🕌 مَحاسِنُ الاتِّباعِ ونَبذُ الابتِداع
#خطبة_جمعة #الاتباع #السنة #نبذ_البدع #الاعتصام_بالسنة #منهج_السلف #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي أكمَلَ لنا دينَنا، وأتَمَّ علينا نِعمَتَه، ورَضِيَ لنا الإسلامَ دِيناً، وحَفِظَ شَريعَتَهُ الغَرَّاءَ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقصان، وجَعَلَ الاعتِصامَ بسُنَّةِ نَبيِّهِ ﷺ سَفِينَةَ النَّجاةِ وبَرَّ الأمان، ومَناراً يَستَضيءُ بهِ السَّالِكونَ في حَوالِكِ الظُّلَمِ والأزمان. أحمَدُهُ سُبحانَهُ حَمْدَ عَبْدٍ عَلِمَ أنَّ الهُدى كُلَّهُ في وَحيِه، وأنَّ الضَّلالَ كُلَّهُ في اتِّباعِ الهَوى وشَقشَقَةِ الرَّأي، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادَةً نَرجو بها النَّجاةَ يَومَ الفَزَعِ الأكبَر، يَومَ يُذادُ أهلُ التَّبديلِ والإحداثِ عَنِ الحَوضِ والكوثَر. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وحَبيبَنا وقُدوتَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، بَلَّغَ الرِّسالَة، وأدَّى الأمانَة، ونَصَحَ الأُمَّة، وتَرَكَنا على المَحَجَّةِ البَيضاء، لَيلُها كنَهارِها لا يَزيغُ عنها بَعدَهُ إلَّا هالِك، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الأبرار، الذينَ عَضُّوا على السُّنَّةِ بالنَّواجِذ، ونَبَذوا البِدَعَ والأهواء، وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً مَديداً إلى يَومِ الدِّين.
أمَّا بعد:
أيُّها المؤمنون، تَأمَّلوا مَعي في صَفاءِ مَنهَلِ هذا الدِّين؛ دِينٌ أنزَلَهُ حَكيمٌ حَميد، لم يَترُك قِطعَةً مِن الخَيرِ إلَّا دَلَّ البَشَرِيَّةَ عليها، ولا شِبراً مِنَ الشَّرِّ إلَّا حَذَّرَها مِنهُ ونَفَّرَها عن مَسالِكِه. ما مِن طائرٍ يُقَلِّبُ جَناحَيهِ في السَّماءِ إلَّا وتَرَكَ لنا نَبيُّنا ﷺ مِنهُ عِلماً وحِكمَة! فكَيفَ بأبوابِ القُربات، وحَقائِقِ العِبادات، ومَنازِلِ التَّزكِيَةِ وأسماءِ الصِّلات؟! ألا إنَّ كلَّ خَيرٍ في اتِّباعِ مَن سَلَف، وكلَّ شَرٍّ في ابتداعِ مَن خَلَف! تَأمَّلوا في هذا الوُجود؛ كم مِن مُجتَهِدٍ أضناهُ السَّهَر، وأتعبَ بَدَنَهُ بالصِّيامِ ورَمى بمالِهِ في مَظانِّ التَّقَرُّب، ولكنَّهُ سَلَكَ طَريقاً لم يَشرَعْهُ رَسولُ الله ﷺ، فرَجَعَ صِفرَ اليَدَين، بل رَجَعَ مأزوراً غَيرَ مَأجور! هل سَألتُم أنفُسَكُم يَوماً: لماذا كانَ الاتِّباعُ أحَبَّ إلى اللهِ مِن كَثرَةِ العَمَلِ المُبتَدَع؟ ولماذا صَارَتِ البِدعَةُ أحَبَّ إلى إبليسَ مِنَ المَعصيَةِ الكَبيرة؟ إنَّ العاصي يَعصي وهوَ يَعلَمُ أنَّهُ مُذنِب، فيَرجو التَّوبَةَ ويَستَحي مِن خَالِقِه، أمَّا المُبتَدِعُ فإنَّهُ يُحْدِثُ في دِينِ اللهِ ويَظُنُّ أنَّهُ يَتَقَرَّب، فأنَّى لهُ أن يَتوبَ وهوَ يَرى ضَلالَتَهُ دِيناً وقُربَة؟!
