من مكتبة مِداد الخطيب

وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُم: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن بَقَاءِ أَثَرِ الأَعمَالِ بَعدَ المَمَاتِ وَخَوفِ الصَّالِحِينَ مِنهَا وَخُطُورَةِ النَّشرِ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ

مشاركة
وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُم: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن بَقَاءِ أَثَرِ الأَعمَالِ بَعدَ المَمَاتِ وَخَوفِ الصَّالِحِينَ مِنهَا وَخُطُورَةِ النَّشرِ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الحَمدُ للهِ العَلِيمِ الخَبِير، السَّمِيعِ البَصِير، المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا، وَالمُحصِي لِكُلِّ شَيءٍ عَدَدًا، الَّذِي لَا يَعزُبُ عَن عِلمِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرضِ وَلَا أَصغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن أَيقَنَ أَنَّ الأَنفَاسَ مَعدُودَة، وَأَنَّ الخُطُوَاتِ مَرصُودَة، وَأَنَّ الكَلِمَاتِ وَالأَفعَالَ وَآثَارَهَا مَكتُوبَةٌ مَحفُوظَةٌ فِي سِجِلَّاتٍ لَا تَضِلُّ وَلَا تَنسَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، الحَكَمُ العَدلُ الَّذِي يَضَعُ المَوَازِينَ القِسطَ لِيَومِ القِيَامَةِ فَلَا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئًا، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الَّذِي أَنذَرَ وَبَشَّر، وَبَيَّنَ لِلأُمَّةِ أَنَّ العَبدَ قَد يَمُوتُ وَيَبلَى جَسَدُهُ تَحتَ التُّرَابِ بَينَمَا تَظَلُّ صَحِيفَتُهُ مَفتُوحَةً يَجرِي فِيهَا مَا خَلَّفَهُ مِن أَثَرِ الهُدَى أَو أَثَرِ الضَّلَال، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ السَّابِقِينَ الأَبرَار، الَّذِينَ خَافُوا مَوقِفَ الحِسَابِ فَحَاسَبُوا أَنفُسَهُم عَلَى الكَلِمَةِ وَالخُطوَةِ وَالأَثَر، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ المَآبِ وَالقَرَار. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي السِّرِّ وَالعَلَن، وَمُرَاقَبَتِهِ فِي القَولِ وَالعَمَل، وَالتَّأَمُّلِ فِي عَوَاقِبِ الأَفعَالِ قَبلَ صُدُورِهَا، وَفِي آثَارِهَا المَمتَدَّةِ بَعدَ مُرُورِهَا، كَمَا أَمَرَنَا رَبُّنَا سُبحَانَهُ فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]. أَيُّهَا المُسلِمُون: هُنَاكَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ فِي سُورَةِ يس، تَمُرُّ عَلَى أَسمَاعِنَا وَأَلسِنَتِنَا كَثِيرًا، لَكِنَّهَا لَو نَزَلَت عَلَى قَلبٍ يَقِظٍ لَأَطارَت نَومَهُ، وَلَأَوقَفَتهُ طَوِيلًا يُحَاسِبُ نَفسَهُ عَلَى كُلِّ حَرَكَةٍ وَسَكَنَةٍ وَكَلِمَةٍ وَإِشَارَة! إِنَّهَا قَولُ اللهِ جَلَّ جَلَالُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ دِقَّةَ هَذَا البَيَانِ الإِلَهِيِّ المُعجِز! لَم يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: «وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا» فَحَسب، بَل أَضَافَ إِلَيهَا كَلِمَةً تَخلَعُ القُلُوبَ وَتَهُزُّ الضَّمَائِرَ فَقَال: «وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُم»! فَالإِنسَانُ لَا يُكتَبُ عَلَيهِ فَقَط مَا بَاشَرَهُ بِيَدِهِ وَقَدَّمَهُ فِي حَيَاتِهِ مِنَ الأَعمَال، بَل يُكتَبُ لَهُ أَو عَلَيهِ أَيضًا «آثَارُ تِلكَ الأَعمَال»! وَقَد ذَكَرَ أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ كَلِمَةَ «وَآثَارَهُم» فِي هَذِهِ الآيَةِ تَجمَعُ مَعنَيَينِ جَلِيلَينِ كِلَاهُمَا حَقٌّ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَة: أَمَّا المَعنَى الأَوَّلُ لِـ«آثَارِهِم»: فَهُوَ آثَارُ الخُطَى الَّتِي يَمشِيهَا العَبدُ بِقَدَمَيهِ عَلَى وَجهِ الأَرضِ إِلَى طَاعَةِ اللهِ أَو إِلَى مَعصِيَتِه! وَلِهَذِهِ الآيَةِ قِصَّةٌ عَجِيبَةٌ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا أَخرَجَهَا الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَال: خَلَتِ البِقَاعُ حَولَ المَسجِدِ النَّبَوِيّ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ -وَكَانَت دِيَارُهُم فِي أَقصَى المَدِينَةِ- أَن يَنتَقِلُوا إِلَى قُربِ المَسجِد، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، فَقَالَ لَهُم: «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُم تُرِيدُونَ أَن تَنتَقِلُوا قُربَ المَسجِدِ»، قَالُوا: نَعَم يَا رَسُولَ اللهِ قَد أَرَدنَا ذَلِك! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُم تُكتَبْ آثَارُكُم! دِيَارَكُم تُكتَبْ آثَارُكُم!». وَفِي رِوَايَةِ التِّرمِذِيِّ وَصحَّحَهَا عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ نَزَلَت فِيهِم هَذِهِ الآيَة: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾! اللهُ أَكبَر! كُلُّ خُطوَةٍ يَرفَعُ فِيهَا المُؤمِنُ قَدَمَهُ وَيَضَعُ الأُخرَى إِلَى بَيتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ لِأَدَاءِ الصَّلَاة، أَو لِعِيَادَةِ مَرِيض، أَو لِصِلَةِ رَحِم، أَو لِلسَّعيِ عَلَى عِيَالِه، أَو لِإِغَاثَةِ مَلهُوف، تَرصُدُهَا المَلَائِكَةُ خُطوَةً بِخُطوَة، وَتَطبَعُهَا الأَرضُ فِي سِجِلِّ الشُّهُود! وَبِالمُقَابِل، فَإِنَّ كُلَّ خُطوَةٍ يَمشِيهَا العَاصِي إِلَى مَجلِسِ حَرَام، أَو إِلَى ظُلمِ بَرِيء، أَو إِلَى إِفسَادٍ فِي الأَرض، فَإِنَّ أَثَرَ قَدَمِهِ مَكتُوبٌ عَلَيهِ وَسَتَشهَدُ عَلَيهِ البُقعَةُ الَّتِي مَشَى فَوقَهَا يَومَ تُحَدِّثُ الأَرضُ أَخبَارَهَا! وَأَمَّا المَعنَى الثَّانِي لِقَولِهِ تَعَالَى ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ -وَهُوَ المَعنَى الأَخطَرُ الَّذِي تَجتَمِعُ عَلَيهِ أَقوَالُ ابنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالحَسَنِ البَصرِيِّ وَسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ رَحِمَهُمُ اللهُ-: فَهُوَ مَا يُخَلِّفُهُ الإِنسَانُ وَرَاءَ ظَهرِهِ بَعدَ مَوتِهِ مِن أَثَرِ أَعمَالِهِ وَأَقوَالِهِ وَسُنَنِهِ الَّتِي يَقتَدِي بِهَا النَّاسُ أَو يَنتَفِعُونَ أَو يَتَضَرَّرُونَ بِهَا بَعدَ رَحِيلِه! قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفسِيرِ الآيَة: «لَو كَانَ اللهُ مُغفِلًا شَيئًا مِن شَأنِكَ يَا ابنَ آدَمَ لَأَغفَلَ مَا تُعَفِّي الرِّيَاحُ مِن أَثَرِ قَدَمَيك، وَلَكِنَّهُ أَحصَى عَلَى ابنِ آدَمَ أَثَرَهُ وَعَمَلَهُ كُلَّه، حَتَّى يَكتُبَ مَا خَلَّفَ مِن بَعدِهِ مِن خَيرٍ أَو شَرّ!». وَهَذَا المَعنَى هُوَ عَينُ مَا قَرَّرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ القِيَامَةِ فِي قَولِهِ سُبحَانَه: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]؛ فَمَا قَدَّمَهُ هُوَ العَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ فِي حَيَاتِه، وَمَا أَخَّرَهُ هُوَ الأَثَرُ الَّذِي تَرَكَهُ وَرَاءَهُ فَعَمِلَ بِهِ النَّاسُ بَعدَ وَفَاتِه! عِبَادَ الله: إِنَّ مِن أَعظَمِ الغَفلَةِ وَأَخطَرِ المَزَالِقِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ اليَومَ هُوَ «الِاستِهَانَةُ بِأَثَرِ العَمَلِ»! يَظُنُّ الغَافِلُ أَنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي يَنطِقُ بِهَا فِي مَجلِسٍ أَو يَكتُبُهَا فِي مَوقِعٍ تَنتَهِي بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهَا مِن فَمِهِ أَوِ انقِضَاءِ المَجلِس، وَيَظُنُّ أَنَّ المَعصِيَةَ الَّتِي يَفعَلُهَا أَمَامَ النَّاسِ أَو يُعَلِّمُهَا لِغَيرِهِ تَنتَهِي بِانتِهَاءِ سَاعَتِهَا! وَالحَقِيقَةُ المُرعِبَةُ هِيَ أَنَّ العَمَلَ نَفسَهُ قَد يَنتَهِي فِي دَقِيقَةٍ وَاحِدَة، بَل قَد يَتُوبُ صَاحِبُهُ مِن فِعلِهِ بِنَفسِهِ أَو يَمُوتُ وَيُوسَّدُ فِي التُّرَاب، لَكِنَّ «أَثَرَ ذَلِكَ العَمَلِ» يَظَلُّ حَيًّا يَسعَى بَينَ النَّاس، يُولِّدُ فِي كُلِّ يَومٍ ذُنُوبًا جَدِيدَةً أَو حَسَنَاتٍ جَدِيدَةً تُصَبُّ فِي صَحِيفَةِ صَاحِبِ الأَثَرِ الأَوَّل! أَلقِِ السَّمعَ -رَعَاكَ اللهُ- إِلَى هَذَا القَانُونِ النَّبَوِيِّ الصَّارِمِ الَّذِي أَخرَجَهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَن سَنَّ فِي الإِسلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُهَا وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا بَعدَهُ مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أُجُورِهِم شَيءٌ، وَمَن سَنَّ فِي الإِسلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيهِ وِزرُهَا وَوِزرُ مَن عَمِلَ بِهَا مِن بَعدِهِ مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أَوزَارِهِم شَيءٌ»! وَهذا