التَّقوَى وَالعَمَلُ الصَّالِحُ زَادُ المُؤمِنِ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حَقِيقَةِ تَقوَى اللهِ وَتَلَازُمِ الإِيمَانِ وَالعَمَلِ وَثَمَرَاتِهِمَا فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ التَّقوَى وَصِيَّتَهُ الجَامِعَةَ لِلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَنَصَبَ العَمَلَ الصَّالِحَ مِيزَانًا لِصِدقِ المُؤمِنِينَ وَبُرهَانًا عَلَى يَقِينِ الصَّادِقِينَ، وَقَرَنَ بَينَ خَشيَةِ القُلُوبِ وَطَاعَةِ الجَوَارِحِ فِي مُحكَمِ الكِتَابِ المُبِينِ، فَلَا يَقبَلُ قَولًا بِلَا عَمَلٍ، وَلَا يَرفَعُ عَمَلًا إِلَّا إِذَا صَدَرَ عَن قَلبٍ تَقِيٍّ مُخلِصٍ لِرَبِّ العَالَمِينَ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ الذَّاكِرِينَ، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ المُفتَقِرِينَ الخَاضِعِينَ، وَنَستَغفِرُهُ استِغفَارَ المُذنِبِينَ الأَوَّابِينَ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، وَالقَائِلِ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن أَيقَنَ أَنَّ الدُّنيَا دَارُ مَمَرٍّ وَابتِلَاءٍ وَبَذرٍ وَعَمَلٍ، وَأَنَّ الآخِرَةَ دَارُ مَقَرٍّ وَحِسَابٍ وَحَصَادٍ لَا عَمَلَ فِيهَا وَلَا مَهَلَ، وَأَنَّ أَكرَمَ الخَلقِ عِندَ اللهِ أَتقَاهُم لَهُ وَأَحسَنُهُم عَمَلًا وَأَصدَقُهُم لَهُ عُبُودِيَّةً وَإِقبَالًا، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢].
وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، إِمَامُ المُتَّقِينَ، وَسَيِّدُ العَامِلِينَ العَابِدِينَ، الَّذِي غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَقُومُ مِنَ اللَّيلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ، فَيُقَالُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَيَقُولُ بِصَوتِ العَبدِ الخَاشِعِ الشَّكُورِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبدًا شَكُورًا»، فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، الَّذِينَ وَقرَتِ التَّقوَى فِي صُدُورِهِم فَفَاضَت أَعمَالًا صَالِحَةً عَلَى جَوَارِحِهِم، فَعَمَرُوا اللَّيلَ بِالقِيَامِ وَالدُّمُوعِ، وَالنَّهَارَ بِالبَذلِ وَالجِهَادِ وَالنَّفعِ وَالخُشُوعِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالعَمَلِ بِطَاعَتِهِ؛ فَهِيَ العُروَةُ الوُثقَى الَّتِي لَا انفِصَامَ لَهَا، وَالسَّفِينَةُ النَّاجِيَةُ الَّتِي لَا يَغرَقُ رَاكِبُهَا، وَالذَّخِيرَةُ البَاقِيَةُ يَومَ تَذهَبُ الأَموَالُ وَالأَولَادُ وَالمَنَاصِبُ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ الصَّادِقُونَ: إِنَّ المَرءَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا مُسَافِرٌ يَطوِي المَرَاحِلَ مَرحَلَةً بَعدَ مَرحَلَةٍ، وَأَنفَاسُهُ هِيَ خُطُوَاتُهُ إِلَى أَجَلِهِ، وَكُلُّ يَومٍ يَمضِي مِنهُ يُدنِيهِ مِن قَبرِهِ وَيُبعِدُهُ عَن دُنيَاهُ، وَمَا مِن مُسَافِرٍ يَقطَعُ مَفَازَةً مُقفِرَةً إِلَّا وَهُوَ يَحتَاجُ إِلَى زَادٍ يُبَلِّغُهُ غَايَتَهُ وَيَقِيهِ هَلَكَةَ الطَّرِيقِ؛ فَكَمَا أَنَّ أَهلَ الحَجِّ يَتَزَوَّدُونَ لِسَفَرِ الأَيَّامِ المَعدُودَةِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالمَتَاعِ، فَإِنَّ لِسَفَرِ الآخِرَةِ الطَّوِيلِ الَّذِي لَا رُجُوعَ مِنهُ زَادًا وَاحِدًا لَا يَنفَعُ يَومَئِذٍ غَيرُهُ، وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ مَالٌ وَلَا جَاهٌ وَلَا نَسَبٌ؛ أَلَا وَهُوَ تَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ الخَالِصُ لِوَجهِهِ الكَرِيمِ، وَقَد نَادَى اللهُ سُبحَانَهُ عِبَادَهُ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ السَّاطِعَةِ فِي سِيَاقِ آيَاتِ الحَجِّ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
فَمَا هِيَ حَقِيقَةُ هَذِهِ التَّقوَى الَّتِي تَتَرَدَّدُ عَلَى المَنَابِرِ وَالأَلسِنَةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ؟ وَمَا عَلَاقَتُهَا بِالعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي هُوَ ثَمَرَةُ العُمرِ وَبِضَاعَةُ التِّجَارَةِ مَعَ اللهِ؟ وَكَيفَ تَجَمَّعَ فِي هَاتَينِ الكَلِمَتَينِ خَيرُ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ كُلُّهُ؟
مَعَاشِرَ المُسلِمِينَ: إِنَّ التَّقوَى فِي لُغَةِ العَرَبِ وَفِي شَرعِ اللهِ المُطَهَّرِ مَأخُوذَةٌ مِنَ الوِقَايَةِ؛ وَهِيَ أَن يَجعَلَ العَبدُ بَينَهُ وَبَينَ مَا يَخشَاهُ مِن غَضَبِ اللهِ وَسَخَطِهِ وَعَذَابِهِ وِقَايَةً تَحجُزُهُ وَتَحمِيهِ، وَلَا تَكُونُ تِلكَ الوِقَايَةُ بِالأَمَانِيِّ الفَارِغَةِ، وَلَا بِالدَّعَاوَى العَرِيضَةِ، وَلَا بِمُجَرَّدِ كَلِمَةٍ يَجرِي بِهَا اللِّسَانُ وَالقَلبُ لَاهٍ وَالجَوَارِحُ سَادِرَةٌ فِي المَعَاصِي وَالغَفَلَاتِ، بَل هِيَ يَقَظَةٌ فِي القَلبِ تُثمِرُ طَاعَةً فِي الجَوَارِحِ، وَخَشيَةٌ فِي البَاطِنِ تُورِثُ استِقَامَةً فِي الظَّاهِرِ!