استَمِعوا رَحِمَكمُ اللهُ إلى الإعلانِ الإلهيِّ الحَاسِم، الذي نَزَلَ في أعظَمِ مَشهَدٍ شَهِدَتهُ الأرض، يومَ عَرَفَةَ في حَجَّةِ الوَداع، حَيثُ رَفَعَ اللهُ لِواءَ الكَمالِ لهذا الدِّينِ الذي لا يَعتَريهِ نَقص: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. تَأمَّلوا مَعاشِرَ المُصلِّين في قَولِ الحَقِّ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾! إذا كانَ الدِّينُ قد كَمُل، فكُلُّ زِيادَةٍ يَأتي بها آتٍ هيَ في حَقيقَتِها اتهامٌ للدِّينِ بالنَّقص! وكُلُّ عِبادَةٍ يُحْدِثُها مُحدِثٌ هيَ استِدراكٌ قَبيحٌ على شَريعَةِ رَبِّ العالَمين! لذلكَ قالَ إمامُ دارِ الهِجرَة، الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ رحمه اللهُ تعالى، كَلِمَتَهُ الخالِدَةَ التي تُكتَبُ بماءِ الذَّهَب: "مَنِ ابتَدَعَ في الإسلامِ بِدعَةً يَراها حَسَنَة، فقد زَعَمَ أنَّ مُحمَّداً ﷺ خَانَ الرِّسالَة؛ لأنَّ اللهَ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فما لم يَكُن يَومَئِذٍ دِيناً، فلا يَكونُ اليَومَ دِيناً، ولَن يُصلِحَ آخِرَ هذهِ الأُمَّةِ إلَّا ما صَلَحَ بهِ أوَّلُها". يا الله! ما أثقَلَها مِن كَلِمَة! هل يُعقَلُ أن يَكونَ هُناكَ خَيرٌ غابَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ، وغابَ عن أبي بكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ وعليٍّ والصَّحابَةِ أجمَعين، ثمَّ فَتَحَهُ اللهُ لمُتَأخِّرٍ بعدَ قُرونٍ ليَبتَدِعَ في أذكارِ الصَّلاة، أو في هَيئاتِ العِبادات، أو في طُقوسِ المَواسِم؟! حاشا وكَلَّا! فما تَرَكَ رَسولُ اللهِ ﷺ خَيراً يُقَرِّبُ إلى الجَنَّةِ إلَّا ودَلَّنا عليه، ولا شَرّاً يُباعِدُ عنِ النَّارِ إلَّا حَذَّرَنا مِنه.
ويَفتَحُ القُرآنُ مِيزانَ المَحَبَّةِ الصَّادِقَة، لِيَكشِفَ دَعاوى المُدَّعينَ الذينَ يَهتِفونَ بحُبِّ اللهِ ورَسولِهِ بألسِنَتِهم، ولكنَّهُم يُخالِفونَ سُنَّتَهُ بأفعالِهم، فيقولُ جَلَّ في عُلاه في الآيَةِ التي سَمَّاها السَّلَفُ "آيَةَ الِامتِحان": ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]. شَرطٌ وجَزاء؛ مَن كانَ صادِقاً في مَحَبَّةِ اللهِ فلْيَكُنِ المِسطارُ الذي يَقيسُ بهِ حَياتَهُ هُوَ: "هل فَعَلَ هذا رَسولُ الله؟ هل أَمَرَ بهذا حَبيبُ القُلوبِ ﷺ؟". فإن كانَ فَعَلَهُ فعَلى الرَّأسِ والعَين، وإن كانَ لم يَفعَلْهُ تَرَكناهُ دِيانَةً وتَعظيماً للهِ ولرَسولِه. ويَقرَعُ القُرآنُ القُلوبَ بإنذارٍ رَهيبٍ تَرعَدُ مِنهُ أفئِدَةُ المُؤمِنين، فيقولُ سُبحانَه في سُورَةِ النُّور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. قالَ الإمامُ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رحمه الله: "أتَدري ما الفِتنَة؟ الفِتنَةُ الشِّرك! لَعَلَّهُ إذا رَدَّ بَعضَ قَولِهِ ﷺ أن يَقَعَ في قَلبِهِ شَيءٌ مِنَ الزَّيغِ فيَهْلِك!". ويُحَذِّرُنا رَبُّنا مِن بُنَيَّاتِ الطَّريقِ ومُحْدَثاتِ السُّبُل، فيقولُ سُبحانَه: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]. خَطَّ رَسولُ اللهِ ﷺ يَوماً خَطّاً مُستَقيماً وقال: «هذا سَبيلُ الله»، ثمَّ خَطَّ خُطوطاً عن يَمينِهِ وعن شِمالِهِ وقال: «هذهِ سُبُل، على كلِّ سَبيلٍ مِنها شَيطانٌ يَدعو إليه»، ثمَّ تَلا هذهِ الآيَة. فما أعظَمَ الخَسارَةَ حينَ يَترُكُ العَبدُ الصِّراطَ الأبلَجَ المَعمور، ليَسلُكَ طُرُقَ الأهواءِ والبِدَعِ المُنكَرَة!
