الِاستِشفَاءُ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ وَتَعظِيمُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ: خطبةُ جُمُعَةٍ غَنِيَّةٌ بِالقِصَصِ عَن شِفَاءِ الآيَاتِ وَالحَذَرِ مِن مَكَائِدِ الشَّيطَانِ
الحَمدُ للهِ الشَّافِي الكَافِي، الوَلِيِّ الحَمِيدِ الوَافِي، الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ وَبَلْسَمًا لِأَدْوَاءِ القُلُوبِ وَالأَبدَان، وَجَعَلَ صِدقَ التَّوَكُّلِ عَلَيهِ حِصنًا مَنِيعًا يَندَحِرُ عِندَ أَسوَارِهِ كَيدُ الإِنسِ وَالجَانّ، وَكَشَفَ لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ مَصَايِدَ إِبلِيسَ وَخُطُوَاتِهِ لِيَعتَصِمُوا بِحِمَى الرَّحمَن، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةَ مَن فَوَّضَ أَمرَهُ إِلَى مَولَاه، وَأَيقَنَ أَنَّ الضُّرَّ وَالنَّفعَ بِيَدِ مَن سَمَّاهُ وَسَوَّاه، فَلَم يَلتَفِتْ بِقَلبِهِ إِلَى سِوَاه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، إِمَامُ المُتَوَكِّلِينَ، وَقُدوَةُ المُستَشفِينَ بِالوَحيِ المُبِين، الَّذِي رَقَى نَفسَهُ وَأَصحَابَهُ بِآيَاتِ الذِّكرِ الحَكِيم، وَحَذَّرَ أُمَّتَهُ مِن خَدَائِعِ الشَّيطَانِ الرَّجِيم، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِين، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ العُروَةُ الوُثقَى الَّتِي لَا انفِصَامَ لَهَا، وَالجُنَّةُ الوَاقِيَةُ الَّتِي يَستَدفِعُ بِهَا العَبدُ نَوَائِبَ الدُّنيَا وَأَهوَالَ الآخِرَة، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢-٣].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ الإِنسَانَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيَا عُرضَةٌ لِتَقَلُّبِ الأَحوَال، وَمَيدَانٌ لِأَنوَاعِ الِابتِلَاءِ فِي النَّفسِ وَالأَهلِ وَالجَسَدِ وَالبَال؛ فَتَارَةً يَطرُقُهُ مَرَضٌ يُوهِنُ قُوَّتَهُ وَيُؤَرِّقُ مَضجَعَه، وَتَارَةً يَعصِفُ بِهِ هَمٌّ أَو حَسَدٌ أَو كَيدٌ خَفِيٌّ يُضَيِّقُ عَلَيهِ رَحبَ الفَضَاء. وَفِي خِضَمِّ هَذِهِ الأَمْوَاجِ المُتَلَاطِمَةِ، تَتَمَايَزُ القُلُوبُ وَتَختَلِفُ المَسَالِك؛ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَهلَعُ قَلبُهُ، وَيَطِيشُ لُبُّهُ، فَيَقَعُ فَرِيسَةً لِمَكَائِدِ الشَّيطَانِ وَأَوهَامِ الدَّجَّالِين، وَأَمَّا المُؤمِنُ الصَّادِقُ فَإِنَّهُ يَأوِي إِلَى رُكنٍ شَدِيد، وَيَستَمسِكُ بِثَلَاثَةِ أُصُولٍ عَظِيمَةٍ لَا يَضلُّ مَنِ اهتَدَى بِهَا وَلَا يَخِيبُ مَن عَوَّلَ عَلَيهَا: تَعظِيمُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَالِاستِشفَاءُ التَّامُّ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ، وَالحَذَرُ اليَقِظُ مِن مَكَائِدِ الشَّيطَانِ وَمَدَاخِلِه.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الأَصلَ الأَعظَمَ الَّذِي تَدُورُ عَلَيهِ رَحَى الشِّفَاءِ وَالحِفظِ وَالكِفَايَةِ هُوَ «التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»؛ أَن يَنقَطِعَ القَلبُ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالمَخلُوقِينَ الَّذِينَ لَا يَملِكُونَ لِأَنفُسِهِم ضَرًّا وَلَا نَفعًا وَلَا مَوتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، وَأَن يَتَعَلَّقَ تَعَلُّقًا كَامِلًا بِاللهِ الحَيِّ القَيُّومِ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيء. تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ كَيفَ قَرَنَ اللهُ تَعَالَى بَينَ الإِيمَانِ وَالتَّوَكُّلِ، وَجَعَلَهُمَا السَّدَّ المَنِيعَ الَّذِي تَتَحَطَّمُ عِندَهُ سَطوَةُ الشَّيطَانِ وَجُنُودِه؛ حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ النَّحل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٨-٩٩].