وَلَقَد أَبدَعَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَحِمَهُم فِي كَشفِ حَقِيقَةِ التَّقوَى وَبَيَانِ ارتباطِهَا الوَثِيقِ بِالعَمَلِ؛ فَفِي الأَثَرِ المَشهُورِ الَّذِي أَورَدَهُ الإِمَامُ ابنُ كَثِيرٍ وَالبَغَوِيُّ فِي تَفسِيرَيهِمَا: سَأَلَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ التَّقوَى، فَقَالَ لَهُ أُبَيٌّ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، أَمَا سَلَكتَ طَرِيقًا ذَا شَوكٍ؟ قَالَ عُمَرُ: بَلَى! قَالَ: فَمَا عَمِلتَ؟ قَالَ: شَمَّرتُ وَاجتَهَدتُ! قَالَ أُبَيٌّ: فَذَلِكَ التَّقوَى!
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ هَذَا التَّمثِيلَ العَجِيبَ: إِنَّ السَّائِرَ فِي أَرضٍ مَملُوءَةٍ بِالأَشوَاكِ الحَادَّةِ لَا يَمشِي مِشيَةَ الغَافِلِ المُسترخِي النَّاظِرِ يَمِينًا وَشِمَالًا، بَل يَجمَعُ ثِيَابَهُ، وَيُبصِرُ مَوَاضِعَ قَدَمَيهِ، وَيَتَوَقَّى الشَّوكَ بِكُلِّ جُهدِهِ حَتَّى يَخرُجَ مِن تِلكَ الأَرضِ سَالِمًا؛ وَكَذَلِكَ الدُّنيَا أَرضٌ مَحفُوفَةٌ بِأَشوَاكِ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ وَالمَظَالِمِ وَالمُحرَّمَاتِ، وَالمُتَّقِي هُوَ مَن شَمَّرَ عَن سَاعِدِ الجِدِّ وَالعَمَلِ، وَأَبصَرَ مَوَاقِعَ خُطُوَاتِهِ فِي كَلِمَتِهِ وَنَظرَتِهِ وَكَسبِهِ وَمُعَامَلَتِهِ، فَاتَّقَى شَوكَ المَعَاصِي بِنُورِ الطَّاعَةِ وَالوَرَعِ!
وَفِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ لِأَبِي نُعَيمٍ وَالزُّهدِ لِأَحمَدَ وَابنِ المُبَارَكِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ التَّابِعِيِّ الجَلِيلِ طَلقِ بنِ حَبِيبٍ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ عَرَّفَ التَّقوَى بِالتَّعرِيفِ الذَّهَبِيِّ الَّذِي أَجمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى حُسنِهِ وَإِحكَامِهِ، فَقَالَ: «التَّقوَى: أَن تَعمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، تَرجُو ثَوَابَ اللهِ؛ وَأَن تَترُكَ مَعصِيَةَ اللهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، تَخَافُ عِقَابَ اللهِ». يَا لَهَا مِن كَلِمَاتٍ لَو كُتِبَت بِمَاءِ العُيُونِ لَكَانَ قَلِيلًا! انظُرُوا كَيفَ افتَتَحَ تَعرِيفَ التَّقوَى بـِ«أَن تَعمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ»؛ لِيَعلَمَ كُلُّ مُؤمِنٍ أَنَّ التَّقوَى عَمَلٌ وَتَركٌ، وَفِعلٌ لِلمَأمُورِ وَاجتِنَابٌ لِلمَحظُورِ، عَلَى نُورِ العِلمِ وَالبَصِيرَةِ وَالوَحيِ، بَينَ جَنَاحَيِ الرَّجَاءِ فِي ثَوَابِ اللهِ وَالخَوفِ مِن عِقَابِ اللهِ!