تَصدِيقُ قَولِ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحلِ عَنِ الدُّعَاةِ إِلَى الضَّلَالَةِ وَالفَسَاد: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]! تَصَوَّرُوا يَا عِبَادَ اللهِ فَدَاحَةَ هَذَا الأَمر! فِعلٌ وَاحِدٌ تَبدَأُ بِهِ أَو تَدُلُّ عَلَيه، يَتَحَوَّلُ إِلَى شَجَرَةٍ ذَاتِ فُرُوعٍ لَا تَنتَهِي؛ فَإِمَّا شَجَرَةٌ طَيِّبَةٌ تُثمِرُ لَكَ الأُجُورَ فِي قَبرِكَ إِلَى يَومِ القِيَامَة، وَإِمَّا شَجَرَةٌ خَبِيثَةٌ تَحصدُ لَكَ الأَوزَارَ وَاللَّعَنَاتِ وَأَنتَ رَهِينُ التُّرَاب! أَندَرِي مَا هُوَ أَعظَمُ مِثَالٍ ضَرَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِطُولِ بَقَاءِ أَثَرِ المَعصِيَةِ عَبرَ القُرُون؟ إِنَّهُ مَثَلُ ابنِ آدَمَ الأَوَّلِ «قَابِيل» الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيل! كَمِ استَغرَقَت جَرِيمَةُ القَتلِ تِلك؟ لَحظَاتٍ مَعدُودَةً فِي فَجْرِ التَّارِيخِ البَشَرِيّ! وَمَاتَ قَابِيلُ مُنذُ آلافِ السِّنِين، فَهَلِ انتَهَى حِسَابُ تِلكَ الجَرِيمَة؟ كَلَّا وَالله! أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «لَا تُقتَلُ نَفسٌ ظُلمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفلٌ مِن دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَن سَنَّ القَتلَ»! يَا للهِ العَظِيم! مِلْيَارَاتُ الجَرَائِمِ الَّتِي سُفِكَت فِيهَا الدِّمَاءُ ظُلمًا مِن عَهدِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَة، فِي شَرقِ الأَرضِ وَغَربِهَا، يَذهَبُ مِنهَا نَصِيبٌ وَوِزرٌ إِلَى صَحِيفَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الأَوَّلِ فِي قَبرِه؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَتَحَ بَابَ الجَرِيمَةِ وَعَلَّمَ البَشَرِيَّةَ سُنَّةَ القَتل! وَمِثلُ ذَلِكَ عَلَى مُستَوَى المُجتَمَعَاتِ وَالأَفرَاد: أَوَّلُ مَن أَدخَلَ مُخَدِّرًا أَو سِيجَارَةً إِلَى قَريَتِهِ أَو شَلَّةِ أَصدِقَائِه، وَأَوَّلُ مَن عَلَّمَ شَابًّا عَادَةً سِرِّيَّةً مُحَرَّمَةً أَو دَلَّهُ عَلَى مَوقِعٍ إِبَاحِيّ، وَأَوَّلُ مَن سَنَّ فِي عَائِلَتِهِ أَو بَلدَتِهِ عَادَةَ تَبَرُّجٍ أَوِ اختِلَاطٍ مُحَرَّمٍ أَو غِشٍّ فِي التِّجَارَةِ أَو قَطِيعَةِ رَحِم، وَأَوَّلُ مَن لَقَّنَ شَابًّا شُبهَةً تُشكِّكُهُ فِي دِينِهِ أَو تَصدُّهُ عَن صَلَاتِه؛ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا لَو لَم يَتدَارَكُوا أَنفُسَهُم بِتَوبَةٍ صَادِقَةٍ وَإِصلَاحِ مَا أَفسَدُوه، فَإِنَّهُم يَحمِلُونَ أَوزَارَهُم وَأَوزَارَ كُلِّ مَن تَبِعَهُم وَتَبِعَ مَن تَبِعَهُم فِي سِلسِلَةٍ مُتَوَالِدَةٍ لَا يَعلَمُ مَدَاهَا إِلَّا الله! وَلِذَلِكَ يَا عِبَادَ الله، كَانَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم يَرتَعِدُونَ خَوفًا وَفَزَعًا مِن «آثَارِ الأَعمَالِ وَتَبِعَاتِ الأَقوَال»! هَذَا الصِّدِّيقُ الأَكبَرُ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَرَاهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَومًا وَهُوَ يَجذِبُ لِسَانَهُ بِيَدِهِ وَيَقُول: «هَذَا الَّذِي أَورَدَنِي المَوَارِدَ»! يَخَافُ الصِّدِّيقُ أَن تَخرُجَ مِن فَمِهِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ يَبقَى أَثَرُهَا مَكتُوبًا عِندَ الله! وَهَذَا عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ارفَضَّ جَبِينُهُ عَرَقًا وَارتَعَدَت فَرَائِصُهُ خَشيَةَ أَن يَزِيدَ حَرفًا أَو يُنقِصَ حَرفًا فَيَقتَدِيَ النَّاسُ بِخَطَئِه! وَكَانَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ وَالإِمَامُ الشَّعبِيُّ وَغَيرُهُم مِن أَئِمَّةِ السَّلَفِ يَقُولُونَ لِمَن يُجَادِلُ بِالبَاطِلِ أَو يَنشُرُ البِدعَةَ وَالمَعصِيَة: «انتَبِه؛ فَإِنَّ العَالِمَ أَوِ الدَّاعِيَةَ إِذَا زَلَّت قَدَمُهُ فِي فِتنَةٍ أَو بَاطِلٍ فَاتَّبَعَهُ النَّاسُ عَلَيهَا، جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ وَفِي صَحِيفَتِهِ أَوزَارُ أُلوفٍ مِنَ الخَلقِ لَم يَرَهُم بِعَينِهِ قَطّ، وَلَكِنَّهُم قَرَؤُوا كَلِمَتَهُ أَو سَمِعُوا مَقَالَتَهُ فَضَلُّوا بِسَبَبِهَا!». وَمَا أَروَعَ وَأَبلَغَ تِلكَ الحِكمَةَ الخَالِدَةَ الَّتِي كَانَ يُرَدِّدُهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ وَعُلَمَاءُ التَّزكِيَةِ حِينَ قَالُوا: «طُوبَى لِمَن مَاتَ وَمَاتَت مَعَهُ ذُنُوبُه، وَالوَيلُ الطَّوِيلُ لِمَن يَمُوتُ وَتَبقَى ذُنُوبُهُ مِائَةَ سَنَةٍ وَمِائَتَي سَنَةٍ تُعَذِّبُهُ فِي قَبرِهِ وَيُسأَلُ عَنهَا إِلَى يَومِ يَبعَثُون!» اسأَلْ نَفسَكَ اليَومَ أَيُّهَا المُؤمِنُ العَاقِل: مَا هِيَ البَصمَةُ الَّتِي تَترُكُهَا خَلفَكَ فِي بَيتِك، وَفِي وَظِيفَتِك، وَفِي سُوقِك، وَفِي مَجلِسِك؟ الأَبُ وَالأُمُّ فِي البَيت: إِذَا رَبَّيَا أَولَادَهُمَا عَلَى الصَّلَاةِ وَالحِجَابِ وَالعِفَّةِ وَالقُرآن، فَكُلُّ رَكعَةٍ يَركَعُهَا الوَلَدُ وَوَلَدُ الوَلَدِ هِيَ أَثَرٌ مَكتُوبٌ فِي صَحِيفَةِ الوَالِدَين! وَإِذَا أَهمَلَا تَربِيَةَ أَولَادِهِمَا وَتَرَكَاهُم بِلَا صَلَاةٍ وَلَا حَيَاءٍ وَلَا رَقَابَة، فَكُلُّ فِتنَةٍ يَنشُرُهَا ذَلِكَ الوَلَدُ المُهمَلُ يَنَالُ المُفَرِّطُ مِن إِثمِ تَفرِيطِهِ فِيهَا! وَالتَّاجِرُ وَالمُوَظَّفُ وَالمَسؤُول: إِذَا أَسَّسَ فِي مَكَانِ عَمَلِهِ نِظَامَ أَمَانَةٍ وَتَيسِيرٍ عَلَى النَّاس، جَرَى لَهُ أَجرُهُ كُلَّمَا انتَفَعَ بِهِ مُسلِم؛ وَإِذَا سَنَّ رِشوَةً أَو ظُلمًا أَو تَعقِيدًا عَلَى الخَلق، جَرَى عَلَيهِ وِزرُهُ وَهُوَ فِي قَبرِه! وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِلِ وَهُوَ يُذَكِّرُ بِبَقَاءِ الأَثَرِ بَعدَ انقِطَاعِ العُمُر: إِنَّا لَنَفرَحُ بِالأَيَّامِ نَقطَعُهَا ... وَكُلُّ يَومٍ مَضَى يُدنِي مِنَ الأَجَلِ فَاعمَل لِنَفسِكَ قَبلَ المَوتِ مُجتَهِدًا ... فَإِنَّمَا الرِّبحُ وَالخُسرَانُ فِي العَمَلِ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيه، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ النَّبِيُّ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَئِمَّةِ التُّقَى وَالهُدَى، وَمَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم إِلَى يَومِ اللِّقَا. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: إِذَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ فِي العُصُورِ المَاضِيَةِ يَرتَعِدُونَ خَوفًا مِن آثَارِ أَعمَالِهِم، وَأَحدُهُم فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَو فَعَلَ مَعصِيَةً لَم يَكُن يَسمَعُهُ أَو يَرَاهُ إِلَّا عَشَرَةُ أَشخَاصٍ أَو عِشرُونَ فِي مَجلِسِهِ أَو حَارَتِه، ثُمَّ تَنطَوِي الكَلِمَةُ بِمُرُورِ الأَيَّام؛ فَمَاذَا نَقُولُ نَحنُ اليَومَ فِي عَصرِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجتِمَاعِيِّ وَالشَّبَكَةِ العَنكَبُوتِيَّةِ وَالهَوَاتِفِ الذَّكِيَّة؟! إِنَّ آيَةَ ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ تَتَجَلَّى فِي عَصرِنَا الرَّقَمِيِّ بِصُورَةٍ لَم يَشهَد لَهَا تَارِيخُ البَشَرِيَّةِ مَثِيلًا قطّ! بِضَغطَةِ زِرٍّ وَاحِدَةٍ لَا تَستَغرِقُ ثَانِيَةً وَاحِدَة، يَرفَعُ الشَّابُّ أَوِ الفَتَاةُ أَوِ الرَّجُلُ مَقطَعًا مَرئِيًّا فِيهِ مُوسِيقَى وَمَعَازِفُ وَغِنَاءٌ مُحَرَّم، أَو صُورَةً مُتَبَرِّجَةً تَفتِنُ النَّاظِرِين، أَو مَشهَدًا سَاخِرًا يَستَهزِئُ بِشَعِيرَةٍ مِن شَعَائِرِ الدِّين، أَو شُبهَةً إِلحَادِيَّةً أَو بِدعِيَّة، أَو إِشَاعَةً كَاذِبَةً وَغِيبَةً تَهتِكُ عِرضَ مُسلِمٍ أَو تُوقِظُ فِتنَةً بَينَ المُسلِمِين! ثُمَّ مَاذَا يَحدُثُ بَعدَ تِلكَ الثَّانِيَة؟ يَنتَشِرُ المَقطَعُ أَوِ المَنشُورُ كَالنَّارِ فِي الهَشِيم، فَيُشَاهِدُهُ عَشَرَاتُ الآلَافِ بَلِ المَلَايِين، وَيُعِيدُ إِرسَالَهُ وَنَشرَهُ الآلَافُ فِي المَجمُوعَاتِ وَالقَنَوَاتِ وَالحِسَابَات! وَفَجأَةً، وَبَينَمَا صَاحِبُ الحِسَابِ فِي غَفلَتِهِ وَشَبَابِه، يَنزِلُ بِهِ مَلَكُ المَوتِ فَيَقبِضُ رُوحَه! يُغَسَّلُ الجَسَد، وَيُلَفُّ فِي الأَكفَان، وَيُوضَعُ فِي ظُلمَةِ اللَّحد، وَيُهَالُ عَلَيهِ التُّرَاب، وَيَبكِي أَهلُهُ أَيَّامًا ثُمَّ يُحَاوِلُونَ إِغلَاقَ حِسَابَاتِهِ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ لَكِنَّهُم يَعجِزُونَ؛ لِأَنَّهُم لَا يَعرِفُونَ كَلِمَةَ السِّرِّ الخَاصَّةَ بِهَاتِفِهِ وَحِسَابَاتِه، وَحَتَّى لَو أَغلَقُوا حِسَابَهُ فَقَد طَارَتِ المَقَاطِعُ وَالصُّوَرُ وَانتَسَخَت فِي آلافِ الهَوَاتِفِ وَالخَوَادِمِ حَولَ العَالَم! تَخَيَّلُوا حَالَ هَذَا المِسكِينِ فِي