يَا لَهَا مِن حَقِيقَةٍ قُرآنِيَّةٍ تَسكُبُ الطُّمَأنِينَةَ فِي الرُّوح! لَيسَ لِلشَّيطَانِ وَلَا لِأَولِيَائِهِ مِنَ السَّحَرَةِ وَالحَاسِدِينَ وَالمَاكِرِينَ أَيُّ سُلطَانٍ عَلَى قَلبٍ عَمَرَهُ الإِيمَانُ وَتَوَّجَهُ التَّوَكُّلُ عَلَى الرَّحمَن. وَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عِمْرَانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّهُ يَدخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِهِ سَبعُونَ أَلفًا بِغَيرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَاب، فَلَمَّا سَأَلَ الصَّحَابَةُ عَن وَصفِهِم قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَستَرقُونَ، وَلَا يَكتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ». إِنَّهُم قَومٌ بَلَغَ التَّوَكُّلُ فِي قُلُوبِهِم مَبلَغًا عَظِيمًا؛ فَهُم يَرقُونَ أَنفُسَهُم بِكِتَابِ رَبِّهِم، وَلَا يَستَجدُونَ المَخلُوقِينَ وَلَا يَتَشَاءَمُونَ بِالأَوْهَام، بَل يَعتَمِدُونَ عَلَى مَولَاهُمُ الحَقِّ اعتِمَادًا خَالِصًا.
وَمِن هَذَا التَّوَكُّلِ العَظِيمِ يَنبَثِقُ الأَصلُ الثَّانِي، وَهُوَ «الِاستِشفَاءُ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ»؛ فَالقرآنُ يَا عِبَادَ اللهِ هُوَ الشِّفَاءُ التَّامُّ مِن جَمِيعِ الأَدوَاءِ القَلبِيَّةِ وَالبَدَنِيَّة، وَآفَاتِ الدُّنيَا وَالآخِرَة. قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. وَلَمَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، بَيَّنَ أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ وَاللُّغَةِ أَنَّ حَرفَ «مِن» هُنَا لِبَيَانِ الجِنسِ لَا لِلتَّبعِيض؛ فَالقرآنُ كُلُّهُ مِن فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ شِفَاءٌ وَرَحمَةٌ وَنُورٌ وَبَرَكَة! وَلَكِنْ لِمَاذَا يَقرَأُ بَعضُ النَّاسِ القُرآنَ فَلَا يَرَى أَثَرَ الشِّفَاءِ عَاجِلًا؟ يُجِيبُنَا الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ «الدَّاءُ وَالدَّوَاءُ» بِكَلِمَةٍ تَوزَنُ بِالذَّهَبِ، فَيَقُولُ مَا مَعنَاه: «إِنَّ القُرآنَ هُوَ الشِّفَاءُ التَّامُّ، غَيرَ أَنَّ السَّيفَ الصَّقِيلَ القَاطِعَ يَحتَاجُ إِلَى سَاعِدٍ قَوِيٍّ يَضرِبُ بِهِ، وَإِلَى انتِفَاءِ المَانِعِ الَّذِي يَرُدُّ ضَربَتَهُ؛ فَمَتَى وُجِدَ القَلبُ المُوقِنُ المُتَوَكِّلُ عَلَى اللهِ، وَصَادَفَ مَحَلًّا قَابِلًا، لَم يَقِفْ أَمَامَ القُرآنِ دَاءٌ أَبَدًا!».
