من مكتبة مِداد الخطيب

الإِخلَاصُ فِي الأَعمَالِ وَأَسرَارُ القَبُولِ عِندَ اللهِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن صِدقِ النِّيَّةِ وَخَطَرِ الرِّيَاءِ وَنَمَاذِجِ المُخلِصِينَ

مشاركة
الإِخلَاصُ فِي الأَعمَالِ وَأَسرَارُ القَبُولِ عِندَ اللهِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن صِدقِ النِّيَّةِ وَخَطَرِ الرِّيَاءِ وَنَمَاذِجِ المُخلِصِينَ الحَمدُ للهِ العَلِيمِ بِذَاتِ الصُّدُورِ، المُطَّلِعِ عَلَى خَفَايَا النِّيَّاتِ وَبَوَاطِنِ الأُمُورِ، الَّذِي لَا يَقبَلُ مِنَ الأَعمَالِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجهِهِ الكَرِيمِ مَقرُونًا بِهُدَى البَشِيرِ النَّذِيرِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن أَفرَدَهُ بِالقَصدِ وَالرَّجَاءِ، وَطَهَّرَ قَلبَهُ مِن شَوَائِبِ السُّمعَةِ وَالرِّيَاءِ، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الغَنِيُّ الحَمِيدُ، الَّذِي هُوَ أَغنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّركِ فِي القَدِيمِ وَالجَدِيدِ، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ المُخلِصِينَ، وَقُدوَةُ العَابِدِينَ الصَّادِقِينَ، الَّذِي أَسَّسَ بُنيَانَ الشَّرِيعَةِ عَلَى إِصلَاحِ السَّرَائِرِ قَبلَ تَزيِينِ الظَّوَاهِرِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَبرَار، الَّذِينَ عَمِلُوا للهِ فَأَخفَوا صَالِحَ أَعمَالِهِم كَمَا يُخفِي المُذنِبُ ذَنبَهُ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم - أَيُّهَا النَّاسُ - وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ زَادُ القُلُوبِ إِلَى عَلَّامِ الغُيُوبِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مَوَازِينَ الآخِرَةِ لَا تَقُومُ عَلَى كَثرَةِ الصُّوَرِ وَالأَشكَالِ، وَإِنَّمَا تَقُومُ عَلَى مَا وَقرَ فِي القُلُوبِ مِنَ الإِخلَاصِ وَصِدقِ الأَعمَالِ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَيِّنَةِ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَو تَأَمَّلنَا فِي أَحوَالِ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ حِينَ تُنصَبُ المَوَازِينُ وَتُنشَرُ الدَّوَاوِينُ، لَرَأَينَا مَشهَدًا عَجِيبًا تَنخلِعُ لَهُ القُلُوبُ: يَأْتِي رَجُلَانِ قَدِ اشتَرَكَا فِي الدُّنيَا فِي صُورَةِ عَمَلٍ وَاحِدٍ؛ صَلَّيَا فِي صَفٍّ وَاحِدٍ، أَو تَصَدَّقَا بِمَالٍ مُتَسَاوٍ، أَو قَرَآ القُرآنَ، أَو خَرَجَا فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَإِذَا وُضِعَ عَمَلُ الأَوَّلِ فِي المِيزَانِ رَجَحَ بِالجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ وَرَفَعَهُ اللهُ إِلَى أَعلَى عِلِّيِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ عَمَلُ الثَّانِي رُدَّ فِي وَجهِهِ كَالثَّوبِ الخَلَقِ وَجُعِلَ هَبَاءً مَنثُورًا! مَا السِّرُّ الفَاصِلُ بَينَ هَذَينِ الرَّجُلَينِ يَا عِبَادَ اللهِ؟ إِنَّهُ سِرٌّ وَاحِدٌ مَحلُّهُ القَلبُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ مَلَكٌ فَيَكتُبَهُ وَلَا عَدُوٌّ فَيُفسِدَهُ؛ إِنَّهُ «الإِخلَاصُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ»! فَمَا حَقِيقَةُ الإِخلَاصِ الَّذِي هُوَ رُوحُ الطَّاعَاتِ؟ وَكَيفَ يُعَظِّمُ اللهُ بِهِ القَلِيلَ مِنَ العَمَلِ؟ وَمَا خُطُورَةُ الرِّيَاءِ الخَفِيِّ وَالجَلِيِّ عَلَى حَسَنَاتِنَا؟ وَكَيفَ كَانَ حَالُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي إِخفَاءِ طَاعَاتِهِم؟ وَكَيفَ نَحمِي أَعمَالَنَا اليَومَ فِي زَمَنِ الشَّاشَاتِ وَالكَامِيرَاتِ وَحُبِّ الظُّهُورِ؟ عِبَادَ اللهِ: إِنَّ كَلِمَةَ «الإِخلَاصِ» فِي لُغَةِ العَرَبِ مَأخُوذَةٌ مِن خُلُوصِ الشَّيءِ وَصَفَائِهِ مِن كُلِّ شَوبٍ وَكَدَرٍ؛ يُقَالُ: «عَسَلٌ خَالِصٌ» إِذَا صَفَا مِنَ الشَّمعِ، وَ«ذَهَبٌ خَالِصٌ» إِذَا نُقِّيَ مِنَ الغِشِّ وَالخَبَثِ؛ وَالإِخلَاصُ فِي الشَّرعِ هُوَ: «تَصفِيَةُ القَصدِ وَالعملِ عَن كُلِّ مُلَاحَظَةٍ لِلمَخلُوقِينَ، بِحَيثُ لَا يَبتَغِي العَبدُ بِحَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ وَعِبَادَتِهِ إِلَّا وَجهَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَالدَّارَ الآخِرَةَ»! وَقَد جَعَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الإِخلَاصَ مَعَ مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ هُوَ الغَايَةَ الَّتِي خَلَقَ مِن أَجلِهَا المَوتَ وَالحَيَاةَ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي مَطلَعِ سُورَةِ المُلكِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. تَأَمَّلُوا: لَم يَقُل رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: «أَيُّكُم أَكثَرُ عَمَلًا»، بَل قَال: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾! فَسُئِلَ الإِمَامُ الجَلِيلُ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ عَن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فَقَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ الَّتِي صَارَت قَاعِدَةً عِندَ جَمِيعِ المَفَسِّرِينَ: «أَخلَصُهُ وَأَصوَبُهُ»! قِيلَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، مَا أَخلَصُهُ وَأَصوَبُهُ؟ قَال: «إِنَّ العَمَلَ إِذَا كَانَ خَالِصًا وَلَم يَكُن صَوَابًا لَم يُقبَل، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَم يَكُن خَالِصًا لَم يُقبَل، حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا؛ وَالخَالِصُ أَن يَكُونَ للهِ، وَالصَّوَابُ أَن يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ»، ثُمَّ قَرَأَ الفُضَيلُ رَحِمَهُ اللهُ خِتَامَ سُورَةِ الكَهفِ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾! وَلِهَذَا افتَتَحَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ جَامِعَهُ الصَّحِيحَ وَافتَتَحَ أَئِمَّةُ الإِسلَامِ مُصَنَّفَاتِهِم بِالحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيهِ ثُلُثُ الإِسلَامِ أَو شَطرُهُ، وَالَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى، فَمَن كَانَت هِجرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن كَانَت هِجرَتُهُ لِدُنيَا يُصِيبُهَا أَوِ امرَأَةٍ يَنكِحُهَا فَهِجرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ»! أَرَأَيتُم يَا عِبَادَ اللهِ؟ إِنَّ العَمَلَ بِدُونِ نِيَّةٍ خَالِصَةٍ كَالجَسَدِ المَيِّتِ الَّذِي لَا رُوحَ فِيهِ؛ فَالصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ هِجرَةٌ وَسَفَرٌ وَتَعَبٌ، وَلَكِنَّ النِّيَّةَ البَاطِنَةَ هِيَ الَّتِي فَرَّقَت بَينَ مُهَاجِرٍ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمُهَاجِرٍ إِلَى حُطَامِ الدُّنيَا! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَسَمَ مَحَلَّ النَّظَرِ الإِلَهِيِّ فَقَال: «إِنَّ اللهَ لَا يَنظُرُ إِلَى صُوَرِكُم وَأَموَالِكُم، وَلَكِن يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم وَأَعمَالِكُم». أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: وَمِن أَعظَمِ أَسرَارِ الإِخلَاصِ وَبَرَكَاتِهِ العَجِيبَةِ: «أَنَّ الإِخلَاصَ يُعَظِّمُ العَمَلَ الصَّغِيرَ حَتَّى يَجعَلَهُ كَالجِبَالِ، وَيُحَوِّلُ العَادَاتِ المَبَاحَةَ إِلَى عِبَادَاتٍ مَأجُورَةٍ»! قَالَ الإِمَامُ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ: «رُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ تُعَظِّمُهُ النِّيَّةُ، وَرُبَّ عَمَلٍ كَبِيرٍ تُصَغِّرُهُ النِّيَّةُ»! كَيفَ ذَلِكَ يَا عِبَادَ اللهِ؟ قَد يَتَصَدَّقُ فَقِيرٌ مُخلِصٌ بِدِرهَمٍ وَاحِدٍ أَو بِتَمرَةٍ وَاحِدَةٍ خَالِصَةٍ لِوَجهِ اللهِ لَا يَعلَمُ بِهَا أَحَدٌ، فَيَتَقَبَّلُهَا اللهُ بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثلَ الجَبَلِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ؛ بَل قَد يَسقِي إِنسَانٌ كَلبًا يَلهَثُ مِنَ العَطَشِ فِي فَلاةٍ مِنَ الأَرضِ لَا يَرَاهُ فِيهَا بَشَرٌ، فَيَقُومُ فِي قَلبِهِ مِن صِدقِ الإِخلَاصِ وَالرَّحمَةِ وَمُرَاقَبَةِ اللهِ مَا يَغفِرُ اللهُ لَهُ بِهِ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا وَيُدخِلُهُ الجَنَّةَ! وَقَد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا رَوَى الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ: «أَخلِصْ دِينَكَ يَكفِكَ العَمَلُ القَلِيلُ». بَلِ انظُرُوا كَيفَ تَقلِبُ النِّيَّةُ الخَالِصَةُ طَعَامَكَ وَشَرَابَكَ وَنَومَكَ وَعَمَلَكَ فِي وَظِيفَتِكَ وَمَزرَعَتِكَ وَإِنفَاقَكَ عَلَى زَوجَتِكَ وَأَولَادِكَ إِلَى حَسَنَاتٍ فِي مِيزَانِكَ! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ لَن تُعمَلَ عَمَلًا تَبتَغِي بِهِ وَجهَ اللهِ إِلَّا ازْدَدتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفعَةً، وَإِنَّكَ لَن تُنفِقَ نَفَقَةً تَبتَغِي بِهَا وَجهَ اللهِ إِلَّا أُجِرتَ عَلَيهَا، حَتَّى اللُّقمَةَ تَجعَلُهَا فِي فِيِّ امرَأَتِكَ»! وَلِذَلِكَ قَالَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، فَأَحتَسِبُ نَومَتِي كَمَا أَحتَسِبُ قَومَتِي»! فَمَن نَامَ بِنِيَّةِ التَّقَوِّي عَلَى صَلَاةِ الفَجرِ وَطَلَبِ الرِّزقِ الحَلَالِ، كُتِبَ لَهُ أَجرُ العِبَادَةِ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِهِ! عِبَادَ اللهِ: وَإِذَا عَرَفنَا عَظَمَةَ الإِخلَاصِ، فَلْنَحذَرْ أَشَدَّ الحَذَرِ مِن عَدُوِّهِ اللدُودِ وَآفَتِهِ المَاحِقَةِ، وَهِيَ: «آفَةُ الرِّيَاءِ وَالسُّمعَةِ وَالشِّركِ الخَفِيِّ»! إِنَّ الرِّيَاءَ هُوَ أَن يَعمَلَ الإِنسَانُ الطَّاعَةَ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَمدَحُوهُ، وَالسُّمعَةُ أَن يَتَحَدَّثَ بِطَاعَتِهِ لِيَسمَعَ النَّاسُ فَيُعَظِّمُوهُ! وَيَا لَخَسَارَةِ المُرَائِي وَسَفَاهَةِ عَقلِهِ! إِنَّهُ يَترُكُ مُعَامَلَةَ الغَنِيِّ الكَرِيمِ الَّذِي بِيَدِهِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، لِيَتَسَوَّلَ كَلِمَةَ مَدحٍ كَاذِبَةً مِن مَخلُوقٍ ضَعِيفٍ فَقِيرٍ لَا يَملِكُ لِنَفسِهِ نَفعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا مَوتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا! اِسمَعُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - إِلَى مَا قَالَهُ اللهُ تَعَالَى عَنِ المُرَائِينَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، حَيثُ شَبَّهَ أَعمَالَهُم بِتُرَابٍ عَلَى صَخرَةٍ مَلسَاءَ نَزَلَ عَلَيهِ مَطَرٌ شَدِيدٌ فَمَحَاهُ كُلَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ ۝ ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «أَنَا أَغنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّركِ؛ مَن عَمِلَ عَمَلًا أَشرَكَ فِيهِ مَعِي غَيرِي، تَرَكتُهُ وَشِركَهُ»! وَفِي رِوَايَةِ ابنِ مَاجَه: «فَأَنَا مِنهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشرَكَ»! بَلِ اسْمَعُوا إِلَى الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ المَزلزِلِ الَّذِي كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِذَا أَرَادَ أَن يُحَدِّثَ بِهِ خَرَّ مَغشِيًّا عَلَيهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن شِدَّةِ الخَوفِ وَالرَّهبَةِ! رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيهِ: رَجُلٌ استُشهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَال: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَال: قَاتَلتُ فِيكَ حَتَّى استُشهِدتُ! قَال: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلتَ لِأَن يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَد قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ! وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَال: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَال: تَعَلَّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُهُ وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ! قَال: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ! وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ وَأَعطَاهُ مِن أَصنَافِ المَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَال: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَال: مَا تَرَكتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أَن يُنفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنفَقتُ فِيهَا لَكَ! قَال: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَد قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ ثُمَّ أُلقِيَ فِي النَّارِ»! فَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، بَكَى حَتَّى أُغمِيَ عَلَيهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ مَسَحَ عَن وَجهِهِ وَقَال: «صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ»، ثُمَّ تَلَا قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ ۝ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾! أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَانظُرُوا فِي المقَابِلِ كَيفَ يُنَجِّي اللهُ أَهلَ الإِخلَاصِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ؛ تَذكَّرُوا القِصَّةَ النَّبَوِيَّةَ العَظِيمَةَ فِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، فِي الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَاهُمُ المَبِيتُ إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانحَدَرَت صَخرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّت عَلَيهِمُ الغَارَ، فَلَمَّا انقَطَعَت بِهِمُ الأَسبَابُ الأرضِيَّةُ، قَالُوا: «إِنَّهُ وَاللهِ لَا يُنجِيكُم مِن هَذِهِ الصَّخرَةِ إِلَّا أَن تَدعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعمَالِكُم»! فَتَوَسَّلَ الأَوَّلُ بِبِرِّهِ الخَالِصِ لِوَالِدَيهِ الشَّيخَينِ الكَبِيرَينِ، وَتَوَسَّلَ الثَّانِي بِعِفَّتِهِ الخَالِصَةِ خَوفًا مِنَ اللهِ فِي الخَلوَةِ، وَتَوَسَّلَ الثَّالِثُ بِأَمَانَتِهِ الخَالِصَةِ فِي حِفظِ أَجرِ أَجِيرِهِ وَتَنمِيَتِهِ لَهُ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم: «اللَّهُمَّ إِن كُنتُ فَعَلتُ ذَلِكَ ابتِغَاءَ وَجهِكَ فَافرُجْ عَنَّا مَا نَحنُ فِيهِ»؛ فَانفَرَجَتِ الصَّخرَةُ وَخَرَجُوا يَمشُونَ! وَعَلَى هَذَا الإِخلَاصِ العَجِيبِ عَاشَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ رَحِمَهُمُ اللهُ: كَانَ الإِمَامُ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ زَينُ العَابِدِينَ رَحِمَهُ اللهُ يَخرُجُ فِي ظَلَامِ اللَّيلِ يَحمِلُ جِرَابَ الخُبزِ وَالدَّقِيقِ عَلَى ظَهرِهِ، فَيَطُوفُ عَلَى مِئَةِ بَيتٍ مِن بُيُوتِ الفُقَرَاءِ فِي المَدِينَةِ يَضَعُ لَهُمُ الرِّزقَ عِندَ أَبوَابِهِم وَهُوَ مُلَثَّمٌ لَا يَعرِفُونَهُ؛ فَلَمَّا مَاتَ وَغَسَّلُوهُ وَجَدُوا عَلَى ظَهرِهِ وَكَتِفَيهِ آثَارًا سَودَاءَ، فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا مِن حَملِهِ جُرُبَ الدَّقِيقِ بِاللَّيلِ لِفُقَرَاءِ المَدِينَةِ، وَانقَطَعَت تِلكَ الصَّدَقَةُ الخَفِيَّةُ لَيلَةَ مَوتِهِ فَعَرَفَ الفُقَرَاءُ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَأتِيهِم هُوَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ! وَصَامَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ دَاوُدُ بنُ أَبِي هِندٍ رَحِمَهُ اللهُ أَربَعِينَ سَنَةً لَا يَعلَمُ بِهِ أَهلُ بَيتِهِ وَلَا أَهلُ سُوقِهِ! كَانَ يَأخُذُ غَدَاءَهُ مَعَهُ مِن بَيتِهِ فِي الصَّبَاحِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى المَسَاكِينِ فِي الطَّرِيقِ، فَيَظُنُّ أَهلُ سُوقِهِ أَنَّهُ قَد أَكَلَ فِي بَيتِهِ، وَيَرجِعُ فِي المَسَاءِ فَيُفطِرُ مَعَ أَهلِهِ فَيَظُنُّ أَهلُ بَيتِهِ أَنَّهُ أَكَلَ فِي السُّوقِ! وَحَاصَرَ المَسلَمَةُ بنُ عَبدِ المَلِكِ رَحِمَهُ اللهُ حِصنًا مِن حُصُونِ الرُّومِ فَاستَعصَى عَلَيهِم، فَتَسَلَّلَ جُندِيٌّ مُلَثَّمٌ مِن جَيشِ المُسلِمِينَ فِي اللَّيلِ فَنَقَبَ نَقبًا فِي سُورِ الحِصنِ وَدَخَلَ مِنهُ الجَيشُ وَفَتَحَ اللهُ عَلَيهِم؛ فَنَادَى القَائِدُ مَسلَمَةُ فِي الجَيشِ: «أَعزِمُ عَلَى صَاحِبِ النَّقبِ أَن يَأتِيَنِي لِأُكَافِئَهُ»! فَلَم يَأتِ أَحَدٌ؛ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ مُغَطِّيًا وَجهَهُ وَقَال: «أَتُعطِينِي عَهدَ اللهِ إِن أَخبَرتُكَ بِصَاحِبِ النَّقبِ أَن لَا تَسأَلَ عَنِ اسمِهِ، وَلَا تَأْمُرَ لَهُ بِعَطَاءٍ، وَلَا تَطلُبَهُ بَعدَ اليَومِ؟»، قَال: لَكَ ذَلِكَ! فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَنَا صَاحِبُ النَّقبِ، وَإِنَّمَا فَعَلتُهُ لِمَن لَا يَخفَى عَلَيهِ مَكَانِي» ثُمَّ انصَرَفَ وَلَم يُعرَفْ مَن هُوَ؛ فَكَانَ مَسلَمَةُ يَدعُو بَعدَ كُلِّ صَلَاةٍ قَائِلًا: «اللَّهُمَّ اجعَلنِي مَعَ صَاحِبِ النَّقبِ يَومَ القِيَامَةِ»! باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا طَيِّبًا خَالِصًا لِوَجهِهِ الكَرِيمِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ العَظِيمُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الهَادِي إِلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين. أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مِن أَخطَرِ الفِتَنِ الَّتِي تُهَدِّدُ الإِخلَاصَ فِي زَمَانِنَا هَذَا مَا يُمكِنُ أَن نُسَمِّيَهُ: «فِتنَةَ تَصوِيرِ الطَّاعَاتِ وَرِيَاءِ الشَّاشَاتِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجتِمَاعِيِّ»! لَقَد كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَبذُلُونَ جُهدَهُم لِإِخفَاءِ الحَسَنَةِ عَن أَقرَبِ النَّاسِ إِلَيهِم، وَاليَومَ صَارَ بَعضُ النَّاسِ لَا يَكَادُ يَعمَلُ طَاعَةً إِلَّا وَثَّقَهَا بِالكَامِيرَا وَنَشَرَهَا لِلعَالَمِينَ! يَطُوفُ حَولَ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ أَو يَقِفُ بِعَرَفَاتٍ وَالهَاتِفُ مَرفُوعٌ يُصَوِّرُ نَفسَهُ فِي بَثٍّ مُبَاشِرٍ! يَتَصَدَّقُ عَلَى فَقِيرٍ مَكسُورٍ بِسَلَّةٍ غِذَائِيَّةٍ أَو مَبلَغٍ يَسِيرٍ فَيُوقِفُ الفَقِيرَ وَأَطفَالَهُ أَمَامَ عَدَسَةِ التَّصوِيرِ لِيَنشُرَ صُورَتَهُم عَلَى صَفحَتِهِ فَيَكسِرَ قَلبَ الفَقِيرِ وَيُحبِطَ أَجرَ الصَّدَقَةِ! يَقُومُ فِي اللَّيلِ أَو يَفتَحُ المُصحَفَ أَو يَزُورُ مَرِيضًا فَيَكتُبُ مَنشُورًا يُخبِرُ فِيهِ المُتَابِعِينَ بِطَاعَتِهِ لِيَحصُدَ الإِعجَابَاتِ وَالثَّنَاءَ! تَذكَّرُوا - يَا عِبَادَ اللهِ - قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وَتَذكَّرُوا حَدِيثَ السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ فِي الصَّحِيحَينِ، وَمِنهُم: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخفَاهَا حَتَّى لَا تَعلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَت عَينَاهُ»! وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَى البَيهَقِيُّ وَأَبُو يَعْلَى بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَنِ استَطَاعَ مِنكُم أَن يَكُونَ لَهُ خَبِيءٌ مِن عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفعَلْ»! فَكَيَفَ نُحَقِّقُ الإِخلَاصَ وَنُعَالِجُ قُلُوبَنَا مِن دَاءِ الرِّيَاءِ يَا عِبَادَ اللهِ؟ أَوَّلًا: بِمُجَاهَدَةِ النَّفسِ وَتَفقُّدِ النِّيَّةِ قَبلَ العَمَلِ وَأَثنَاءَهُ وَبَعدَهُ؛ قَالَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مَا عَالَجتُ شَيئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِن نِيَّتِي، لِأَنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ»! ثَانِيًا: بِاستِحضَارِ عَظَمَةِ اللهِ وَفَقرِ المَخلُوقِينَ؛ فَمَن عَرَفَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَملِكُونَ لَهُ جَنَّةً وَلَا نَارًا، استَوَى عِندَهُ مَدحُهُم وَذَمُّهُم! قَالَ يَعقُوبُ المَكفُوفُ رَحِمَهُ اللهُ: «المُخلِصُ هُوَ الَّذِي يَكتُمُ حَسَنَاتِهِ كَمَا يَكتُمُ سَيِّئَاتِهِ»! ثَالِثًا: أَن لَا تَترُكَ العَمَلَ الصَّالِحَ خَوفًا مِن وَسوَسَةِ الرِّيَاءِ، بَلِ ادفَعِ الرِّيَاءَ وَأَتمِمْ عَمَلَكَ للهِ؛ قَالَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ: «تَركُ العَمَلِ مِن أَجلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالعَمَلُ مِن أَجلِ النَّاسِ شِركٌ، وَالإِخلَاصُ أَن يُعَافِيَكَ اللهُ عَنهُمَا»! رَابِعًا: بِالإِكثَارِ مِنَ الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَصحَابَهُ اتِّقَاءً لِلشِّركِ الخَفِيِّ الَّذِي هُوَ أَخفَى مِن دَبِيبِ النَّملِ؛ وَهُوَ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَالأَدَبِ المُفرَدِ لِلبُخَارِيِّ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أُشرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعلَمُ، وَأَستَغفِرُكَ لِمَا لَا أَعلَمُ». وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ وَصَفَ عِزَّ الإِخلَاصِ وَصَفَاءَ السَّرِيرَةِ فَقَال: أَخلِصْ لِرَبِّكَ فِي الأَعمَالِ قَاطِبَةً ... فَاللَّهُ يَعلَمُ مَا فِي القَلبِ يَستَتِرُ مَا قِيمَةُ المَدحِ مِن خَلقٍ إِذَا حَبِطَتْ ... يَومَ الحِسَابِ أَجُورٌ كَانَ يَنتَظِرُ فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاجعَلُوا لَكُم خَبِيئَةً مِن عَمَلٍ صَالِحٍ بَينَكُم وَبَينَ رَبِّكُم لَا يَعلَمُهَا أَحَدٌ مِنَ الخَلقِ، تَكُنْ لَكُم نُورًا فِي القُبُورِ وَنجَاةً يَومَ النُّشُورِ. أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُخلِصِينَ وَسَيِّدِ المُرسَلِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ فِي عُلَاهُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَأَعيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَن نُشرِكَ بِكَ شَيئًا نَعلَمُهُ، وَنَستَغفِرُكَ لِمَا لَا نَعلَمُهُ، اللَّهُمَّ اجعَلْ سَرَائِرَنَا خَيرًا مِن عَلَانِيَتِنَا، وَاجعَلْ عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً، وَاجعَلْ أَعمَالَنَا كُلَّهَا صَالِحَةً، وَاجعَلهَا لِوَجهِكَ خَالِصَةً، وَلَا تَجعَلْ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيئًا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.