قَبرِه: إِنَّهُ الآنَ تَحتَ التُّرَابِ يَتَمَنَّى حَسَنَةً وَاحِدَة، يَتَمَنَّى لَو يُؤذَنُ لَهُ أَن يَخرُجَ إِلَى الدُّنيَا دَقِيقَةً وَاحِدَةً فَقَط لِيَمسَحَ تِلكَ المَقَاطِعَ وَالصُّوَرَ وَالأَغَانِيَ الَّتِي نَشَرَهَا بِيَدِه، وَلَكِن هَيهَاتَ هَيهَات! فَقَد حِيلَ بَينَهُ وَبَينَ مَا يَشتَهِي، وَبَقِيَت تِلكَ «السَّيِّئَاتُ الجَارِيَةُ» تَصُبُّ فِي صَحِيفَتِهِ مَعَ كُلِّ عَينٍ تَنظُرُ إِلَى الحَرَامِ الَّذِي نَشَرَه، وَمَعَ كُلِّ أُذُنٍ تَسمَعُ المَعصِيَةَ الَّتِي رَفَعَهَا، وَمَعَ كُلِّ شَابٍّ أَو فَتَاةٍ فُتِنَ بِسَبَبِ مَنشُورِه! يَا لَهَا مِن حَسرَةٍ لَا تَعدِلُهَا حَسرَة! أَن يَكُونَ الإِنسَانُ مَيِّتًا فِي قَبرِهِ وَعَدَّادُ سَيِّئَاتِهِ شَغَّالٌ فِي الدُّنيَا لَا يَتَوَقَّفُ لَيلًا وَلَا نَهَارًا! وَبِالمُقَابِلِ يَا عِبَادَ الله: انظُرُوا إِلَى التَّاجِرِ الذَّكِيِّ مَعَ الله، ذَلِكَ المُؤمِنِ الفَطِنِ الَّذِي سَخَّرَ هَاتِفَهُ وَحِسَابَاتِهِ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ لِنَشرِ آيَةٍ مِن كِتَابِ الله، أَو حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، أَو مَوعِظَةٍ تُوقِظُ غَافِلًا، أَو عِلمٍ نَافِعٍ يُبَصِّرُ جَاهِلًا، أَو دَلَالَةٍ عَلَى خَيرٍ وَإِغاثَةِ مَكرُوب! فَإِذَا مَاتَ هَذَا المُؤمِنُ المَبَارَكُ وَوُضِعَ فِي قَبرِه، بَقِيَت مَنشُورَاتُهُ الطَّيِّبَةُ وَمَقَاطِعُهُ النَّافِعَةُ مَنَارَاتِ هُدًى فِي الفَضَاءِ الرَّقَمِيّ؛ كُلَّمَا قَرَأَهَا قَارِئٌ فَاهتَدَى، أَو سَمِعَهَا تَارِكُ صَلَاةٍ فَصَلَّى، أَو تَعَلَّمَ مِنهَا مُسلِمٌ حُكمًا شَرعِيًّا أَو دُعَاءً نَبَوِيًّا، انحَدَرَت شَلَّالَاتُ النُّورِ وَالأُجُورِ إِلَى قَبرِهِ فَتَوَسَّعَ عَلَيهِ مَضجَعُهُ وَاستَنَارَ لَحدُه! أَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انقَطَعَ عَنُهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلمٍ يُنتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَهُ». وَأَخرَجَ ابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ مِمَّا يَلحَقُ المُؤمِنَ مِن عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعدَ مَوتِهِ: عِلمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصحَفًا وَرَّثَهُ، أَو مَسجِدًا بَنَاهُ، أَو بَيتًا لِابنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَو نَهرًا أَجرَاهُ، أَو صَدَقَةً أَخرَجَهَا مِن مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، يَلحَقُهُ مِن بَعدِ مَوتِهِ». فَيَا عِبَادَ الله، يَا مَن مَا زَالَتِ الأَنفَاسُ تَتَرَدَّدُ فِي صُدُورِكُم، وَمَا زَالَتِ الهَوَاتِفُ وَالحِسَابَاتُ تَحتَ أَيدِيكُم: بَادِرُوا اليَومَ -قَبلَ أَن تَغرُبَ شَمسُ هَذِهِ الجُمُعَةِ- إِلَى مُرَاجَعَةِ كُلِّ مَا نَشَرتُمُوهُ فِي حِسَابَاتِكُم وَصَفَحَاتِكُم