التَّضحِيَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالدِّفَاعُ عَن سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتِهِ الكِرَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَلَاحِمِ الفِدَاءِ وَذَبِّ الصَّحَابَةِ عَن رَسُولِ اللهِ يَومَ أُحُدٍ
الحَمدُ للهِ الَّذِي اشتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، وَاصطَفَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَفوَةَ الخَلقِ بَعدَ الأَنبِيَاءِ فَجَعَلَهُم حُماةَ الدِّينِ وَحُرَّاسَ العَقِيدَةِ وَحَمَلَةَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنزَلَ فِي صِدقِ تَضحِيَاتِهِم وَوَفَائِهِم آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ تُتلَى فِي المَحَارِيبِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدًا يَلِيقُ بِجَلَالِ وَجهِهِ وَعَظِيمِ سُلطَانِهِ، رَضِيَ عَنِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحسَانٍ، وَجَعَلَ مَحَبَّتَهُم وَالذَّبَّ عَن أَعرَاضِهِم وَاتِّبَاعَ سَبِيلِهِم عُنوَانَ السُّنَّةِ وَالإِيمَانِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، القَوِيُّ العَزِيزُ، الرَّحِيمُ الرَّحمَنُ، القَائِلُ فِي مُحكَمِ القُرآنِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا وَقُدوَتَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، سَيِّدُ المُجَاهِدِينَ وَإِمَامُ الصَّابِرِينَ، الَّذِي ثَبَتَ يَومَ أُحُدٍ ثَبَاتَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي حِينَ زُلزِلَتِ الأَقدَامُ وَطَاشَتِ السِّهَامُ، وَأَحَاطَ بِهِ أَصحَابُهُ الكِرَامُ يَفدُونَهُ بِالنُّحُورِ وَالصُّدُورِ وَالأَروَاحِ حَتَّى أَعَزَّ اللهُ جُندَهُ وَأَعلَى كَلِمَتَهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم وَذَبَّ عَن سُنَّتِهِم إِلَى يَومِ الدِّينِ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا المُسلِمُونَ الكِرَامُ:
إِنَّ دِينَ الإِسلَامِ العَظِيمَ لَم يَقُمْ عَلَى الأَمَانِيِّ البَارِدَةِ، وَلَا عَلَى الدَّعَاوَى الفَارِغَةِ؛ بَل قَامَ عَلَى «التَّضحِيَةِ الكُبرَى، وَالبَذلِ الصَّادِقِ، وَالفِدَاءِ العَظِيمِ» فِي سَبِيلِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ!
لَقَد عَقَدَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَعَ عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ عَقدَ بَيعٍ رَبَّانِيٍّ خَالِدٍ؛ المُشتَرِي فِيهِ هُوَ المَلِكُ الجَلِيلُ سُبحَانَهُ، وَالثَّمَنُ فِيهِ هُوَ الجَنَّةُ الَّتِي عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ، وَالسِّلعَةُ المَبِيعَةُ فِيهِ هِيَ «الأَنفُسُ وَالأَموَالُ» تُبذَلُ رَخِيصَةً فِي سَبِيلِ اللهِ وَنُصرَةِ دِينِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! استَمِعُوا إِلَى بُنُودِ هَذِهِ الصَّفقَةِ الرَّابِحَةِ فِي سُورَةِ التَّوبَةِ:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
وَإِذَا أَرَدنَا أَن نَرَى «التَّضحِيَةَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالفِدَاءَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ» مُجَسَّدَةً فِي أَعظَمِ صُوَرِهَا التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي تَقشَعِرُّ لِذِكرِهَا الجُلُودُ، وَتَفيضُ لَهَا الدُّمُوعُ، وَتَنحَنِي أَمَامَ جَلَالِهَا هَامَاتُ التَّارِيخِ؛ فَلْنَقِفْ خَاشِعِينَ عِندَ سَفحِ جَبَلِ «أُحُدٍ» فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ، لِنُشَاهِدَ بِقُلُوبِنَا قَبلَ أَبصَارِنَا مَاذَا صَنَعَ أَصحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَارَتِ الدَّائِرَةُ، وَأَحَاطَت سُيُوفُ الشِّركِ وَرِمَاحُهُ بِسَيِّدِ الخَلقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ:
لَقَد بَدَأَت مَعرَكَةُ أُحُدٍ بِنَصرٍ مُؤَزَّرٍ لِلمُسلِمِينَ حِينَ التَزَمُوا أَمرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَمَّا خَالَفَ أَكثَرُ الرُّمَاةِ الوَصِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ وَنَزَلُوا عَن جَبَلِ الرُّمَاةِ، التَفَّت خَيلُ المُشرِكِينَ مِن خَلفِ الجَبَلِ، وَفُوجِئَ المُسلِمُونَ بِالسُّيُوفِ تَحُوطُهُم مِن أَمَامِهِم وَمِن خَلفِهِم، وَأَشَاعَ الشَّيطَانُ صَرخَتَهُ الكَاذِبَةَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَد قُتِلَ!
