من مكتبة مِداد الخطيب

مَعَاذَ اللَّهِ... طَوْقُ النَّجاةِ في طُوفانِ الشَّهَوات

مشاركة
🕌 مَعَاذَ اللَّهِ... طَوْقُ النَّجاةِ في طُوفانِ الشَّهَوات #خطبة_جمعة #العفة #الشباب #غض_البصر #يوسف_عليه_السلام #تزكية_النفس #الشهوات #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ العِفَّةَ تاجًا على رُؤوسِ الأتقياء، وأحاطَ المؤمنينَ الصَّادقينَ بعنايتِه في ساعاتِ الخَفاء. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يَعلَمُ خائنةَ الأعيُن وما تُخفي الصُّدور، ويَرى جِهادَ الشَّابِّ في غُرفتِه بَينَهُ وبَينَ الشَّاشاتِ في أشدِّ ساعاتِ الفُتور. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ العُفَفاء، وقُدوةُ الأنقياء، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: كلمتانِ فقط... قالَها شابٌّ غَريبٌ، أعزَبٌ، في غُرفةٍ مُغلَقَة، وأمامَ أخطَرِ فِتنَةٍ يُمكِنُ أن يَتَعَرَّضَ لها إنسانٌ في تاريخِ البشريَّة. كلمتانِ غَيَّرَتا مَجرى التَّاريخ، ورَفَعَتا هذا الشَّابَّ ليَكونَ نبيًّا كريمًا وعَزيزًا لمِصر، بل وجَعَلَتْهُ أُنموذجًا يُتلى في القُرآنِ إلى يومِ القيامة. كلمتانِ نَحتاجُهما اليومَ أكثرَ من أيِّ وَقتٍ مَضى... فما هُما؟ ولماذا هُما طَوقُ النَّجاةِ لِكلِّ شابٍّ يَغرقُ اليومَ في شلَّالِ الشَّهوات؟ هذا ما سنَقِفُ مَعَهُ في دَقائقِنا هذه. أيُّها الإخوةُ الأكارم، يا مَعاشرَ الشَّباب... نَحنُ اليومَ أمامَ مَشهَدٍ نَحفَظُه جميعًا، لكنَّنا نَقرَؤُه غالبًا كأنَّهُ قِصَّةٌ تاريخيَّة، ولا نَقرَؤُه كأنَّهُ دَليلُ عَمَلٍ لِزَمَنِ الهَواتِفِ الذَّكيَّةِ والفِتَنِ المَفتوحة. نَحنُ أمامَ نبيِّ اللهِ يُوسُفَ عليهِ السَّلام. تَخَيَّلوا مَعي المَشهَدَ بِكلِّ تَفاصيلِه، وكما يَرصُدُه الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمهُ اللهُ في كِتابِه "الجواب الكافي"، مُبَيِّنًا الدَّوافعَ العَشَرةَ التي اجتَمَعَت لِيُوسُفَ عليهِ السَّلام لِيَفعَلَ المَعصية: أوَّلًا: كانَ شابًّا في رَيعانِ شَبابِه، والشَّهوةُ في الشَّابِّ أقوى. ثانيًا: كانَ أعزَبَ لا زَوجةَ لَهُ تُغنيه. ثالثًا: كانَ غَريبًا عَن أهلِه ووَطَنِه، والغَريبُ يَستَخفي بِما لا يَستَخفي بِهِ مَن بَينَ أهلِه ومَعارِفِه. رابعًا: كانَ مَملوكًا في بَيتٍ، والمَملوكُ مَأمور. خامسًا: المرأةُ كانت ذاتَ مَنصِبٍ وجَمال، وهي امرأةُ العَزيز. سادسًا: هي التي طَلَبَت، وهي التي بادَرَت، والمُبادَرَةُ من ذاتِ المَنصِبِ تُسقِطُ مَؤونَةَ الخَوفِ من الرَّفض. سابعًا: أبوابُ القَصرِ غُلِّقَت بإحكام... ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾، فلا رَقيبَ من البَشَر. ثامنًا: المرأةُ هَدَّدَتهُ وتَوَعَّدَتهُ بالسِّجنِ والصَّغار إن لم يَفعَل. تاسعًا: زَوجُها كانَ بَعيدًا أو لا يَغارُ الغَيرةَ الكافية. عاشرًا: هو يَعيشُ في بَيتِها، ولا مَفرَّ لَهُ منها. عَشَرةُ أبوابٍ تَدفَعُ الشَّابَّ لِلوُقوعِ في الرَّذيلة. عَشَرةُ أعذارٍ لَو وَقَفَ بِها أيُّ إنسانٍ أمامَ النَّاسِ لَقالوا له: "لقد كُنتَ مَعذورًا، والمَوقِفُ كانَ أضخَمَ من طاقتي". لكن، كيفَ كانَ الجَواب؟ هَل ناقَشَ؟ هَل ضَعُفَ؟ هَل استَسلَمَ لِهذا الضَّغطِ النَّفسيِّ والجسديِّ الهائل؟ يَقولُ رَبُّنا تَباركَ وتَعالى واصِفًا تلكَ اللَّحظَةَ الحاسمَة: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: 23]. مَعَاذَ اللَّهِ! أعوذُ بالله، ألتَجِئُ إلى الله، أعتَصِمُ بالله. في اللَّحظةِ التي انقَطَعَت فيها رُؤيةُ البَشَر، استَحضَرَ يُوسُفُ عليهِ السَّلام رُؤيةَ رَبِّ البَشَر. في اللَّحظةِ التي غُلِّقَت فيها الأبوابُ الخشبيَّة، كانَ بابُ السَّماءِ في قَلبِه مَفتوحًا لم يُغلَق. إخوتي الشَّباب... دَعونا نَنتَقِلِ الآنَ من قَصرِ العَزيزِ في مِصرَ قَبلَ آلافِ السِّنين، إلى غُرفَتِكَ أنت، في مَنزِلِك، في عامِنا هذا. أنتَ اليومَ لا تَحتاجُ أن تَكونَ في قَصر، ولا تَحتاجُ لامرأةِ عَزيزٍ تُغَلِّقُ الأبواب. أنتَ اليومَ تَحمِلُ "غُرفَةَ الفِتنَةِ المُغلَقة" في جَيبِك. هاتِفُكَ الذَّكي... هو الأبوابُ المُغَلَّقة. والخَوارزميَّاتُ والمَواقِعُ التي تَدفعُ لكَ الصُّورَ والمَقاطِعَ المسمومةَ في كُلِّ تَصفُّح، هي التي تَقولُ لكَ ألفَ مرَّةٍ في اليوم: "هَيْتَ لَكَ". نَحنُ اليومَ — يا عِبادَ الله — نَعيشُ تَحتَ شَلَّالٍ مُتَدَفِّقٍ من الشَّهوات. الشَّابُّ يَخرُجُ لِجامعتِه، لِسوقِه، لِعَمَلِه، بَل يَجلِسُ في غُرفةِ نَومِه مُغلِقًا بابَهُ على نَفسِه، والفِتنَةُ تَتَسَرَّبُ إليهِ من خِلالِ شاشَةٍ صَغيرة. يَعرِفُ أنَّهُ وَحيد. يَعرِفُ أنَّ أُمَّهُ في الخارِجِ لا تَراه، وأنَّ أباهُ لا يَعلَمُ ما يَصنَع، وأنَّ أصدقاءَهُ يَظُنُّونَ بِهِ خَيرًا. وهنا... تُمتحَنُ الرُّجولةُ الإيمانيَّة. هنا... يَظهَرُ مَعنى قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. قالَ بَعضُ العارِفينَ من السَّلَف: "أجمَعَ العارِفونَ باللهِ أنَّ ذُنوبَ الخَلَواتِ هي أصلُ الانتكاسات، وأنَّ طاعاتِ الخَلَواتِ هي أصلُ الثَّبات". إنَّ اللَّحظَةَ التي تُغمِضُ فيها عَينَكَ عن حَرامٍ شاشَةِ هاتِفِك، وتَضغَطُ فيها على زِرِّ الإغلاق، وتَقولُ في قَلبِكَ "مَعَاذَ اللَّهِ"... واللهِ إنَّها لَلَحْظَةٌ تَرفَعُكَ عِندَ اللهِ مَقاماتٍ لا تَبلُغُها بِكثيرِ صَلاةٍ وصيام! واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، الذي يَجعَلُ الرُّوحَ تَرتَجِفُ شَوقًا. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ...». مَن هُم يا رَسولَ الله؟ ذَكَرَ مِنهُم: «وشابٌّ نَشَأَ في عِبادَةِ رَبِّهِ... ورَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمالٍ، فَقالَ إنِّي أخافُ اللَّهَ» [متفق عليه]. أنتَ أيُّها الشَّاب... أنتَ مُؤَهَّلٌ لِتَكونَ تَحتَ ظِلِّ عَرشِ الرَّحمنِ يَومَ تَدنُو الشَّمسُ من الرُّؤوس. لَيسَ بِأن تَكونَ مَعصومًا لا تُخْطِئ، بَل بِأن تَتَعَرَّضَ لِلفِتنَةِ، والمُغرياتُ أمامَك، وسُبُلُ الحَرامِ مُيَسَّرَةٌ بِضَغطَةِ زِرّ، ثُمَّ يَنتَفِضُ قَلبُكَ خَوفًا ومَحَبَّةً لله، فتَقول: "إني أخافُ الله". ولَكِن... كَيفَ نَنجو؟ كَيفَ انتَصَرَ يُوسُفُ عليهِ السَّلام؟ هنا القاعِدةُ العَظيمةُ التي يَغفُلُ عَنها كَثيرٌ من شَبابِنا اليَوم. يُوسُفُ عليهِ السَّلام لَم يَقِفْ في الغُرفَةِ المُغلَقةِ ليُناقِشَ المَرأة، لَم يَقِف ليُفَكِّر، لَم يَعتَمِد على إيمانِه ويَقول "أنا نَبيٌّ وسَأصمُد". ماذا فَعَل؟ ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾! هَرَب. فَرَّ. رَكَضَ نَحوَ البابِ الفُلانِيِّ ليَفتَحَه ويَخرُجَ من مَكانِ الفِتنَة. تَأمَّلوا مَعي يا عِبادَ الله... لا يُمكِنُكَ أن تُحارِبَ طُوفانَ الشَّهواتِ وأنتَ واقِفٌ تَحتَه. لا يُمكِنُكَ أن تَنتَصِرَ على الشَّهوةِ وأنتَ تُقَلِّبُ نَظَرَكَ في حِساباتِ الفاتِناتِ والمَواقِعِ المَشبوهة، وتَقول "أنا قَويُّ الإيمان". الفِتنَةُ لا تُواجَه... الفِتنَةُ يُهْرَبُ مِنها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "غضُّ البصرِ عن المحرمات يورثُ القلبَ نورًا وفراسة، والتعرضُ للفتنِ يورثُهُ ظُلمةً وانتكاسة". وقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ» [رواه أحمد وأبو داود]. النَّظرةُ الأولى سَهمٌ مَسمومٌ يَخترِقُ القَلب. والهروبُ هو أن تَحذِفَ التَّطبيقَ الذي يَسرِقُ دينَك. أن تُغلِقَ المَوقِعَ الذي يَستَنزِفُ رَصيدَ إيمانِك. أن تُغَيِّرَ الصُّحبَةَ التي تُهَوِّنُ عَلَيكَ الفَواحِش. هذا هو مَعنى ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ في زَمَنِنا. ... هَل تَظُنُّونَ أنَّ المَسألةَ سَهلَة؟ هَل تَظُنُّونَ أنَّ غَضَّ البَصَرِ في أسواقِنا وشاشاتِنا اليَومَ أمرٌ هَيِّن؟ لا والله. إنَّهُ أَلَم. إنَّهُ مَشَقَّة. القَلبُ يَتَمَزَّقُ أحيانًا رَغبةً، والنَّفسُ الأمَّارةُ تُلِحّ، والشَّيطانُ يُزَيِّن. ولَكِن، اسألوا أنفُسَكُم سُؤالًا واحِدًا بصدق: أيُّ الألَمَينِ أهون؟ ألَمُ مَنعِ النَّفسِ عن الشَّهوةِ لِلَحظات؟ أم ألَمُ الذَّنب، وظُلمَةُ القَلب، وَوَحشَةُ الصَّدر، وسُقوطُ المَنزلةِ من عَينِ اللهِ بَعدَ المَعصية؟ يُوسُفُ عليهِ السَّلام اختارَ أَلَمًا آخَر، اختارَ أَلَمَ السِّجنِ وعَذابَهُ على أَلَمِ البُعدِ عَن الله. ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]. يُفَضِّلُ السِّجنَ الماديَّ الصَّغير، على سِجنِ الشَّهوةِ الذي لا فِكاكَ مِنه. يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمهُ اللهُ مُبَيِّنًا هذا المَعنى العظيم: "إنَّ في تَرْكِ المَحارِمِ للهِ لَذَّةً في القَلبِ وحَلاوَةً، يَجِدُها المُؤمِنُ أعظَمَ من لَذَّةِ المَعصيَةِ التي عادَت حَسرَةً ونَدامَة". واللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هو... ما تَرَكَ شابٌّ مَقطَعًا مُحَرَّمًا، أو نَظرَةً مُحَرَّمةً، أو علاقَةً مُحَرَّمَةً من أجلِ الله، يَتَقَطَّعُ قَلبُهُ أَلَمًا لِفِراقِها... إلَّا أذاقَهُ اللهُ في صَدرِهِ حَلاوَةَ إيمانٍ يَبكي مِن جَمالِها، ولَعَوَّضَهُ اللهُ بِنورٍ في وَجهِه، وتَوفيقٍ في رِزقِه، وسَكينَةٍ في بَيتِه. وتَأمَّلوا السِّرَّ الأعظَمَ الذي حَمَى يُوسُفَ عليهِ السَّلام... لِماذا أنقَذَهُ الله؟ ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. إنَّهُ الإخلاص! السَّريرةُ النَّقيَّة. صِدقُهُ مَعَ اللهِ في أيَّامِ الرَّخاء، نَفَعَهُ في أضْيَقِ سَاعاتِ الفِتنَة. احفَظِ اللهَ في خَلَواتِكَ العادِيَّة، يَحفَظكَ اللهُ عِندَ اشتِدادِ المِحَن. أيُّها الشَّبابُ المُجاهِد... يا مَن تَعيشونَ في زَمَنِ القابِضِ فيهِ على دِينِهِ كالقابِضِ على الجَمر. أنتم لَستُم مَلائكة... أنتم بَشَرٌ يُخطِئونَ ويَتوبون، ويُحارِبونَ ويَضعُفون. ولكِنَّ الخَسارَةَ الحقيقيَّةَ هي أن تَستَسلِموا لِلطُّوفانِ، وأن تُبَرِّروا الخَطيئَة. اللهُ يَرى جِهادَكُم... اللهُ يَسمَعُ أنينَ قُلوبِكُم وأنتُم تَدفَعونَ الحَرام... اللهُ لا يُضَيِّعُ دَمعةَ نَدَمٍ سَقَطَت في ظَلامِ اللَّيلِ بَعدَ ذَنب. قال تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ من كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروه إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه، كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وصحبِه وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ أُنموذجِ العِفَّةِ المُطلَقة، نَبيِّ اللهِ يُوسُفَ عليه السَّلام، ورَأَينا كَيفَ انتَصَرَ على شَلَّالِ الشَّهواتِ في قَصرِ العَزيز بِالاعتِصامِ بِقولِ "مَعَاذَ اللَّهِ"، وبِالهُروبِ من مَوطِنِ الفِتنَة، وبِقُوَّةِ الإخلاص. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهمِّ الذي يَجِبُ أن نَخرُجَ بِهِ اليَوم: كَيفَ نُتَرجِمُ حَياةَ يُوسُفَ عليهِ السَّلام إلى واقِعٍ نَعيشُهُ اليَوم لِنَحفَظَ بِهِ أنفُسَنا وشَبابَنا؟ أُوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري، لِكُلِّ شابٍّ يُريدُ النَّجاةَ في هذا العَصر: الأولى (قَلبيَّة): راقِب رَبَّكَ في خَلوتِك، واجعَل سَريرَتَكَ أطهَرَ من عَلانيَتِك. حينَ تَختَلي بِشاشَتِك ولا يَراكَ أحَد، استَحضِر أَنَّ اللهَ مَعَك — ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. هذهِ المُراقَبةُ هي سِرُّ الإحسان، وهي التي تَكبَحُ جِماحَ النَّفس. الثانية (لِسانيَّة): ادعُ بِمثلِ دُعاءِ يُوسُف. اللَّيلةَ، في سُجودِك، قُل بانكِسار: يا رَبِّ، ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾. يا رَبِّ، اصْرِفْ عَنِّي الفِتَنَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن، فإنِّي ضَعيفٌ ولا أعتَصِمُ إلَّا بِحَولِكَ وقُوَّتِك. الثالثة (عَمَليَّة): استَبِقِ البابَ... اهْرُب! لا تُجَرِّب إيمانَكَ أمامَ المُغريات. غُضَّ بَصَرَكَ استِجابَةً لأمرِ الله: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: 30]. اليَوم... كُلُّ تَطبيقٍ في هاتِفِكَ يَجُرُّكَ إلى الحَرام، احذِفهُ بِلا تَرَدُّد. كُلُّ حِسابٍ يُثيرُ غَرائِزَك، أَلْغِ مُتابَعَتَه. هذا هو الهُروبُ المَشروعُ الذي يُنقِذُ حَياتَك. الرابعة (اجتماعيَّة): طَهِّر صُحبَتَك. المَرءُ على دينِ خَليلِه. الشَّابُّ الذي يُجالِسُ مَن يَستَسهِلونَ الحَرامَ، ويَتَفاخَرونَ بِالعلاقات، ويُتَداوَلونَ المَقاطِع، سَيَزِلُّ وإن كانَ أقوى النَّاسِ إيمانًا. ابحَث عن صُحبَةٍ تَستَحي أن تَعصيَ اللهَ أمامَهم، صُحبَةٍ تَرفَعُ هِمَّتَكَ نَحوَ المَعالي. الخامسة (موضوعيَّة): خُذ بوصيَّةِ نَبيِّكَ ﷺ العَمَليَّة حين قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [متفق عليه]. مَن قَدَرَ على الزَّواجِ فَلْيُبادر، ومَن عُسِّرَ عليهِ فَلْيَستَعِن بالصِّيام وإشغالِ النَّفسِ بِطَلَبِ الرِّزقِ والعِلمِ والنَّجاح، ولا يَتْرُكْ نَفسَهُ لِلفَراغ، فإنَّ الفَراغَ بابُ الشَّيطانِ الأعظَم. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العِفَّةَ لَيست حِرمانًا، بَل هي الحُريَّةُ الحقيقيَّةُ من سِجنِ الشَّهوات. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُم اللهُ بالصَّلاةِ عليه، فَقالَ عزَّ من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبيِّنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قُلوبَنا على دينِك، ويا مُصَرِّفَ القُلوبِ صَرِّف قُلوبَنا إلى طاعَتِك. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا، وحَصِّن فُروجَنا، واغفِر ذُنوبَنا. اللَّهُمَّ احفَظ شَبابَ المُسلِمين، وبَناتِ المُسلِمين. اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنهُم فِتَنَ الشُّبُهاتِ والشَّهواتِ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن. اللَّهُمَّ ارزُقنا العِفَّةَ والعَفاف، وحَبِّب إلَينا الإيمانَ وزَيِّنهُ في قُلوبِنا، وكَرِّه إلَينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان، واجعَلنا من الرَّاشدين. اللَّهُمَّ مَن سَقَطَ في وَحلِ مَعصيَةٍ فَمُنَّ عَليهِ بتَوبَةٍ نَصوحٍ تَغسِلُ حَوبَتَه، وتُطَهِّرُ صَحيفَتَه. اللَّهُمَّ رُدَّنا إلَيكَ رَدًّا جَميلًا. اللَّهُمَّ انصُر المُستَضعَفينَ والمظلومينَ من المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لِإخوانِنا في فِلَسطينَ وفی کُلِّ بَقعةٍ يُظْلَمُ فيها مُؤمِن. اللَّهُمَّ أطعِمهُم من جُوع، وآمِنهُم من خَوف، وانصُرهُم على مَن بَغَى عَلَيهِم. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.