وَمَجمُوعَاتِكُم مُنذُ سَنَوَات! فَتِّشُوا فِي أَرشِيفِ مَنشُورَاتِكُم وَتَعلِيقَاتِكُم وَمَقَاطِعِكُم؛ فَكُلُّ صُورَةٍ أَو مَقطَعٍ أَو أُغنِيَةٍ أَو كَلِمَةٍ لَا يَرضَى اللهُ عَنهَا وَلَا يَسُرُّكَ أَن تَرَاهَا فِي صَحِيفَتِكَ يَومَ القِيَامَة، امسَحْهَا فَوْرًا بِيَدِكَ قَبلَ أَن تَعجِزَ عَن مَسحِهَا وَأَنتَ تَحتَ التُّرَاب! وَابدَأْ مِن هَذَا اليَومِ بِغَرسِ الآثَارِ الصَّالِحَةِ فِي بَيتِكَ وَمُجتَمَعِكَ وَحِسَابَاتِك؛ بِمُصحَفٍ تَضَعُهُ فِي مَسجِد، أَو سُقيَا مَاءٍ تَجعَلُهَا لِلعَطشَى، أَو كَلِمَةِ حَقٍّ وَخَيرٍ تَنشُرُهَا بَينَ النَّاس، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ تُحَفِّظُهُ الفَاتِحَةَ وَتُعَلِّمُهُ الصَّلَاة؛ فَإِنَّ الأَعمَارَ قَصِيرَة، وَالأَنفَاسَ مَعدُودَة، وَلَا يَبقَى لِلمَرءِ بَعدَ رَحِيلِهِ إِلَّا صَالِحُ أَثَرِه، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الحَكِيم: دَقَّاتُ قَلبِ المَرءِ قَائِلَةٌ لَهُ ... إِنَّ الحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي فَارفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَهَا ... فَالذِّكرُ لِلإِنسَانِ عُمرٌ ثَانِي ثُمَّ اعلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ اللهَ أَمَرَكُم بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيم، فَقَالَ فِي مُحكَمِ التَّنزِيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّين؛ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين، وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفوِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّوم، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَام: اجعَل مَا قَدَّمنَاهُ وَمَا نُخَلِّفُهُ مِن آثَارِنَا شَاهِدًا لَنَا لَا شَاهِدًا عَلَينَا! اللَّهُمَّ طَهِّر صَحَائِفَنَا، وَامحُ مَا سَلَفَ مِن ذُنُوبِنَا وَزَلَّاتِنَا وَآثَارِ تَقصِيرِنَا، وَتَجَاوَز عَمَّا نَسِينَا أَو أَخطَأنَا، وَلَا تَجعَل لِأَحَدٍ مِن خَلقِكَ فِتنَةً بِسَبَبِ كَلِمَةٍ قُلنَاهَا أَو فِعلٍ فَعَلنَاهُ أَو شَيءٍ نَشَرنَاهُ يَا غَفُورُ يَا رَحِيم! اللَّهُمَّ استَعمِلنَا فِي طَاعَتِك، وَاجعَلنَا مَفَاتِيحَ لِلخَيرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرّ، وَاجعَل لَنَا بَعدَ المَمَاتِ صَدَقَاتٍ جَارِيَة، وَعُلُومًا نَافِعَة، وَذُرِّيَّةً صَالِحَةً طَيِّبَةً تَدعُو لَنَا بِالخَيرِ إِلَى يَومِ الدِّين! اللَّهُمَّ أَحسِن عَاقِبَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرنَا مِن خِزيِ الدُّنيَا وَعَذَابِ الآخِرَة، وَأَصلِح أَحوَالَ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَان، وَاحفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ يَا رَبَّ العَالَمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.