وَيُروَى عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا ذَكَرَهُ الغَزَالِيُّ وَابنُ رَجَبٍ أَنَّهُ جَمَعَ أَركَانَ التَّقوَى فِي أَربَعِ جُمَلٍ بَلِيغَةٍ فَقَالَ: «التَّقوَى هِيَ: الخَوفُ مِنَ الجَلِيلِ، وَالعَمَلُ بِالتَّنزِيلِ، وَالقَنَاعَةُ بِالقَلِيلِ، وَالِاستِعدَادُ لِيَومِ الرَّحِيلِ». فَالخَوفُ مِنَ الجَلِيلِ أَصلُهَا فِي القَلبِ، وَالعَمَلُ بِالتَّنزِيلِ ثَمَرَتُهَا فِي الجَوَارِحِ، وَالقَنَاعَةُ بِالقَلِيلِ سِيَاجُهَا عَنِ الحَرَامِ وَالشُّحِّ، وَالِاستِعدَادُ لِيَومِ الرَّحِيلِ غَايَتُهَا الَّتِي تَحدُو العَبدَ إِلَى المُسَارَعَةِ فِي الخَيرَاتِ قَبلَ فَوَاتِ الأَوَانِ!
وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي مُستَدرَكِ الحَاكِمِ وَتَفسِيرِ الطَّبَرِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: «هُوَ أَن يُطَاعَ فَلَا يُعصَى، وَيُذكَرَ فَلَا يُنسَى، وَيُشكَرَ فَلَا يُكفَرَ». فَحَصَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَقَّ التَّقوَى فِي ثَلَاثَةِ أَعمَالٍ عَظِيمَةٍ: الطَّاعَةِ الدَّائِمَةِ، وَالذِّكرِ الحَيِّ، وَالشُّكرِ العَمَلِيِّ لِنِعَمِ المَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى!
أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ: إِنَّ مَنبَعَ التَّقوَى وَمَعدِنَهَا الأَوَّلَ هُوَ القَلبُ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «التَّقوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنظُرُ إِلَى صُوَرِكُم وَأَموَالِكُم، وَلَكِن يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم وَأَعمَالِكُم».
وَقفَةُ تَأَمُّلٍ عَمِيقَةٌ مَعَ هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الجَلِيلِ: لَقَد جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَحَلَّ نَظَرِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي شَيئَينِ اثنَينِ لَا ينفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ: «قُلُوبِكُم وَأَعمَالِكُم»! فَلَم يَقُل: يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم فَحَسبُ، كَمَا يَتَذَرَّعُ بِذَلِكَ بَعضُ المُفَرِّطِينَ المُنغَمِسِينَ فِي التَّقصِيرِ وَالمَعَاصِي، الَّذِينَ إِذَا نُصِحَ أَحَدُهُم بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ أَو تَركِ الحَرَامِ أَو أَدَاءِ الحُقُوقِ، أَشَارَ إِلَى صَدرِهِ وَقَالَ: التَّقوَى فِي القَلبِ وَرَبُّكُم رَبُّ قُلُوبٍ!
كَلَّا وَاللهِ! إِنَّ القَلبَ إِذَا اتَّقَى اللهَ حَقًّا، وَعَظَّمَ شَعَائِرَهُ صِدقًا، فَاضَ ذَلِكَ حَتمًا عَلَى الجَوَارِحِ طَاعَةً وَإِخبَاتًا وَعَمَلًا صَالِحًا؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، فَجَعَلَ تَعظِيمَ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ بِالأَعمَالِ وَالمَنَاسِكِ وَالطَّاعَاتِ عَلَامَةً وَثَمَرَةً لِتَقوَى القُلُوبِ البَاطِنَةِ! وَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلبُ».
فَالقَلبُ هُوَ المَلِكُ، وَالجَوَارِحُ هِيَ الجُنُودُ؛ فَهَل يُعقَلُ أَن يَكُونَ المَلِكُ صَالِحًا تَقِيًّا خَاشِعًا للهِ، ثُمَّ تَكُونَ جُنُودُهُ مِنَ العَينِ وَاللِّسَانِ وَاليَدِ وَالرِّجلِ عَاصِيَةً مُتَمَرِّدَةً عَلَى أَمرِ اللهِ؟! وَلِهَذَا قَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا فِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ وَالإِيمَانِ لِابنِ أَبِي شَيبَةَ كلمتَهُ الخَالِدَةَ الَّتِي تَهدِمُ جِدَارَ الأَمَانِيِّ الكَاذِبَةِ: «لَيسَ الإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي، وَلَكِن مَا وَقَرَ فِي القَلبِ وَصَدَّقَهُ العَمَلُ؛ إِنَّ قَومًا أَلهَتهُم أَمَانِيُّ المَغفِرَةِ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنيَا وَلَا حَسَنَةَ لَهُم، يَقُولُونَ: إِنَّا نُحسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ! وَكَذَبُوا؛ لَو أَحسَنُوا الظَّنَّ بِاللهِ لَأَحسَنُوا العَمَلَ للهِ!».