وَفِي تِلكَ اللَّحظَةِ الرَّهِيبَةِ العَصِيبَةِ، حِينَ تَفَرَّقَ النَّاسُ وَاضطَرَبَتِ الصُّفُوفُ، قَصَدَت كَتَائِبُ المُشرِكِينَ بِكُلِّ ثِقَلِهَا نَحوَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِتَقتُلَهُ وَتُطفِئَ نُورَ اللهِ؛ وَلم يَكُنْ حَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي تِلكَ السَّاعَةِ الحَاسِمَةِ إِلَّا عِصَابَةٌ قَلِيلَةٌ مِن أَصحَابِهِ الكِرَامِ!
فَمَاذَا صَنَعَ أُولَئِكَ الأَبرَارُ الأَطهَارُ؟ لَقَد حَوَّلُوا أَجسَادَهُمُ الطَّاهِرَةَ، وَصُدُورَهُمُ العَامِرَةَ بِالإِيمَانِ، وَنُحُورَهُمُ الشَّرِيفَةَ، إِلَى سُورٍ بَشَرِيٍّ مَنِيعٍ يَتَلَقَّى السِّهَامَ وَالرِّمَاحَ وَالسُّيُوفَ دُونَ وَجهِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
تَعَالَوا بِنَا -يَا عِبَادَ اللهِ- نَستَعرِضُ سَبْعَةَ مَشَاهِدَ خَالِدَةٍ مِن صَحِيحِ السُّنَّةِ وَالسِّيرَةِ لِدِفَاعِ الصَّحَابَةِ عَن نَبِيِّهِم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَومَ أُحُدٍ:
المَشهَدُ الأَوَّلُ: مَشهَدُ السَّبعَةِ الأَنصَارِ الَّذِينَ بَاعُوا أَروَاحَهُم وَاحِدًا تِلوَ الآخَرِ بَينَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
استَمِعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «أُفرِدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَومَ أُحُدٍ فِي سَبعَةٍ مِنَ الأَنصَارِ وَرَجُلَينِ مِن قُرَيشٍ؛ فَلَمَّا رَهِقُوهُ -أَي غَشِيَهُ المُشرِكُونَ وَاقترَبُوا مِنهُ- قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: مَن يَرُدُّهُم عَنَّا وَلَهُ الجَنَّةُ، أَو هُوَ رَفِيقِي فِي الجَنَّةِ؟ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ! ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيضًا فَقَالَ: مَن يَرُدُّهُم عَنَّا وَلَهُ الجَنَّةُ، أَو هُوَ رَفِيقِي فِي الجَنَّةِ؟ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ! فَلَم يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبعَةُ»!
اللهُ أَكبَرُ! تَخَيَّلُوا هَذَا المَشهَدَ: سَبعَةٌ مِن فِتيَانِ الأَنصَارِ يَسمَعُونَ نِدَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن يَرُدُّهُم عَنَّا وَهُوَ رَفِيقِي فِي الجَنَّةِ؟» فَيَتَسَابَقُونَ إِلَى المَوتِ المُحَقَّقِ وَاحِدًا بَعدَ وَاحِدٍ، يَصدُّونَ جَحَافِلَ الشِّركِ بِصُدُورِهِم حَتَّى يَسقُطَ الأَوَّلُ شَهِيدًا، فَيَثِبَ الثَّانِي مَكَانَهُ، فَيَسقُطَ الثَّانِي فَيَثِبَ الثَّالِثُ، حَتَّى استُشهِدَ السَّبعَةُ جَمِيعًا تَحتَ قَدَمَي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَلم يَتَرَاجَعْ مِنهُم رَجُلٌ وَاحِدٌ خُطوَةً إِلَى الوَرَاءِ!