وَإِذَا أَرَدنَا أَن نُبصِرَ أَثَرَ هَذَا اليَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ فِي الِاستِشفَاءِ بِالقُرآنِ عَيَانًا، فَتَعَالَوا بِنَا عِبَادَ اللهِ نَستَعرِضْ قِصَصًا صَحِيحَةً ثَابِتَةً مِن حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابِهِ الكِرَامِ وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ الأَعلَام؛ لِنَرَى كَيفَ كَانَتِ الآيَةُ الوَاحِدَةُ تَنزِلُ عَلَى الوَجَعِ المُستَعصِي فَتَقتَلِعُهُ مِن جُذُورِهِ بِإِذنِ الله!
تَأَمَّلُوا القِصَّةَ الأُولَى، وَهِيَ تِلكَ القِصَّةُ العَجِيبَةُ الَّتِي أَخرَجَهَا البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ حَيثُ انطَلَقَ نَفَرٌ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِن أَحيَاءِ العَرَبِ، فَاستَضَافُوهُم فَأَبَوا أَن يُضَيِّفُوهُم! وَفِي تِلكَ اللَّيلَةِ قُدِّرَ أَن يُلدَغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ لَدغَةً شَدِيدَةً سَرَى سُمُّهَا فِي جَسَدِهِ حَتَّى أَشرَفَ عَلَى الهَلَاك، فَسَعَى قَومُهُ لَهُ بِكُلِّ شَيءٍ مِن أَدوِيَتِهِم وَعِلَاجَاتِهِم فَلَم يَنفَعهُ شَيءٌ! فَقَالَ بَعضُهُم: «لَو أَتَيتُم هَؤُلَاءِ الرَّهطَ الَّذِينَ نَزَلُوا بِكُم، لَعَلَّهُ أَن يَكُونَ عِندَ بَعضِهِم شَيءٌ». فَأَتَوا الصَّحَابَةَ وَقَالُوا: «يَا أَيُّهَا الرَّهطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَينَا لَهُ بِكُلِّ شَيءٍ لَا يَنفَعُهُ، فَهَل عِندَ أَحَدٍ مِنكُم مِن شَيءٍ؟». فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِيَقِينِ المُتَوَكِّلِ عَلَى الله: «نَعَم، وَاللهِ إِنِّي لَأَرقِي، وَلَكِن وَاللهِ لَقَدِ استَضَفنَاكُم فَلَم تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُم حَتَّى تَجعَلُوا لَنَا جُعلًا». فَصَالَحُوهُم عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَم.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَانطَلَقَ يَتفِلُ عَلَيهِ وَيَقرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِن عِقَالٍ، فَانطَلَقَ يَمشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ!». اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ الله! رَجُلٌ مَلدُوغٌ يَسرِي السُّمُّ القَاتِلُ فِي عُرُوقِهِ، وَقَد عَجَزَ عَنهُ طِبُّ قَومِهِ، فَمَا إِن قُرِئَت عَلَيهِ سُورَةُ الفَاتِحَةِ مِن قَلبٍ مَملُوءٍ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ حَتَّى قَامَ فِي التَّوِّ وَاللَّحظَةِ كَالبَعِيرِ الَّذِي حُلَّ قَيدُهُ، يَمشِي قَوِيًّا نَشِيطًا لَيسَ بِهِ أَيُّ عِلَّةٍ أَو أَلَم! فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرُوا لَهُ الخَبَرَ، قَالَ لِأَبِي سَعِيدٍ مُتَعَجِّبًا وَمُقِرًّا: «وَمَا يُدرِيكَ أَنَّهَا رُقيَةٌ؟»، ثُمَّ قَالَ: «قَد أَصَبتُم، اقسِمُوا، وَاضرِبُوا لِي مَعَكُم سَهمًا». لَم يَكُنْ عِندَ أَبِي سَعِيدٍ مُختَبَرٌ وَلَا مِصلٌ طِبِّيٌّ فِي تِلكَ الصَّحرَاء، وَلَكِن كَانَ عِندَهُ كَلَامُ رَبِّ العَالَمِينَ وَتَوَكُّلٌ يَصدَعُ الجِبَال!