عبادَ اللهِ: إِنَّ التَّلَازُمَ بَينَ الإِيمَانِ وَالتَّقوَى مِن جِهَةٍ، وَبَينَ العَمَلِ الصَّالِحِ مِن جِهَةٍ أُخرَى، هُوَ أَحَدُ أَعظَمِ الأُصُولِ الَّتِي قَرَّرَهَا القُرآنُ الكَرِيمُ فِي عَشَرَاتِ السُّوَرِ وَالآيَاتِ؛ فَقلَّمَا يَذكُرُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الإِيمَانَ أَوِ التَّقوَى إِلَّا وَيُردِفُهُمَا بِالعَمَلِ الصَّالِحِ وَالإِحسَانِ؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الإِيمَانَ شَجَرَةٌ أَصلُهَا ثَابِتٌ فِي القَلبِ بِالتَّقوَى وَاليَقِينِ، وَفَرعُهَا وَثَمَرُهَا فِي السَّمَاءِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ وَالطَّاعَةِ، وَشَجَرَةٌ بِلَا ثَمَرٍ يُوشِكُ أَن تَيبَسَ وَتُقتَلَعَ!
استَمِعُوا إِلَى قَولِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَهُوَ يُقسِمُ بِالعَصرِ -وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِي هُوَ وِعَاءُ أَعمَالِ بَنِي آدَمَ وَرَأسُ مَالِ أَعمَارِهِم- عَلَى أَنَّ جِنسَ الإِنسَانِ فِي خَسَارَةٍ مُحَقَّقَةٍ وَهَلَاكٍ مُبِينٍ، إِلَّا مَن جَمَعَ بَينَ الإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ وَالتَّوَاصِي بِالحَقِّ وَالصَّبرِ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١-٣].
وَانظُرُوا كَيفَ جَعَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِيرَاثَ الجَنَّةِ مَقرُونًا مَرَّةً بِالتَّقوَى، وَمَقرُونًا مَرَّةً بِالعَمَلِ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ مَريَمَ: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الزُّخرُفِ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]؛ لِيُعلَمَ يَقِينًا أَنَّ التَّقِيَّ هُوَ العَامِلُ بِطَاعَةِ اللهِ، وَأَنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ هُوَ صُورَةُ التَّقوَى الحَيَّةُ النَّاطِقَةُ فِي وَاقِعِ الحَيَاةِ!
بَل إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَشَفَ لَنَا سِرًّا عَظِيمًا مِن أَسرَارِ قَبُولِ الأَعمَالِ عِندَهُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ قَد يَشتَرِكُونَ فِي صُورَةِ العَمَلِ الظَّاهِرَةِ: هَذَا يُصَلِّي وَذَاكَ يُصَلِّي، وَهَذَا يَتَصَدَّقُ وَذَاكَ يَتَصَدَّقُ، وَهَذَا يَحُجُّ وَذَاكَ يَحُجُّ، وَلَكِنَّ مَا بَينَ العَمَلَينِ فِي القَبُولِ وَالرَّفعِ عِندَ اللهِ كَمَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ! وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِحَسَبِ مَا فِي القَلبِ مِنَ التَّقوَى وَالإِخلَاصِ وَالمُتَابَعَةِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قِصَّةِ ابنَي آدَمَ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
يَا لَهَا مِن آيَةٍ كَانَت تَخلَعُ قُلُوبَ الصَّالِحِينَ وَتُبكِي عُيُونَ العَابِدِينَ! فَفِي تَارِيخِ دِمَشقَ لِابنِ عَسَاكِرَ وَتَفسِيرِ ابنِ كَثِيرٍ عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَأَن أَستَيقِنَ أَنَّ اللهَ قَد تَقَبَّلَ مِنِّي صَلَاةً وَاحِدَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا؛ إِنَّ اللهَ يَقُولُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ». وَقَالَ عَامِرُ بنُ عَبدِ قَيسٍ رَحِمَهُ اللهُ: «آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ أَبكَتِ الصِّدِّيقِينَ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ».
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَهتَمُّونَ بِقَبُولِ العَمَلِ وَتَحقيقِ التَّقوَى فِيهِ أَشَدَّ مِنَ اهتِمَامِهِم بِمُجَرَّدِ كَثرَةِ العَمَلِ؛ كَمَا قَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِيمَا رَوَاهُ ابنُ أَبِي الدُّنيَا فِي كِتَابِ الإِخلَاصِ: «كُونُوا لِقَبُولِ العَمَلِ أَشَدَّ اهتِمَامًا مِنكُم بِالعَمَلِ؛ أَلَم تَسمَعُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ». وَسَأَلَت عَائِشَةُ أُمُّ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، فَقَالَت: أَهُمُ الَّذِينَ يَشرَبُونَ الخَمرَ وَيَسرِقُونَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَا بِنتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُم يَخَافُونَ أَلَّا يُقبَلَ مِنهُم؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيرَاتِ وَهُم لَهَا سَابِقُونَ».
اللهُ أَكبَرُ! يَعمَلُونَ الصَّالِحَاتِ مِن صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَصَدَقَةٍ وَبِرٍّ، وَتَوجَلُ قُلُوبُهُم تَقوًى للهِ وَخَشيَةً مِن رَدِّ أَعمَالِهِم؛ فَيَدفَعُهُم ذَلِكَ الوَجَلُ إِلَى تَجوِيدِ العَمَلِ وَإِخلَاصِ النِّيَّةِ وَمُتَابَعَةِ السُّنَّةِ وَكَثرَةِ الِاستِغفَارِ بَعدَ الطَّاعَةِ! كَمَا سُئِلَ الإِمَامُ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا فِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ عَن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فَقَالَ: «أَخلَصُهُ وَأَصوَبُهُ! قِيلَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، مَا أَخلَصُهُ وَأَصوَبُهُ؟ قَالَ: إِنَّ العَمَلَ إِذَا كَانَ خَالِصًا وَلَم يَكُن صَوَابًا لَم يُقبَل، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَم يَكُن خَالِصًا لَم يُقبَل، حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا؛ وَالخَالِصُ أَن يَكُونَ للهِ، وَالصَّوَابُ أَن يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ».
