وَحدَةُ كِبَارِ السِّنِّ وَمَسؤُولِيَّةُ الأُسرَةِ: حَقُّ الكَبِيرِ فِي الصُّحبَةِ وَالكَرَامَةِ وَتَقَاسُمُ خِدمَتِهِ بِرَحمَةٍ
الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنسَانَ مِن ضَعفٍ، ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ ضَعفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ قُوَّةٍ ضَعفًا وَشَيبَةً، يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَهُوَ الرَّحِيمُ الَّذِي جَعَلَ تَوقِيرَ ذِي الشَّيبَةِ المُسلِمِ مِن إِجلَالِهِ وَتَعظِيمِهِ، وَجَعَلَ البَرَكَةَ وَالنَّصرَ وَالرِّزقَ فِي رِعَايَةِ الضُّعَفَاءِ وَالأَكَابِرِ وَجَبرِ خَوَاطِرِهِم، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن يَعلَمُ أَنَّ الأَيَّامَ دُوَلٌ، وَأَنَّ الشَّبَابَ ظِلٌّ زَائِلٌ، وَأَنَّ مَن أَكرَمَ كَبِيرًا فِي ضَعفِهِ قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَن يُكرِمُهُ وَيَحفَظُ كَرَامَتَهُ عِندَ مَشِيبِهِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَرحَمُ الخَلقِ بِالكَبِيرِ، وَأَحفَظُهُم لِقَدرِ أَهلِ السَّابِقَةِ وَالشَّيبِ، كَانَ يُجلِسُ الشَّيخَ المُسِنَّ بَينَ يَدَيهِ، وَيَمسَحُ عَلَى صَدرِهِ تَطَيِيبًا لِخَاطِرِهِ، وَيُوصِي الأَئِمَّةَ بِالتَّخفِيفِ فِي الصَّلَاةِ مُرَاعَاةً لِلكَبِيرِ وَالضَّعِيفِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ بَنَوا مُجتَمَعَ التَّرَاحُمِ وَالتَّكَافُلِ، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى هَديِهِم إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالنَّظَرِ بِعَينِ الرَّحمَةِ وَالإِجلَالِ وَالوَفَاءِ إِلَى كِبَارِ السِّنِّ فِي بُيُوتِنَا وَأُسَرِنَا؛ فَإِنَّ رِعَايَتَهُم مِيزَانُ إِيمَانِ البُيُوتِ وَعُنْوَانُ بَرَكَتِهَا، كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الرُّومِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: ثَمَّةَ وَجَعٌ صَامِتٌ يَسكُنُ زَوَايَا كَثِيرٍ مِنَ البُيُوتِ فِي زَمَنِنَا هَذَا، لَا يَرتَفِعُ لَهُ صُرَاخٌ، وَلَا تَكتُبُ عَنهُ الشَّاشَاتُ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يَسمَعُ أَنِينَهُ وَيَرَى دُمُوعَهُ الخَفِيَّةَ؛ إِنَّهُ وَجَعُ «وَحدَةِ كِبَارِ السِّنِّ وَغُربَتِهِم بَينَ أَهلِهِم»!
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ حَالَ ذَلِكَ الشَّيخِ الجَلِيلِ أَو تِلكَ المَرأَةِ الكَبِيرَةِ الَّتِي أَفنَت زَهرَةَ شَبَابِهَا وَقُوَّةَ بَدَنِهَا فِي بِنَاءِ الأُسرَةِ، وَتَربِيَةِ الأَبنَاءِ، وَالسَّهَرِ عَلَى المَرضَى، حَتَّى إِذَا اشتَعَلَ الرَّأسُ شَيبًا، وَوَهَنَ العَظمُ، وَثَقُلَتِ الخُطَى، وَرَحَلَ أَغلَبُ أَقرَانِ الصِّبَا وَالشَّبَابِ إِلَى القُبُورِ، وَجَدَ هَذَا الكَبِيرُ نَفسَهُ وَحِيدًا فِي غُرفَتِهِ أَو عَلَى كُرسِيِّهِ!
