من مكتبة مِداد الخطيب

في ميزان السَّماء: مَن هُم خَيرُ النَّاس؟

مشاركة
🕌 في ميزان السَّماء: مَن هُم خَيرُ النَّاس؟ #خطبة_جمعة #خير_الناس #الأخلاق #نفع_الناس #القرآن #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي فاوَتَ بَينَ العِبادِ في الدَّرجات، وجَعَلَ مِعيارَ التَّفاضُلِ بَينَهُم في التَّقوى وصالِحِ العادات، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَرفَعُ مَن تَواضَعَ لجَلالِه، ويُعلي قَدرَ مَن نَفَعَ عِيالَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، خَيرُ البَرِيَّةِ قاطِبَة، وأكرَمُ مَن مَشى على الأرضِ قاطِبَة، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، لو سَألنا أهلَ الأرضِ اليومَ: مَن هُم خَيرُ النَّاس؟ لاختَلَفَتِ الإجاباتُ بحَسَبِ الأهواء. أهلُ الدُّنيا سَيَقولون: خَيرُ النَّاسِ أطوَلُهم أرصِدَةً، وأعلاهُم مَناصِبَ، وأكثَرُهم أتباعًا ومُعجَبين. لكنَّ السَّماءَ لها ميزانٌ آخَر. ميزانٌ لا يَلتَفِتُ لِلأنسابِ ولا للألقابِ ولا لِلثَّرَوات. في خطبتنا اليوم، سَنَفتَحُ سِجِلَّاتِ الوَحي، لنَقرَأَ مِن فَمِ الصَّادِقِ المَصدوقِ ﷺ الإجابةَ السَّماويَّة الحَقَّة. فَمَن هُم خَيرُ النَّاس؟ وهل نَحنُ مِنهُم؟ الجَوابُ بَعدَ قليل. أيُّها الإخوةُ الأكارِم، إنَّ أزمَةَ البَشَريَّةِ اليومَ هي "أزمَةُ مَعايير". نَحنُ نَعيشُ في عَصرٍ تَتَسابَقُ فيهِ النُّفوسُ إلى الأفضَليَّة، الكُلُّ يُريدُ أن يَكونَ "الأفضَل"، و"الأوَّل"، و"الرَّقَمَ الصَّعب". لكنَّ السُّؤالَ الجَوهَريّ: أفضَلُ في عَينِ مَن؟ هل تَبحَثُ عن أفضَليَّةٍ في عَينِ مُديرِك؟ أم في عَينِ النَّاسِ في مَواقِعِ التَّواصُل؟ أم تُريدُ أن يُنادَى باسمِكَ في السَّماءِ المَلَكِيِّ الأعلى بأنَّكَ "خَيرُ النَّاس"؟ يُقَرِّرُ رَبُّنا تبارَكَ وتَعالى هذا الميزانَ قَرارًا قاطِعًا لا رَجعَةَ فيه، فيَقولُ جَلَّ جَلالُه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]. التَّقوى هي الأساس، لكنَّ النَّبيَّ ﷺ فَصَّلَ لنا هذه التَّقوى في صُورٍ عَمَليَّةٍ مَلموسَة، وأعطانا أوسِمَةً واضِحَة، مَن حازَ واحِدًا مِنها، فَقَد نالَ وِسامَ "خَيرُ النَّاس". تَأمَّلوا مَعي الوِسامَ الأوَّل. وَقَفَ النَّبيُّ ﷺ يُخاطِبُ أُمَّتَه، فَيَقولُ كما في الحَديثِ الذي رَواهُ البُخاري: «خَيرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ وعَلَّمَه». لِماذا جَعَلَ اللهُ مُعَلِّمَ القُرآنِ ومُتَعَلِّمَهُ خَيرَ النَّاس؟ لأنَّ القُرآنَ هو حَبلُ اللهِ المَمدودُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرض. مَن تَمَسَّكَ بهِ، فَقَدِ اتَّصَلَ بالسَّماء. ومَن عَلَّمَهُ لِغَيرِه، فَقَد أضاءَ لَهُم طَريقَ السَّماء. يَقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "ومَن تَدَبَّرَ القُرآنَ طالِبًا الهُدى مِنهُ، تَبَيَّنَ لهُ طَريقُ الحَقّ". كم مِن رَجُلٍ بَسيطٍ، لا يَعرِفُهُ أهلُ الحَيّ، يَجلِسُ في زاوِيَةِ المَسجِدِ بَعدَ العَصر، يُحَفِّظُ أطفالَ المُسلِمينَ جُزءَ عَمَّ، هو في ميزانِ اللهِ أعظَمُ مِن أساطينِ الأرضِ ومُفَكِّريها! لأنَّهُ يَبني النُّفوسَ بكلامِ رَبِّ العالَمين. فهل نِلتَ نَصيبًا مِن هذهِ الخَيريَّة؟ هل تَعلَّمتَ آيَة؟ هل حَفَّظتَ ابنَكَ سُورَة الفاتِحَة؟ قال تَعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113]. ثُمَّ نَنتَقِلُ إلى الوِسامِ الثَّاني. وِسامٌ يَلمَسُ حَياتَنا كُلَّ يَوم. يَقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ: «خَيرُ النَّاسِ أنفَعُهُم لِلنَّاس». يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! ويا لَرَحمَةِ هذا الرَّبِّ الكَريم! الإسلامُ لَم يَحصُرِ الأفضَليَّةَ فيمَن يَعتَكِفُ في المَسجِدِ لَيلَ نَهار ويَقطَعُ صِلَتَهُ بالبَشَر. بَل جَعَلَ أفضَلَ البَشَرِ هو الَّذي يَتَعَدَّى نَفعُهُ إلى الآخَرين. مَن هو أنفَعُ النَّاس؟ هو الطَّبيبُ الَّذي يُخَفِّفُ ألَمَ المَريضِ ابتِغاءَ وَجهِ الله. هو المُعَلِّمُ الَّذي يَصبِرُ على أبناءِ المُسلِمينَ لِيُخرِجَهُم مِنَ الجَهل. هو الموظَّفُ الَّذي يُنْجِزُ مُعامَلاتِ النَّاسِ ولا يُعَسِّرُها عَلَيهِم. هو أنتَ، حِينَ تُميطُ الأذى عَنِ الطَّريق، أو تَبتَسِمُ في وَجهِ أخيك، أو تُسَدِّدُ دَينًا عَن مَكروب. يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "إنَّ في قَضاءِ حَوائِجِ النَّاسِ لَذَّةً لا يَعرفُها إلَّا مَن جَرَّبَها، فافعَلِ الخَيرَ مَهما استَصغَرتَه". ورَبُّنا تبارَكَ وتَعالى يُنادِينا جَميعًا بِهذا النِّداءِ العَظيم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. العَمَلُ الصَّالِحُ هُنا يَتَّسِعُ لِيَشمَلَ كُلَّ نَفعٍ تَقومُ بِهِ لأخيك. واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ التَّاريخيِّ العَجيب، لِنَعرِفَ كَيفَ فَهِمَ الصَّحابَةُ هذا المَعنى. كانَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عَنهُما مُعتَكِفًا في مَسجِدِ
رَسولِ اللهِ ﷺ، والاعتِكافُ عِبادَةٌ عَظيمَة، ومَتى؟ في المَسجِدِ النَّبَويّ. فَجاءَهُ رَجُلٌ مَهمومٌ، تَبدو على وَجهِهِ كآبَةُ الدَّينِ وكَسرَةُ القَلب. فَسَألَهُ ابنُ عَبَّاس: ما لي أراكَ حَزينًا؟ فَأخبَرَهُ أنَّ عَلَيهِ دَينًا لِفُلانٍ ولا يَستَطيعُ سَدادَه. فَماذا فَعَلَ حَبرُ الأُمَّة؟ هل قالَ لَه: ادعُ اللهَ وسَيُفَرِّجُها؟ لَا! بَل نَهَضَ ابنُ عَبَّاسٍ وابتَدَأ يَخرُجُ مِنَ المَسجِد. فَقالَ لَهُ الرَّجُل: يا ابنَ عَبَّاس، أنَسيتَ أنَّكَ مُعتَكِف؟ فَقالَ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب، قال: "لا، ولَكِنِّي سَمِعتُ صاحِبَ هذا القَبرِ ﷺ والعَهدُ بِهِ قَريب — فَدَمَعَت عَيناه — يَقول: مَن مَشى في حاجَةِ أخيهِ حَتَّى يَبلُغَها، كانَ خَيرًا لَهُ مِنِ اعتِكافِ عَشْرِ سِنين!". عَشرُ سِنينَ اعتِكافًا، تَعدِلُها مَشيَةٌ واحِدَةٌ لِقَضاءِ حاجَةِ إنسان! هَكَذا يَكونُ "خَيرُ النَّاس". وقد أثنى اللهُ على هذا الصِّنفِ فَقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. أمَّا الوِسامُ الثَّالِث، فَهوَ مُرتَبِطٌ بأقرَبِ النَّاسِ إلَيك. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيح: «خَيرُكُم خَيرُكُم لِأهلِه، وأنا خَيرُكُم لِأهلي». أيُّها المُسلِمون، مِن عَجائِبِ هذا الزَّمان، أنَّكَ تَجِدُ الرَّجُلَ في الشَّارِعِ مَعَ أصدِقائِهِ، بَشوشًا، مُبتَسِمًا، كَريمًا، لا تَسمَعُ مِنهُ إلَّا أطيَبَ القَول. فإذا دَخَلَ بَيتَه، نَزَعَ قِناعَ اللُّطف، وأصبَحَ قاسيًا، جافًّا، سَليطَ اللِّسان، يَتَصَيَّدُ الأخطاءَ لِزَوجَتِهِ وأولادِه! أهَذا هو خَيرُ النَّاس؟ مُستَحيل! حُسنُ الخُلُقِ الحَقيقيُّ لا يُختَبَرُ في الشَّارِع مَعَ مَن تَراهُم ساعَةً وتَمضي، ولا يُختَبَرُ مَعَ مُديرِكَ الَّذي تَرجو مَنفَعَتَه، حُسنُ الخُلُقِ يُختَبَرُ بَينَ أربَعَةِ جُدران، مَعَ زَوجَتِكَ الَّتي لا تَملِكُ لكَ ضَرًّا ولا نَفعًا دُنيَوِيًّا، مَعَ أبنائِكَ الضُّعَفاء. هُنا يَظهَرُ المَعدِنُ الأصيل. إذا كُنتَ سَيِّئًا مَعَ أهلِك، فَكُلُّ ابتِساماتِكَ الخارِجيَّةِ لا وَزنَ لها في ميزانِ "الخَيريَّة". رَبُّنا تبارَكَ وتَعالى أمَرَنا فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. الوِسامُ الرَّابِع، وِسامُ الخُلُقِ العَظيم. قالَ المَبعوثُ رَحمَةً لِلعالَمين ﷺ: «إنَّ مِن خِيارِكُم أحاسِنَكُم أخلاقًا». الخُلُقُ الحَسَنُ لَيسَ إضافَةً تَجميليَّةً في الدِّين؛ الخُلُقُ هُوَ صُلبُ الدِّين. هَل سَألتَ نَفسَكَ يَومًا: لِماذا كانَ أثقَلُ شَيءٍ في الميزانِ يَومَ القِيامَةِ حُسنَ الخُلُق؟ لأنَّ حُسنَ الخُلُقِ يَعني أنَّكَ تُجاهِدُ نَفسَكَ في كُلِّ لَحظَة: تَكتُمُ غَيظَك، تَتَجاوَزُ عَنِ الجاهِل، تَحفَظُ لِسانَك، تَعفو عَمَّن ظَلَمَك. وهذا جِهادٌ لا يَقوى عَلَيهِ إلَّا الكِبار. قالَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "حُسنُ الخُلُقِ: بَسطُ الوَجه، وبَذلُ النَّدى، وكَفُّ الأذى". بَسَاطَةٌ في الكَلِماتِ لكِنَّها تَحتاجُ عُمرًا مِنَ المُجاهَدَةِ لِتَطبيقِها. واقرَؤوا إن شِئتُم قَولَ الحَقِّ جَلَّ جَلالُه: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. واللَّهُ يُحِبُّ المُحسِنين... ومَن أحَبَّهُ اللهُ، فَهُوَ قَطعًا مِن خَيرِ النَّاس. الوِسامُ الخامِس، وهوَ أعمَقُها وأدَقُّها... وِسامُ "القَلبِ المَخموم". قيلَ يا رَسولَ الله: أيُّ النَّاسِ أفضَل؟ قال ﷺ: «كُلُّ مَخمومِ القَلبِ، صَدوقِ اللِّسان». قالوا: صَدوقُ اللِّسانِ نَعرِفُه، فَما مَخمومُ القَلب؟ قالَ ﷺ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لا إثمَ فيهِ ولا بَغيَ ولا غِلَّ ولا حَسَد». تَوَقَّفوا هُنا لَحظَة. الكثيرُ مِنَّا قَد يُصَلِّي، ويَصوم، ويَتَصَدَّق. لَكِنْ كَم مِنَّا يَنامُ ولَيسَ في قَلبِهِ غِلٌّ على أحَد؟ كَم مِنَّا يَرى نِعمَةَ اللهِ تَنزِلُ على أخيهِ، أو جارِهِ، أو زَميلِهِ في العَمَل، فَيَفرَحُ لَهُ مِن كُلِّ قَلبِهِ ولا يَحسِدُه؟ القَلبُ المَخمومُ (أي المَكنوسُ النَّظيفُ المُطَهَّر)، هوَ العُملَةُ النَّادِرَةُ في هذا الزَّمان. تَجِدُ الرَّجُلَ سَجَّادًا بَكَّاءً، لَكِنَّ قَلبَهُ يَأكُلُهُ الحَسَدُ والغِلُّ والمُقَطاعَةُ لِأرحامِه! فأينَ هذا مِن خَيرِ النَّاس؟ يَقولُ رَبُّنا سُبحانَهُ في وَصفِ النَّاجينَ يَومَ الحِساب: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. القَلبُ السَّليمُ هو رَأسُ مالِكَ يَومَ القِيامَة. فَطَهِّر قَلبَكَ قَبلَ أن يُوَسَّدَ جَسَدُكَ التُّراب. أيُّها الأَحِبَّة، لِنَنتَقِلَ الآنَ مَعًا إلى قِصَّةٍ تَهزُّ الوِجدان، لِنَرى كَيفَ طَبَّقَ السَّلَفُ مَفهومَ "خَيرِ النَّاس" نَفعًا وإحسانًا. ماتَ الإمامُ
عَلِيُّ بنُ الحُسَين (زَينُ العابِدين) رَحِمَهُ الله، وكانَ مِن ساداتِ التَّابِعين وعُلَمائِهِم. فَلَمَّا وَضَعوهُ عَلى المُغتَسَلِ لِيُغَسِّلوه، نَظَرَ المُغَسِّلُ إلى ظَهرِه، فَوَجَدَ فيهِ آثارًا سَوداء، مِثلَ الجُروحِ الغائِرَة الكَدِمَة. تَعَجَّبَ النَّاس! ماذا كانَ يَفعَلُ الإمامُ في حَياتِهِ لِيُصبِحَ ظَهرُهُ هَكَذا؟ وهُوَ العالِمُ الجَليل! ولَم يَعرِفوا الجَوابَ إلَّا بَعدَ أيَّام. انقَطَعَتِ المُؤَنُ والطَّعامُ عَن مِئَةِ بَيتٍ مِن بُيوتِ الأرامِلِ والفُقَراءِ في المَدينَة. كانوا يَجِدونَ الطَّعامَ عِندَ أبوابِهِم في اللَّيل، ولا يَدرونَ مَن وَضَعَه. فَلَمَّا ماتَ زَينُ العابِدين، عَرَفوا أنَّهُ هُوَ الَّذي كانَ يَحمِلُ الدَّقيقَ والطَّعامَ عَلى ظَهرِهِ في ظَلامِ اللَّيلِ ليُوَزِّعَهُ عَلى الفُقَراءِ خُفيَةً، حَتَّى أثَّرَت أكياسُ الدَّقيقِ في عَظمِ ظَهرِه! هَؤُلاء هُم خَيرُ النَّاس! عَمَلٌ في الخَفاء، نَفعٌ لِعِبادِ الله، لا يَرجونَ جَزاءً ولا شُكورًا، كَما قالَ تَعالى في وَصفِهِم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]. ورُبَّما