وَانظُرُوا إِلَى القِصَّةِ الثَّانِيَةِ: قِصَّةِ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَادَ لَهُ اليَهُودِيُّ الخَبِيثُ لَبِيدُ بنُ الأَعصَمِ فِي مُشطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلعَةِ نَخلٍ ذَكَرٍ وَأَلقَاهُ فِي بِئرِ ذَروَان، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا؛ فَمَاذَا صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ لَجَأَ إِلَى رَبِّهِ وَمَولَاهُ بِالدُّعَاءِ وَالإِلحَاحِ وَالتَّوَكُّلِ الصَّادِق، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: «يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرتِ أَنَّ اللهَ أَفتَانِي فِيمَا استَفتَيتُهُ فِيهِ؟». وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيهِ المُعَوِّذَتَينِ العَظِيمَتَينِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، وَجَاءَهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَرَقَاهُ، فَانحَلَّتِ العُقَدُ آيَةً بَعدَ آيَةٍ، وَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُعَافًى مُبرَأً مِن كُلِّ أَذًى، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن هَاتَينِ السُّورَتَينِ كَمَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ: «مَا تَعَوَّذَ المُتَعَوِّذُونَ بِمِثلِهِمَا».
وَأَمَّا القِصَّةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ قِصَّةُ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عُثمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ الثَّقَفِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِه؛ حَيثُ أَصَابَهُ وَجَعٌ شَدِيدٌ فِي جَسَدِهِ مُنذُ أَسلَمَ كَادَ يُهلِكُه، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَشكُو إِلَيهِ أَلَمَهُ، فَمَاذَا وَصَفَ لَهُ الطَّبِيبُ النَّبَوِيُّ الكَرِيم؟ قَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِن جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِسمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدرَتِهِ مِن شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ». يَقُولُ عُثمَانُ بنُ أَبِي العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَفَعَلتُ ذَلِكَ، فَأَذهَبَ اللهُ مَا كَانَ بِي، فَلَم أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهلِي وَغَيرَهُم!». تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ: وَجَعٌ لَازَمَهُ سِنِينَ وَكَادَ يُهلِكُهُ، ذَهَبَ كُلُّهُ حِينَ وَضَعَ يَدَهُ بِيَقِينٍ وَاستَعَاذَ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدرَتِه!
وَاسْمَعُوا إِلَى القِصَّةِ الرَّابِعَةِ الَّتِي تَكشِفُ لَنَا كَيفَ يَنهَزِمُ الشَّيطَانُ وَيَصغُرُ وَيَحرَقُ أَمَامَ آيَاتِ القُرآنِ العَظِيم؛ وَهِيَ قِصَّةُ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، حِينَ وَكَّلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِحِفظِ زَكَاةِ رَمَضَان، فَأَتَاهُ آتٍ فِي صُورَةِ رَجُلٍ فَجَعَلَ يَحثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَمسَكَهُ أَبُو هُرَيرَةَ وَقَالَ: «لَأَرفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»، فَشَكَا إِلَيهِ الحَاجَةَ وَالعِيَالَ فَرَحِمَهُ وَتَرَكَه، ثُمَّ عَادَ فِي اللَّيلَةِ الثَّانِيَةِ فَصَنَعَ مِثلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيلَةُ الثَّالِثَةُ قَبَضَ عَلَيهِ أَبُو هُرَيرَةَ وَعَزَمَ عَلَى أَخذِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ السَّارِقُ: «دَعنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنفَعُكَ اللهُ بِهَا؛ إِذَا أَوَيتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقرَأ آيَةَ الكُرسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حَتَّى تَختِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَن يَزَالَ عَلَيكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقرَبَنَّكَ شَيطَانٌ حَتَّى تُصبِحَ!». فَلَمَّا أَصبَحَ أَبُو هُرَيرَةَ وَأَخبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «أَمَا إِنَّهُ قَد صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعلَمُ مَن تُخَاطِبُ مُنذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟»، قَالَ: «لَا»، قَالَ: «ذَاكَ شَيطَانٌ!».