وَلَقَد جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَنظُومَةَ التَّقوَى وَالعَمَلِ الصَّالِحِ وَالخُلُقِ الحَسَنِ فِي وَصِيَّةٍ جَامِعَةٍ هِيَ دُستُورُ حَيَاةِ المُسلِمِ؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي ذَرٍّ وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ، وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».
انظُرُوا إِلَى هَذَا التَّرَابُطِ النَّبَوِيِّ المُعجِزِ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ» فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ، وَفِي المَنشَطِ وَالمَكرَهِ، وَفِي البَيتِ وَالسُّوقِ وَالخَلوَةِ؛ فَإِن بَدَرَت مِنكَ هَفوَةٌ أَو زَلَّت بِكَ قَدَمٌ بِحُكمِ البَشَرِيَّةِ، فَبَادِر فَوْرًا إِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ المَاحِي لِلذُّنُوبِ: «وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا»، ثُمَّ عَامِل خَلقَ اللهِ بِمُقتَضَى التَّقوَى وَالعَمَلِ الصَّالِحِ: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»!
وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه عَن شَدَّادِ بنِ أَوسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الكَيِّسُ مَن دَانَ نَفسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعدَ المَوتِ، وَالعَاجِزُ مَن أَتبَعَ نَفسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ». فَجَعَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عُنوَانَ العَقلِ وَالفِطنَةِ وَالكِيَاسَةِ فِي أَمرَينِ: مُحَاسَبَةِ النَّفسِ بِالتَّقوَى، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ لِمَا بَعدَ المَوتِ؛ وَجَعَلَ عُنوَانَ العَجزِ وَالسَّفَهِ وَالغَبْنِ فِي اتِّبَاعِ الهَوَى وَالاكتِفَاءِ بِالتَّمَنِّي عَلَى اللهِ بِلَا عَمَلٍ وَلَا زَادٍ!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَإِذَا تَسَاءَلَتِ النُّفُوسُ التَّوَّاقَةُ إِلَى الخَيرِ: مَا هِيَ الثَّمَرَاتُ العَاجِلَةُ وَالآجِلَةُ الَّتِي يَجنِيهَا العَبدُ إِذَا جَمَعَ بَينَ تَقوَى القَلبِ وَصَلَاحِ العَمَلِ؟ فَإِنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ وَالسُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ قَد سَطَّرَا مِن ذَلِكَ كُنُوزًا وَبَشَائِرَ تَطِيرُ لَهَا القُلُوبُ شَوقًا وَفَرَحًا:
فَأَوَّلُ تِلكَ الثَّمَرَاتِ وَأَعظَمُهَا: الفَوزُ بِمَعِيَّةِ اللهِ الخَاصَّةِ وَمَحَبَّتِهِ وَوِلَايَتِهِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي خِتَامِ سُورَةِ النَّحلِ جَامِعًا بَينَ التَّقوَى وَإِحسَانِ العَمَلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. فَمَن كَانَ اللهُ مَعَهُ بِتَأيِيدِهِ وَحِفظِهِ وَتَوفِيقِهِ وَنُصرَتِهِ، فَمَن ذَا الَّذِي يَغلِبُهُ أَو يَخذُلُهُ؟! وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَولِيَائِهِ الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّقَوْا: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢-٦٣].
وَثَانِي تِلكَ الثَّمَرَاتِ العَظِيمَةِ: نُورُ الفُرقَانِ وَالبَصِيرَةِ فِي القَلبِ، وَالهِدَايَةُ لِلحَقِّ عِندَ التِبَاسِ الفِتَنِ وَتَشَابُهِ السُّبُلِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]. فَالمُتَّقِي العَامِلُ بِطَاعَةِ اللهِ يُشرِقُ فِي قَلبِهِ نُورٌ إِيمَانِيٌّ يُفَرِّقُ بِهِ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَالهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالصَّادِقِ وَالكَاذِبِ، فَلَا تَخدَعُهُ زَخَارِفُ الشُّبُهَاتِ، وَلَا تَستَدرِجُهُ حَبَائِلُ الشَّيطَانِ، وَكُلَّمَا عَمِلَ بِمَا عَلِمَ زَادَهُ اللهُ عِلمًا وَنُورًا وَثَبَاتًا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
وَثَالِثُ تِلكَ الثَّمَرَاتِ: تَفرِيجُ الكُرُبَاتِ، وَفَتحُ أَبوَابِ الأَرزَاقِ مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُ العَبدُ، وَتَيسِيرُ كُلِّ عَسِيرٍ؛ فَكَم مِن مُؤمِنٍ ضَاقَت عَلَيهِ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت، وَأُغلِقَت فِي وَجهِهِ الأَبوَابُ، فَلَمَّا لَزِمَ تَقوَى اللهِ، وَتَرَكَ الحَرَامَ، وَأَقبَلَ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ، جَعَلَ اللهُ لَهُ مِن بَينِ الصُّخُورِ الصَّمَّاءِ مَخرَجًا، وَسَاقَ إِلَيهِ الرِّزقَ الحَلَالَ الطَّيِّبَ مِن حَيثُ لَم يَخطُر لَهُ عَلَى بَالٍ! قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣]، وَقَالَ فِي السُّورَةِ نَفسِهَا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَسُنَنِ ابنِ مَاجَه عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، لَو أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُم أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتهُم»!