واسمَعوا إلى نَبِيِّكم ﷺ وهوَ يَضَعُ الصَّكَّ الشَّرعيَّ الحَاسِمَ لقَبولِ العَمَلِ أو رَدِّه؛ روى البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهِما، عن أُمِّ المُؤمِنينَ عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَن أَحْدَثَ في أَمرِنا هذا ما لَيسَ مِنهُ فَهوَ رَدّ»، وفي رِوايَةٍ لمُسلِمٍ هيَ قاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ في كلِّ حَرَكَةٍ يَعمَلُها العَبد: «مَن عَمِلَ عَمَلاً لَيسَ عليهِ أَمرُنا فَهوَ رَدّ»! أيْ: مَردودٌ على صاحِبِه، باطِلٌ لا ثَوابَ فيه، ولو أنفَقَ فيهِ مَلايينَ الدَّنانير، ولو صَامَ لهُ الدَّهر، وقامَ لهُ اللَّيالي! لأنَّ شَرطَ قَبولِ العَمَلِ عندَ اللهِ لَيسَ حُسنَ النِّيَّةِ وَحدَه، بل لا بُدَّ مَعَ الإخلاصِ مِن صِحَّةِ الاتِّباع! قالَ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ رحمه الله في تَفسيرِ قَولِهِ تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: "هُوَ أخلَصُهُ وأصوَبُه؛ قالوا: يا أبا علي، ما أخلَصُهُ وأصوَبُه؟ قال: إنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصاً ولم يَكُن صَواباً لم يُقبَل، وإذا كانَ صَواباً ولم يَكُن خالِصاً لم يُقبَل، حتَّى يَكونَ خالِصاً صَواباً؛ والخالِصُ أن يَكونَ لله، والصَّوابُ أن يَكونَ على السُّنَّة".