وَالغَرِيبُ المُؤلِمُ أَنَّهُ قَد يَكُونُ وَحِيدًا وَالبَيتُ مَملُوءٌ بِالأَبنَاءِ وَالأَحفَادِ! لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُم قَد أَغلَقَ عَلَى نَفسِهِ بَابَ غُرفَتِهِ، أَو غَاصَ بِبَصَرِهِ وَسَمعِهِ فِي شَاشَةِ هَاتِفِهِ؛ فَيَخرُجُ الجَدُّ أَوِ الجَدَّةُ إِلَى صَالَةِ البَيتِ يَبحَثُ عَن عَينٍ تَنظُرُ إِلَيهِ بِشَوقٍ، أَو أُذُنٍ تُصغِي إِلَى حَدِيثِهِ، أَو لِسَانٍ يُؤَانِسُ وَحشَتَهُ، فَلَا يَجِدُ إِلَّا وُجُوهًا مُنكَبَّةً عَلَى الأَجهِزَةِ، وَإِجَابَاتٍ مُقتَضَبَةً بَارِدَةً تُوحِي إِلَيهِ أَنَّ كَلَامَهُ قَد صَارَ ثَقِيلًا وَأَنَّ زَمَنَهُ قَد مَضَى!
أَتَدرُونَ يَا عِبَادَ اللهِ مَا أَشَدُّ مَا يُؤلِمُ الكَبِيرَ فِي مَشِيبِهِ؟ لَيسَ هُوَ أَلَمَ المَفَاصِلِ، وَلَا ضَعفَ البَصَرِ، وَلَا كَثرَةَ الأَدوِيَةِ؛ بَل أَشَدُّ مَا يَكسِرُ قَلبَهُ هُوَ شُعُورُهُ بِالهَامِشِيَّةِ وَالِاستِغنَاءِ عَنهُ، وَإِحسَاسُهُ بِأَنَّهُ تَحَوَّلَ مِن عَمُودِ البَيتِ وَسَيِّدِ المَجلِسِ إِلَى «عِبءٍ ثَقِيلٍ» يَتَدَافَعُ الأَبنَاءُ خِدمَتَهُ أَو يَتَأَفَّفُونَ مِن مَوَاعِيدِ عِلَاجِهِ!
مَعَاشِرَ المُؤمِنِينَ: لَقَد رَفَعَ الإِسلَامُ مَقَامَ كَبِيرِ السِّنِّ رِفعَةً لَا تَعرِفُهَا الحَضَارَاتُ المَادِّيَّةُ الَّتِي تَقِيسُ قِيمَةَ الإِنسَانِ بِمِقدَارِ إِنتَاجِهِ المَالِيِّ وَقُوَّتِهِ البَدَنِيَّةِ، حَتَّى إِذَا شَاخَ وَضَعُفَ أَلقَتهُ فِي دُورِ العَجزَةِ يَمُوتُ وَحِيدًا؛ أَمَّا شَرِيعَةُ الرَّحمَةِ فَقَد جَعَلَت إِكرَامَ الشَّيبَةِ فَرعًا عَن إِجلَالِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ!
استَمِعُوا إِلَى هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَنَقَلَهُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَهذِيبِ السُّنَنِ وَالحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ فِي الحِكَمِ الجَدِيرَةِ بِالإِذَاعَةِ، عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِن إِجلَالِ اللهِ إِكرَامَ ذِي الشَّيبَةِ المُسلِمِ»!
يَا اللهُ! مَا أَعظَمَ هَذَا الرَّبطَ النَّبَوِيَّ! حِينَ تَنهَضُ لِلشَّيخِ الكَبِيرِ إِذَا دَخَلَ المَجلِسَ، وَحِينَ تُقَبِّلُ رَأسَهُ، وَحِينَ تَخفِضُ صَوتَكَ أَدَبًا بَينَ يَدَيهِ، وَحِينَ تُصغِي إِلَى كَلَامِهِ بِاحتِرَامٍ، فَأَنتَ فِي الحَقِيقَةِ تُعَظِّمُ اللهَ تَعَالَى الَّذِي كَسَاهُ وَقَارَ الشَّيبِ بَعدَ طُولِ السُّجُودِ وَالطَّاعَةِ!
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَجَامِعِ التِّرمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيسَ مِنَّا مَن لَم يَرحَم صَغِيرَنَا وَيَعرِف شَرَفَ كَبِيرِنَا».
تَأَمَّلُوا عِبَارَةَ: «وَيَعرِف شَرَفَ كَبِيرِنَا»! فَلِلكَبِيرِ شَرَفٌ وَكَرامَةٌ وَمَكَانَةٌ مَحفُوظَةٌ لَا تَسقُطُ بِضَعفِ ذَاكِرَتِهِ، وَلَا بِارتِعَاشِ يَدِهِ، وَلَا بِحَاجَتِهِ إِلَى مَن يُعِينُهُ عَلَى قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ!