المَشهَدُ الثَّانِي: مَشهَدُ طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ (الشَّهِيدِ الحَيِّ الَّذِي وَقَى وَجهَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِكَفِّهِ حَتَّى شُلَّت):
حِينَ قُتِلَ الفِتيَةُ السَّبعَةُ مِنَ الأَنصَارِ، بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ وَسَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَبلَ أَن يَلحَقَ بِهِم أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو عُبَيدَةَ وَأَبُو دُجَانَةَ وَأَبُو طَلحَةَ!
فَمَاذَا صَنَعَ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ؟ جَعَلَ يَدُورُ حَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَالأَسَدِ الهَصُورِ، يَضرِبُ بِسَيفِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَلَمَّا صَوَّبَ أَحَدُ رُمَاةِ المُشرِكِينَ سَهمًا قَاتِلًا نَحوَ وَجهِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، لَم يَجِدْ طَلحَةُ شَيئًا يَصدُّ بِهِ السَّهمَ عَن وَجهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَّا كَفَّ يَدِهِ المُجَرَّدَةَ! فَمَدَّ كَفَّهُ أَمَامَ وَجهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَرَقَ السَّهمُ كَفَّهُ وَقَطَعَ أَعصَابَ أَصَابِعِهِ فَشُلَّت يَدُهُ!
كَمَا رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن قَيسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: «رَأَيتُ يَدَ طَلحَةَ الَّتِي وَقَى بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد شُلَّت»!
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا أَنَّ الصِّدِّيقَ أَبَا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ يَومُ أُحُدٍ قَالَ: «ذَلِكَ يَومٌ كُلُّهُ لِطَلحَةَ»! ثُمَّ حَدَّثَ أَبُو بَكرٍ قَالَ: كُنتُ أَوَّلَ مَن فَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَومَ أُحُدٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَلِأَبِي عُبَيدَةَ بنِ الجَرَّاحِ: «عَلَيكُمَا صَاحِبَكُمَا» -يُرِيدُ طَلحَةَ وَقَد نَزَفَ دَمُهُ-، قَالَ: فَأَتَينَاهُ وَقَد أَصَابَتهُ بِضعٌ وَسَبعُونَ مَا بَينَ طَعنَةٍ بِرُمحٍ وَضَربَةٍ بِسَيفٍ وَرَميَةٍ بِسَهمٍ! وَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يَنهَضَ إِلَى صَخرَةٍ عَلَى الجَبَلِ فَلَم يَستَطِعْ لِثِقَلِ جِرَاحِهِ وَمُظَاهَرَتِهِ بَينَ دِرعَينِ، جَلَسَ طَلحَةُ تَحتَهُ وَهُوَ يَنزِفُ مِن سَبعِينَ جُرحًا فَحَمَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى ظَهرِهِ حَتَّى استَوَى عَلَى الصَّخرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّبَيرِ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «أَوجَبَ طَلحَةُ» أَي وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن سَرَّهُ أَن يَنظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمشِي عَلَى وَجهِ الأَرضِ فَلْيَنظُرْ إِلَى طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ»!
المَشهَدُ الثَّالِثُ: مَشهَدُ أَبِي طَلحَةَ الأَنصَارِيِّ وَأَبِي دُجَانَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَكَلِمَةُ الخُلُودِ «نَحرِي دُونَ نَحرِكَ»:
استَمِعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ انهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو طَلحَةَ بَينَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُجَوِّبٌ بِهِ عَلَيهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ -أَي مُتَتَرِّسٌ يَستُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِتُرسٍ مِن جِلدٍ-، وَكَانَ أَبُو طَلحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ القِدمِ يَكسِرُ يَومَئِذٍ قَوسَينِ أَو ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الجَعبَةُ مِنَ النَّبلِ فَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: انثُرْهَا لِأَبِي طَلحَةَ! قَالَ أَنَسٌ: فَأَشرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَنظُرُ إِلَى القَومِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلحَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي، لَا تُشرِفْ يُصِبْكَ سَهمٌ مِن سِهَامِ القَومِ، نَحرِي دُونَ نَحرِكَ»!
تَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي نَطَقَ بِهَا قَلبُ أَبِي طَلحَةَ قَبلَ لِسَانِهِ: «بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، لَا تُشرِفْ يُصِبْكَ سَهمٌ مِن سِهَامِ القَومِ، نَحرِي دُونَ نَحرِكَ»! أَي: لِيَقَعِ السَّهمُ فِي حَلقِي وَنَحرِي وَصَدرِي وَلَا يَمَسَّ شَعرَةً مِن وَجهِكَ الشَّرِيفِ يَا رَسُولَ اللهِ!
وَفِي تِلكَ اللَّحظَةِ نَفسِهَا، انحَنَى البَطَلُ الصِّندِيدُ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بنُ خَرَشَةَ الأَنصَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ ظَهرَهُ تِرسًا يَحمِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّبلُ يَقَعُ فِي ظَهرِ أَبِي دُجَانَةَ حَتَّى صَارَ ظَهرُهُ كَالقُنفُذِ مِن كَثرَةِ السِّهَامِ المَغرُوزَةِ فِيهِ وَهُوَ لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَتَزَحزَحُ عَن نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
المَشهَدُ الرَّابِعُ: مَشهَدُ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي عُبَيدَةَ بنِ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا:
وَوَقَفَ خَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَرمِي عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالسِّهَامِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَنثُرُ لَهُ كِنَانَتَهُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ وَيَفدِيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ سَعدٌ: «نَثَلَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كِنَانَتَهُ يَومَ أُحُدٍ فَقَالَ: ارمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي»!
وَلَمَّا ضَرَبَ ابنُ قَمِئَةَ وَجهَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَت حَلقَتَانِ مِن حَلَقِ المِغفَرِ فِي وَجنَتِهِ الشَّرِيفَةِ، أَقبَلَ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَخَشِيَ إِن نَزَعَهُمَا بِيَدِهِ أَن يُؤلِمَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَعَضَّ عَلَى الحَلقَةِ الأُولَى بِثَنِيَّتِهِ فَنَزَعَهَا فَسَقَطَت ثَنِيَّتُهُ، ثُمَّ عَضَّ عَلَى الحَلقَةِ الثَّانِيَةِ بِثَنِيَّتِهِ الأُخرَى فَنَزَعَهَا فَسَقَطَت ثَنِيَّتُهُ الثَّانِيَةُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيدَةَ أَحسَنَ النَّاسِ هَتمًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ!
المَشهَدُ الخَامِسُ: مَشهَدُ أَنَسِ بنِ النَّضرِ وَمُصعَبِ بنِ عُمَيرٍ وَحَمزَةَ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم:
فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَصَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ عَمَّهُ أَنَسَ بنَ النَّضرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ غَابَ عَن قِتَالِ بَدرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، غِبتُ عَن أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلتَ المُشرِكِينَ، لَئِنِ اللهُ أَشهَدَنِي قِتَالَ المُشرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أَصنَعُ! فَلَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ وَانكَشَفَ المُسلِمُونَ وَأُشِيعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد قُتِلَ، مَرَّ بِقَومٍ قَد أَلقَوا السِّلَاحَ فَقَالَ: مَا يُجلِسُكُم؟ قَالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! فَقَالَ لَهُم الكَلِمَةَ الَّتِي تُوزَنُ بِالجِبَالِ: «فَمَا تَصنَعُونَ بِالحَيَاةِ بَعدَهُ؟! قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»! ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعتَذِرُ إِلَيكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعنِي أَصحَابَهُ- وَأَبرَأُ إِلَيكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعنِي المُشرِكِينَ-»! ثُمَّ تَقَدَّمَ فَلَقِيَهُ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: «يَا سَعدَ بنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضرِ! إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِن دُونِ أُحُدٍ»! قَالَ أَنَسٌ: فَمَا استَطَعنَا أَن نَصِفَ مَا صَنَعَ؛ فَوَجَدنَا بِهِ بِضعًا وَثَمَانِينَ ضَربَةً بِالسَّيفِ أَو طَعنَةً بِرُمحٍ أَو رَميَةً بِسَهمٍ، وَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُختُهُ بِبَنَانِهِ، وَكُنَّا نَرَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَت فِيهِ وَفِي أَشبَاهِهِ:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]!