ورَوى أبو داودَ والتِّرمذيُّ وصَحَّحَه، عن العِرباضِ بنِ سارِيَةَ رضي الله عنه، في حَديثِ الوَصيَّةِ البَليغَةِ الدَّامِعَة، قال: «وَعَظَنا رسولُ اللهِ ﷺ مَوعِظَةً بَليغَة، وَجِلَت مِنها القُلوب، وذَرَفَت مِنها العُيون، فَقُلنا: يا رسولَ الله، كأنَّها مَوعِظَةُ مُوَدِّعٍ فأَوصِنا! قال: أُوصيكُم بتَقوى الله، والسَّمعِ والطَّاعَةِ وإن تَأمَّرَ عليكُم عَبد، فإنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم فَسيَرَى اختِلافاً كَثيراً، فعَلَيكُم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهدِيِّينَ مِن بَعدي، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذ، وإيَّاكُم ومُحْدَثاتِ الأُمور، فإنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدعَة، وكُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَة»! تَأمَّلوا قَولَهُ ﷺ: «وكُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَة»؛ كَلِمَةُ "كُلّ" مِن أصيَغِ العُمومِ في لِسانِ العَرَب، لا تَستَثني بِدعَةً في الدِّينِ أبداً! فما يُسَمِّيهِ بَعضُ النَّاسِ "بِدعَةً حَسَنَةً" في أبوابِ التَّعَبُّدِ والشَّرعِ إنَّما هُوَ وَهْمٌ باطِل؛ إذ كيفَ تَكونُ حَسَنَةً وقد سَمَّاها رَسولُ اللهِ ﷺ كُلَّها ضَلالَة؟! نَعَم، هُناكَ مَصالِحُ مُرسَلَةٌ ودُنيَوِيَّةٌ وو وسائلُ خادِمَة (كبِناءِ المَدارِس، وطِباعَةِ المَصاحِف، وجَمعِ القُرآنِ في عَهدِ الصَّحابَة)، وهذا لَيسَ مِنَ البِدَعِ في الدِّين، بل هُوَ مِنَ الأسبابِ الدُّنيَوِيَّةِ المَشروعَة؛ أمَّا أن نَختَرِعَ صَلاةً مُعَيَّنَةً برَكَعاتٍ لم تَرِد، أو ذِكراً بأعدادٍ وأوقاتٍ لم تَثبُت، أو هَيئاتٍ في التَّذَلُّلِ ما أنزَلَ اللهُ بها مِن سُلطان، فهذا هُوَ الابتِداعُ الذي حَذَّرَ مِنهُ نَبيُّ الهُدى ﷺ.
عِبادَ الله، هل تَعلَمونَ ما المَوقِفُ الأَعظَمُ حَسرَةً يَومَ القيامة؟ إنَّهُ ليسَ مُجَرَّدَ رُؤيَةِ العُصاةِ في العَرصات؛ بل هُوَ مَوقِفُ رِجالٍ مِن هذهِ الأُمَّة، يَأتونَ يَومَ القِيامَةِ ووُجوهُهُم مُحَجَّلَةٌ مِن آثارِ الوُضوء، يَقصِدونَ الحَوضَ الشَّريفَ لِيَشرَبوا مِن يَدِ النبيِّ ﷺ شَربَةً لا يَظمَأونَ بَعدَها أبداً! فإذا اقتَرَبوا، حَالَتِ المَلائِكَةُ بَينَهُم وبَينَ الحَوض، واقتادَتهُم نَحوَ النَّار! فيُنادي النبيُّ ﷺ برَحمَتِهِ وشَفَقَتِه: «يا رَبِّ، أُصَيحابي! أُمَّتي!»، فيُقالُ له: «إنَّكَ لا تَدري ما أَحْدَثوا بَعدَك! إنَّهُم لم يَزالوا مُرتَدِّينَ على أعقابِهم مُنذُ فارَقتَهُم!»، فيَقولُ ﷺ كَلِمَتَهُ الغَضبى: «سُحقاً سُحقاً لِمَن بَدَّلَ بَعدي!» [مُتَّفَقٌ عليه]. سُحقاً؛ أيْ: بُعداً وهَلاكاً! مَن هؤلاء؟ إنَّهُم الذينَ غَيَّروا وبَدَّلوا وأَحدَثوا في دِينِ اللهِ ما لم يَشرَعْهُ رَسولُه! فهل يَرضى عاقِلٌ أن يُحرَمَ شَربَةَ الحَوضِ مِن يَدِ رَسولِ اللهِ ﷺ لأجلِ بِدعَةٍ استَحسَنَها بِعَقلِهِ أو وَرِثَها عن طائِفَتِه؟!
