَة، وبُيوتاً مُدَمَّرَة بسبَبِ شاشَةٍ صَغيرة! أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن وَهمِ التَّواصُلِ، وكيفَ سَرَقَت هذه الشَّاشاتُ أعمارَنا، ومَزَّقَت لَمَّةَ أُسَرِنا، وضَيَّعَت حَياءَنا ورِضانا بِما قَسَمَ اللهُ لنا. وعَرَفنا أنَّ الكَلِمَةَ المَكتوبَةَ رَصيدٌ في المِيزان، إمَّا إلى الجَنَّةِ أو إلى النَّار. والآن، كَيفَ نَستَعيدُ السَّيطَرَةَ على حَياتِنا قَبلَ فَواتِ الأوان؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، مَن أخذَ بها أنقَذَ نَفسَهُ ودينَه: الأولى (قَلبيَّة): راقِبِ اللهَ في خَلوَتِك مَع هاتِفِك. السِّرُّ الذي بَينَكَ وبَينَ الشَّاشَةِ لا يَراهُ النَّاس، لَكِنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَليه. فإيَّاكَ أن تَجعَلَ اللهَ أهوَنَ النَّاظِرينَ إلَيك، واحذَر نَظَراتِ الحَرام، فإنَّها سِهامٌ مَسمومَةٌ تُمرِضُ القَلبَ وتُطفِئُ نورَ الإيمان. الثانية (لِسانيَّة): قَبلَ أن تُعَلِّقَ، أو تُرسِلَ، أو تُشارِكَ مَقطَعاً... ضَع نُصبَ عَينَيكَ قولَ اللهِ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. لا تَكُن مِعوَلاً لِنَشرِ الشَّائِعات. قال ﷺ: «كَفى بالمَرءِ كَذِباً أن يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِع» (رواه مسلم). أوقِف الشَّرَّ عِندَك ولا تَنشُره. الثالثة (عَمَليَّة): حَدِّد وقتاً صارِماً لاستِخدامِ هذا الجِهاز. اجعَلهُ أداةً تَستَخدِمُها أنت، لا سَيِّداً يَستَخدِمُك. إذا دَخَلَ وَقتُ الصَّلاة، أغلِقهُ. إذا جاءَ وَقتُ النَّوم، ضَعهُ بَعيداً عَنك، واستَبدِلهُ بِوِردِكَ مِنَ القُرآنِ لَو كانَت صَفحَةً واحِدَةً، فهذا هُوَ الذي يَنفَعُكَ في قَبرِك. الرابعة (اجتماعيَّة): اجعَلوا بُيوتَكُم مَناطِقَ خاليَةً مِنَ الشَّاشاتِ في أوقاتِ جَمعَتِكُم. إذا جَلَستَ مَع والِدَيك، أو زَوجَتِك، أو أبنائِك، فَضَعِ الهاتِفَ جانِباً. انظُر في وُجوهِهِم، استَمِع إلى نَبَضاتِ قُلوبِهِم، فواللهِ إنَّ اللَّحظَةَ التي تَضيعُ مَعَهُم لا تَعُود، وإنَّ البَيتَ الذي يَجمَعُهُ الحِوارُ لا تَقتَحِمُهُ الشَّياطين. الخامسة (موضوعيَّة): نَظِّف حِساباتِك. كُلُّ حِسابٍ تُتابِعُهُ يَبُثُّ التَّفاهَة، أو يَنشُرُ التَّبَرُّج، أو يُثيرُ في قَلبِكَ السَّخَطَ على حَياتِك، أو يُشَكِّكُكَ في دينِك... قُم بِإلغاءِ مُتابَعَتِهِ اليَوم! طَهِّر عَينَيكَ وعَقلَك مِمَّا لا يَنفَع، «ومِن حُسنِ إسلامِ المَرءِ تَركُهُ ما لا يَعنيه» (رواه الترمذي). فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمُرَ قَصير، وأنَّ السَّاعاتِ تُطوى، وأنَّنا إلى اللهِ راجِعون، فإمَّا إلى نَعيمٍ مُقيم، وإمَّا إلى عَذابٍ أليم. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عليه، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ، ثَبِّت قُلوبَنا على دينِك.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا خَلا بِنَفسِهِ خَشِيَك، وإذا تَعامَلَ مَعَ النَّاسِ راقَبَك. اللَّهُمَّ طَهِّر أعيُنَنا مِنَ الخِيانَة، وألسِنَتَنا مِنَ الكَذِبِ والغِيبَة، وقُلوبَنا مِنَ النِّفاقِ والرِّياء. اللَّهُمَّ احفَظ بُيوتَ المُسلمينَ مِن فِتَنِ هذا الزَّمان. اللَّهُمَّ رُدَّنا ورُدَّ أبناءَنا وبَناتِنا إلى القُرآنِ رَدّاً جَميلاً، واصنَعهُم على عَينِك، ولا تَجعَل للشَّياطينِ عَلَيهِم سَبيلاً. اللَّهُمَّ بارِك لَنا في أوقاتِنا وأعمارِنا، واجعَلها عامِرَةً بِطاعَتِك، خاليَةً مِن مَعصيَتِك. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ عامَّة، واجعَلِ المُسلِمينَ في كُلِّ أرضٍ آمِنينَ مُطمَئِنِّين. اللَّهُمَّ انصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِن إخوانِنا في كُلِّ مَكان، كُن لَهُم مُؤيِّداً ونَصيراً، ومُعيناً وظَهيراً، برَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمين. عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللَّهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللَّهِ أكبَر، واللَّهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.