وَانظُرُوا إِلَى هَديِ النَّبِيِّ ﷺ العَمَلِيِّ فِي حِفظِ كَرَامَةِ الكَبِيرِ وَعَدَمِ إِشقَاقِهِ؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَت: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ يَومَ الفَتحِ وَدَخَلَ المَسجِدَ، أَتَاهُ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِأَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ يَقُودُهُ — وَكَانَ شَيخًا كَبِيرًا قَد كُفَّ بَصَرُهُ —، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ رقَّ لِشَيبَتِهِ وَضَعفِهِ وَقَالَ: «هَلَّا تَرَكتَ الشَّيخَ فِي بَيتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ؟!»، قَالَ أَبُو بَكرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ أَحَقُّ أَن يَمشِيَ إِلَيكَ مِن أَن تَمشِيَ أَنتَ إِلَيهِ! قَالَت: فَأَجلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَينَ يَدَيهِ، ثُمَّ مَسَحَ صَدرَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَسلِمْ»، فَأَسلَمَ!
انظُرُوا يَا عِبَادَ اللهِ: سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﷺ فِي يَومِ نَصرِهِ العَظِيمِ وَحَولَهُ عَشَرَةُ آلافٍ مِنَ الفَاتِحِينَ، يَقُولُ عَن شَيخٍ كَبِيرٍ ضَرِيرٍ لَم يَكُنْ قَد أَسلَمَ بَعدُ: «هَلَّا تَرَكتَ الشَّيخَ فِي بَيتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ؟!»، ثُمَّ يُجلِسُهُ بَينَ يَدَيهِ وَيَمسَحُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَى صَدرِهِ! أَيُّ جَبرٍ لِلخَوَاطِرِ وَأَيُّ حِفظٍ لِكَرامَةِ المُسِنِّ أَعظَمُ مِن هَذَا الهَديِ النَّبَوِيِّ؟!
أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ: إِنَّ مِن أَعظَمِ الأَخطَاءِ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا بَعضُ الأُسَرِ اليَومَ فِي التَّعَامُلِ مَعَ كَبِيرِ السِّنِّ: أَن تَظُنَّ أَنَّ حَقَّهُ يَنتَهِي عِندَ تَوفِيرِ الدَّوَاءِ وَالغِذَاءِ وَالمَسكَنِ النَّظِيفِ، أَو استِئجَارِ خَادِمٍ يَقُومُ بِشُؤُونِهِ الجَسَدِيَّةِ، بَينَمَا يُترَكُ قَلبُهُ فِي عُزلَةٍ مُوحِشَةٍ!
إِنَّ لِلكَبِيرِ فِي أَعمَاقِ نَفسِهِ ثَلَاثَ حَاجَاتٍ رُوحِيَّةٍ لَا يَسُدُّهَا إِلَّا أَهلُهُ وَأَبنَاؤُهُ وَأَحفَادُهُ:
الحَاجَةُ الأُولَى: «حَقُّ الصُّحبَةِ وَالإنصَاتِ الصَّبُورِ»؛ فَالكَبِيرُ قَد يُعِيدُ القِصَّةَ القَدِيمَةَ عَشرَ مَرَّاتٍ، وَقَد يَسأَلُ عَنِ الأَمرِ الوَاحِدِ مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ لِضَعفِ ذَاكِرَتِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحلِ حِينَ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾؛ فَمِنَ الجَفَاءِ وَالقَسوَةِ أَن يُقَاطِعَهُ الشَّابُّ قَائِلًا: «لَقَد حَكيتَ لَنَا هَذِهِ القِصَّةَ أَمسِ!» أَو «لَقَد أَجَبتُكَ عَن هَذَا السُّؤَالِ قَبلَ قَلِيلٍ!»؛ بَلِ الأَدَبُ النَّبَوِيُّ وَالبِرُّ الصَّادِقُ أَن تُصغِيَ إِلَيهِ بِابتِسَامَةٍ وَاهتِمَامٍ كَأَنَّكَ تَسمَعُهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، كَمَا كَانَ هُوَ فِي صِغَرِكَ يَستَمِعُ إِلَى كَلِمَاتِكَ المُتَلَعثِمَةِ وَأَسئِلَتِكَ المُتَكَرِّرَةِ مِئَاتِ المَرَّاتِ دُونَ مَلَلٍ وَلَا تَبَرُّمٍ!