واسألوا أنفُسَكُم مَعاشِرَ المُؤمِنين: هل يُقبَلُ الابتِداعُ بحُجَّةِ "حُسنِ النِّيَّة" وزِيادَةِ الرَّغبَةِ في العِبادَة؟ اسمعوا إلى ما رَواهُ الإمامُ الدَّارِميُّ في سُنَنِهِ بإسنادٍ صَحيح، عن عَمرِو بنِ سَلِمَةَ قال: كُنَّا نَجلِسُ على بابِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قبلَ صَلاةِ الغَداة، فجاءَ أبو موسى الأشعَريُّ رضي الله عنه فَزِعاً، فقال: أخرَجَ أبو عبدِ الرَّحمن؟ قُلنا: لا. فجَلَسَ حتَّى خَرَج، فقالَ لهُ أبو موسى: "يا أبا عبدِ الرَّحمن، إنِّي رَأيتُ في المَسجِدِ آنِفاً أمراً أنكَرْتُه، ولم أَرَ والحمدُ للهِ إلَّا خَيراً! قال: فما هو؟ قال: إن عِشتَ فستَراه؛ رَأيتُ في المَسجِدِ قَوماً حِلَقاً جُلوساً يَنتَظِرونَ الصَّلاة، في كلِّ حَلقَةٍ رَجُل، وفي أيديهِم حَصى، فيقولُ: كَبِّروا مِائة، فيُكَبِّرونَ مِائة! فيقول: هَلِّلوا مِائة، فيُهَلِّلونَ مِائة! ويقول: سَبِّحوا مِائة، فيُسَبِّحونَ مِائة!" تَأمَّلوا مَعي يا عِبادَ الله: ماذا يَفعَلُ هؤلاء؟ هُم يُسَبِّحونَ ويُهَلِّلونَ ويُكَبِّرون! أليسَ التَّسبيحُ خَيراً؟ أليسَ التَّحميدُ عِبادَة؟ ولكنَّ الهَيئَةَ مُحدَثَة، والتَّعيينَ الجَماعيَّ لم يَرِد عنِ النبيِّ ﷺ! فماذا صَنَعَ حَبرُ الأُمَّةِ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه؟ مَضى حتَّى وَقَفَ على إحدى تِلكَ الحِلَق، فوقَفَ عليهِم وقالَ كَلِماتٍ تَهُزُّ المَنافِذ: "ما هذا الذي أراكُم تَصنَعون؟ قالوا: يا أبا عبدِ الرَّحمن، حَصىً نَعُدُّ بهِ التَّكبيرَ والتَّهليلَ والتَّسبيح! فقالَ رضي الله عنه: فعُدُّوا سَيِّئاتِكم! فأنا ضَامِنٌ أن لا يَضيعَ مِن حَسَناتِكم شَيء! وَيحَكُم يا أُمَّةَ مُحمَّد، ما أسرَعَ هَلَكَتَكُم! هؤلاءِ صَحابَةُ نَبيِّكم ﷺ مُتَوافِرون، وهذهِ ثِيابُهُ لم تَبْلَ، وآنيَتُهُ لم تُكسَر! والذي نَفسي بيَدِه، إنَّكُم لَعَلى مِلَّةٍ هيَ أهدى مِن مِلَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ، أو مُفتَتِحُو بابِ ضَلالَة!" فماذا كانَ جَوابُهم؟ قالوا الكَلِمَةَ التي يَقولُها كلُّ مُبتَدِعٍ في كلِّ زَمان: "واللهِ يا أبا عبدِ الرَّحمن، ما أَرَدنا إلَّا الخَير!" فأجابَهُم ابنُ مَسعودٍ بالقاعِدَةِ الذَّهَبِيَّةِ الخالِدَة: "وكَم مِن مُريدٍ للخَيرِ لَن يُصِيبَه!". قالَ راوي الحَديث: "فلقَد رَأينا عامَّةَ أولائكَ الحِلَقِ يُطاعِنونَنا يَومَ النَّهروانِ مَعَ الخَوارِج!". يا عِبادَ الله! بَدَؤوا بحَصىً في المَسجِدِ يُهَلِّلونَ بهِ بطَريقَةٍ مُبتَدَعَة، وانتهَوا بسُيوفٍ في صُدورِ الصَّحابَةِ مَعَ الخَوارِج! هكذا هيَ البِدعَة: تَبْدأُ شِبراً، ثمَّ تَصيرُ ذِراعاً، ثمَّ تَصيرُ فِتنَةً تَسفِكُ الدِّماءَ وتُمَزِّقُ الأُمَّة!