وَمِن رَوَائِعِ قِصَصِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالعُلَمَاءِ فِي الِاستِشفَاءِ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ مَا حَكَاهُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ عَن نَفسِهِ فِي كِتَابَيهِ «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ» وَ«زَادِ المَعَادِ»؛ حَيثُ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «لَقَد مَرَّ بِي وَقتٌ بِمَكَّةَ سَقِمتُ فِيهِ وَفَقَدتُ الطَّبِيبَ وَالدَّوَاءَ، فَكُنتُ أُعَالِجُ نَفسِي بِالفَاتِحَةِ، فَأَرَى لَهَا تَأثِيرًا عَجِيبًا؛ كُنتُ آخُذُ شَربَةً مِن مَاءِ زَمزَمَ، وَأَقرَؤُهَا عَلَيهَا مِرَارًا، ثُمَّ أَشرَبُهُ، فَوَجَدتُ بِذَلِكَ البُرءَ التَّامَّ، ثُمَّ صِرتُ أَعتَمِدُ ذَلِكَ عِندَ كَثِيرٍ مِنَ الأَوجَاعِ فَأَنتَفِعُ بِهَا غَايَةَ الِانتِفَاعِ، وَكُنتُ أَصِفُ ذَلِكَ لِمَن يَشتَكِي أَلَمًا، فَكَانَ كَثِيرٌ مِنهُم يَبرَأُ سَرِيعًا!».
فَأَينَ نَحنُ يَا عِبَادَ اللهِ مِن هَذَا الكَنزِ الرَّبَّانِيِّ الَّذِي بَينَ أَيدِينَا وَفِي بُيُوتِنَا وَصُدُورِنَا؟! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ الأَصلَ الثَّالِثَ الَّذِي لَا يَتِمُّ لِلمُؤمِنِ بِدُونِهِ حِفظُ تَوَكُّلِهِ وَاستِشفَائِهِ هُوَ «الحَذَرُ الشَّدِيدُ مِن مَكَائِدِ الشَّيطَانِ وَخُطُوَاتِهِ الخَفِيَّةِ»؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ عَدُوٌّ مُبِينٌ، لَا يَيأَسُ مِنَ الإِنسَانِ، بَل يَأتِيهِ فِي أَضعَفِ لَحَظَاتِهِ: لَحظَةِ المَرَضِ وَالأَلَمِ وَالحَاجَةِ وَالفَزَع، فَيَنصِبُ لَهُ ثَلَاثَةَ فَخَاخٍ خَطِيرَةٍ لِيَصرِفَهُ عَنِ اللهِ وَعَن كِتَابِهِ العَظِيم!
