من مكتبة مِداد الخطيب

أدبُ التَّعامُلِ معَ الوَصايا النَّبَويَّةِ والعَمَلِ بها

مشاركة
🕌 أدبُ التَّعامُلِ معَ الوَصايا النَّبَويَّةِ والعَمَلِ بها #خطبة_جمعة #الوصايا_النبوية #العمل_بالسنة #الاتباع #تطبيق_الشرع #امتثال_الأمر #إيمانيات الحمدُ للهِ النَّاصِحِ لعِبادِه، الهادي بمَنِّهِ وفَضلِهِ إلى صِراطِهِ المُستَقيم، الذي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسولاً مِنهُم يَتلو عليهِم آياتِه، ويُزَكِّيهِم، ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكمَةَ وإن كانوا مِن قَبلُ لَفي ضَلالٍ مُبين. أحمَدُهُ سُبحانَهُ أن أرسَلَ نَبيَّهُ بالبَيِّناتِ والهُدى، وأودَعَهُ جَوامِعَ الكَلِمِ ونَفائِسَ الوَصايا لخَيرِ الوَرى، فكانَت كَلِماتُهُ شِفاءً لصُدورِ الحائِرين، وطَوقَ نَجاةٍ للغارِقين، ومَنارَةَ رُشدٍ للسَّالِكين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ طاعَةَ رَسولِهِ عُنوانَ طاعَتِه، ورَضِيَ باتِّباعِ هَديِهِ دَليلاً على صِدقِ مَحَبَّتِه. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وحَبيبَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أوفى النَّاسِ ذِمَّة، وأعظَمُهُم نُصحاً للأُمَّة، ما تَرَكَ خَيراً إلَّا دَلَّنا عليهِ ورَغَّبَنا فيه، ولا تَرَكَ شَرّاً إلَّا حَذَّرَنا مِنهُ ونَهانا عنه، فبَلَّغَ الرِّسالَة، وأدَّى الأمانَة، ونَصَحَ للهِ ولخَلقِه، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ البَرَرة، وصَحابَتِهِ الخِيَرة، ومَنِ اقتَفى أثَرَهُم وعَمِلَ بوصاياهم إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بعد: أيُّها المؤمنون، ما أبهى كَلِماتِ النُّبُوَّةِ حينَ تَطرُقُ أسماعَ القُلوبِ الحَيَّة! وما أندى وَصايا الحَبيبِ المُصطفى ﷺ حينَ تَتَنَزَّلُ على الأفئِدَةِ كالمَطَرِ الهاطِلِ على الأرضِ الجَدباء! إنَّ كُلَّ وَصيَّةٍ نَطَقَ بها فَمُ النَّبيِّ ﷺ لَيسَت نَصيحَةً عابِرَةً قيلَت لمُناسَبَةٍ وانقَضَت، ولا فِكرَةً بَشَرِيَّةً تَخضَعُ لِرَهَناتِ الزَّمانِ والمَكان؛ بل هيَ وَحيٌ يُوحى، وقَبَسٌ مِن نُورِ السَّماء، كُلِّمَ بهِ الخَلقُ لتَستَقيمَ حَياتُهُم، وتَصلُحَ مَعايِشُهُم، وتَسلَمَ مَعادُهُم. ولكِنَّ السُّؤالَ الذي يَقطَعُ نِياطَ القَلب، ويَفرِضُ نَفسَهُ على كُلِّ مُصَلٍّ ومُسلِم: كيفَ نَستَقبِلُ نَحنُ اليومَ وَصايا نَبيِّنا ﷺ؟ هل نَستَمِعُ إليها كَمَعارفَ ثَقافِيَّةٍ تُروى في المَجالِسِ لِتَزجِيَةِ الأوقات؟ أَم نَتعامَلُ معَها كأحاديثَ نَحفَظُها لِنُزَيِّنَ بها خُطَبَنا ورَسائلَنا دُونَ أن نَبُثَّ فيها رُوحَ العَمَل؟ أينَ الفَرقُ بينَ مَن يَسمَعُ الوَصيَّةَ ليَقولَ: "ما أجمَلَ هذا الحَديث!"، وبينَ مَن يَرتَجِفُ فُؤادُهُ لسَماعِها، فيَنفَضُّ عَن مَجلِسِهِ وهو يَلهَثُ شَوقاً وخَوفاً ليَجعَلَها مِسطَرَةً لحَياتِه، ودُستوراً ليَومِهِ ولَيلَتِه؟ لقد كانَ الصَّحابَةُ رضي اللهُ عنهم إذا سَمِعوا الكَلِمَةَ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ، عَقَدوها في سَويداءِ قُلوبِهم، واعتَبَروها دَيناً لازِماً في أعناقِهم، فلا يَموتُ الواحِدُ مِنهُم حتَّى يَموتَ وهو قابِضٌ على تِلكَ الوَصيَّة! يقولُ اللهُ تبارَكَ وتعالى مُحَذِّراً الأُمَّةَ جَمعاءَ مِن مَغبَّةِ الإعراضِ عن أوامِرِ النَّبيِّ ﷺ ووَصاياه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. تَأمَّلوا في حَرفِ التَّحذيرِ الجازِم: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾! الفِتنَةُ في الدِّين، والقَسوَةُ في القَلب، والشَّتاتُ في الفِكر، والضَّنكُ في الحَياة، كلُّها أثَراتٌ شُؤمِيَّةٌ لِمُخالَفَةِ أمرِ النَّبيِّ ﷺ وتَركِ وَصاياه! ثمَّ يُناديكُم رَبُّكُم بنِداءِ الإيمانِ الحارِّ العَطوف، مُبَيِّناً أنَّ الحَياةَ الحَقيقِيَّةَ لا تَكونُ إلَّا بالاستِجابَةِ لكَلِماتِ الرَّسولِ ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24]. دَعاكُم لِما يُحييكُم! إنَّ حَياتَكُم بلا وَصايا النَّبيِّ ﷺ مَوتٌ مُغَلَّف، وشَقاءٌ مُقَنَّع! ويَقطَعُ الحَقُّ جلَّ جَلالُهُ كُلَّ شُبهَةٍ حَولَ التَّرَدُّدِ أو التَّخَيُّرِ في قَبولِ ما سَنَّهُ الحَبيبُ ﷺ، فيقولُ سُبحانَه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]. فالمُؤمِنُ الحَقُّ لا يَقول: "هل هذهِ الوَصيَّةُ واجِبَةٌ أم مُستَحَبَّة لأتَهاوَنَ فيها؟"، بل يَقول: "هل صَحَّت عن رسولِ الله؟ فإن صَحَّت فالسَّمعُ والطَّاعَة، وعلى الرَّأسِ والعَين"! واسمَعوا مَعاشِرَ المُصلِّين إلى رَوائعِ تِلكَ الوَصايا التي كانَ يَخصُّ بها النَّبيُّ ﷺ أصحابَه، لِتَرَوا كيفَ كانَ يُعالِجُ أدوَاءَ النُّفوسِ بلَمساتٍ حانِيَةٍ تَأخُذُ بمَجامِعِ القُلوب: روى الإمامُ أبو داودَ والنَّسائيُّ بإسنادٍ صَحيح، عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أخَذَ بيَدِهِ يَوماً، ثمَّ قالَ لهُ كَلِمَةً تَذوبُ لها القُلوبُ حُبّاً: «يا مُعاذُ، واللهِ إنِّي لأُحِبُّك! واللهِ إنِّي لأُحِبُّك!». تَصَوَّروا هذا المَوقِفَ الجَليل: خَيرُ خَلقِ الله، سيِّدُ وَلَدِ آدَم، يُمسِكُ بيَدِ شابٍّ مِن أصحابِهِ ويُقسِمُ لهُ باللهِ أنَّهُ يُحِبُّه! فماذا كانتِ الهَدِيَّةُ التي قَدَّمَها النَّبيُّ ﷺ لمَن حَلَفَ على حُبِّه؟ لم يُعطِهِ دَنانيرَ ولا ضِياعاً ولا مَناصِب، بل قال: «أُوصيكَ يا مُعاذُ لا تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ تَقول: اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكرِكَ، وشُكرِكَ، وحُسنِ عِبادَتِك»! يا الله! كَنزٌ مِن نَفائِسِ الوَصايا: طَلَبُ العَونِ مِنَ اللهِ على العِبادَة! فمَن مِنَّا يا عِبادَ الله استَشعَرَ حَلاوَةَ هذهِ الوَصيَّةِ وحَفِظَها فما تَرَكَها في دُبُرِ صَلاةٍ مَكتوبَةٍ مُنذُ بَلَغَهُ حَديثُ مُعاذ؟ وهذا صَحابِيٌّ جَليلٌ آخَر، هُوَ راويَةُ الإسلامِ أبو هُرَيرَةَ رضي الله عنه، يُحَدِّثُنا بفَخرِ التِّلميذِ البارِّ بوَصيَّةِ مُعَلِّمِه، فيقولُ في الحَديثِ المُتَّفَقِ عليه: «أوصاني خَليلي ﷺ بثَلاثٍ لا أدَعُهُنَّ حتَّى أموت: صِيامِ ثَلاثَةِ أيَّامٍ مِن كُلِّ شَهر، ورَكعَتَيِ الضُّحى، وأن أوتِرَ قَبلَ أن أنام»! تَأمَّلوا قَولَه: "لا أدَعُهُنَّ حتَّى أموت"! عَهدٌ وَثيقٌ قَطَعَهُ أبو هُرَيرَةَ على نَفسِه؛ لَزِمَ رَكعَتَيِ الضُّحى، وصِيامَ البِيض، ورَكَعَاتِ الوِتر، حتَّى لَقِيَ الله! لم تَمُرَّ بهِ مَشاغِلُ الدُّنيا، ولا أتعابُ الأسفار، ولا كِبَرُ السِّنِّ لتَصرِفَهُ عن كَلِماتِ خَليلِهِ ﷺ. فأينَ نَحنُ مِن هذهِ الوَصايا الثَّلاثِ اليَسيرَةِ التي لا تَستَغرِقُ مِن يَومِ أحَدِنا رُبُعَ ساعَة، وتَزِنُ في ميزانِ الحَسَناتِ كالجِبالِ الرَّواسِي؟ وجاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ يَطلُبُ خُلاصَةَ الحِكمَةِ ودَواءَ النَّفسِ بكَلِمَةٍ مُوجَزَة، فقال: "يا رسولَ الله، أوصِني". فنَظَرَ إليهِ الطَّبيبُ القُلوبيُّ الأعظَمُ ﷺ وعَلِمَ ما يُفسِدُ عليهِ دِينَهُ ودُنياهُ وعَلاقاتِه، فقالَ لهُ كَلِمَةً واحِدة: «لا تَغضَب»! ففَكَّرَ الرَّجُلُ في نَفسِهِ وقال: لَعَلَّ النَّبيَّ ﷺ يُعطيني وَصيَّةً أوسَعَ أو أمراً أثقَل، فرَدَّدَ مِراراً: يا رسولَ الله، أوصِني! والنَّبيُّ ﷺ يُرَدِّدُ بثَباتٍ وإحكام: «لا تَغضَب»! [رواهُ البُخاري]. كَلِمَتانِ اثنَتانِ كَفيلَتانِ بحِفظِ بُيوتِ المُسلمينَ مِنَ الخَراب، وحِفظِ الدِّماءِ مِنَ السَّفك، وحِفظِ الأرحامِ مِنَ القَطيعَة، وحِفظِ الصَّداقاتِ مِنَ الفِصام! لو أنَّ الرَّجُلَ الذي طَلَّقَ زَوجَتَهُ في لَحظَةِ فَوْرَةٍ استَحضَرَ وَصيَّةَ «لا تَغضَب»، أكانَ يَهْدِمُ بَيتَهُ ويُشَتِّتُ أولادَه؟ لو أنَّ الذي سَفَكَ دَمَ غَيرِهِ أو شَتَمَ عِرضَ أخيهِ في نِزاعٍ على شِبرِ أرضٍ أو طَريقٍ سَمِعَ نِداءَ «لا تَغضَب»، أكانَ يَقِفُ اليومَ خَلفَ قُضبانِ السُّجونِ نادِماً يَجرُّ أذيَالَ الحَسرَة؟ ولكنَّها الغَفلَةُ عن تَنفيذِ الوَصيَّةِ هيَ التي تُورِدُ المَهالِك. وكذلكَ كانت وَصيَّتُهُ ﷺ لأبي ذَرٍّ الغِفاريِّ رضي الله عنه، حينَ قالَ له: «أوصاني خَليلي ﷺ بحُبِّ المَساكينِ والدُّنُوِّ مِنهُم، وأوصاني أن أنظُرَ إلى مَن هوَ دُوني ولا أنظُرَ إلى مَن هوَ فَوقي، وأوصاني أن أصِلَ الرَّحِمَ وإن أدبَرَت، وأوصاني ألَّا أسألَ أحَداً شيئاً، وأوصاني أن أقولَ بالحَقِّ وإن كانَ مُرّاً، وأوصاني ألَّا أخافَ في اللهِ لَومَةَ لائِم، وأوصاني أن أُكثِرَ مِن قَولِ: لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله، فإنَّهُنَّ مِن كَنزٍ تَحتَ العَرش» [رواهُ أحمَدُ وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّان]. سَبعُ وصايا مَن