وانظُروا كذلكَ إلى قِصَّةِ الرَّهطِ الثَّلاثَةِ في صَحيحِ البُخاري؛ جاؤوا إلى بُيوتِ أزواجِ النبيِّ ﷺ يَسألونَ عن عِبادَتِهِ في السِّرّ، فكأنَّهُم تَقَالُّوها! قالوا: "وأينَ نَحنُ مِنَ النبيِّ ﷺ وقد غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وما تَأخَّر؟!"، فقالَ أحَدُهم: أمَّا أنا فأُصَلِّي اللَّيلَ أبداً ولا أنام! وقالَ الآخَر: وأنا أصومُ الدَّهرَ ولا أُفطِر! وقالَ الثَّالِث: وأنا أعتَزِلُ النِّساءَ فلا أتَزَوَّجُ أبداً! نِيَّاتُهُم طاهِرَة، وغايَتُهُمُ الجَنَّة، ولكنَّ المَنهَجَ كانَ زِيادَةً وتَنَطُّعاً وتَجاوُزاً لهَديِ المَصومِ ﷺ! فلمَّا عَلِمَ النبيُّ ﷺ بخَبَرِهم، خَطَبَ في النَّاسِ فَزِعاً وقال: «أنتُمُ الذينَ قُلتُم كذا وكذا؟ أمَا واللهِ إنِّي لأخشاكُم للهِ وأتقاكُم له، لكنِّي أصومُ وأُفطِر، وأُصَلِّي وأَرقُد، وأتَزَوَّجُ النِّساء، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فلَيسَ مِنِّي»! فمَن رَغِبَ عن سُنَّتِه — ولو كانَ بالصِّيامِ المُتَواصِلِ أو القِيامِ الذي لا نَومَ فيه — فلَيسَ مِن نَبيِّنا ﷺ! فكَيفَ بمَن يَرغَبُ عنِ السُّنَّةِ لِيَبتَدِعَ الرَّقصَ والزَّمْرَ والتَّمَسُّحَ بالقُبورِ ومُحْدَثاتِ الطُّقوس؟!
وانظُروا إلى واقِعِنا المُعاصِرِ يا أُمَّةَ الإسلام؛ كم نَرى اليَومَ في بَعضِ البُلدانِ والمَواقِعِ مِنِ ابتِداعِ صَلَواتٍ لم يُنزِلِ اللهُ بها حُجَّة، وتَخصيصِ لَيالٍ بعِباداتٍ مُعَيَّنَةٍ لم تَثبُت، واختِراعِ طُرقٍ في التَّوَسُّلِ والشَّفاعَةِ تَقترِبُ مِنَ الشِّركِ الأكبَر، وتَأليفِ أدعِيَةٍ مُسَجَّعَةٍ تَشتمِلُ على الغُلوِّ الفاحِشِ في المَخلوقين... وفي المُقابِل: تَجِدُ هَجراً صَريحاً للسُّنَنِ الثَّابِتَة! تَجِدُ الرَّجُلَ يَحرِصُ على مَوسِمٍ مُبتَدَع، ولا يَركَعُ رَكعَتَي الفَجرِ التي قالَ فيها ﷺ: «رَكعَتا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها»! وتَجِدُهُ يَحفَظُ تَراتيلَ مُختَرَعَة، ويَغفُلُ عن أذكارِ الصَّباحِ والمَساء، وعن التَّسبيحِ دُبُرَ الصَّلَواتِ المَكتوبَة! إنَّ الشَّيطانَ يَفرَحُ بالبِدعَةِ لأنَّها تُميتُ في مُقابِلِها سُنَّة؛ قالَ حسَّانُ بنُ عَطِيَّةَ رحمه الله: "ما ابتَدَعَ قَومٌ بِدعَةً في دِينِهم، إلَّا نَزَعَ اللهُ مِن سُنَّتِهم مِثلَها، ثمَّ لا يُعيدُها إليهِم إلى يومِ القِيامَة".
قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه كَلِمَتَهُ الفارِقَة: "اتَّبِعوا ولا تَبتَدِعوا فقد كُفِيتُم، وكُلُّ بِدعَةٍ ضَلالَة، عَلَيكُم بالأمرِ العَتيق". وقالَ الإمامُ الأوزاعيُّ رحمه الله: "اصبِر نَفسَكَ على السُّنَّة، وقِف حَيثُ وَقَفَ القَوم، وقُل بما قالوا، وكُفَّ عَمَّا كَفُّوا عنه، واسلُك سَبيلَ سَلَفِكَ الصَّالِح، فإنَّهُ يَسَعُكَ ما وَسِعَهُم". وقالَ الإمامُ الشَّاطبيُّ رحمه الله في كِتابِهِ العَظيم «الاعتصام»: "البِدعَةُ طَريقَةٌ في الدِّينِ مُختَرَعَة، تُضاهي الشَّريعَة، يُقصَدُ بالسُّلوكِ عليها المُبالَغَةُ في التَّعَبُّدِ للهِ سُبحانَه... فالمُبتَدِعُ إنَّما يُنازِعُ الشَّارِعَ في حَقِّ التَّشريعِ والتَّحسينِ والتَّقبيح".
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وتَمَسَّكوا بسُنَّةِ نَبيِّكُم ﷺ، واعلَموا أنَّ العِزَّةَ والنَّصرَ والتَّمكينَ لا يَكونُ إلَّا برَفْعِ رايَةِ الأثَر، ومُجانَبَةِ رَأيِ مَن خَالَفَ خَيرَ البَشَر.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقين، وقائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً.
أمَّا بعد:
عِبادَ الله، وقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ مَعقِدِ الفَلاحِ وأساسِ النَّجاة: «مَحاسِنِ الاتِّباعِ ونَبذِ الابتِداع»؛ ورَأينا كَيفَ نَصَّ القُرآنُ القاطِعُ على كَمالِ هذا الدِّينِ وتَمامِ النِّعمَة، وكَيفَ حَذَّرَ النَّبيُّ ﷺ مِن رَدِّ العَمَلِ المُحدَثِ وذَودِ أهلِ البِدَعِ عن حَوضِهِ الشَّريف، واستَجلَينا عِبرَةَ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه معَ أصحابِ الحَصى في مَسجِدِ الكوفَةِ ومَوقِفَ النبيِّ ﷺ مِنَ الرَّهطِ الثَّلاثة؛ لِيَتقَرَّرَ عِندَ كُلِّ لَبيبٍ أنَّ الشَّأنَ كُلَّ الشَّأنِ لَيسَ في أن تَعمَلَ كَثيراً، بل في أن تَعمَلَ صَواباً على هَديِ النُّبُوَّة. والآن، كيفَ نَحيَا بهذا الأدَبِ الجَليلِ في حَياتِنا اليَومِيَّة، وكيفَ نَحمِي بُيوتَنا ومُجتَمَعاتِنا مِن لَوثاتِ الإحداثِ في الدِّين؟
أُوصيكُم ونَفسي بخَمسِ وَصايا عَمليَّةٍ مُتَكامِلَة:
الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): جَرِّدوا قُلوبَكُم مِن حَظِّ الهَوى والتَّعَصُّبِ للرِّجال، وأفرِدوا رَسولَ اللهِ ﷺ بالتَّجريدِ في الاتِّباع؛ فلا يُقَدَّمُ على قَولِهِ قَولُ أحدٍ كائناً مَن كان، ولا يُجعَلُ التَّحسينُ والتَّقبيحُ لأذواقِ النُّفوسِ أو عاداتِ الآباء، بل يَكونُ المِعيارُ رِضى اللهِ ومُوافَقَةَ سُنَّةِ نَبيِّهِ ﷺ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): عَوِّدوا ألسِنَتَكُم قَبلَ كُلِّ عَمَلٍ تَعبُّدِيٍّ أن تَسألوا أهلَ العِلمِ المَوثوقين: "ما هُوَ الدَّليل؟ هل فَعَلَ هذا رَسولُ الله ﷺ؟"؛ فالعِلمُ بالسُّنَّةِ نُورٌ يَعصِمُ مِنَ الضَّلال، وتَعَلُّمُ الحَديثِ الصَّحيحِ يَحرُسُ اللِّسانَ مِن تَرديدِ الأذكارِ المَكذوبَةِ والأدعِيَةِ المُبتَدَعَةِ التي تَموجُ بها وسائِلُ التَّواصُلِ في هذا الزَّمان.
