من مكتبة مِداد الخطيب

حِصَادُ الأَلْسِنَة... كَلِمَةٌ تُردِي وكَلِمَةٌ تُنجِي

مشاركة
🕌 حِصَادُ الأَلْسِنَة... كَلِمَةٌ تُردِي وكَلِمَةٌ تُنجِي #خطبة_جمعة #حفظ_اللسان #آفات_اللسان #الغيبة_والنميمة #أخلاق #الكلمة_الطيبة #رقائق الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الإنسانَ وعَلَّمَهُ البَيان، وجَعَلَ اللِّسانَ تُرجماناً للقَلبِ ومِيزاناً للعَقل. الحمدُ لله الذي رَفَعَ قَدرَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ فجَعَلها صَدَقَة، وجَعَلَ الكَلِمَةَ الخَبيثَةَ مُهلِكَةً مُوبِقَة. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يَسمَعُ دَبيبَ النَّملَةِ السَّوداءِ على الصَّخرَةِ الصَّمَّاءِ في اللَّيلَةِ الظَّلماء، لا يَخفى عليهِ مِن أقوالِنا شَيء. وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُه، الصَّادقُ المَصدوق، أطْهَرُ النَّاسِ لِساناً، وأَصدَقُهُم مَقَالاً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا معي جَارحةً صَغيرةً في أجسادِكم، لا عَظمَ فيها، ولا وَزنَ لَها.. ومع ذلك، قَد تَكونُ هي السَّببَ الوَحيدَ في دُخولِ العَبدِ الجَنَّة، أو هُويِّهِ في النَّارِ سَبعين خَريفاً! عَضلةٌ تَتحرَّكُ بِلا جُهد، نَستخدمُها كُلَّ يَومٍ آلاف المَرَّات، لكنَّ حَرَكَةً واحِدَةً مِنها قَد تَهدِمُ عَمَلَ سَنوات.. ما هَذه الجارحة؟ وما سِرُّ هَذا الخَطرِ المُحدِقِ بِنا كُلَّ لَحظَة؟ وكيف نَنجو من شَرِّها في زَمَنٍ كَثُرَ فيهِ الكَلامُ وقَلَّ فيهِ الصَّمت؟ الجَوابُ — يا كِرام — في خُطبَتِنا اليَوم. أيها الإخوة الأحبَّة، هل سألتم أنفُسَكم يوماً: ما هو أسرَعُ شَيءٍ يُمكِنُ أن يَهدِم حَياةَ إنسان؟ السَّيفُ قَد يَحتاجُ إلى قُوَّةٍ ليَقطَع، والنَّارُ قَد تَحتاجُ إلى وَقتٍ لِتَحرِق، أمَّا اللِّسانُ، فبِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَستَطيعُ أن يَقطَعَ رَحِماً، ويُشَتِّتَ أُسرَةً، ويُدَمِّرَ سُمعَةً، ويُشعِلَ حَرباً! يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى في مُحكَمِ التَّنزيل، في آيةٍ لو جَعَلناها نُصبَ أعيُنِنا لتَغَيَّرَت حَياتُنا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. تأمَّلوا معي هذه الآية... لم يَقُل: "ما يَلفِظُ من قَولٍ مُحَرَّم"، بل قال: ﴿مِن قَوْلٍ﴾. أيُّ قَول! كُلُّ حَرفٍ يَخرُجُ من بَينِ شَفَتَيك، كُلُّ هَمسَة، كُلُّ مُزاح، كُلُّ تَغريدَة، كُلُّ رِسالَةٍ تَكتُبُها في هاتِفِك، هُناكَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بتَسجيلِها. المَلَفُّ مَفتوح، والقَلَمُ لا يَجِفّ، والصَّحيفَةُ تَمتَلِئُ سَطراً بَعدَ سَطر. فبِأيِّ شيءٍ نَملَأُ صَحائِفَنا؟ واسمعوا لهذه الكلمات التي خرجت من فمِ أصدقِ من نطق بالضاد، نبيِّنا محمد ﷺ، حيثُ يقول في الحديث الذي تقشعرُّ منه الأبدان: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ» (رواه البخاري). كلمةٌ واحدة.. لا يُلقي لها بالاً! يقولُها في مَجلِسٍ ليُضحِكَ بِها أصحابَه، أو يَكتُبُها في مَواقِعِ التَّواصُلِ ليَحصُدَ بِها إعجاباتِ النَّاس، أو يَرمي بِها مُسلِماً في عِرضِه، وهو يَشرَبُ قَهوَتَهُ ولا يَشعُرُ بِخَطَرِها.. فَتَكونُ هي القاصِمَة! تَهوي بِهِ في جَهَنَّم! أيها المسلمون، دَعونا نَنتَقِل بخيالنا قليلاً إلى ذلك المَشهَدِ العَظيمِ بَينَ رَسولِ الله ﷺ وصَحابِيِّهِ الجَليلِ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه. كان مُعاذٌ يَسألُ النَّبيَّ ﷺ عَن عَمَلٍ يُدخِلُهُ الجَنَّةَ ويُباعِدُهُ عَنِ النَّار. فَدَلَّهُ النَّبيُّ ﷺ على الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ والجِهاد.. أبوابٌ عَظيمَةٌ من الخَير. ثم قالَ له النَّبيُّ ﷺ: «ألا أُخبِرُكَ بِمِلاكِ ذلك كُلِّه؟» أي: بِما يَحفَظُ لَكَ كُلَّ هَذِهِ الأُجور. قال مُعاذ: بلى يا رسول الله. فَأخَذَ النَّبيُّ ﷺ بِلِسانِ نَفسِه، وقال: «كُفَّ عَلَيكَ هَذا». تَعَجَّبَ مُعاذ! شابٌّ صالِحٌ مُجاهِد، هل يُؤاخَذُ بِما يَقول؟ فَسَألَ باستنكار: يا نَبيَّ الله، وإنَّا لَمُؤاخَذونَ بِما نَتَكَلَّمُ بِه؟ فَقالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ الكَلِمَةَ الحَاسِمَة: «ثَكِلَتكَ أُمُّكَ يا مُعاذ! وهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ عَلى وُجوهِهِم — أو قال: عَلى مَناخِرِهِم — إلَّا حَصائِدُ ألسِنَتِهِم؟» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح). تأمَّلوا كَلِمَة: "حَصائِد". الزَّارِعُ يَرمي البَذرَةَ ولا يَدري مَتى تَكبُر، لكنَّهُ يَومَ الحَصادِ يَحصدُ ما زَرَع. وكَذلِك نَحنُ! نَرمي الكَلِمَةَ اليَوم، نَغتابُ هَذا، ونَشتِمُ هَذا، ونَنتَقِصُ من قَدرِ هذا، ثُمَّ نَنسى.. لَكِنَّ الكَلِمَةَ لا تُنسى. نَأتي يَومَ القِيامَةِ لِنَجِدَ حَقلًا كامِلًا من الشَّوكِ والحَنظَلِ يَنتَظِرُنا لِنَحصُدَه! ألا يُشبهُ هَذا حالَ كَثيرٍ مِنَّا اليَوم؟ أيُعقَلُ أن يَصومَ الرَّجُلُ النَّهار، ويَقومَ اللَّيل، ويَبكي من خَشيَةِ الله، ثمَّ إذا جَلَسَ مَعَ أصحابِه، أطلَقَ لِسانَهُ في أعراضِ المُسلِمين يَقُصُّ لحُومَهُم قَصّاً؟! يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في وَصفٍ دَقيقٍ لِحالِنا: "ومِنَ العَجَبِ أنَّ الإنسانَ يَهونُ عليهِ التَّحَفُّظُ والاحتِرازُ مِن أكلِ الحَرام، والظُّلمِ، والزِّنى، والسَّرِقَة.. ويَصعُبُ عليهِ التَّحَفُّظُ مِن حَرَكَةِ لِسانِه! حَتَّى يُرى الرَّجُلُ يُشارُ إليهِ بالدِّينِ والزُّهدِ والعِبادَة، وهو يَتَكلَّمُ بالكَلِمَاتِ مِن سَخَطِ اللهِ لا يُلقي لَها بالاً". يا أهل الإيمان، إنَّ اللِّسانَ سَبُعٌ عَقور، إن خَلَّيتَهُ عَقَرَك. دَعوني أنقُلُكُم إلى مَوقِفٍ يَستَحِقُّ أن نَقِفَ أمَامَهُ طَويلاً. دَخَلَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه يَوماً عَلى أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه — أفضَلِ رَجُلٍ في هَذِهِ الأُمَّةِ بَعدَ نَبيِّها، الرَّجُلِ الَّذي وَزَنَ إيمانُهُ إيمانَ الأُمَّةِ كُلِّها. فماذا وَجَدَهُ يَفعَل؟ وَجَدَ أبا بَكرٍ يُمسِكُ بِلِسانِهِ ويَجذِبُهُ بقُوَّة! فَفَزِعَ عُمَر وقال: "مَه يا خَليفَةَ رَسولِ الله! غَفَرَ اللهُ لَك!". فَرَفَعَ أبو بَكرٍ رَأسَهُ، وقالَ بِصَوتِ الخائِفِ الوَجِل: "إنَّ هَذا أورَدَني المَوارِد!". يا سبحان الله! أبو بَكرٍ الصِّدِّيق، الَّذي كانَ صَمتُهُ عِبادَة، ونُطقُهُ حِكمَة، ونَفَقَتُهُ في سَبيلِ الله، يَخافُ من لِسانِهِ أن يُورِدَهُ المَهالِك؟! فَماذا نَقولُ نَحنُ يا عِبادَ الله؟ نَحنُ الَّذينَ أصبَحَت مَجالِسُنا ومُحادَثاتُنا في الهواتِفِ مَراتِعَ للغِيبَةِ والنَّميمَةِ وتَتَبُّعِ العَوَرَات! قال عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه، مُقسِماً بِالله: "واللهِ الَّذي لا إلهَ غَيرُه، ما عَلى الأرضِ شَيءٌ أحَقُّ بِطولِ سِجنٍ مِن لِسان". عباد الله، لَقَد ابتُلينا في هذا الزَّمانِ بِبليَّةٍ عَظيمَة، سَهَّلَت عَلَينا مَعصِيَةَ اللِّسان، ألا وهي هَذِهِ الأجهِزَةُ والمَواقِعُ الَّتي بَينَ أيدِينا. في المَاضي، كانَت الكَلِمَةُ تَموتُ في المَجلِسِ الَّذي قيلَت فيه. أمَّا اليَوم، فَإنَّ الكَلِمَةَ تُكتَبُ في الشَّرق، فَتَبلُغُ المَغرِبَ في لَحظَة. الشَّائِعَةُ تَنطَلِقُ من هاتِفِك، فَتَدخُلُ آلافَ البُيوتِ قَبلَ أن تَرتَدَّ إلَيكَ طَرفَك! يقولُ اللهُ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ النُّور، مُحَذِّراً من سُرعَةِ نَقلِ الكَلامِ البَاطِل: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]. ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾! يا لها من آيةٍ تَقصِمُ الظَّهر! نَحسَبُهُ مُزاحاً، نَحسَبُهُ (تَغريدَةً) عابِرَة، نَحسَبُهُ رِسالَةً مُعادَةَ التَّوجيه (Forward) نَضغَطُها بِلا تَفكير.. وهو عِندَ اللهِ عَظيم! كَم مِن بَريءٍ شُوِّهَت سُمعَتُه؟ كَم مِن أُسرَةٍ هُدِمَت؟ كَم مِن عِلاقاتٍ تَمَزَّقَت بسَبَبِ كَلِمَةٍ مَكتوبَةٍ أو مَنطوقَةٍ حَسِبناها هَيِّنَة؟! وإذا جِئتَ لِتَنصَحَ أحَدَهُم قالَ لَك مُدافِعاً: "يا أخي، أنا لَم أكذِب! أنا قُلتُ الحَقيقَة، هَذِهِ الصِّفاتُ مَوجودَةٌ فيه فِعلاً!". مِسكينٌ هَذا! هُوَ لا يَعرِفُ ما هي الغِيبَة أصلاً! لَقَد ظَنَّ الصَّحابَةُ قَديماً نَفسَ الظَّنّ، فَسَألوا النَّبيَّ ﷺ حِينَ عَرَّفَ الغِيبَةَ بِقَولِه: «ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْرَهُ». قيلَ: أفَرَأَيْتَ إنْ كانَ في أخِي ما أقُولُ؟ اسمعوا جَوابَ النَّبيِّ ﷺ القاطِع: «إنْ كانَ فيه ما تَقُولُ، فقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيه فقَدْ بَهَتَّهُ» (رواه مسلم). يعني: إذا ذَكَرتَهُ بِما يَكرَهُ وهو فيه حَقيقَةً، فَهَذِهِ هِيَ الغِيبَةُ المُحَرَّمَة! أمَّا إنِ افتَرَيتَ عَلَيهِ ما لَيسَ فيه، فَقَد بَهَتَّهُ وظَلَمتَهُ ظُلماً مُضاعَفاً. قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]. ولعلَّكم تسألون: لماذا كُلُّ هَذا الخَطر للِّسانِ تحديداً؟ يُجيبُنا الإمامُ يحيى بنُ مُعاذٍ الرَّازيِّ رَحِمَهُ اللهُ إجابَةً تَصِفُ الداءَ بِدقَّة، يَقول: "القُلوبُ كالقُدورِ تَغلي بِما فيها، وألسِنَتُها مَغارِفُها". الله أكبر! اللِّسانُ لَيسَ إلا (مِغرَفَة) لِما في القَلب. إذا كانَ القَلبُ مَليئاً بالحَسَدِ والغِلِّ والكِبر، غَرَفَ اللِّسانُ غِيبَةً ونَميمَةً وسُخريَة. وإذا كانَ القَلبُ مَليئاً بالمَحَبَّةِ والإيمانِ والسَّلام، غَرَفَ اللِّسانُ ذِكراً ونَصيحَةً وكَلِمَةً طَيِّبَة. وهذا ما قَرَّرَهُ حَبيبُنا ﷺ بِقَولِه: «لا يَستَقيمُ إيمانُ عَبدٍ حتى يَستَقيمَ قَلبُه، ولا يَستَقيمُ قَلبُهُ حتى يَستَقيمَ لِسانُه» (رواه أحمد). تأمَّلوا مَعي يا أهلَ القُرآن، في سُورَةِ الإسراء، آيَةٌ قَصيرَةٌ جِدَّاً، لَكِنَّها دُستورٌ كامِلٌ في فَنِّ التَّواصُل: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]. لَم يَقُل: "يَقولوا الحَسَنَة"، بل قال: ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. يَأمُرُنا اللهُ أن نَنتَقي أجمَلَ وأفضَلَ وأرَقَّ كَلِمَةٍ مُمكنَةٍ قَبلَ أن نَنطِق. لِماذا؟ لأنَّ الشَّيطانَ واقِفٌ بالمرصاد، يَلتقِطُ الكَلِمَةَ الَّتي تَحتَمِلُ مَعنَيَين، فيُوَسوسُ في قَلبِ أخيكَ ليَحمِلَها عَلى المَحملِ السَّيِّء، فَيَقعُ النِّزاع. فيا مَن تُسارِعُ في الحُكمِ عَلى النَّاس، ويا مَن تَستَسهِلُ الطَّعنَ في النِّيَّات، ويا مَن لا يَسلَمُ أحَدٌ مِن لَسعاتِ لِسانِك.. تَذَكَّر يَوماً تُختَمُ فيهِ الأفواهُ، وتَتَحَدَّثُ فيهِ الجَوارِح. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24]. ستَقِفُ أمامَ الله، وسيَنطِقُ لِسانُك الَّذي كُنتَ تَظُنُّ أنَّكَ تَملِكُه، لِيَشهَدَ عَلَيكَ بِكُلِّ كَلِمَةٍ اغتَبتَ بِها، أو سَخِرتَ، أو كَذَبت. فكلُّ لحظةٍ تمرُّ وأنتَ غافلٌ عن مِقوَدِ لسانك، هي استنزافٌ لرصيدِ حسناتك الذي جمعتَه بشقِّ الأنفس. أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمين من كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، وقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ خَطَرِ هَذِهِ الجَارِحَةِ الصَّغيرَة — اللِّسان — وكَيفَ أنَّ الكَلِمَةَ قَد تَهوي بصاحِبِها في النَّار، وتَأمَّلنا مَخافَةَ الصَّحابَةِ كأبي بَكرٍ رضي الله عنه مِن ألسِنَتِهِم، وعَرَفنا أنَّ ما نَحسَبُهُ هَيِّناً في مَجالِسِنا وهَواتِفِنا هُوَ عِندَ اللهِ عَظيم. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَم: كَيفَ نُروِّضُ هَذا اللِّسانَ في واقِعِنا العَمَلي؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): طَهِّروا مَصْدَرَ الكَلِمَة. القَلبُ هو نَبعُ اللِّسان، فَإذا شَعَرتَ برَغبَةٍ في اغتيابِ إنسانٍ أو الانتقاصِ مِنه، ففَتِّش في قَلبِك، ستَجِدُ حَسَداً أو كِبراً دَفيناً. استَغفِر لِنَفسِكَ ولَه، وطَهِّر قَلبَكَ، يَسكُن لِسانُك. الثانية (لِسانيَّة): طَبِّقوا (قاعِدَةَ الثَّواني الثَّلاث). قَبلَ أن تَتَكلَّم، أو قَبلَ أن تَضغَطَ زِرَّ الإرسالِ في هاتِفِك، اسكُت ثَلاثَ ثَوانٍ واسأل نَفسَك: هل في هذا الكلامِ خَير؟ هل يُرضي الله؟ إن كانَ خَيراً فقُله، وإن كانَ غَيرَ ذلِك فتَذَكَّر حَديثَ: «مَن كانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُل خَيراً أو ليَصمُت». الثالثة (عَمَليَّة): نَظِّفوا بيئَتَكُم. اليَوم، وبعد عودتكم لبيوتكم، اخرُجوا من كُلِّ مَجموعَةٍ في الهواتِف أو وَسائلِ التَّواصُل لا يُنشرُ فيها إلا تَتَبُّعُ السَّقَطاتِ والخَوضُ في أعراضِ النَّاس وأخبارِهِم الخَاصَّة. لا تَكُن شَريكاً في إثمٍ لا ناقَةَ لَكَ فيهِ ولا جَمَل. الرابعة (اجتماعيَّة): كُن حارِساً لعِرضِ أخيك. إذا اغتُبيبَ مُسلِمٌ في مَجلِسِكَ وأنتَ تَسمَع، فلا تَصمُت. ذُبَّ عَن عِرضِهِ وصَدِّق مَقامَه. قال النبيُّ ﷺ: «مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ» (رواه أحمد). الخامسة (موضوعيَّة): زاحِموا البَاطِلَ بالحَقّ. اللِّسانُ إن لَم تَشغَلهُ بالذِّكرِ شَغَلَكَ بالغَفلَة. اجعَل لِسانَكَ رَطباً من ذِكرِ الله، بِالتَّسبيحِ والاستغفارِ والصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ في ذَهابِكَ وإيابِك. كُلَّما اعتادَ اللِّسانُ الكَلِمَ الطَّيِّب، استَقذَرَ الكَلِمَ الخَبيث. قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمرَ قَصير، وأنَّ الكلماتِ مَعدودات، وأنَّ الصَّحائِفَ تُعرَض، وأنَّ المَوقِفَ بَينَ يَدَيِ اللهِ مَهيب. فَمَن أرادَ النَّجاةَ فَليُمسِك عَلَيهِ لِسانَه، وليَبكِ عَلى خَطيئَتِه. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، فقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. 🤲 الدعاء اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَحفَظونَ ألسِنَتَهُم، ويَخشَونَكَ في السِّرِّ والعَلَن. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا من النِّفاق، وأعمالَنا من الرِّياء، وألسِنَتَنا مِن الكَذِب، وأعيُنَنا مِن الخِيانَة، إنَّكَ تَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدُور. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِمَّن يَأكُلونَ لُحومَ إخوانِهِم، واعصِمنا من الغِيبَةِ والنَّميمَةِ، وقولِ الزُّور. اللَّهُمَّ اجعَل ألسِنَتَنا رَطبَةً بِذِكرِك، شاكِرَةً لِنِعَمِك، مُسَبِّحَةً بِحَمدِك. اللَّهُمَّ مَن ظَلَمناهُ بِألسِنَتِنا فاغفِر لَنا ولَه، وتَجاوَز عَنَّا وعَنه، واجعَلها مَغفِرَةً وكَفَّارَةً لَه يا رَبَّ العَالمين. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، واحفَظ المُستَضعَفينَ وادفع عَنهُم كُلَّ سوءٍ وبَلاء، برَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمين. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.