أَمَّا المَكِيدَةُ الأُولَى: فَهِيَ استِدرَاجُ المَريضِ وَأَهلِهِ عِندَ طُولِ البَلَاءِ إِلَى أَبوَابِ السَّحَرَةِ وَالمُشَعوِذِينَ وَالعَرَّافِينَ تَحتَ ذَرِيعَةِ «طَلَبِ الشِّفَاءِ وَفَكِّ السِّحرِ»! يَقُولُ لَهُ الشَّيطَانُ: «لَقَد قَرَأتَ القُرآنَ وَلَم تَبرَأْ، فَاذهَبْ إِلَى فُلَانٍ الَّذِي يَعرِفُ الأَسرَارَ وَيَكشِفُ المَستُور!». وَمَا أَعظَمَ العِبرَةَ فِي تِلكَ القِصَّةِ المَشهُورَةِ الَّتِي رَوَاهَا ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَالحَاكِمُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ وَعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم فِي تَفسِيرِ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦]؛ وَهِيَ قِصَّةُ ذَلِكَ الرَّاهِبِ العَابِدِ الَّذِي تَعَبَّدَ فِي صَومَعَتِهِ زَمَانًا طَوِيلًا، فَلَم يَستَطِعِ الشَّيطَانُ إِغوَاءَهُ بِالشَّهَوَاتِ ابتِدَاءً، فَمِن أَيِّ بَابٍ دَخَلَ عَلَيهِ؟ دَخَلَ عَلَيهِ مِن بَابِ «عِلَاجِ المَرضَى»! حَيثُ صَرَعَ الشَّيطَانُ امرَأَةً شَرِيفَةً فِي قَومِهَا، ثُمَّ أَوحَى إِلَى إِخوَتِهَا أَن لَا عِلَاجَ لَهَا إِلَّا عِندَ ذَلِكَ العَابِدِ، فَجَاؤُوا بِهَا إِلَيهِ وَأَلَحُّوا عَلَيهِ حَتَّى تَرَكَهَا عِندَ صَومَعَتِه، فَظَلَّ الشَّيطَانُ يَستَدرِجُهُ خُطوَةً بَعدَ خُطوَةٍ: مِنَ النَّظَرِ إِلَى الخَلوَةِ، ثُمَّ إِلَى الفَاحِشَةِ، ثُمَّ إِلَى قَتلِ النَّفسِ خَوفَ الفَضِيحَةِ، حَتَّى إِذَا أُخِذَ العَابِدُ لِيُصلَبَ تَمَثَّلَ لَهُ الشَّيطَانُ وَقَالَ: «أَنَا الَّذِي أَوقَعتُكَ فِي هَذَا كُلِّهِ، فَاسجُدْ لِي سَجدَةً وَاحِدَةً أُنجِيكَ مِمَّا أَنتَ فِيهِ!»، فَسَجَدَ لَهُ مِن دُونِ اللهِ، فَقُتِلَ عَلَى الكُفرِ، وَتَبَرَّأَ مِنهُ الشَّيطَانُ!
هَكَذَا يَا عِبَادَ اللهِ يَستَدرِجُ الشَّيطَانُ النَّاسَ اليَومَ عِندَ أَبوَابِ الدَّجَّالِينَ؛ يَبدَأُ بِهِم بِطَلَبِ اسْمِ الأُمِّ أَو أَثَرِ المَريضِ، ثُمَّ يَأمُرُهُم بِتَعليقِ التَّمَائِمِ وَالحُجُبِ الشِّركِيَّةِ، ثُمَّ يَأمُرُهُم بِالذَّبحِ لِغَيرِ اللهِ، حَتَّى يَسلُبَ مِنَ المَريضِ تَوحِيدَهُ وَإِيمَانَه! وَانظُرُوا فِي المُقَابِلِ إِلَى غَيرَةِ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى التَّوحِيدِ وَالِاكتِفَاءِ بِالقُرآن؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ فِي «المُوَطَّأِ» بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ أَبَا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ دَخَلَ عَلَى ابنَتِهِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَهِيَ تَشتَكِي مَرَضًا، وَعِندَهَا امرَأَةٌ مِن يَهُودَ تَرقِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَتَهُ الخَالِدَة: «ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللهِ!».