وَقَاتَلَ حَامِلُ اللِّوَاءِ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ دُونَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَقُطِعَت يَدُهُ اليُمنَى فَأَخَذَ اللِّوَاءَ بِيَدِهِ اليُسرَى، فَقُطِعَت يَدُهُ اليُسرَى فَاحتَضَنَ اللِّوَاءَ بِعَضُدَيهِ إِلَى صَدرِهِ حَتَّى استُشهِدَ! وَقَاتَلَ أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ حَمزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بَينَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِسَيفَينِ حَتَّى نَالَ شَرَفَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ عِندَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ!
المَشهَدُ السَّادِسُ: وَصِيَّةُ سَعدِ بنِ الرَّبِيعِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ يَجُودُ بِآخِرِ أَنفَاسِهِ:
لَمَّا انتَهَتِ المَعرَكَةُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن يَنظُرُ لِي مَا فَعَلَ سَعدُ بنُ الرَّبِيعِ؟ أَفِي الأَحيَاءِ هُوَ أَم فِي الأَموَاتِ؟» فَنَزَلَ زَيدُ بنُ ثَابِتٍ -أَو مُحَمَّدُ بنُ مَسلَمَةَ- رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا يَبحَثُ عَنهُ بَينَ الجَرحَى وَالقَتلَى، فَوَجَدَهُ فِي آخِرِ رَمَقٍ وَبِهِ سَبعُونَ جُرحًا، فَقَالَ لَهُ: يَا سَعدُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَأمُرُنِي أَن أَنظُرَ أَفِي الأَحيَاءِ أَنتَ أَم فِي الأَموَاتِ! فَقَالَ سَعدٌ بِصَوتٍ خَافِتٍ وَهُوَ يُوَدِّعُ الدُّنيَا: «أَنَا فِي الأَموَاتِ؛ فَأَبلِغْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ سَعدَ بنَ الرَّبِيعِ يَقُولُ لَكَ: جَزَاكَ اللهُ عَنَّا خَيرَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَن أُمَّتِهِ! وَأَبلِغْ قَومَكَ الأَنصَارَ عَنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُم: إِنَّ سَعدَ بنَ الرَّبِيعِ يَقُولُ لَكُم: إِنَّهُ لَا عُذرَ لَكُم عِندَ اللهِ إِن خُلِصَ إِلَى نَبِيِّكُم وَفِيكُم عَينٌ تَطرِفُ»! ثُمَّ فَاظَت رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ إِلَى الفِردَوسِ الأَعلَى!
المَشهَدُ السَّابِعُ: تَضحِيَةُ نِسَاءِ الصَّحَابَةِ (أُمُّ عُمَارَةَ نَسِيبَةُ بِنتُ كَعبٍ وَالمَرأَةُ الدِّينَارِيَّةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا):
لَم تَكُنِ التَّضحِيَةُ يَومَ أُحُدٍ مَحصُورَةً فِي الرِّجَالِ فَقَط؛ بَل هَذِهِ الصَّحَابِيَّةُ البَطَلَةُ أُمُّ عُمَارَةَ نَسِيبَةُ بِنتُ كَعبٍ الأَنصَارِيَّةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، كَانَت تَسقِي الجَرحَى، فَلَمَّا رَأَتِ المُشرِكِينَ قَد أَحَاطُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَلقَت سِقَاءَهَا، وَأَخَذَت سَيفًا وَتُرسًا، وَوَقَفَت تُقَاتِلُ دُونَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هِيَ وَزَوجُهَا وَابنَاهَا حَتَّى جُرِحَت اثنَي عَشَرَ جُرحًا، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا التَفَتُّ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا يَومَ أُحُدٍ إِلَّا وَأَنَا أَرَاهَا تُقَاتِلُ دُونِي»، وَدَعَا لَهَا وَلِأَهلِ بَيتِهَا بِقَولِهِ: «اللَّهُمَّ اجعَلْهُم رُفَقَائِي فِي الجَنَّةِ»!