حَواها فقد حازَ شَرَفَ الدُّنيا ونَعيمَ الآخِرة! ولقد فَقِهَ سَلَفُ هذهِ الأُمَّةِ هذا المَعنى فِقهاً عَميقاً، فرَأوا أنَّ مُجَرَّدَ رِوايَةِ الحَديثِ دُونَ تَنفيذِهِ إفلاسٌ وتَقصيرٌ في حَقِّ النُّبُوَّة. يقولُ الإمامُ الحُجَّةُ الشَّافعيُّ رحمه اللهُ تعالى في كَلِماتٍ تَكشِفُ عن تَعظيمِهِ المُطلَقِ للأثَر: "إذا صَحَّ الحَديثُ فهوَ مَذهَبي، واضرِبوا بقَولي عُرضَ الحائط!". وقالَ رَحِمَه اللهُ لمَّا سَأَلَهُ سائِلٌ عن مَسألَةٍ فرَوى فيها حَديثاً عن رَسولِ اللهِ ﷺ، فقالَ لهُ الرَّجُل: "أوتَقولُ بهِ يا أبا عبدِ الله؟" فانتَفَضَ الشَّافعيُّ وتَغَيَّرَ وَجهُهُ وقال: "سُبحانَ الله! أتراني في كَنيسَة؟! أتراني في بِيعَة؟! أتراني على وَسَطي زُنَّار؟! أروي عن رسولِ اللهِ ﷺ حَديثاً ثُمَّ لا أقولُ به؟! أيُّ سَماءٍ تُظِلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا رَوَيتُ عن رسولِ اللهِ ﷺ حَديثاً صَحيحاً ولَم أقُل به؟!". وقالَ إمامُ أهلِ السُّنَّةِ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رحمه اللهُ تعالى في مَقولَتِهِ الخالِدَة: "ما كَتَبتُ حَديثاً عن رسولِ اللهِ ﷺ إلَّا وقَد عَمِلتُ به، حتَّى مَرَّ بي حَديثُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ احتَجَمَ وأعطى أبا طَيبَةَ الحَجَّامَ دِيناراً، فاحتَجَمتُ وأعطَيتُ الحَجَّامَ دِيناراً حتَّى أكونَ قَد عَمِلتُ بالحَديث!". اللهُ أكبر! ما أروَعَ هذا الامتِثال! يَدفَعُ دِيناراً مِن ذَهَب — وكانَ مَبلغاً عَظيماً في ذلكَ الزَّمان — لا لشَيءٍ إلَّا ليَكونَ قَد طَبَّقَ فِعلَ رَسولِ اللهِ ﷺ ولَو مَرَّةً واحِدةً في عُمُرِه! فأينَ مَن يَقرَأُ مُجَلَّداتِ الحَديثِ ولا يَخرُجُ مِنها برَكعَةٍ في ظَلامِ اللَّيل، ولا بسُنَّةٍ يُحْييها في أَهلِ بَيتِه؟ تَأمَّلوا مَعي عِبادَ اللهِ في قِصَّةِ الصَّحابَةِ رِضوانُ اللهِ عليهم يومَ نَزَلَ تَحريمُ الخَمر؛ كانَتِ الخَمرُ دِماءَ عُروقِهم في الجاهِلِيَّة، وتِجارَتَهُمُ الرَّابِحَة، وأُنْسَ مَجالِسِهم. فلمَّا أنزَلَ اللهُ في سُورَةِ المائِدَة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]. خَرَجَ المُنادي في سِكَكِ المَدينَةِ يُنادي: "ألا إنَّ الخَمرَ قد حُرِّمَت!". أتعرِفونَ ماذا حَدَثَ في تِلكَ السَّاعَة؟ لم يَجلِس الصَّحابَةُ يَتَفاوَضون، لم يَقولوا: "نَنتَظِرُ حتَّى نَبيعَ ما في حَوانيتِنا لتَجَنُّبِ الخَسارَة"، لم يَقُل مَن كانتِ الكَأسُ بيَدِهِ وهو يَدنو بها إلى فَمِه: "أشرَبُ هذهِ الكَأسَ الأخيرَةَ ثُمَّ أتوب"! بل كَسَروا الدِّنان، وشَقُّوا الزِّقاق، وأراقوا الخُمورَ في لَحظَتِها، حتَّى جَرَت سِكَكُ المَدينَةِ ومَيازيبُها بالخَمر! وصاحوا بألسِنَتِهم وقُلوبِهم في صَوتٍ واحِد: "انتَهَينا رَبَّنا! انتَهَينا رَبَّنا!". هذا هوَ فِقهُ الوَصيَّة: استِجابَةٌ فَورِيَّةٌ تَقطَعُ دابِرَ التَّرَدُّد، وتَضَعُ أمرَ اللهِ ورَسولِهِ فَوقَ كُلِّ هَوًى ومَال. واسمَعوا إلى هذا المَوقِفِ البَديعِ لأميرِ المُؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه؛ لَمَّا جاءَت فاطِمَةُ رضي اللهُ عنها تَشتَكي إلى النَّبيِّ ﷺ ما تَلقى في يَدِها مِن أثَرِ الرَّحى وتَطلُبُ خادِماً، دَخَلَ عليهِما النَّبيُّ ﷺ وهُما في فِراشِهما، فقال: «ألا أَدُلُّكُما على ما هوَ خَيرٌ لكُما مِن خادِم؟ إذا أويتُما إلى فِراشِكُما، فتُسَبِّحانِ ثَلاثاً وثَلاثين، وتَحمَدانِ ثَلاثاً وثَلاثين، وتُكَبِّرانِ أربَعاً وثَلاثين، فهوَ خَيرٌ لكُما مِن خادِم». يَقولُ عليٌّ رضي الله عنه بَعدَ عُقودٍ مُتَطاوِلَةٍ مِن مَوتِ رَسولِ اللهِ ﷺ: "فما تَرَكتُهُنَّ مُنذُ سَمِعتُهُنَّ مِن رسولِ اللهِ ﷺ!". فقالَ لهُ رَجُلٌ مُتَعَجِّباً — وهوَ يَعلَمُ ما مَرَّ بعليٍّ مِن حُروبٍ وكُروبٍ وجِراح: "ولا لَيلَةَ صِفِّين؟!" — تِلكَ اللَّيلَةَ المَخوفَةَ التي اشتَبَكَت فيها الرِّماحُ وطاحَت فيها الرُّؤوس! فقالَ الأسَدُ الهَصُورُ عليٌّ رضي الله عنه بِيَقينٍ يَهُزُّ الجِبال: "ولا لَيلَةَ صِفِّين!". تَحتَ وَقْعِ السُّيوف، وبَينَ أسنَّةِ الرِّماح، وفي أضخَمِ مَعرَكَةٍ خاضَها في حَياتِه، لم يَشغَلْهُ خَوفُ المَوتِ ولا تَدبيرُ الجَيشِ عن أن يَجلِسَ على رُكبَتَيهِ ليُسَبِّحَ ثَلاثاً وثَلاثين، ويَحمَدَ ثَلاثاً وثَلاثين، ويُكَبِّرَ أربَعاً وثَلاثين! أيُّ تَعظيمٍ هذا لِوَصايا الحَبيبِ ﷺ، وأيُّ وَفاءٍ هذا لمَقامِ النُّبُوَّة؟! وانظُروا معاشِرَ الأحبَّةِ إلى حالِنا المُعاصِر، وقارِنوا بينَ ذلكَ الفِقهِ السَّامي وبَينَ واقِعٍ مَريرٍ نَعيشُه اليوم؛ حينَ ضَعُفَت صِلَةُ كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ بكُتُبِ السُّنَّةِ والوَصايا النَّبَويَّة، صاروا يَلتَمِسونَ عِلاجَ قُلوبِهم، وحُلولَ مُشكِلاتِ بُيوتِهم، وتَنظيمَ شُؤونِ حَياتِهم في نَظَرِيَّاتٍ وَضعِيَّةٍ مَادِّيَّةٍ مُستَورَدَة! تَجِدُ الواحِدَ مِنهُم يَدْفَعُ الأموالَ الطَّائِلَةَ في دَوراتِ "تَطويرِ الذَّات"، ويَجلِسُ السَّاعاتِ يَقرَأُ كُتُباً في الفَلسَفاتِ الشَّرقِيَّةِ أو الاستشاراتِ النَّفسِيَّةِ الجافَّة، ليَبْحَثَ عن طَريقَةٍ لكَظْمِ الغَضَب، أو لِكَسبِ الرِّضا، أو لِحِفظِ السَّكينَة؛ وكِتابُ «رِياضِ الصَّالِحين»، وصَحيحا البُخاريِّ ومُسلِمٍ بَينَ يَدَيهِ مُهْمَلانِ يَعلوهُما الغُبار! فيها وَصايا الصَّادِقِ المَصدوقِ الذي لا يَنطِقُ عنِ الهَوى، كَلِماتٌ مَعدوداتٌ تَحسِمُ أصْلَ الشَّقاءِ وتَزرَعُ اليَقين! هل نَسينا أنَّ وَصايا النَّبيِّ ﷺ هيَ الاستِشارَةُ المَعصومَة، والرُّؤيَةُ الكامِلَةُ التي تَعامَلَت معَ الإنسانِ رُوحاً وجَسَداً وعَقلاً ودِيناً ودُنيا؟ إنَّ العَودَةَ الصَّادِقَةَ إلى مائِدَةِ الوَصايا النَّبَويَّةِ لَيسَت نَوافِلَ نَتَجَمَّلُ بها، بل هيَ ضَرورَةُ وُجود، وحِصنُ نَجاةٍ يَحمِينا ويَحمي بُيوتَنا مِنَ التَّمَزُّقِ والضَّياع. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واجعَلوا لوَصايا نَبيِّكُم ﷺ في قُلوبِكم مَكانَةَ التَّعظيمِ والانقِياد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33]. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمين، والعاقِبَةُ للمُتَّقين، ولا عُدوانَ إلَّا على الظَّالِمين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، ولِيُّ الصَّالِحين، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، الصَّادِقُ الأمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحابَتِهِ ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن أَصْلٍ جَليلٍ مِن أُصولِ الأدَبِ مَعَ سَيِّدِ الخَلقِ ﷺ: «أدَبِ التَّعامُلِ مَعَ الوَصايا النَّبَويَّةِ والعَمَلِ بها»، ورَأينا كيفَ رَبَطَ القُرآنُ بَينَ اتِّباعِ أمرِهِ ﷺ وبَينَ الحَياةِ والنَّجاةِ مِنَ الفِتَن، واستَعرَضنا نَماذِجَ فَريدَةً مِن وَصاياهُ لمُعاذٍ وأبي هُرَيرَةَ وأبي ذَرٍّ ومَن سَألَهُ النَّصيحَة، ووَقَفنا بِإجلالٍ أمامَ امتِثالِ الصَّحابَةِ كإراقَةِ الخُمورِ في سِكَكِ المَدينَةِ وفِعلِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ بوِردِ التَّسبيحِ لَيلَةَ صِفِّين، وبَيَّنَّا خَطَرَ التَّعَوُّضِ عن هَديِ النُّبُوَّةِ بالنَّظَرِيَّاتِ الوَضعِيَّة. والآنَ يَبقى الأثَرُ المَطلوبُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَّا: كيفَ نَجعَلُ وَصايا رَسولِ اللهِ ﷺ حَيَّةً تَمشي في بُيوتِنا وأسواقِنا وأخلاقِنا؟ لذا، فإنِّي أُوصيكُم بخَمسِ وَصايا عَمليَّةٍ مُتَكامِلَة، لِتَكونَ بُرهاناً على صِدقِ الامتِثال: الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): عَظِّموا أمرَ النَّبيِّ ﷺ في قُلوبِكم، وتَلَقَّوا أحاديثَهُ بنِيَّةِ التَّنفيذِ لا بمُجَرَّدِ التَّعَلُّمِ والتَّسلِيَة؛ فمَن وَطَّنَ قَلبَهُ على أنَّهُ إذا بَلَغَهُ الحَديثُ بادَرَ إلى تَطبيقِه، شَرَحَ اللهُ صَدرَهُ وألبَسَهُ حُلَّةَ الهِدايَة، وعَصَمَهُ مِن شُؤمِ الجَدَلِ والتَّردُّد. الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): احفَظوا الوَصايا النَّبَويَّةَ القَولِيَّةَ وألزِموها ألسِنَتِكُم؛ لا سِيَّما دُعاءَ دُبُرِ الصَّلاة: «اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادَتِك»، ودُعاءَ كَظمِ الغَيظِ والاستِعاذَةِ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ عندَ الغَضَب، ولُزومَ كَلِمَةِ «لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله» تَبَرُّؤاً مِنَ الحَولِ والقُوَّة. الثالثة (وَصيَّةٌ عَمليَّةٌ فِعليَّة): أحْيُوا في أنفُسِكُم وَصيَّةَ أبي هُرَيرَةَ الثَّلاثِيَّة: صِيامَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ مِن كُلِّ شَهرٍ (الأيَّامِ البِيض)، ورَكعَتَيِ الضُّحى صَلاةَ الأوَّابين، ورَكعَةَ الوِترِ قَبلَ النَّومِ أو في آخِرِ اللَّيل؛ فمَن حافَظَ عليها كَتَبَهُ اللهُ مِنَ المُنقادينَ لوَصايا رَسولِه ﷺ. الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّةٌ أُسَرِيَّة): حَوِّلوا وَصايا النَّبيِّ ﷺ في الرِّفْقِ بأهلِ البَيتِ إلى واقِعٍ يَراهُ أبناؤُكُم وزَوجاتُكُم؛ قالَ ﷺ: «ما كانَ الرِّفْقُ في شَيءٍ إلَّا زَانَهُ، ولا نُزِعَ مِن شَيءٍ إلَّا شَانَهُ». كُفُّوا عن القَسوةِ والصُّراخ، وتَواصَوا بالحَقِّ والصَّبر، واجعَلوا بُيوتَكُم مَحاضِنَ رَحمَةٍ وتَغافُل. الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): اقتَنوا في بُيوتِكم كِتاباً مُبارَكاً مِن كُتُبِ الوَصايا النَّبَويَّة، مِثلَ «رِياضِ الصَّالِحين» للإمامِ النَّوَوي، واجعَلوا لكُم مَعَ أهلِ بَيتِكم وأولادِكم مَجلِساً أُسبوعِيّاً لا يَتَجاوَزُ رُبُعَ ساعَة، تَقرَؤونَ فيهِ بَاباً مِن أبوابِ الوَصايا، وتَتَّفِقونَ جَميعاً على عَمَلٍ واحِدٍ تُطَبِّقونَهُ في ذلكَ الأسبوع. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واذكُروا يومَ تَلقَونَ رَبَّكُم فتُسأَلونَ عن إجابَةِ المُرسَلين: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 65]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على المَبعوثِ رَحمَةً للعالَمين، صاحِبِ الوَصايا الغالِيَة، والحَوضِ المَورود، والشَّفاعَةِ العُظمى، فقد أمَرَكُمُ اللهُ بذلكَ في كِتابِهِ الحَكيمِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيد، وبارِكْ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيد. اللَّهُمَّ ارزُقنا كَمالَ الاتِّباعِ لنَبيِّكَ ﷺ، وحُسنَ الامتِثالِ لوَصاياه، وتَعظيمَ سُنَّتِهِ في كُلِّ شَأنِنا. اللَّهُمَّ أحْيِنا على سُنَّتِه، وتَوَفَّنا على مِلَّتِه، واحشُرنا في زُمرَتِه، وأورِدنا حَوضَهُ الكَريم، واسقِنا مِن يَدِهِ الشَّريفَةِ شَربَةً هَنيئَةً لا نَظمَأُ بَعدَها أبداً. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَسمَعُ القَولَ فيَتَّبِعُ أحسَنَه، واهدِنا لأحسَنِ الأخلاقِ والأعمالِ لا يَهدي لأحسَنِها إلَّا أنت، واصرِف عنَّا سَيِّئَها لا يَصرِفُ عنَّا سَيِّئَها إلَّا أنت. اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمُسلمين، واحمِ حَوزَةَ الدِّين، وانصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، وفَرِّج كُرَبَ المَكروبين، ونَفِّس عِثاراتِ المَهمومين، واقضِ الدَّينَ عنِ المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلمين، وارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلمينَ أجمَعين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ________________ ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.