وَأَمَّا المَكِيدَةُ الثَّانِيَةُ مِن مَكَائِدِ الشَّيطَانِ: فَهِيَ أَن يُوَسْوِسَ لِلعَبدِ أَن يَقرَأَ القُرآنَ عَلَى سَبِيلِ «التَّجرِبَةِ وَالِاختِبَارِ» لَا عَلَى سَبِيلِ الجَزمِ وَاليَقِين؛ فَيَقُولُ فِي نَفسِهِ: «دَعنِي أُجَرِّبْ قِرَاءَةَ البَقَرَةِ أَوِ الفَاتِحَةِ لَعَلَّهَا تَنفَعُ!»، وَكَلَامُ اللهِ أَجَلُّ وَأَعظَمُ مِن أَن يُوضَعَ مَوضِعَ التَّجرِبَةِ وَالشَّكِّ، بَل لَا يَنتَفِعُ بِشِفَائِهِ إِلَّا مَن قَرَأَهُ وَهُوَ جَازِمٌ بِصِدقِ وَعدِ اللهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا المَكِيدَةُ الثَّالِثَةُ: فَهِيَ مَكِيدَةُ «الوَهمِ وَالتَّخوِيفِ وَالوَسْوَاسِ»؛ حَيثُ يُضَخِّمُ الشَّيطَانُ نَفسَهُ فِي عَينِ الإِنسَانِ، فَيَجعَلُهُ يَنسُبُ كُلَّ صُدَاعٍ أَو تَعَبٍ أَو تَعَثُّرٍ فِي الرِّزقِ إِلَى السِّحرِ وَالعَينِ وَالمَسِّ، فَيَعِيشُ فِي رُعبٍ دَائِمٍ وَتَوجُّسٍ مُقِيت، وَنَسِيَ أَنَّ كَيدَ الشَّيطَانِ ضَعِيفٌ أَمَامَ ذِكرِ اللهِ وَتِلَاوَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِم: «اقرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَركَهَا حَسرَةٌ، وَلَا تَستَطِيعُهَا البَطَلَةُ»؛ أَيِ السَّحَرَة. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ صَوَّرَ عِزَّةَ المُتَوَكِّلِ المُستَشفِي بِكِتَابِ رَبِّهِ:
بِآيِ كِتَابِ اللهِ يَبرَأُ خَافِقِي ... وَيَنزَاحُ عَن رُوحِي السَّقَامُ وَيَرحَلُ
إِذَا نَصَبَ الشَّيطَانُ حِيلَةَ مَكرِهِ ... فَحِصنِيَ ذِكرُ اللهِ وَالآيُ تُرتَلُ
عَلَى اللهِ فِي كُلِّ الخُطُوبِ تَوَكُّلِي ... وَمَن كَانَ بِالمَولَى يَلُوذُ فَيُكفَلُ
فَعَظِّمُوا يَا عِبَادَ اللهِ تَوَكُّلَكُم عَلَى رَبِّكُم، وَاجعَلُوا القُرآنَ الكَرِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِكُم وَشِفَاءَ صُدُورِكُم وَأَبدَانِكُم، وَحَصِّنُوا بُيُوتَكُم وَأَولَادَكُم بِأَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَالمُعَوِّذَاتِ وَسُورَةِ البَقَرَةِ وَآيَةِ الكُرسِيِّ، مَعَ الأَخذِ بِأَسبَابِ التَّدَاوِي المَشرُوعِ، وَإِيَّاكُم وَمَصَايِدَ الشَّيطَانِ وَأَوهَامَ المُشَعوِذِين.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجَلَاءَ أَحزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا وَغُمُومِنَا، وَشِفَاءً لَنَا مِن كُلِّ دَاء. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ صِدقَ التَّوَكُّلِ عَلَيك، وَحُسنَ الظَّنِّ بِك، وَقُوَّةَ اليَقِينِ بِوَعدِك. اللَّهُمَّ اشفِ مَرضَانَا وَمَرضَى المُسلِمِين، وَعَافِ مُبتَلَانَا وَمُبتَلَى المُسلِمِين، اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذهِبِ البَأسَ، اشفِ أَنتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا. اللَّهُمَّ أَعِذنَا وَأَهلِينَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِن هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَن يَحضُرُون، وَاحفَظنَا مِن كَيدِ الكَائِدِينَ، وَسِحرِ السَّاحِرِينَ، وَحَسَدِ الحَاسِدِين. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
الِاستِشفَاءُ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ وَتَعظِيمُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ: خطبةُ جُمُعَةٍ غَنِيَّةٌ بِالقِصَصِ عَن شِفَاءِ الآيَاتِ وَالحَذَرِ مِن مَكَائِدِ الشَّيطَانِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.