الثالثة (وَصيَّةٌ عَمليَّةٌ فِعليَّة): أَحيُوا السُّنَنَ المَهجورَةَ في بُيوتِكُم وأسواقِكُم؛ أحيُوا سُنَّةَ صَلاةِ الضُّحى، والوِتر، ورَكعَتَي الفَجر، والسِّواك، وأذكارِ الدُّخولِ والخُروج، وإفشاءِ السَّلام، وصِيامِ الإثنينِ والخميس؛ فإنَّكَ كلَّما أحْيَيتَ سُنَّةً قَتَلْتَ في نَفسِكَ ومُجتَمَعِكَ بِدعَة، وكانَ لكَ أجرُ مَن عَمِلَ بها إلى يَومِ القِيامَة.
الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّة): تَواصَوا بالسُّنَّةِ ولُزومِ الأثَر، وحَذِّروا مِنَ البِدَعِ والمُحْدَثاتِ بالرِّفقِ والحِكمَةِ والمَوعِظَةِ الحَسَنَة، لا بالتَّعنيفِ والتَّشفي؛ بَيِّنوا للنَّاسِ البَديلَ الشَّرعيَّ الصَّحيح، فإنَّ العامَّةَ إذا عَرَفوا كُنوزَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ استَغنَوا بها عن زَخارِفِ البِدَعِ المُحدَثَة.
الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): احذَروا التَّنَطُّعَ والغُلُوَّ والزِّيادَةَ في الدِّين، واذكُروا دائمًا كَلِمَةَ حَبرِ الأُمَّةِ ابنِ مَسعود: "اقتِصادٌ في سُنَّةٍ خَيرٌ مِنِ اجتِهادٍ في بِدعَة"؛ فرَكعَتانِ خَفيفتانِ بسُنَّةٍ وإخلاص، أحَبُّ إلى اللهِ وأثقَلُ في الميزانِ مِن قِيامِ لَيلَةٍ كاملةٍ بطُقوسٍ مُبتَدَعَةٍ ما أنزَلَ اللهُ بها مِن سُلطان.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعتَصِموا بحَبلِ اللهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقوا، وقِفوا حَيثُ وَقَفَ القُرآنُ والسُّنَّة، تَسلَموا وتَغنَموا وتَفوزوا بجَنَّاتِ النَّعيم: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على المَبعوثِ رَحمَةً للعالَمين، سيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرين، نَبيِّنا مُحمَّدٍ صلواتُ رَبِّي وسَلامُهُ عليه، كَما أمَرَكُم رَبُّكُم في مُحكَمِ التَّنزيلِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ الأطهار، وأزواجِهِ أُمَّهاتِ المُؤمِنين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، ومَن سَارَ على نَهجِهم واقتَفى أثَرَهُم إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسلامَ والمُسلمين، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكين، ودمِّرْ أعداءَك أعداءَ الدِّين. اللَّهُمَّ أَحْيِنا على السُّنَّة، وتَوَفَّنا على السُّنَّة، واحشُرنا تَحتَ لِواءِ صاحِبِ السُّنَّةِ ﷺ. اللَّهُمَّ أورِدنا حَوضَهُ الشَّريف، واسقِنا مِن يَدِهِ الشَّريفَةِ شَربَةً هَنيئَةً مَريئَةً لا نَظمَأُ بَعدَها أبداً. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِمَّن بَدَّلَ أو غَيَّرَ أو أَحْدَثَ في دِينِك، وثَبِّت قُلوبَنا على الصِّراطِ المُستَقيم. اللَّهُمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كلِّ مَكان، وفَرِّج كُروبَ المَكروبين، ونَفِّس هُمومَ المَهمومين، واقضِ الدَّيْنَ عنِ المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلمين، وارحَمْ مَوتانا ومَوتى المُسلمين. اللَّهُمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزَكِّها أنتَ خَيرُ مَن زَكَّاها، أنتَ وَلِيُّها ومَولاها.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
________________
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مَحاسِنُ الاتِّباعِ ونَبذُ الابتِداع
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.