من مكتبة مِداد الخطيب

مُقارَنَةٌ بَيْنَ امتِحَانِ الدُّنيَا وامتِحَانِ الآخِرَةِ.. عِبَرٌ وفَوائِد

مشاركة
🕌 مُقارَنَةٌ بَيْنَ امتِحَانِ الدُّنيَا وامتِحَانِ الآخِرَةِ.. عِبَرٌ وفَوائِد #خطبة_جمعة #امتحان_الدنيا_والآخرة #الاستعداد_للموت #الابتلاء #الآخرة #الحساب #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الدُّنيا دارَ مَمَرٍّ وابتلاء، وجَعَلَ الآخِرَةَ دارَ مَقَرٍّ وجَزاء، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَختَبِرُ عبادَهُ بالسَّرَّاءِ والضَّرَّاء ليَبلُوَهُم أيُّهُم أحسَنُ عَمَلًا، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسولُه، إمامُ النَّاجِحينَ في الابتِلاءات، وسَيِّدُ الفائزينَ في المَقامات، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: تَخيَّلوا معي امتحانًا نتيجَتُه ليست شَهادةً تُطوى، ولا وظيفةً تُنسى، بل حياةٌ أبديَّةٌ إمَّا في نَعيمٍ مُقيمٍ أو في عَذابٍ أليم. امتحانًا أسئلَتُه مُسَرَّبةٌ لنا منذ أكثر من ألفٍ وأربعمائةِ عام، وكلُّنا نَحفَظها عن ظَهرِ قَلب، ومع ذلك.. يَرسُبُ فيه الملايينُ في كلِّ لحظة! ما السَّببُ في هذا الرُّسوبِ العجيب؟ ولماذا نَنجَحُ في امتحاناتِ الدُّنيا الدَّقيقةِ والمُعَقَّدة، ونَسقُطُ في هذا الامتحانِ الأكبر؟ الجَوابُ الذي سنَقِفُ عليه اليومَ قد يَقلِبُ مَوازينَ حياتِكم. أيها الإخوةُ المؤمنون، في مِثلِ هذه الأيَّامِ من كلِّ عام، تَعيشُ كثيرٌ من البُيوتِ حالةً من الاستِنفارِ والترقُّب. الآباءُ والأمَّهاتُ في قَلَق، والأبناءُ غَارقونَ في كُتُبهم، والسَّهَرُ طويل، والتَّرفيهُ مَمنوع. إنَّها "أيَّامُ الامتحانات". حالةُ طَوارئَ دنيويَّةٌ لاجتيازِ اختبارٍ من وَرَق، تُبنى عليهِ مَرحلةٌ دراسيَّة. وهذا أمرٌ مَحمودٌ ومطلوب.. ولكن، هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا وَسَطَ هذا الزِّحام: ماذا عنِ الامتحانِ الأكبر؟ ماذا عن الوَرَقةِ التي لا تَقبَلُ المراجعة، واللَّجنةِ التي لا تَعرِفُ المُحاباة، والنَّتيجةِ التي ليس بَعدَها دَورٌ ثانٍ ولا إعادة؟ تَعالَوا نَعقِد اليومَ مُقارنةً تَهزُّ القُلوبَ الغافِلَة، بينَ امتحانِ الدُّنيا الذي نَستَعِدُّ له بالشُّهور، وامتحانِ الآخِرَةِ الذي قد يُفاجِئُنا قبلَ أن نَخرُجَ من بابِ هذا المَسجِد. أوَّلًا: مَوعِدُ الامتحانِ ومَنهَجُه امتحانُ الدُّنيا — يا عبادَ الله — مَنهَجُه مُحَدَّدٌ بصفحاتٍ مَعدودة، وكتابُه بينَ يَدَيك، ومَوعِدُه مَعروفٌ باليومِ والسَّاعةِ والدَّقيقة. تَستطيعُ أن تُؤَجِّلَ المذاكرةَ إلى اللَّيلةِ الأخيرة. أمَّا امتحانُ الآخِرَة، فمَنهَجُه واسعٌ يَشمَلُ أنفاسَك، وخَطَراتِك، وأموالَك، وعلاقاتِك. ومَوعِدُه؟ غَيبٌ مُطلَقٌ لا يَعلَمُه إلا الله! يَقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]. بَغتَةً.. يُسحَبُ منكَ القَلَم، وتُطوى صَحيفَتُك. ولِذا حَذَّرنا النَّبيُّ ﷺ من طولِ الأمَل، فقال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا..» (رواه الترمذي وقال حسن غريب). ثانيًا: طَبيعَةُ الأسئِلَة في الدُّنيا، المُعَلِّمُ يُعطيكَ الأسئلةَ مَخفيَّةً مَكتومة، وقد تَنجَحُ بالحَظِّ أو بالتَّخْمين. أمَّا في الآخِرَة، فالأسئلةُ مُسَرَّبَةٌ ومَعروفَةٌ مُسبَقًا! لقد أخبرنا الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ بأسئلَةِ القَبرِ الثَّلاثة: «مَن رَبُّك؟ ومَا دِينُك؟ ومَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟» (رواه أبو داود). وأخبَرَنا بأسئلَةِ يومِ القِيامةِ حينَ قال: «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). الأسئلَةُ مَكشوفةٌ واضحة! ولكن.. لماذا يَرسبُ الكثيرون في القَبر؟ لأنَّ الإجابةَ هناكَ ليست بحِفظِ اللِّسان، ولا بِقُوَّةِ الذَّاكِرة. الإجابةُ هُناكَ مَعقودةٌ بِحالِ القَلبِ وحَصيلَةِ العَمَل. المُنافِقُ حَفِظَ الإجابةَ في الدُّنيا، لكنَّه إذا أُجلِسَ في قَبرِه ارتَعَدَ وقال: "هاه هاه، لا أدري، سَمِعتُ الناسَ يَقولونَ شيئًا فقُلتُه". لم تَنفَعهُ ثَقافَتُه، ولم تُنجِهِ فَصاحَتُه، لأنَّ القَلبَ كان فارغًا! ثالثًا: المُراقِبونَ ولَجنَةُ الامتحان في امتحانِ الدُّنيا، يُراقِبُكَ بَشَرٌ مِثلُك. يَغفُلون، ويَسهون، وقد تَخدَعُهُم بحيلة، أو تُخفي عنهُم غِشًّا. لكنْ، مَنِ المُراقِبُ في امتحانِ الآخِرَة؟ يَقولُ ربُّنا جَلَّ وعَلا: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. ويَقولُ سُبحانَه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۝ كِرَامًا كَاتِبِينَ ۝ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10-12]. لا يُغادِرونَ صَغيرةً ولا كبيرة. بل اسمَعوا
للأعجَب! في الدُّنيا إذا ضُبِطتَ تَغُشُّ، قد تُنكِر وتُجادِل وتَحلِف. أمَّا في الآخِرَة، فالشُّهودُ لَيسوا مِن الخارِج، الشُّهودُ أطرافُكَ وجَوارِحُكَ التي تَعصي بِها في الخَلَوات! يَقولُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: 65]. واللهِ إنَّها لآيةٌ تَقصِمُ الظُّهور! يَدُكَ التي بَطَشت، وعَينُكَ التي خَانَت، وقَدَمُكَ التي سَعَت إلى الحَرام.. كلُّها ستَتَحَوَّلُ إلى شُهودِ إثباتٍ ضِدَّك في أعظَمِ مَحكَمَة! ولِذا قال أميرُ المؤمنين عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه كَلِمَتَهُ الخالِدَة: "حاسِبوا أنفُسَكم قَبلَ أن تُحاسَبوا، وزِنوها قَبلَ أن تُوزَنوا، فإنَّ أهوَنَ علَيكم في الحِسابِ غَدًا أن تُحاسِبوا أنفُسَكمُ اليوم، وتَزَيَّنوا للعَرضِ الأكبَر". رابعًا: الدَّورُ الثَّاني وفُرصَةُ الإعادَة أيُّها المُؤمنون، مَن رَسَبَ في امتحانِ الدُّنيا، يَبكي قَليلًا، يَحزَنُ أيَّامًا، ثمَّ يُقالُ له: هُناكَ دَورٌ ثانٍ، هُناكَ سَنَةٌ قادِمَة، يُمكنُكَ الإعادَةُ والنَّجاح، والحياةُ تَستَمِر. أمَّا امتحانُ الآخِرَة.. فآهٍ مِنِ امتحانِ الآخِرَة! وَرَقَةٌ إذا سُحِبَت مِنكَ بالمَوت، قُضِيَ الأمر، ورُفِعَت الأقلام، وطُويَت الصُّحُف. يُصَوِّرُ لنا القُرآنُ الكريمُ هذه اللَّحظَةَ الرَّهيبَة، لَحظَةَ طَلَبِ "الدَّورِ الثَّاني" بَعدَ فَواتِ الأوان: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]. فما هو الجَواب؟ هل يُقالُ له: لَكَ فُرصَةٌ أُخرى؟ هل يُقالُ له: خُذ عامًا إضافيًّا؟ الجَوابُ القاطعُ الصَّارِمُ الذي يَهتَزُّ له الوِجدان: ﴿كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100]. كَـلَّا! حَرفُ رَدعٍ وزَجر. انتَهى الوَقت. تَأمَّلوا ما صَنَعَهُ الإمامُ الرَّبيعُ بنُ خُثَيم — رَحِمَهُ الله — وهو مِن عُبَّادِ السَّلَف. لَقَد حَفَرَ لنَفسِهِ قَبرًا في غُرفَتِه! نَعَم، قَبرٌ حَقيقيٌّ في دارِه. فكان إذا وَجَدَ في قَلبِهِ قَسوةً، نَزَلَ في ذلك القَبرِ واضطَجَعَ فيهِ كما يُضطَجَعُ المَيِّت، ومَكَثَ ما شاءَ اللهُ أن يَمكُث، وهو يَصرُخُ في ظُلمَةِ الحُفرَةِ بآيَةِ المُناجاة: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، ثمَّ يَقومُ يَنفُضُ التُّرابَ عن ثِيابِه، ويَرُدُّ على نَفسِهِ قائِلًا: "يا رَبيع! قد رُدِدت، فاعمَل قَبلَ أن لا تُرَد!". هكَذا كان القَومُ يَعيشونَ الامتحانَ الأكبَر. كانُوا يَرَوْنَ المَوتَ رَأيَ العَين، ونَحنُ نَراهُ أُسطورَةً تُصيبُ غَيرَنا ولا تَمَسُّنا! دَعوني أنقُلكم إلى مَشهَدٍ حَيٍّ نَراهُ في بُيوتِنا. شابٌّ في مُقتَبَلِ عُمرِه، يَسهَرُ اللَّياليَ الطِّوالَ استِعدادًا لاختبارِ الطِّبِّ أو الهَندَسَة أو غَيرِها. يَشرَبُ المُنَبِّهات، يَعتَزِلُ الناس، يُغلِقُ هاتِفَه، يَفِرُّ مِن كلِّ ما يَشغَلُه.. كُلُّ هذا لِيَنالَ شَهادةً زائِلة، يَعيشُ بها بِضعَ عَشرَةَ سَنَةً في هذهِ الأرض، وتُبلى وتَبلى. وفي ذاتِ اللَّيلة، وعِندَ صلاةِ الفَجر، يَسمَعُ نِداءَ "الصَّلاةُ خَيرٌ مِنَ النَّوم"، فَيَثقُلُ رَأسُه ويَعجِزُ عن رَفعِ اللِّحاف! أليسَ هذا هو العَمى الحَقيقي؟ نَجَحَ بامتِيازٍ في امتحانٍ دُنيَويٍّ صَغير، ورَسَبَ رُسوبًا مُدَوِّيًا في أوَّلِ اختبارٍ صَباحيٍّ مِن رَبِّه! فَكيفَ سَيَقِفُ بينَ يَدَي مَن قالَ فيه النَّبيُّ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» (متفق عليه)؟ خامسًا: النَّتيجَةُ والشَّهادات يومَ النَّتيجَةِ في الدُّنيا.. تَقِفُ القُلوبُ عند الحَناجِر، وتُنشَرُ الأسماءُ على اللَّوحات، ويَفرَحُ النَّاجحُ ويَبكي الرَّاسب. هذا فَرَحٌ ناقِصٌ وحُزنٌ مُؤقَّت. لكن، كيفَ هو يَومُ النَّتيجَةِ في العَرضِ الأكبَر؟ لَيسَ بلَوحاتٍ تُعَلَّق، بل بكُتُبٍ تَتَطايَرُ في الهَواء، ومَلائِكَةٍ تَسوقُ الخَلائِق، ومِيزانٍ يُنصَب، وصِراطٍ يُضرَب! يَقولُ جَلَّ جَلالُه يَصِفُ ذُروَةَ هذا المَشهَدِ المُهيب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ۝ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ۝ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 19-21]. هذه هي الشَّهادةُ العُظمى! "هاؤُمُ اقرَءُوا كِتابِيَهْ".. يَقولُها النَّاجِحُ بفَخرٍ يَملَأُ صَدرَه، يَصرُخُ بِها أمامَ الخَلائِقِ أجمَعين، أمامَ الأوَّلينَ والآخِرين. نَجَحتُ في امتحانِ غَضِّ البَصَر، نَجَحتُ في امتحانِ حِفظِ اللِّسان، نَجَحتُ في مِحنةِ المَرَض، نَجَحتُ في ابتِلاءِ الفَقر، نَجَحتُ في صِدقِ المَكسَب. وفي المُقابِل.. اسمَعوا
لِصَرخَةِ الرَّاسِبِ الذي ضَيَّعَ أوقاتَهُ في اللَّهوِ والمَعاصي ومُتابَعَةِ التَّوافِه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ۝ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ۝ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: 25-27]. يَتَمَنَّى أن لو كانَ المَوتُ هو النِّهايَةَ المُطلَقَة، ولكن هيهات! إخواني الأحبَّاء.. نحنُ الآنَ في "قاعَةِ الامتحان". أنفاسُنا تُعَدّ، وحَرَكاتُنا تُسَجَّل. لا تَغتَرُّوا بِطولِ المُهلَة، فإنَّ جَرَسَ النِّهايَةِ قَد يُقرَعُ في أيَّةِ لَحظَة. يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم — رَحِمَهُ الله — في وَصفِ حالِنا العَجيب: "النَّاسُ في الدُّنيا كَرَكبٍ في سَفينَة، نَزَلوا في جَزيرَةٍ ليَقضوا حاجَتَهم، فمِنهُم مَن أخَذَ حاجَتَهُ ورَجَعَ فجَلَسَ في مَكانِه، ومِنهُم مَن ألهَتهُ أزهارُ الجَزيرَةِ وأشجارُها حتَّى أقعَلَتِ السَّفينَةُ وتَرَكَته". فيا مَن غَرَّتهُ دُنياهُ الزَّائِلة! ويا مَن ألهَتهُ شَهَواتُه العابِرة! ويا مَن يَستَخفي مِنَ النَّاسِ ويَعصي اللهَ في الخَلَوات! إلى مَتى؟ إلى مَتى التَّأجيل؟ الامتحانُ مُستَمِر، والمُراقِبُ لا يَنام، والمَوتُ لا يَطرُقُ البابَ قَبلَ الدُّخول. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَستَعِدُّونَ للمَوتِ قَبلَ نُزولِه، ولِلحِسابِ قَبلَ حُلولِه. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكم ولِسائِرِ المُسلمينَ مِن كلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه ومَنِ اقتَفى أثَرَهُ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى نُقارِنُ بَينَ امتحانِ الدُّنيا الزَّائِل، وامتِحانِ الآخِرَةِ الباقي. وتَأمَّلنا كَيفَ نَستَعِدُّ للأوَّلِ ونُهمِلُ الثَّاني، وكَيفَ أنَّ أسئِلَةَ الآخِرَةِ مَكشوفَةٌ ومَع ذلكَ نَرسُبُ فيها، وأدرَكنا أنَّ وَرَقَةَ الآخِرَةِ إذا سُحِبَت فلا دَورَ ثانِيًا فيها ولا إعادَة. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأهمّ: كَيفَ نَنجَحُ في هذا الامتحانِ الأكبَر؟ وكَيفَ نَستَعِدُّ قَبلَ سَحبِ الوَرَقَة؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن تَنزِلوا مِن هذا المَسجِد: الأُولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا النِّيَّةَ مَع الله، وطَهِّروا قُلوبَكم مِنَ الرِّياءِ والحِقدِ والحَسَد. فِإنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى صُوَرِكم بَل إلى قُلوبِكم، والقَلبُ السَّليمُ هو مَركَزُ الإجابَةِ يومَ القِيامَة. الثَّانية (لِسانيَّة): احفَظوا ألسِنَتَكُم مِنَ الغِيبَةِ والنَّميمَةِ والكَذِب الخَفيِّ والظَّاهِر، واجعَلوا ألسِنَتَكم رَطبَةً بِذِكرِ الله، فكَم مِن كَلِمَةٍ قالَها إنسانٌ لا يُلقي لها بالًا، أهوَت بِهِ في النَّارِ سَبعينَ خَريفًا! الثَّالثة (عَمَليَّة): حافِظوا على الصَّلَواتِ الخَمسِ في أوقاتِها، لا سِيَّما صَلاةِ الفَجر. فهي السُّؤالُ الأوَّلُ في صَحيفَتِك، ومِفتاحُ النَّجاح؛ إن صَلَحَت صَلَحَ سائِرُ عَمَلِك. الرَّابعة (اجتِماعيَّة): تَحَلَّلوا مِن مَظالِمِ العِبادِ اليَومَ قَبلَ غَد. أدُّوا الحُقوقَ لأهلِها، واصِلوا أرحامَكم، واعفُوا عَمَّن ظَلَمكم. فدِرهَمُ المَظلومِ يَومَ القِيامَةِ يُدفَعُ مِن رَصيدِ حَسَناتِك، ولا دِينارَ هُناكَ ولا دِرهَم. الخامِسَة (مَوضوعيَّة): اسأَل نَفسَكَ كلَّ لَيلَةٍ قَبلَ أن تَنام: لو أنَّ اللهَ قَبَضَ رُوحي هَذِه اللَّيلة، هل أنا مُستَعِدٌّ للوُقوفِ بينَ يَدَيه؟ حاسِب نَفسَكَ يَوميًّا لتَنجَحَ في الحِسابِ الأكبَر. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فِإنَّ تَقوى اللهِ هي التي تَحمِلُكم على اجتِيازِ الصِّراطِ المُستَقيمِ بِسَلام. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليه، فقالَ في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على عبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِه وصَحبِه ومَنِ اتَّبَعَهُ بِإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ النَّجاحَ في الدُّنيا، والفَلاحَ والفَوزَ في الآخِرَة. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يُؤتَى كِتابَهُ بيَمينِه، ويَقولُ فَرَحًا مُستَبشِرًا: هاؤُمُ اقرَءُوا كِتابِيَه. اللَّهُمَّ لا تَفضَحنا يَومَ العَرضِ عَليك، واستُر عُيوبَنا، واغفِر ذُنوبَنا، وتَجاوَز عن سَيِّئاتِنا. اللَّهُمَّ أيقِظ قُلوبَنا مِنَ الغَفلَة، واجعَلنا مِمَّن يَستَعِدُّ للمَوتِ قَبلَ نُزولِه. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن رُسوبٍ في طاعَتِك، ونَعوذُ بِكَ مِن خِزيٍ يَومَ
القِيامَة. اللَّهُمَّ انصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِنَ المُسلمينَ في كلِّ مَكان، اللَّهُمَّ ارفَعِ البَلاءَ عَنهُم، واربُط على قُلوبِهم، واجعَل لَهُم مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومِن كُلِّ ضِيقٍ مَخرَجًا. اللَّهُمَّ أحسِن عاقِبَتَنا في الأُمورِ كُلِّها، وأجِرنا مِن خِزيِ الدُّنيا وعَذابِ الآخِرَة. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.