من مكتبة مِداد الخطيب

عَقَبَاتٌ وَمُكَدِّرَاتٌ وَعَوَائِقُ فِي طَرِيقِ الجَنَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن قَوَاطِعِ السَّيرِ إِلَى اللهِ وَمُحبِطَاتِ الأَعمَالِ وَكَيفَ يَقتَحِمُ المُؤمِنُ العَقَبَةَ إِلَى الفِردَوسِ الأَعلَى

مشاركة
عَقَبَاتٌ وَمُكَدِّرَاتٌ وَعَوَائِقُ فِي طَرِيقِ الجَنَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن قَوَاطِعِ السَّيرِ إِلَى اللهِ وَمُحبِطَاتِ الأَعمَالِ وَكَيفَ يَقتَحِمُ المُؤمِنُ العَقَبَةَ إِلَى الفِردَوسِ الأَعلَى الحَمدُ للهِ الَّذِي أَعَدَّ لِعِبَادِهِ المتَّقِينَ جَنَّةً عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرض، فِيهَا مَا لَا عَينٌ رَأَت، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَت، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلبِ بَشَر، وَحَفَّ طَرِيقَهَا بِالمَكَارِهِ وَالِابتِلَاءَاتِ وَالعَقَبَات؛ لِيَمتَحِنَ صِدقَ السَّائِرِين، وَيَمِيزَ الصَّابِرِينَ المجَاهِدِينَ مِنَ الكَسَالَى المَدَّعِين. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن شَمَّرَ إِلَى دَارِ السَّلَام، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، الملكُ العَلَّام، الَّذِي دَعَا عِبَادَهُ إِلَى جَنَّتِهِ وَحَذَّرَهُم مِن قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَمَصَايِدِ الشَّيطَان، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الدَّالُّ عَلَى كُلِّ خَير، وَالمُحَذِّرُ مِن كُلِّ عَائِقٍ وَضَير، الَّذِي أَخبَرَنَا أَنَّ سِلعَةَ اللهِ غَالِيَة، وَأَنَّ سِلعَةَ اللهِ الجَنَّة، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ اقتَحَمُوا العَقَبَاتِ بِاليَقِينِ وَالصَّبرِ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى مَرضَاةِ الرَّحمَن، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: أُوصِيكُم وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاليَقَظَةِ التَّامَّةِ فِي سَيرِكُم إِلَى رَبِّكُم؛ فَإِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الجَنَّةِ مَحفُوفٌ بِالعَقَبَات، وَالعُمُرَ قَصِيرٌ سَرِيعُ الفَوَات، وَلَا يَنجُو إِلَّا مَنِ استَعَانَ بِاللهِ وَتَزَوَّدَ بِالتَّقوَى وَالصَّالِحَات، كَمَا قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. أَيُّهَا المُسلِمُون: إِنَّ الجَنَّةَ هِيَ الغَايَةُ الكُبرَى الَّتِي تَشرَئِبُّ إِلَيهَا أَعنَاقُ المُؤمِنِين، وَالأُمنِيَّةُ العُظمَى الَّتِي يَلهَجُ بِسُؤَالِهَا كُلُّ مَن سَجَدَ للهِ رَبِّ العَالَمِين! وَلَكِنْ مِن سُنَّةِ اللهِ الحَكِيمَةِ فِي خَلقِهِ أَنَّ المَطَالِبَ العَالِيَةَ لَا تُنَالُ بِالأَمَانِيِّ البَارِدَةِ وَالأَحلَامِ الكَسُولَة، بَل لَا بُدَّ دُونَ الشَّهدِ مِن إِبَرِ النَّحل، وَلَا بُدَّ دُونَ الجَنَّةِ مِنَ اقتِحَامِ العَقَبَاتِ وَتَجَاوُزِ العَوَائِقِ وَالحَذَرِ مِنَ المُكَدِّرَات! قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُوقِظًا القُلُوبَ مِن وَهمِ الدُّخُولِ إِلَى الجَنَّةِ بِلَا مُجَاهَدَةٍ وَلَا صَبر: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وَسَمَّى سُبحَانَهُ طَرِيقَ النَّجَاةِ وَالطَّاعَةِ «عَقَبَةً» شَاقَّةً عَلَى النُّفُوسِ تَحتَاجُ إِلَى اقتِحَامٍ شُجَاعٍ فَقَال: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»! مَا مَعنَى «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ»؟ أَي أُحِيطَ طَرِيقُهَا بِمَا تَكرَهُهُ النَّفسُ البَشَرِيَّةُ بِطَبعِهَا مِن مُجَاهَدَةِ الهَوَى، وَالقِيَامِ إِلَى صَلَاةِ الفَجرِ مِن فِرَاشٍ دَافِئ، وَإِخرَاجِ المَالِ المَحبُوبِ فِي الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَة، وَكَظمِ الغَيظ، وَغَضِّ البَصَرِ عَنِ الحَرَام، وَالصَّبرِ عَلَى أَقدَارِ الله! فَمَن صَبَرَ عَلَى تَخَطِّي هَذَا السِّيَاجِ مِنَ المَكَارِهِ وَالعَقَبَاتِ أَفضَى إِلَى نَعِيمٍ لَا يَنفَدُ أَبَدًا! عِبَادَ الله: إِنَّ البَصِيرَ السَّائِرَ إِلَى اللهِ يَحتَاجُ إِلَى خَرِيطَةٍ وَاضِحَةٍ يَعرِفُ بِهَا «العَوَائِقَ وَالعَقَبَاتِ وَالمُكَدِّرَاتِ» الَّتِي تَعتَرِضُ طَرِيقَهُ إِلَى الجَنَّة؛ فَكَم مِن سَائِرٍ قَعَدَت بِهِ العَوَائِقُ فَلَم يَنطَلِق أَصلًا، وَكَم مِن مُنطَلِقٍ تَعَثَّرَ فِي عَقَبَةٍ فِي مُنتَصَفِ الطَّرِيقِ فَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيه، وَكَم مِن عَامِلٍ كَدَّرَت أَعمَالَهُ المُكَدِّرَاتُ فَحُرِمَ ثَمَرَةَ تَعَبِهِ عِندَ الوُصُول! فَتَعَالَوا نَكشِفْ هَذِهِ القَوَاطِعَ لِنَحذَرَهَا وَنَقتَحِمَهَا بِنُورِ الوَحي: العَقَبَةُ الأُولَى وَالعَائِقُ الأَكبَرُ: الشَّيطَانُ الرَّجِيمُ الَّذِي قَعَدَ لِابنِ آدَمَ عَلَى كُلِّ مَفرَقٍ مِن مَفَارِقِ طَرِيقِ الجَنَّة! فَإِنَّ إِبلِيسَ -لَعَنَهُ اللهُ- مَا إِن طُرِدَ مِنَ الجَنَّةِ حَتَّى أَقسَمَ أَن يَقطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ لِئَلَّا يَدخُلُوا الجَنَّةَ الَّتِي أُخرِجَ هُوَ مِنهَا؛ كَمَا حَكَى اللهُ عَنهُ فِي سُورَةِ الأَعرَاف: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦-١٧]. وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن سَبرَةَ بنِ أَبِي فَاكِهٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ كَمَائِنَ الشَّيطَانِ عَلَى طَرِيقِ الجَنَّةِ فَقَال: «إِنَّ الشَّيطَانَ قَعَدَ لِابنِ آدَمَ بِأَطرُقِهِ؛ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسلَامِ فَقَالَ: تُسلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسلَمَ! ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجرَةِ... فَعَصَاهُ فَهاجَرَ! ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهَادِ... فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ!» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَن يُدخِلَهُ الجَنَّةَ»! فَالشَّيطَانُ يَبدأُ مَعَكَ بِعَقَبَةِ الشِّركِ وَالكُفر، فَإِن عَجَزَ نَقَلَكَ إِلَى عَقَبَةِ البِدعَةِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّة، فَإِن عَجَزَ نَقَلَكَ إِلَى عَقَبَةِ الكَبَائِرِ وَتَركِ الصَّلَاة، فَإِن عَجَزَ نَقَلَكَ إِلَى عَقَبَةِ الصَّغَائِرِ وَالإِصرَارِ عَلَيهَا، فَإِن عَجَزَ شَغَلَكَ بِالمَفَضُولِ عَنِ الفَاضِلِ وَفَتَحَ لَكَ بَابَ «التَّسوِيفِ وَطُولِ الأَمَلِ»؛ فَيَقُولُ لَك: «تُب غَدًا، صَلِّ بَعدَ الشَّهر، تَصَدَّق فِي العَامِ القَادِمِ» حَتَّى يَبغَتَكَ المَوتُ وَأَنتَ لَم تَقطَعِ العَقَبَة! العَقَبَةُ الثَّانِيَةُ: النَّفسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَطُغيَانُ الهَوَى وَالشَّهوَةِ! وَهِيَ عَقَبَةٌ بَينَ جَنبَيكَ يَا عَبدَ الله! فَإِنَّ النَّفسَ إِذَا لَم تُلجَم بِلِجَامِ التَّقوَى وَالمُحَاسَبَةِ جَمَحَت بِصَاحِبِهَا إِلَى كُلِّ شَهوَةٍ مُحَرَّمَة، وَثَقَّلَت عَلَيهِ كُلَّ طَاعَةٍ وَفَرِيضَة! لِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِفتَاحَ الجَنَّةِ مَقرُونًا بِتَجَاوُزِ هَذِهِ العَقَبَةِ الدَّاخِلِيَّةِ فِي قَولِهِ سُبحَانَه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]. حِينَ تَشتَهِي نَفسُكَ النَّظرَةَ الحَرَامَ فِي الهَاتِفِ فَتَغُضَّ بَصَرَكَ خَوفًا مِنَ الله، فَقَدِ اقتَحَمتَ عَقَبَةً إِلَى الجَنَّة! وَحِينَ تَشتَهِي نَفسُكَ المَالَ الحَرَامَ أَوِ الغِشَّ أَوِ الرِّشوَةَ فَتَكُفَّ يَدَكَ طَمعًا فِيمَا عِندَ الله، فَقَدِ اقتَحَمتَ عَقَبَةً إِلَى الجَنَّة! وَحِينَ تَشتَهِي نَفسُكَ الِانتِقَامَ وَالشَّتمَ فَتَكظِمَ غَيظَك، فَقَدِ اقتَحَمتَ عَقَبَةً إِلَى الجَنَّة! العَقَبَةُ الثَّالِثَةُ: فِتنَةُ الدُّنيَا الخَادِعَةِ وَالِانغِمَاسُ فِي التَّكَاثُرِ وَالمُلْهِيَات! كَم مِن إِنسَانٍ كَانَ سَائِرًا إِلَى الجَنَّةِ بَهِمَّةٍ وَنَشَاط، فَلَمَّا فُتِحَت عَلَيهِ الدُّنيَا بِزِينَتِهَا وَأَموَالِهَا وَمَنَاصِبِهَا وَمُلْهِيَاتِهَا، وَقَفَ فِي الطَّرِيقِ يَجمَعُ حَصَى الدُّنيَا وَنَسِيَ دُرَرَ الآخِرَة! تَأَمَّلُوا كَيفَ كَشَفَ اللهُ لَنَا حَقِيقَةَ هَذَا العَائِقِ فِي سُورَةِ الحَدِيدِ ثُمَّ أَتبَعَهُ فَوْرًا بِالنَّفِيرِ إِلَى الجَنَّة؛ فَقَالَ سُبحَانَه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠]، ثُمَّ نَادَى فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ مُبَاشَرَةً: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]! أَي: لَا تَدَعُوا لَعِبَ الدُّنيَا وَلَهوَهَا وَتَكَاثُرَهَا يُقَيِّدُ أَقدَامَكُم عَنِ المُسَابَقَةِ إِلَى الجَنَّة! قَالَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَو بَعضُ السَّلَف: «الدُّنيَا قَنطَرَةٌ، فَاعبُرُوهَا وَلَا تَعمُرُوهَا»! العَقَبَةُ الرَّابِعَةُ: قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مِن رِفقَةِ السُّوءِ وَدُعَاةِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَات! فَكَم مِن شَابٍّ أَو فَتَاةٍ أَو رَجُلٍ أَرَادَ التَّوبَةَ وَالمُحَافَظَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالسَّيرَ إِلَى الجَنَّة، فَوَقَفَ فِي وَجهِهِ أَصدِقَاءُ السُّوءِ أَو شَيَاطِينُ الإِنسِ عَبرَ الشَّاشَاتِ يَسخَرُونَ مِنِ التِزَامِه، وَيُزَيِّنُونَ لَهُ الفَوَاحِش، وَيُلقُونَ فِي قَلبِهِ الشُّكُوكَ وَالشُّبُهَات؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]. فَلَا يَنجُو السَّائِرُ إِلَى الجَنَّةِ إِلَّا بِمُفَارَقَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَمُصَاحَبَةِ القَافِلَةِ الصَّالِحَة! وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِل: تَرجُو النَّجَاةَ وَلَم تَسلُك مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجرِي عَلَى اليَبَسِ فَاقتَحِمِ العَقَبَاتِ الصَّعبَ مُعتَصِمًا ... بِاللهِ تَظفَرْ بِفَوزٍ غَيرِ مُلتَبِسِ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيه، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وَلِيِّ الصَّالِحِين، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِين، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: إِذَا كَانَت تِلكَ هِيَ العَوَائِقَ وَالعَقَبَاتِ الَّتِي تَمنَعُ الغَافِلَ مِنَ السَّيرِ إِلَى الجَنَّة؛ فَإِنَّ ثَمَّةَ «مُكَدِّرَاتٍ وَقَوَاطِعَ خَفِيَّةً» أَشَدَّ خُطُورَةً عَلَى أَهلِ الصَّلَاةِ وَالطَّاعَةِ أَنفُسِهِم! إِنَّهَا تِلكَ الآفَاتُ الَّتِي تُكَدِّرُ صَفَاءَ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ أَو تُوقِفُ صَاحِبَهَا عِندَ أَبوَابِ الجَنَّةِ بَعدَ أَن تَعِبَ فِي الطَّرِيق، وَأَخطَرُهَا ثَلَاثَةُ مُكَدِّرَات: المُكَدِّرُ الأَوَّلُ: كَدَرُ الرِّيَاءِ وَالعُجبِ وَالمَنِّ بِالطَّاعَة! فَقَد يَعمَلُ العَبدُ عَمَلًا صَالِحًا مِن صَلَاةٍ أَو صَدَقَةٍ أَو عِلمٍ أَو بِرّ، ثُمَّ يُكَدِّرُهُ بِطَلَبِ ثَنَاءِ النَّاسِ وَمَدحِهِم، أَو بِالإِعجَابِ بِنَفسِهِ وَرُؤيَةِ فَضلِهِ عَلَى الآخَرِين، أَو بِالمَنِّ وَالأَذَى عَلَى الفَقِيرِ الَّذِي أَعطَاه؛ فَيَحبَطُ أَجرُهُ وَيَضِيعُ تَعَبُه، كَمَا حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. المُكَدِّرُ الثَّانِي: مَظَالِمُ العِبَادِ فِي الدِّمَاءِ وَالأَموَالِ وَالأَعرَاض! وَهَذِهِ واللهِ هِيَ العَقَبَةُ الكَؤُودُ الَّتِي يُحبَسُ عِندَهَا كَثِيرٌ مِنَ المَصلِّينَ يَومَ القِيَامَةِ قَبلَ دُخُولِ الجَنَّة! فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «يَخلُصُ المُؤمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحبَسُونَ عَلَى قَنطَرَةٍ بَينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعضِهِم مِن بَعضٍ مَظَالِمُ كَانَت بَينَهُم فِي الدُّنيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُم فِي دُخُولِ الجَنَّةِ»! وَمَن كَانَت مَظَالِمُهُ كَثِيرَةً مِن شَتمٍ وَقَذفٍ وَأَكلِ مَالٍ وَسَفكِ دَمٍ وَضَرب، أُخِذَ مِن حَسَنَاتِ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ فَأُعطِيَ لِغُرَمَائِهِ حَتَّى يُطرَحَ فِي النَّارِ كَمَا فِي حَدِيثِ المُفلِسِ فِي صَحِيحِ مُسلِم! فَيَا لَخَسَارَةِ مَن يَبْنِي قُصُورَ الحَسَنَاتِ بِالطَّاعَاتِ ثُمَّ يَهدِمُهَا بِلِسَانِهِ وَظُلمِهِ لِلخَلق! المُكَدِّرُ الثَّالِثُ: الشَّحنَاءُ وَالبَغضَاءُ وَقَطِيعَةُ الرَّحِم! أَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «تُفتَحُ أَبوَابُ الجَنَّةِ يَومَ الِاثنَينِ وَيَومَ الخَمِيسِ، فَيُغفَرُ لِكُلِّ عَبدٍ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَت بَينَهُ وَبَينَ أَخِيهِ شَحنَاءُ؛ فَيُقَالُ: أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا، أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا»! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» أَي قَاطِعُ رَحِم! فَكَيَفَ يَرجُو الفَوزَ بِالجَنَّةِ مَن بَاتَ هَاجِرًا لِإِخوَانِه، قَاطِعًا لِأَرحَامِه، مَملُوءَ الصَّدرِ بِالغِلِّ وَالحَسَدِ عَلَى المُسلِمِين؟! فَيَا عِبَادَ الله: طَهِّرُوا طَرِيقَكُم إِلَى الجَنَّةِ مِن هَذِهِ العَوَائِقِ وَالمُكَدِّرَات؛ استَعِينُوا بِاللهِ عَلَى الشَّيطَانِ وَالنَّفسِ وَالهَوَى، وَأَخلِصُوا أَعمَالَكُم لله، وَتَحَلَّلُوا مِن مَظَالِمِ العِبَاد، وَصِلُوا أَرحَامَكُم، وَاصبِرُوا سَاعَةً عَلَى مَشَقَّةِ الطَّاعَة؛ فَإِنَّكُم وَاللهِ مَا إِن تَضَعُوا أَقدَامَكُم فِي الجَنَّةِ حَتَّى تَنسَوا كُلَّ تَعَبٍ وَنَصَبٍ وَعَقَبَةٍ مَرَّت بِكُم فِي الدُّنيَا! أَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «يُؤتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤسًا فِي الدُّنيَا مِن أَهلِ الجَنَّةِ، فَيُصبَغُ صَبغَةً فِي الجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابنَ آدَمَ، هَل رَأَيتَ بُؤسًا قَطُّ؟ هَل مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيتُ شِدَّةً قَطُّ»! غَمسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ تَمسَحُ تَعَبَ السِّنِينَ كُلِّهَا، فَيَا فَوْزَ الصَّابِرِينَ المشَمِّرِين! ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى الهَادِي إِلَى صِرَاطِ اللهِ المُستَقِيم، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُمُ الكَرِيمُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّين؛ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَل، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِن قَولٍ أَو عَمَل! اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى اقتِحَامِ العَقَبَاتِ فِي طَرِيقِ مَرضَاتِك، وَاحفَظنَا مِن كَيدِ الشَّيطَان، وَشَرِّ النَّفسِ وَالهَوَى، وَفِتنَةِ الدُّنيَا، وَمُضِلَّاتِ الفِتَن! اللَّهُمَّ طَهِّر أَعمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالعُجبِ وَالمَنّ، وَطَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ وَالشَّحنَاء، وَطَهِّر ذِمَمَنَا مِن مَظَالِمِ العِبَاد، وَبَلِّغنَا الفِردَوسَ الأَعلَى بِرَحمَتِكَ وَفَضلِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين! عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.