أَتَذكُرُونَ -يَا عِبَادَ اللهِ- قِصَّةَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَاهُمُ المَبِيتُ إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانحَدَرَت صَخرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّت عَلَيهِمُ الغَارَ حَتَّى لَم يَبقَ لَهُم مَنفَذٌ وَلَا مُنقِذٌ مِنَ البَشَرِ؟ بِمَاذَا نَجَوا مِن تِلكَ الظُّلمَةِ المُطبِقَةِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا؟ لَقَد قَالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: «إِنَّهُ وَاللهِ لَا يُنجِيكُم مِن هَذِهِ الصَّخرَةِ إِلَّا أَن تَدعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعمَالِكُم»! فَتَوَسَّلَ الأَوَّلُ بِبِرِّهِ العَظِيمِ بِوَالِدَيهِ الشَّيخَينِ الكَبِيرَينِ، وَتَوَسَّلَ الثَّانِي بِتَقوَاهُ وَعِفَّتِهِ وَتَركِهِ الفَاحِشَةَ بَعدَ القُدرَةِ عَلَيهَا خَوفًا مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَتَوَسَّلَ الثَّالِثُ بِأَمَانَتِهِ وَحِفظِهِ لِأَجرِ الأَجِيرِ وَتَنمِيَتِهِ لَهُ ابتِغَاءَ وَجهِ اللهِ؛ فَانفَرَجَتِ الصَّخرَةُ الصَّمَّاءُ عَن فَمِ الغَارِ بِبَرَكَةِ التَّقوَى وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَخَرَجُوا يَمشُونَ فِي نُورِ العَافِيَةِ وَالنَّجَاةِ!
وَرَابِعُ تِلكَ الثَّمَرَاتِ: الحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ فِي الدُّنيَا، وَالأُنْسُ فِي وَحشَةِ القَبرِ، وَالأَمنُ يَومَ الفَزَعِ الأَكبَرِ؛ فَإِنَّ السَّعَادَةَ وَطُمَأنِينَةَ القَلبِ وَانشِرَاحَ الصَّدرِ لَا تُشتَرَى بِالقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تُنَالُ بِمَعصِيَةِ اللهِ أَبَدًا، وَإِنَّمَا هِيَ مِنحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ يَسكُبُهَا اللهُ فِي قَلبِ مَن آمَنَ بِهِ وَاتَّقَاهُ وَعَمِلَ صَالِحًا؛ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥].
حَتَّى إِذَا حَانت سَاعَةُ الرَّحِيلِ عَنِ الدُّنيَا، وَوُضِعَ العَبدُ فِي قَبرِهِ وَحِيدًا فَرِيدًا لَا أَنِيسَ لَهُ وَلَا جَلِيسَ، وَتَخَلَّى عَنهُ الأَهلُ وَالأَحبَابُ وَالأَموَالُ وَالأَصحَابُ، لَم يَبقَ مَعَهُ فِي تِلكَ الحُفرَةِ الضَّيِّقَةِ إِلَّا تَقوَاهُ وَعَمَلُهُ الصَّالِحُ! فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَتبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثَةٌ فَيَرجِعُ اثنَانِ وَيَبقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتبَعُهُ أَهلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرجِعُ أَهلُهُ وَمَالُهُ وَيَبقَى عَمَلُهُ».
وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ مِن حَدِيثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ حَالَ العَبدِ المُؤمِنِ التَّقِيِّ فِي قَبرِهِ فَقَالَ: «وَيَأتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبشِر بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَومُكَ الَّذِي كُنتَ تُوعَدُ! فَيَقُولُ لَهُ: مَن أَنتَ؟ فَوَجهُكَ الوَجهُ يَجِيءُ بِالخَيرِ! فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ!».
فَيَا عَبدَ اللهِ: أَيَّ صَاحِبٍ تُعِدُّ لِقَبرِكَ اليَومَ؟ أَتُعِدُّ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا وَتَقوًى خَالِصَةً تَأتِيكَ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَرِيحٍ طَيِّبَةٍ تُؤَنِّسُ وَحشَتَكَ وَتُنِيرُ ظُلمَتَكَ، أَم تُفرِّطُ وَتُسوِّفُ حَتَّى يُفجَأَكَ المَوتُ فَتَندَمَ حِينَ لَا يَنفَعُ النَّدَمُ، وَتَصرُخَ كَمَا أَخبَرَ اللهُ عَنِ المُفرِّطِينَ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠]؟!