وَاستُقبِلَتِ المَرأَةُ الأَنصَارِيَّةُ مِن بَنِي دِينَارٍ وَقَدِ استُشهِدَ أَبُوهَا وَزَوجُهَا وَأَخُوهَا يَومَ أُحُدٍ، فَلَمَّا نُعُوا لَهَا قَالَت: «فَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟» قَالُوا: خَيرًا يَا أُمَّ فُلَانٍ، هُوَ بِحَمدِ اللهِ كَمَا تُحِبِّينَ! قَالَت: «أَرُونِيهِ حَتَّى أَنظُرَ إِلَيهِ»! فَلَمَّا رَأَتهُ سَالِمًا قَالَت كَلِمَتَهَا الخَالِدَةَ: «كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعدَكَ جَلَلٌ يَا رَسُولَ اللهِ»! أَي: كُلُّ مُصِيبَةٍ تَهُونُ وَتَصغُرُ مَا دُمتَ أَنتَ سَالِمًا يَا رَسُولَ اللهِ!
أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، حَافِظِ دِينِهِ وَكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ الأَمِينِ، وَمُعلِي مَنَازِلِ الصَّحَابَةِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَاسأَلُوا أَنفُسَكُم بَعدَ أَن عِشنَا هَذِهِ المَشَاهِدَ العَظِيمَةَ مِن يَومِ أُحُدٍ:
إِذَا كَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد فَدَوا جَسَدَهُ الشَّرِيفَ فِي حَيَاتِهِ بِصُدُورِهِم وَنُحُورِهِم وَأَكُفِّهِم وَأَروَاحِهِم؛ فَكَيَ يَكُونُ فِدَاؤُنَا نَحنُ اليَومَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَعدَ وَفَاتِهِ؟
إِنَّ الدِّفَاعَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ اليَومَ، وَالتَّضحِيَةَ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي زَمَانِنَا، تَتَجَسَّدُ فِي ثَلَاثَةِ مَيَادِينَ عَظِيمَةٍ لَا عُذرَ لِمُسلِمٍ فِي التَّخَلُّفِ عَنهَا:
المَيدَانُ الأَوَّلُ: الدِّفَاعُ عَن «سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ» وَشَرِيعَتِهِ، وَإِحيَاؤُهَا، وَرَدُّ شُبُهَاتِ الطَّاعِنِينَ فِيهَا:
فَإِنَّ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ لَمَّا يَئِسُوا مِنَ الوُصُولِ إِلَى جَسَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَجَّهُوا سِهَامَهُمُ المَسمُومَةَ إِلَى «سُنَّتِهِ المُطَهَّرَةِ وَأَحَادِيثِهِ الصَّحِيحَةِ» بالتَّشكِيكِ وَالطَّعنِ وَالتَّحرِيفِ!
فَوَاجِبُ كُلِّ مُؤمِنٍ صَادِقٍ فِي مَحَبَّتِهِ أَن يَقِفَ أَمَامَ هَذِهِ السِّهَامِ كَمَا وَقَفَ أَبُو طَلحَةَ وَطَلحَةُ يَومَ أُحُدٍ، قَائِلًا بِلِسَانِ حَالِهِ وَمَقَالِهِ: «عِرضِي وَمَالِي وَعِلمِي وَقَلَمِي دُونَ سُنَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ»!
وَيَكُونُ ذَلِكَ بِتَعَلُّمِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالعَمَلِ بِهَا فِي أَنفُسِنَا وَبُيُوتِنَا، وَتَربِيَةِ أَبنَائِنَا عَلَيهَا، وَنَشرِهَا بَينَ النَّاسِ، وَالتَّصَدِّي العِلمِيِّ الحَازِمِ لِكُلِّ مَن يَطعَنُ فِي حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ أَو فِي دَوَاوِينِهَا الصَّحِيحَةِ؛ امتِثَالًا لِقَولِ اللهِ تَعَالَى:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
المَيدَانُ الثَّانِي: الدِّفَاعُ عَن «أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ» وَمَحَبَّتُهُم وَالذَّبُّ عَن أَعرَاضِهِم:
أَيُّهَا المُسلِمُونَ؛ كَيَ يَجرُؤُ لِسَانٌ يَدَّعِي الإِسلَامَ أَن يَطعَنَ فِي أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ مَن فَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَومَ أُحُدٍ، أَو فِي عُمَرَ الفَارُوقِ، أَو فِي عُثمَانَ ذِي النُّورَينِ، أَو فِي عَلِيٍّ حَيدَرَةِ الكَرَّارِ، أَو فِي طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ الَّذِي شُلَّت يَدُهُ وَهُوَ يَقِي وَجهَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أَو فِي الزُّبَيرِ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللهِ، أَو فِي سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ الَّذِي فَدَاهُ النَّبِيُّ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، أَو فِي أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ وَحَفصَةَ وَأَخَوَاتِهِمَا رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِينَ؟!