وَالحَاجَةُ الثَّانِيَةُ: «حِفظُ الكَرَامَةِ وَالمَكَانَةِ وَالمَشُورَةِ»؛ فَلَا تُشعِرُوا الكَبِيرَ أَبَدًا أَنَّ رَأيَهُ لَم يَعُد لَهُ قِيمَةٌ، وَلَا تَتَّخِذُوا قَرَارَاتِ العَائِلَةِ الكُبرَى مِن زَوَاجٍ أَو سَفَرٍ أَو تِجَارَةٍ دُونَ أَن تَعرِضُوهَا عَلَيهِ وَتَستَأذِنُوهُ وَتَطلُبُوا دُعَاءَهُ وَمَشُورَتَهُ؛ فَإِنَّ استِشَارَةَ الكَبِيرِ تُحيِي فِي نَفسِهِ الشُّعُورَ بِأَهمِّيَّتِهِ وَمَكَانَتِهِ، وَكَمَا رَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «البَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُم»!
وَالحَاجَةُ الثَّالِثَةُ: «تَقَاسُمُ الأُسرَةِ لِخِدمَتِهِ بِرَحمَةٍ وَعَدلٍ»؛ فَإِنَّ مِنَ الظُّلمِ المَعِيبِ الَّذِي نَرَاهُ فِي بَعضِ العَائِلَاتِ أَن يَكُونَ لِلأَبِ المُسِنِّ أَوِ الأُمِّ المَرِيضَةِ خَمسَةٌ أَو سِتَّةٌ مِنَ الأَبنَاءِ وَالبَنَاتِ، فَيَتَنَصَّلُ الجَمِيعُ مِن أَعبَاءِ الخِدمَةِ وَالمُتَابَعَةِ الطِّبِّيَّةِ وَالمَبِيتِ، وَيُلقُونَ الحِملَ كُلَّهُ عَلَى كَاهِلِ أَخٍ وَاحِدٍ أَو أُختٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَنهَارَ قُوَّتُهَا، بَينَمَا يَكتَفِي البَقِيَّةُ بِزِيَارَةٍ خَاطِفَةٍ كَزِيَارَةِ الضُّيُوفِ الغُرَبَاءِ!
أَلَا فَلْيَعلَمِ الأَبنَاءُ وَالبَنَاتُ جَمِيعًا أَنَّ رِعَايَةَ الكَبِيرِ فَرِيضَةٌ تَضَامُنِيَّةٌ، وَغَنِيمَةٌ أُخرَوِيَّةٌ يَجِبُ أَن يَتَنَافَسُوا فِي اقتِسَامِ شَرَفِهَا؛ فَهَذَا يَتَوَلَّى المَوَاعِيدَ الطِّبِّيَّةَ، وَهَذَا يَتَوَلَّى النَّفَقَةَ وَتَجهِيزَ المَكَانِ، وَهَذِهِ تَتَوَلَّى المَبِيتَ وَالمُؤَانَسَةَ فِي أَيَّامٍ مُحَدَّدَةٍ، وَالأَحفَادُ يَتَنَاوَبُونَ عَلَى القِرَاءَةِ لَهُ وَالتَّنزُّهِ بِهِ؛ لِيَشعُرَ الكَبِيرُ أَنَّهُ مُحَاطٌ بِخلِيَّةِ نَحلٍ مِنَ المَحَبَّةِ وَالرَّحمَةِ، وَلَا يُرهَقَ فَردٌ وَاحِدٌ مِنَ الأُسرَةِ فَوقَ طَاقَتِهِ!
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ وُجُودَ كَبِيرِ السِّنِّ أَوِ المَرِيضِ الضَّعِيفِ فِي البَيتِ لَيسَ مَغْرَمًا وَلَا عِبئًا كَمَا يُصَوِّرُهُ الشَّيطَانُ لِضِعَافِ النُّفُوسِ، بَل هُوَ وَاللهِ مِيزَابُ الرَّحمَةِ، وَبَابُ الرِّزقِ، وَدِرعُ البَلَاءِ الَّذِي يَحفَظُ اللهُ بِهِ الأُسرَةَ كُلَّهَا!
استَمِعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ قَالَ: رَأَى سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ لَهُ فَضلًا عَلَى مَن دُونَهُ — أَي بِقُوَّتِهِ وَشَجَاعَتِهِ —، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَل تُنصَرُونَ وَتُرزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُم؟!».
وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ ﷺ: «إِنَّمَا يَنصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا: بِدَعوَتِهِم، وَصَلَاتِهِم، وَإِخلَاصِهِم»!
فَإِذَا رَأَيتَ اللهَ قَد فَتَحَ عَلَيكَ فِي تِجَارَتِكَ، وَحَفِظَ لَكَ أَولَادَكَ، وَصَرَفَ عَن بَيتِكَ السُّوءَ، فَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ ذَلِكَ بِشَطَارَتِكَ وَقُوَّةِ ذِرَاعِكَ، بَل لَعَلَّهُ بِبَرَكَةِ دَعوَةٍ خَاشِعَةٍ رَفَعَهَا ذَلِكَ الشَّيخُ الضَّعِيفُ أَو تِلكَ العَجُوزُ القَاعِدَةُ عَلَى فِرَاشِهَا فِي جَوفِ اللَّيلِ وَأَنتَ نَائِمٌ!
وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ ذَكَّرَ الشَّبَابَ بِسُنَّةِ الأَيَّامِ وَتَعَاقُبِ الأَعمَارِ فَقَالَ:
وَارْحَمْ كَبِيرَ السِّنِّ وَاعْرِفْ حَقَّهُ ... فَالْحَيُّ إِنْ طَالَ الزَّمَانُ يَشِيخُ
فَاجعَلُوا يَا عِبَادَ اللهِ مِن بُيُوتِكُم جَنَّاتٍ وَارِفَةً يَأوِي إِلَيهَا كِبَارُكُم بِعِزَّةٍ وَكَرَامَةٍ وَأُنسٍ، وَاحفَظُوا فِيهِم جَمِيلَ مَا قَدَّمُوا؛ فَإِنَّ الجَزَاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، وَكَمَا تَدِينُ اليَومَ تُدَانُ غَدًا.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهُدَاهُ إِلَى يَومِ الدِّينِ، أَمَّا بَعدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ كَسرَ عُزلَةِ كِبَارِ السِّنِّ وَحِفظَ كَرَامَتِهِم مَسؤُولِيَّةٌ يَشتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ أَفرَادِ الأُسرَةِ، وَهَاكُم خَمسَ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ لِتَحقِيقِ هَذِهِ الرِّعَايَةِ الرَّحِيمَةِ:
الأُولَى: كَسرُ العُزلَةِ المَكَانِيَّةِ وَالنَّفسِيَّةِ دَاخِلَ البَيتِ؛ لَا تَجعَلُوا غُرفَةَ كَبِيرِ السِّنِّ مَعزُولَةً فِي أَقصَى المَنزِلِ بَعِيدًا عَن حَرَكَةِ الحَيَاةِ، بَلِ اجعَلُوا مَجلِسَهُ فِي قَلبِ البَيتِ حَيثُ تَجتَمِعُ الأُسرَةُ عَلَى الطَّعَامِ وَالسَّمَرِ، وَاحرِصُوا عَلَى إِخرَاجِهِ فِي نُزهَةٍ دَورِيَّةٍ لِلمَسجِدِ أَوِ الحَدِيقَةِ أَو زِيَارَةِ مَن بَقِيَ مِن أَقرَانِهِ وَأَحبَابِهِ لِتَجدِيدِ نَشَاطِهِ النَّفسِيِّ.
الثَّانِيَةُ: أَدَبُ «الإنصَاتِ الكَامِلِ» وَتَوقِيرُ الحَدِيثِ؛ إِذَا تَحَدَّثَ الكَبِيرُ فَأَقبِلُوا عَلَيهِ بِوُجُوهِكُم، وَلَا تُقَاطِعُوهُ، وَلَا تُصحِّحُوا لَهُ كُلَّ هَفوَةٍ فِي التَّوارِيخِ أَوِ الأَسمَاءِ تَصحِيحًا يُحرِجُهُ وَيُشعِرُهُ بِضَعفِ ذَاكِرَتِهِ، بَل أَشعِرُوهُ بِالِاهتِمَامِ وَالإِعجَابِ بِتَجرِبَتِهِ وَحِكمَتِهِ، وَتَصَدَّرُوا بِهِ المَجَالِسَ وَقَدِّمُوهُ فِي الكَلَامِ وَالطَّعَامِ.