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ يَعِظُ نَفسَهُ وَأَهلَ الدُّنيَا فِي هَذَا المَقامِ المَهِيبِ:
تَزَوَّد مِنَ التَّقوَى فَإِنَّكَ لَا تَدرِي ... إِذَا جَنَّ لَيلٌ هَل تَعِيشُ إِلَى الفَجرِ
فَكَم مِن صَحِيحٍ مَاتَ مِن غَيرِ عِلَّةٍ ... وَكَم مِن سَقِيمٍ عَاشَ حِينًا مِنَ الدَّهرِ
وَكَم مِن فَتًى يُمسِي وَيُصبِحُ لَاهِيًا ... وَقَد نُسِجَت أَكفَانُهُ وَهُوَ لَا يَدرِي
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَبِهَديِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ وَقُدوَةِ المُتَّقِينَ العَامِلِينَ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، يَعلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى، وَيُجازِي كُلَّ نَفسٍ بِمَا تَسعَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، وَحَبِيبُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ البِرِّ وَالعَمَلِ وَالتُّقَى، وَمَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم وَاهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ التَّقوَى وَالعَمَلَ الصَّالِحَ لَيسَا مَحصُورَينِ فِي زَاوِيَةِ المَسجِدِ أَو فِي دَقَائِقِ الصَّلَاةِ المَفرُوضَةِ فَحَسبُ، ثُمَّ يَخرُجُ المَرءُ إِلَى شُؤُونِ حَيَاتِهِ فَيَخلَعُ رِدَاءَ التَّقوَى عِندَ عَتَبَةِ المَسجِدِ! بَل إِنَّ التَّقوَى وَالعَمَلَ الصَّالِحَ فِي الإِسلَامِ مَنهَجُ حَيَاةٍ شَامِلٌ يَنتَظِمُ حَرَكَاتِ المُسلِمِ وَسَكَنَاتِهِ فِي أَربَعَةِ مَيَادِينَ عَظِيمَةٍ لَا تَستَقِيمُ دِيَانَةُ العَبدِ إِلَّا بِهَا:
المَيدَانُ الأَوَّلُ: تَقوَى اللهِ فِي الفَرَائِضِ وَالعِبَادَاتِ، وَالمُسَابَقَةُ فِي النَّوَافِلِ وَالقُرُبَاتِ؛ فَالمُؤمِنُ التَّقِيُّ يَحفَظُ أَركَانَ إِسلَامِهِ، وَيُقِيمُ صَلَاتَهُ فِي وَقتِهَا بِخُشُوعِهَا وَطُمَأنِينَتِهَا، وَيُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفسُهُ، وَيَستَكثِرُ مِنَ النَّوَافِلِ مِن صِيَامٍ وَصَدَقَةٍ وَقِيَامِ لَيلٍ وَتِلَاوَةِ قُرآنٍ وَذِكرٍ؛ لِأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ بِالفَرَائِضِ ثُمَّ النَّوَافِلِ هُوَ طَرِيقُ المَحَبَّةِ الإِلَهِيَّةِ؛ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ الجَلِيلِ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبتُهُ كُنتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبطِشُ بِهَا، وَرِجلَهُ الَّتِي يَمشِي بِهَا، وَإِن سَأَلَنِي لَأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ استَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ».
وَالمَيدَانُ الثَّانِي: تَقوَى اللهِ فِي الكَسبِ وَالمَعَاشِ وَالمِهنَةِ وَالوَظِيفَةِ؛ فَالسَّعيُ عَلَى الرِّزقِ الحَلَالِ وَكَفُّ النَّفسِ وَالعِيَالِ عَنِ الحَرَامِ وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ وَإِتقَانُ الصَّنعَةِ وَالعَمَلِ هُوَ مِن صَمِيمِ العَمَلِ الصَّالِحِ وَتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ! وَأَمَّا مَن يَصُومُ وَيُصَلِّي، ثُمَّ إِذَا دَخَلَ سُوقَهُ أَو وَظِيفَتَهُ أَو تِجَارَتَهُ غَشَّ وَكَذَبَ، أَو أَكَلَ الرِّبَا وَالرِّشوَةَ وَمَالَ اليَتِيمِ، أَو ظَلَمَ الأُجَرَاءَ وَبَخَسَ النَّاسَ أَشيَاءَهُم، أَو ضَيَّعَ أَمَانَةَ العملِ المَوكُولِ إِلَيهِ؛ فَأَينَ تَقوَاهُ عِندَ الدِّينَارِ وَالدِّرهَمِ؟! قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ».
وَالمَيدَانُ الثَّالِثُ: تَقوَى اللهِ فِي البُيُوتِ وَالأَرحَامِ وَحُقُوقِ الخَلقِ وَكَفِّ الأَذَى عَنِ النَّاسِ؛ فَإِنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ لَا يَنفَعُ صَاحِبَهُ يَومَ القِيَامَةِ إِذَا جَاءَ وَقَد أَفلَسَ بِظُلمِ العِبَادِ، وَسَفكِ دِمَائِهِم، وَأَكلِ أَموَالِهِم، وَهَتكِ أَعرَاضِهِم بِالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالبُهتَانِ! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ أُمَّتَهُ مِنَ المُفلِسِ الحَقِيقِيِّ، وَهُوَ الَّذِي يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأتِي وَقَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعطَى هَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، فَإِن فَنِيَت حَسَنَاتُهُ قَبلَ أَن يُقضَى مَا عَلَيهِ أُخِذَ مِن خَطَايَاهُم فَطُرِحَت عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ! فَيَا لَخَسَارَةِ مَن تَعِبَ فِي جَمعِ الحَسَنَاتِ، ثُمَّ بَدَّدَهَا بِتَفرِيطِهِ فِي تَقوَى اللهِ فِي حُقُوقِ العِبَادِ!
