من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

التطوع بلا استعراض: خدمة يحتاجها الناس

مشاركة
🕌 التطوع بلا استعراض: خدمة يحتاجها الناس #خطبة_جمعة #التطوع #الإخلاص #الصدقة_الخفية #خدمة_الناس #الرياء #أخلاق الحمدُ للهِ الذي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الإخلاصَ خَبِيئَةً بَينَهُ وبَينَ عَبدِهِ لا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ فَيَكْتُبَهُ، ولا شَيْطَانٌ فَيُفْسِدَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُخْلِصِينَ، وسَيِّدُ المُتَوَاضِعِينَ، الذي كَانَ يَخْدِمُ أَهْلَهُ ويَقْضِي حَاجَةَ المِسْكِينِ في صَمْتٍ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا معي رَجُلاً كان يَحمِلُ جُوَالَاتِ الدَّقيقِ على ظَهرِهِ في ظَلامِ اللَّيلِ لسَنواتٍ طِوال، يُطعِمُ مِئةَ بَيتٍ في مَدينةِ رسولِ اللهِ ﷺ، ولَم يَعرِف أحدٌ في الأرضِ اسمَهُ حتَّى مات! وفي زَمَانِنَا هذا، يُعْطِي الرَّجُلُ رَغِيفَ خُبزٍ فَتُشَاهِدُهُ أَلفُ عَينٍ عَبْرَ الشَّاشَات. كيفَ انقَلَبَتِ المَوَازِين؟ وكيفَ تَسرِقُ عَدَسَةُ الكاميرا جِبَالَ الأُجُورِ وتَترُكُ المُتَطَوِّعَ مُفْلِساً يومَ القيامة؟ إجابةٌ تَستَحِقُّ أَن نَقِفَ عِندَهَا اليوم. أيها المسلمون، نَعيشُ اليَومَ في عَصْرٍ انْكَشَفَتْ فيهِ الأَسْتَار، وصَارَتِ الحَيَاةُ مَسْرَحاً مَفْتُوحاً يَسْعَى الجَمِيعُ فيهِ لِنَيْلِ تَصْفِيقِ الجُمْهُور. في هَذَا العَصْرِ، شَاعَ مَصْطَلَحُ "التَّطَوُّعِ" و"العَمَلِ الخَيْرِيِّ" و"المُبَادَرَاتِ المُجْتَمَعِيَّةِ". وَهِيَ فِي جَوْهَرِهَا أَعْمَالٌ نَبِيلَةٌ يَدْعُو إِلَيْهَا دِينُنَا الحَنِيف. فالمُسْلِمُ الحَقُّ كَالغَيْثِ، أَيْنَمَا وَقَعَ نَفَع. واسمعوا إلى هذا الحديث العظيم، حيث سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعاً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْناً» (رواه الطبراني وهو حديث حسن). هَذَا هُوَ دِينُنَا، دِينُ الخِدْمَةِ وَالبَذْلِ وَالعَطَاءِ. لكنَّ المُصِيبَةَ — يا عبادَ الله — لَيسَتْ في نَقْصِ العَطَاءِ، بَلْ في آفَةٍ دَخَلَتْ عَلَى العَطَاءِ فَأَفْسَدَتْهُ. آفَةُ "الاستِعْرَاضِ". صِرْنَا نَرَى بَعْضَ مَنْ يَتَطَوَّعُ لِخِدْمَةِ الفُقَرَاءِ، أَوْ تَوْزِيعِ الطَّعَامِ، أَوْ بِنَاءِ المَسَاجِدِ، يَتْبَعُ ذَلِكَ بِتَصْوِيرٍ دَقِيقٍ، وَتَوْثِيقٍ مُسْتَمِرٍّ، وَنَشْرٍ عَلَى مَنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ لِيَحْصُدَ الإِعْجَابَاتِ وَالثَّنَاءَ. أَيُّها المؤمنون، هل سَأَلتُم أنفسَكم يومًا: لِمَاذَا حَذَّرَنَا اللهُ تَعَالَى مِنْ هَذَا السُّلُوكِ قَبْلَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِئَةِ عَام؟ يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 264]. تَأَمَّلُوا كَلِمَةَ "لَا تُبْطِلُوا"! العَمَلُ قَدْ وُجِدَ، وَالتَّعَبُ قَدْ حَصَلَ، وَالمَالُ قَدْ دُفِعَ، لَكِنَّ الأَجْرَ "بَطَلَ" وَاحْتَرَقَ؛ لِأَنَّهُ خَالَطَهُ رِيَاءٌ وَحُبٌّ لِلظُّهُورِ، وَتَكْدِيرٌ لِقُلُوبِ الفُقَرَاءِ الْمُنْكَسِرَة. إخواني، إِنَّ تَصْوِيرَ الفَقِيرِ وَهُوَ يَأْخُذُ المَعُونَةَ لَيُرْفَعَ عَلَى الشَّاشَاتِ، هُوَ عَيْنُ الأَذَى الذِي نَهَى اللهُ عَنْهُ. الفَقِيرُ قَدْ يَسْكُتُ حَيَاءً، وَقَدْ يَبْتَسِمُ أَمَامَ الكاميرا لِأَنَّ لَوْعَةَ الجُوعِ أَخْضَعَتْهُ، لَكِنَّ قَلْبَهُ يَنْزِفُ ذُلّاً. وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَغْنَى الأَغْنِيَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، لا يَقْبَلُ عَمَلاً فِيهِ إِذْلالٌ لِعِبَادِهِ أَوْ طَلَبٌ لِمَدْحِ خَلْقِهِ. اسمعوا إلى هذا الوعيد الشديد، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ» (متفق عليه). جُمْلَةٌ قَصِيرَةٌ حَاسِمَة. مَعْنَاهَا: أَنَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً لِيَسْمَعَهُ النَّاسُ، فَضَحَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَسْمَعَ بِهِ خَلْقَهُ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ مُوَبِّخاً إِيَّاهُ. وَمَنْ أَرَى النَّاسَ عَمَلَهُ لِيُعَظِّمُوهُ، أَظْهَرَ اللهُ سَرِيرَتَهُ الفَاسِدَةَ يَوْمَ الحِسَابِ. ولنتأمل معاً كيف كان سلفنا الصالح يتطوعون ويخدمون مجتمعهم. في جوف الليل، وحين تنام العيون، كان الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) رحمه الله، يخرج متخفياً، يحمل أكياس الدقيق والخبز على ظهره، ويمر على بيوت الأرامل والمساكين في المدينة، يضع الطعام عند أبوابهم وينصرف قبل أن يراه أحد. مائة بيت في المدينة كانوا يعيشون على نفقته، ولا يدرون من يأتيهم بالطعام! وحين مات زين العابدين، وانقطع الطعام عن تلك البيوت، عرفوا أنه هو. ولما وضعوه على مغتسله ليغسلوه، وجدوا في ظهره آثاراً سوداء وجروحاً غائرة. سألوا: ما هذا؟ قالوا: هذا أثر حمل أكياس الدقيق في الليل لفقراء المدينة! الله أكبر! عاش ومات، وظهره مجروح من التعب، ولم يأخذ "صورة" واحدة، ولم ينتظر "شكراً" من أحد. لأن قلبه كان معلقاً بآية واحدة: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]. لاحظوا الدقة القرآنية: لم يقولوا لا نريد مالاً، بل قالوا لا نريد حتى "شكوراً"، أي لا نريد منكم كلمة شكر! يا من يتطوع لخدمة الناس، يا من يشارك في توزيع المعونات، يا من يخدم في المساجد، أين أنت من هذه الآية؟ أين نحن من هذا النقاء الداخلي؟ والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا نضعف أمام التصوير والاستعراض؟ لأن النفس البشرية تحب المدح، وتحب أن يُشار إليها بالبنان. وهذا هو الداء الدفين الذي أسماه النبي ﷺ بالشرك الخفي. قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ». قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ» (رواه أحمد وهو صحيح). الرياء يسحب الإخلاص من القلب كما يسحب السم الدم من العروق. يقول سفيان الثوري رحمه الله، وهو إمام زمانه: "ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي؛ لأنها تتقلب عليّ". فإذا كان هذا حال إمام الزاهدين، فكيف بحالنا نحن في زمن الهواتف الذكية وتوثيق كل ثانية من حياتنا؟ ويقول الفضيل بن عياض رحمه الله بكلمة تكتب بماء الذهب: "ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما". واسمعوا لهذه القصة العجيبة التي تلخص معنى التطوع الخفي. يخرج خليفة المسلمين، أبو بكر الصديق رضي الله عنه، بعد صلاة الفجر، متسللاً إلى أطراف المدينة. يراقبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيجده يدخل خيمة لعجوز عمياء مقعدة. ينتظر عمر حتى يخرج أبو بكر، ثم يدخل الخيمة ويسأل العجوز: من هذا الرجل الذي يأتيك؟ قالت: لا أعرفه! (لم يخبرها حتى باسمه). قال: وماذا يصنع؟ قالت: يأتيني كل صباح، فيكنس بيتي، ويعجن لي عجيبي، ويحلب لي شاتي، ثم ينصرف! فبكى عمر رضي الله عنه وقال جملته الشهيرة: "لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر". هذا هو أمير المؤمنين! وهذا هو التطوع الحقيقي. خدمة بلا شارات، وبلا منصات، وبلا شهادات تقدير. اليوم، نجد بعض الشباب — هداهم الله — لا ينضم إلى فريق تطوعي إلا إذا كان هناك تغطية إعلامية، أو شهادة تضاف لسيرته الذاتية. يذهب لتنظيف الشاطئ، أو توزيع الإفطار، وعينه على الكاميرا أكثر من عينه على العمل. ولا أقول إن كل توثيق حرام؛ فقد يحتاج المرء لتوثيق العمل لتشجيع غيره، أو لتقديم تقرير للمتبرعين، وهذا مشروع إذا صحت النية. يقول الله تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 271]. لكن المشكلة أن يتحول التوثيق إلى "استعراض شخصي" لجمع الإعجابات وتضخيم الأنا. كم من شاب ينظف حمامات المسجد في الخفاء، لا يعرفه أحد، هو عند الله أعظم من آلاف المشاهير الذين يوزعون الأموال أمام الكاميرات! وقد وصف الإمام ابن القيم رحمه الله العمل بغير إخلاص بوصف عجيب، قال: "العمل بغير إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جرابه رملاً، يثقله ولا ينفعه". تتعب، وتبذل، وتتطوع، ثم يوم القيامة تفتح صحيفتك فتجدها صفراً! لماذا؟ لأنك أخذت أجرك في الدنيا مديحاً وثناءً من الناس. ولنتأمل معاً مشهداً من يوم القيامة، حين تقترب الشمس، ويغرق الناس في عرقهم، هناك سبعة أصناف تحت عرش الرحمن في ظل بارد ظليل. من هم؟ قال النبي ﷺ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ...» وذكر منهم: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (متفق عليه). مبالغة عظيمة في الإخفاء! كأن يده اليسرى لو كانت رجلاً لم تعلم بما فعلت اليمنى لشدة التكتم. أيها الأحبة، إننا بحاجة ماسة لثقافة "الخبيئة الصالحة". عمل صالح لا يعلم به إلا الله. دمعة في خلوة. مساعدة لمكروب في سر. خدمة لجار دون أن تذكر ذلك لأحد. يقول الله عز وجل واصفاً حال المؤمنين الصادقين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60]. سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله ﷺ عن هذه الآية: أَهُمُ الَّذِينَ يَسْرِقُونَ وَيَزْنُونَ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَخَافُونَ أَنْ يُعَاقَبُوا؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ»! يعملون الخير، ويخافون أن يضيع بسبب نية فاسدة أو رياء خفي. فيا من يخدم الناس، تذكر أن ميزان الله أدق من كل موازين البشر. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]. فاجعل تطوعك وخدمتك حرثاً للآخرة، لا حرثاً لشهرة زائلة. اللهم طهر أعمالنا من الرياء، وقلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أما بعد: عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن روح التطوع والإخلاص، وكيف أن السلف الصالح كانوا يخفون حسناتهم كما يخفي الناس سيئاتهم، ووقفنا على خطورة رياء العصر الذي تدعمه الشاشات وعدسات الهواتف، وبيّنا أن إراقة ماء وجه الفقير بالتصوير محقٌّ للأجر ومخالفة لشرع الله. والآن، ونحن نغادر هذا المجلس، كيف نترجم هذا إلى واقع عملي نعيشه؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزل من منبري: الأولى (قَلبيَّة): فَتِّش في نيَّتك قَبل أن تَخرُج لأيِّ عَمَلٍ تَطَوُّعيٍّ أو خَدَمي. اسأل نَفسك: هل أفعَلُ هذا لِيُقالَ عنِّي مُبادر؟ أم ابتغاءَ وَجه الله؟ جَدِّد النيَّة — قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] — فإن وُجِدَ الإخلاص، أثمَرَ العَمَلُ ولو كان صغيراً. الثانية (لِسانيَّة): اخفِض صَوتَك عن إنجازاتك الخيريَّة. اصمُت عن طاعةٍ واحدةٍ عظيمة فَعَلتَها، لا تُخبِر بها أحداً أبدًا، لا زَوجةً ولا صديقاً. دَعها سرّاً بينك وبين الله — ففي الحديث الصحيح: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ» (رواه مسلم). الثالثة (عَمَليَّة): اجعَل لكَ خَبيئةً من عَمَلٍ صالحٍ اليوم. نَظِّف مَكاناً عامّاً دون أن يَراك أحد، أو ادفَع صَدقةً إلكترونيةً لشخصٍ مُحتاجٍ في الخَفاء — لا تَنتَظِر حتَّى الشكر. جرِّب لذَّة العَمَل الخفيِّ هذه الليلة. الرابعة (اجتماعيَّة): احفَظ كَرامة المَحاويج. إن كُنتَ في فَريقِ تَوزيعٍ خيريّ، أو أردتَ مُساعدةَ فَقير، فَإِيَّاك أن تُصَوِّرَ وَجهَهُ أو حَالَتَهُ لِتَستَعرِضَ بها في حِساباتك. صُن ماءَ وَجهِ أخيك — يَصُن اللهُ وَجهَك من نار جَهَنَّم يوم القيامة. الخامسة (موضوعيَّة): تَطَوَّع بوَقتِكَ وجُهدِكَ لخِدمَة مُجتَمَعِكَ ومَسجِدِكَ أو حَيِّكَ. لا تَكُن إنساناً يَعيشُ لِنَفسِهِ فَقط. اخدِم الناسَ بِصَمت، فـ«أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ». الخِدمَةُ بلا استِعراض هي العِبادَةُ التي تَبني الأمم. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على تنقية السرائر، وإخلاص النيات، والعمل في صمت يرضي رب الأرض والسماوات. ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقد قال جل من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك الإخلاص في الأقوال والأعمال، والسر والعلن. اللهم طهر أعمالنا من الرياء، وقلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة. اللهم اجعلنا ممن إذا أعطى أخفى، وإذا عمل أخلص، وإذا ابتلي صبر. اللهم ارزقنا خبيئة من العمل الصالح لا يعلم بها أحد سواك، تنجينا بها يوم العرض عليك. اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وانفع بنا عبادك وبلادك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واقض حوائج المكروبين، وارحم ضعف المستضعفين من المسلمين في كل بقعة يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا ممن يقدمون لآخرتهم كما يقدمون لدنياهم، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.