الثَّالِثَةُ: التَّوزِيعُ العَادِلُ لِمَهَامِّ الخِدمَةِ بَينَ الإِخوَةِ وَالأَخَوَاتِ؛ اعقِدُوا اجتِمَاعًا أُسرِيًّا وُدِّيًّا تَضَعُونَ فِيهِ جَدوَلًا وَاضِحًا يَتَقَاسَمُ فِيهِ الجَمِيعُ شَرَفَ رِعَايَةِ الكَبِيرِ: مَن يَصحَبُهُ لِلطَّبِيبِ، وَمَن يَبيتُ عِندَهُ، وَمَن يُؤَانِسُهُ فِي المَسَاءِ، وَمَن يَكفِي القَائِمَ بِالخِدمَةِ المُبَاشِرَةِ مُؤنَتَهُ وَنَفَقَتَهُ؛ حَتَّى تَدُومَ الخِدمَةُ بِنَفْسٍ رَاضِيَةٍ مُنشَرِحَةٍ بِلَا ضَجرٍ وَلَا شِقَاقٍ.
الرَّابِعَةُ: صِيَانَةُ الكَرَامَةِ عِندَ العَجزِ الجَسَدِيِّ؛ إِذَا ابتُلِيَ الكَبِيرُ بِمَرَضٍ يُقعِدُهُ عَن خِدمَةِ نَفسِهِ أَوِ الطَّهَارَةِ، فَبَالِغُوا فِي سَترِهِ وَالتَّلَطُّفِ بِهِ، وَإِيَّاكُم أَن يَسمَعَ مِنكُم تَأَفُّفًا أَو يَرَى فِي وُجُوهِكُم تَقَزُّزًا أَو تَبَرُّمًا؛ بَل قَبِّلُوا يَدَهُ وَأَخبِرُوهُ أَنَّ خِدمَتَهُ شَرَفٌ وَقُربَةٌ إِلَى اللهِ، وَلَا تَكِلُوا أَمرَهُ كُلَّهُ لِلخَدَمِ دُونَ إِشرَافٍ مُبَاشِرٍ وَرِعَايَةٍ حَانِيَةٍ مِنكُم.
الخَامِسَةُ: رَبطُ الكَبِيرِ بِالآخِرَةِ بِلُطفٍ وَبِشَارَةٍ وَتَيسِيرٍ؛ أَعِينُوا كِبَارَ السِّنِّ عَلَى ذِكرِ اللهِ وَتِلَاوَةِ القُرآنِ وَسَمَاعِهِ، وَعَلِّمُوهُم رُخَصَ الشَّرِيعَةِ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ لِئَلَّا يَشُقُّوا عَلَى أَنفُسِهِم، وَذَكِّرُوهُم بِسَعَةِ رَحمَةِ اللهِ وَعَظِيمِ أَجرِ الصَّبرِ عَلَى الضعفِ وَالمَرَضِ؛ لِيَعيشُوا أَيَّامَهُمُ الأَخِيرَةَ فِي طُمَأنِينَةٍ وَرِضًا وَحُسنِ ظَنٍّ بِاللهِ.
اللَّهُمَّ يَا رَحمَنُ يَا رَحِيمُ، احفَظ كِبَارَ السِّنِّ فِي بُيُوتِنَا وَمُجتَمَعَاتِنَا، اللَّهُمَّ آنِس وَحشَتَهُم، وَاجبُر كَسرَهُم، وَقَوِّ ضَعفَهُم، وَاشفِ مَرِيضَهُم، وَأَلبِسهُم ثَوبَ الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ وَالوَقَارِ وَالكَرَامَةِ. اللَّهُمَّ ارزُقنَا بِرَّهُم وَإِكرَامَهُم وَالإِحسَانَ إِلَيهِم، وَلَا تَحرِم بُيُوتَنَا مِن بَرَكَةِ دُعَائِهِم، اللَّهُمَّ وَإِذَا بَلَغنَا الكِبَرَ وَالمَشِيبَ فَلَا تَكِلنَا إِلَى أَنفُسِنَا وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِن خَلقِكَ طَرفَةَ عَينٍ، وَقَيِّض لَنَا مَن يَرحَمُ ضَعفَنَا وَيَحفَظُ كَرَامَتَنَا، وَاختِم لَنَا وَلَهُم بِالصَّالِحَاتِ أَعمَالَنَا، وَاغفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
وَحدَةُ كِبَارِ السِّنِّ وَمَسؤُولِيَّةُ الأُسرَةِ: حَقُّ الكَبِيرِ فِي الصُّحبَةِ وَالكَرَامَةِ وَتَقَاسُمُ خِدمَتِهِ بِرَحمَةٍ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.