وَالمَيدَانُ الرَّابِعُ وَهُوَ مِحَكُّ الصَّادِقِينَ: تَقوَى اللهِ فِي الخَلَوَاتِ وَإِصلَاحُ السَّرِيرَةِ فِيمَا بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ؛ فَلَيسَ المُتَّقِي مَن يَتعَفَّفُ عَنِ الحَرَامِ أَمَامَ أَعيُنِ النَّاسِ، فإذا خَلَا بِنَفسِهِ وَأَغلَقَ بَابَهُ وَأَرخَى سِترَهُ وَأَمسَكَ بِهَاتِفِهِ وَشَاشَتِهِ، جَعَلَ اللهَ أَهوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيهِ وَانتَهَكَ مَحَارِمَهُ! فَفِي سُنَنِ ابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ مِن حَدِيثِ ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَأَعلَمَنَّ أَقوَامًا مِن أُمَّتِي يَأتُونَ يَومَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنثُورًا»، قَالَ ثَوبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفهُم لَنَا، جَلِّهِم لَنَا، أَن لَا نَكُونَ مِنهُم وَنَحنُ لَا نَعلَمُ! قَالَ: «أَمَا إِنَّهُم إِخوَانُكُم وَمِن جِلدَتِكُم، وَيَأخُذُونَ مِنَ اللَّيلِ كَمَا تَأخُذُونَ، وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا»! وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ لِلبَيهَقِيِّ: «أَعَزُّ الأَشيَاءِ ثَلَاثَةٌ: الجُودُ مِن قِلَّةٍ، وَالوَرَعُ فِي خَلوَةٍ، وَكَلِمَةُ الحَقِّ عِندَ مَن يُرجَى وَيُخَافُ».
فَيَا عِبَادَ اللهِ: أَدرِكُوا أَعمَارَكُم قَبلَ نفَادِهَا، وَتَفقَّدُوا قُلُوبَكُم وَأَعمَالَكُم قَبلَ يَومِ عَرضِهَا وَحِسَابِهَا؛ وَاستَمِعُوا إِلَى نِدَاءِ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَابنُ أَبِي شَيبَةَ وَهُوَ يَهُزُّ القُلُوبَ الغَافِلَةَ: «حَاسِبُوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَعمَالَكُم قَبلَ أَن تُوزَنَ عَلَيكُم، فَإِنَّهُ أَهوَنُ عَلَيكُم فِي الحِسَابِ غَدًا أَن تُحَاسِبُوا أَنفُسَكُمُ اليَومَ، وَتَزَيَّنُوا لِلعَرضِ الأَكبَرِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]».
فَاليَومَ -يَا إِخوَةَ الإِيمَانِ- فِي دَارِ المَهلَةِ نَستَطِيعُ أَن نَستَدرِكَ مَا فَاتَ، وَنُجدِّدَ التَّوبَةَ، وَنَعمُرَ الصَّحَائِفَ بِالتَّقوَى وَالصَّالِحَاتِ، وَأَمَّا غَدًا إِذَا طُوِيَتِ الصُّحُفُ وَنُصِبَتِ المَوَازِينُ، فَلَا يُقبَلُ هُنَالِكَ إِلَّا مَا قَدَّمتَ يَدَاكَ مِن إِيمَانٍ صَادِقٍ وَتَقوًى خَالِصَةٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ مَبرُورٍ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى إِمَامِ المُتَّقِينَ وَقُدوَةِ العَامِلِينَ، كَمَا أَمَرَكُم بِذَلِكَ رَبُّكُم فِي كِتَابِهِ المَكْنُونِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ وَرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى، وَالفَوزَ بِالجَنَّةِ وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ، اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِنَ المُتَّقِينَ الأَبرَارِ، وَوَفِّقنَا لِصَالِحِ الأَعمَالِ فِي اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَتَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَتُب عَلَينَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
اللَّهُمَّ أَصلِح قُلُوبَنَا وَأَعمَالَنَا، وَأَخلِص لِوَجهِكَ الكَرِيمِ نِيَّاتِنَا وَأَقوَالَنَا وَأَفعَالَنَا، وَاجعَل سَرَائِرَنَا خَيرًا مِن عَلَانِيَتِنَا، وَاجعَل عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً، اللَّهُمَّ اختِم بِالصَّالِحَاتِ أَعمَالَنَا، وَبِالسَّعَادَةِ آجَالَنَا، وَاجعَل خَيرَ أَعمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيرَ أَعمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيرَ أَيَّامِنَا يَومَ نَلقَاكَ فِيهِ وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَاحمِ حَوزَةَ الدِّينِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ، اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمُومِينَ مِنَ المُسلِمِينَ، وَنَفِّس كَربَ المَكرُوبِينَ، وَاقضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِينَ، وَاشفِ مَرضَانَا وَمَرضَى المُسلِمِينَ، وَارحَم مَوتَانَا وَمَوتَى المُسلِمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
التَّقوَى وَالعَمَلُ الصَّالِحُ زَادُ المُؤمِنِ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حَقِيقَةِ تَقوَى اللهِ وَتَلَازُمِ الإِيمَانِ وَالعَمَلِ وَثَمَرَاتِهِمَا فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.