تَأَمَّلُوا كَيَ رَبَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَ عَظَمَةِ الصَّحَابَةِ وَبَينَ «جَبَلِ أُحُدٍ» نَفسِهِ الَّذِي سَالَت عَلَى صُخُورِهِ دِمَاؤُهُم؛ فَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا أَصحَابِي؛ فَلَو أَنَّ أَحَدَكُم أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلَا نَصِيفَهُ»!
وَصَدَقَ الإِمَامُ الجَلِيلُ أَبُو زُرعَةَ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ كَشَفَ السِّرَّ الخَفِيَّ وَرَاءَ طَعنِ الزَّنَادِقَةِ وَالأَعدَاءِ فِي الصَّحَابَةِ الكِرَامِ فَقَالَ: «إِذَا رَأَيتَ الرَّجُلَ يَنتَقِصُ أَحَدًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَاعلَمْ أَنَّهُ زِندِيقٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عِندَنَا حَقٌّ، وَالقُرآنَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَينَا هَذَا القُرآنَ وَالسُّنَنَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَن يَجرَحُوا شُهُودَنَا لِيُبطِلُوا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالجَرحُ بِهِم أَولَى وَهُم زَنَادِقَةٌ»!
فَالدِّفَاعُ عَنِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ دِفَاعٌ عَنِ القُرآنِ وَعَنِ السُّنَّةِ وَعَنِ الإِسلَامِ كُلِّهِ!
المَيدَانُ الثَّالِثُ: التَّضحِيَةُ بِالمَالِ وَالوَقتِ وَالنَّفسِ وَالجَاهِ فِي نُصرَةِ دِينِ اللهِ وَإِغَاثَةِ المُستَضعَفِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
فَالمُؤمِنُ الصَّادِقُ لَا يَعيشُ لِنَفسِهِ وَشَهوَتِهِ وَحدَهَا، بَل يَحمِلُ هَمَّ دِينِهِ وَأُمَّتِهِ، يَبذُلُ مَالَهُ فِي نَشرِ العِلمِ وَالقُرآنِ وَكَفَالَةِ الدُّعَاةِ وَالأَيتَامِ، وَيَقِفُ صَفًّا وَاحِدًا مَعَ إِخوَانِهِ المُؤمِنِينَ فِي رَدِّ البَغيِ وَالعُدوَانِ عَن حُرُمَاتِ الإِسلَامِ وَأَوطَانِ المُسلِمِينَ!
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن بَقِيَّةِ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ، وَعَن أَهلِ بَدرٍ وَأُحُدٍ وَبَيعَةِ الرِّضوَانِ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ اجعَلْنَا مِنَ الذَّابِّينَ عَن سُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، النَّاصِرِينَ لِشَرِيعَتِهِ، المُقتَفِينَ لِأَثَرِهِ، الذَّائِدِينَ عَن أَعرَاضِ صَحَابَتِهِ الكِرَامِ، وَاحشُرنَا يَومَ القِيَامَةِ فِي زُمرَتِهِم تَحتَ لِوَائِهِ، وَاسقِنَا مِن حَوضِهِ الشَّرِيفِ شَربَةً هَنِيئَةً لَا نَظمَأُ بَعدَهَا أَبَدًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَاقطَعْ دَابِرَ الطَّاعِنِينَ فِي كِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ وَصَحَابَتِهِ الأَطهَارِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
التَّضحِيَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالدِّفَاعُ عَن سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتِهِ الكِرَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَلَاحِمِ الفِدَاءِ وَذَبِّ الصَّحَابَةِ عَن رَسُولِ اللهِ يَومَ أُحُدٍ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.