يَقولُ قائِلٌ مِنكُم الآن: هَذِهِ قِصَصُ السَّلَف، وقَد مَضى زَمانُهُم، ونَحنُ نَعيشُ حَياةً صَعبَةً اليَوم. أقولُ لَك: بَل خَيرُ النَّاسِ مَوجودونَ بَينَنا اليَوم. رُبَّما تَكونُ تِلكَ الأُمُّ المُتَابَةُ الَّتي تَستَيقِظُ قَبلَ الفَجر، تُجَهِّزُ طَعامَ أبنائِها، وتَبتَسِمُ لَهُم رُغمَ إرهاقِها، هيَ مِن خَيرِ النَّاس. رُبَّما يَكونُ ذَلِكَ العامِلُ البَسيط، الَّذي يَقومُ بِعَمَلِهِ بِأمانَة، ويَلقى النَّاسَ بِوَجهٍ طَلقٍ يُخَفِّفُ عَنهُم عَناءَ يَومِهِم، هُوَ مِن خَيرِ النَّاس. رُبَّما تَكونُ أنت، عِندَما تَكظِمُ غَضَبَكَ في زِحامِ الطَّريق، وتَعفو عَمَّن أخطَأَ في حَقِّك، أنتَ في تِلكَ اللَّحظَةِ مِن خَيرِ النَّاس. لَقَد جَمَعَ النَّبيُّ ﷺ كُلَّ هَذِهِ المَعاني عِندَما سُئِل: أيُّ النَّاسِ خَير؟ فَقالَ جَوابًا يَجمَعُ خَيرَ الدُّنيا والآخِرَة: «مَن طالَ عُمُرُه، وحَسُنَ عَمَلُه». فَيا مَن مَدَّ اللهُ في عُمُرِهِ حَتَّى سَمِعَ هذه الخُطبَة، الأيَّامُ الَّتي نَعيشُها هي فُرصَةٌ لا تُعَوَّض لِنَكونَ مِن هَذِهِ الصَّفوَة. فَسارِعوا عِبادَ اللهِ إلى تَبَوُّءِ هَذِهِ المَنازِل، فَإنَّ السِّباقَ قَد بَدَأ، والوَقتَ يَمضي، والمَوتَ قَريب. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، يُحِبُّ المُحسِنين، ويَجزي الصَّابِرين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ، إمامِ المُتَّقينَ وقُدوَةِ العامِلين، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ مَوازينِ الخَيريَّةِ في السَّماء. سَمِعنا كَيفَ أنَّ القُرآنَ، ونَفعَ النَّاس، وحُسنَ الخُلُق، والإحسانَ لِلأهل، وسَلامَةَ القَلب، هِيَ الأوسِمَةُ الحَقيقيَّةُ الَّتي يَنبَغي أن نَتَنافَسَ عَلَيها. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَمّ، السُّؤالِ الَّذي سَيُحَدِّدُ إن كانَت هذهِ الخُطبَةُ سَتَمُرُّ مُرورَ الرِّيح أم سَتُثمِرُ في قُلوبِكُم: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا إلى واقِعٍ في حَياتِنا المُعاصِرَة؟ كَيفَ أكونُ غَدًا صَباحًا واحِدًا مِن "خَيرِ النَّاس"؟ وأوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزلَ من مَنبري: الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ اللَّيلَةَ قَبلَ أن تَنام. كُن "مَخمومَ القَلب". إذا وَضَعتَ رَأسَكَ عَلى الوِسادَة، فَقُل: "اللَّهُمَّ إنِّي عَفَوتُ عَن كُلِّ مَن ظَلَمَني، اللَّهُمَّ لا تَجعَل في قَلبي غِلًّا لِأحَد". تَخَلَّص مِن أثقالِ الحَسَدِ والمَظالِمِ، فَإنَّها تَأكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأكُلُ النَّارُ الحَطَب. الثانية (لِسانيَّة): اجعَل لكَ نَصيبًا مِن وِسام "خَيرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ وعَلَّمَه". إن لَم تَستَطِع أن تَكونَ مُعَلِّمًا في حَلقَة، فَعَلِّم ابنَكَ آيَةً اللَّيلَة، أو أرسِل حَديثًا نافِعًا، أوِ اقرَأ وِردَكَ اليَومِيَّ بِتَدَبُّر. القُرآنُ يَشخَصُ بِصاحِبِهِ حَتَّى يُوصِلَهُ إلى الجَنَّة. الثالثة (عَمَليَّة): انْفَع شَخصًا واحِدًا عَلى الأقَلِّ هذا اليَوم. طَبِّق حَديثَ "أنفَعُهُم لِلنَّاس". لَيسَ بالضَّرورَةِ أن تَدْفَعَ مالًا كَثيرًا؛ ابتَسِم في وَجهِ عامِلِ النَّظافَة، أعِن كَبيرًا في الطَّريق، اِقْضِ مُعاملَةً لِمُراجِعٍ في عَمَلِك. قال ﷺ: «أحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ سُرورٌ
تُدخِلُهُ عَلى مُسلِم». اجعَل هذا الهَدَفَ أمامَ عَينَيكَ اليَوم. الرابعة (اجتماعيَّة): طَبِّق وِسامَ "خَيرُكُم لأهلِه" بِمُجَرَّدِ دُخولِكَ بَيتَكَ اليَوم. ادخُل بِبَشاشَة، ألقِ السَّلامَ بِصَوتٍ دافِئ، قُل كَلِمَةً طَيِّبَةً لِزَوجَتِك الَّتي أتعَبَها مَسارُ اليَوم، استَمِع لِأبنائِك. البَيتُ الَّذي يُبنى عَلى المَوَدَّةِ واللُّطفِ هُوَ بَيتٌ يُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُه. الخامسة (موضوعيَّة): تَحَلَّ بِحُسنِ الخُلُقِ غَدًا في عَمَلِك أو في زِحامِ المُرور. عِندَما يَستَفِزُّكَ مَوقِفٌ، تَذَكَّر: "إنَّ مِن خِيارِكُم أحاسِنَكُم أخلاقًا". ابتَلِع غَضَبَك، وتَذَكَّر أنَّ المَوقِفَ سَيَمضي، ولَكِنَّ الأجرَ أوِ الإثمَ هُوَ الَّذي يَبقى. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ التَّقوى هي المِفتاحُ لِكُلِّ خَير، ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيهِ، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. 🤲 الدعاء اللَّهُمَّ يا حَيُّ يا قَيُّوم، يا ذا الجَلالِ والإكرام، اجعَلنا مِن خَيرِ النَّاس، وأنفَعِ النَّاسِ لِلنَّاس. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ النِّفاق، وأعمالَنا مِنَ الرِّياء، وألسِنَتَنا مِنَ الكَذِب. اللَّهُمَّ ارزُقنا قُلوبًا مَخمومَةً سَليمَة، تَلقاكَ وأنتَ راضٍ عَنها، لا تَحمِلُ حِقدًا ولا حَسَدًا لِأحَدٍ مِنَ المُسلِمين. اللَّهُمَّ حَسِّن أخلاقَنا كَما حَسَّنتَ خَلقَنا، واجعَلنا خَيرًا لِأهلينا ولِأبنائِنا ولِمُجتَمَعِنا. اللَّهُمَّ استَخدِمنا في طاعَتِك، واجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ، مَغاليقَ لِلشَّر. اللَّهُمَّ مَن كانَ مِنَّا مَهمومًا فَفَرِّج هَمَّه، ومَن كانَ مَديونًا فاقضِ دَينَه، ومَن كانَ مَريضًا فاشفِهِ وعافِه. اللَّهُمَّ أحسِن خَواتيمَ أعمالِنا، واجعَل أطوَلَ أعمارِنا في طاعَتِك، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.