من مكتبة مِداد الخطيب

وَصِيَّةُ مَيِّتٍ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن رسَائِلِ أَهلِ القُبُورِ إِلَى الأَحيَاءِ وَأَمنِيَّاتِ الرَّاحِلِينَ وَوُجُوبِ كِتَابَةِ الوَصِيَّةِ الشَّرعِيَّةِ

مشاركة
وَصِيَّةُ مَيِّتٍ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن رسَائِلِ أَهلِ القُبُورِ إِلَى الأَحيَاءِ وَأَمنِيَّاتِ الرَّاحِلِينَ وَوُجُوبِ كِتَابَةِ الوَصِيَّةِ الشَّرعِيَّةِ الحَمدُ للهِ الَّذِي قَهَرَ العِبَادَ بِالمَوتِ وَالفَنَاء، وَتَفَرَّدَ سُبحَانَهُ بِالعِزَّةِ وَالبَقَاء، وَجَعَلَ القُبُورَ مَوَاعِظَ نَاطِقَةً لِأَهلِ البَصَائِرِ وَالنُّهَى، وَمَحَطَّةً فَاصِلَةً بَينَ دَارِ العَمَلِ وَالِابتِلَاءِ وَدَارِ الحِسَابِ وَالجَزَاء. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَنِ اتَّعَظَ بِمَصَارِعِ الغَابِرِين، وَأَعدَّ الزَّادَ لِيَومِ الدِّين، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، الحَيُّ القَيُّومُ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالإِنسُ وَالجِنُّ يَمُوتُون، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الَّذِي أَيقَظَ القُلُوبَ مِن سَكرَةِ الغَفلَةِ وَطُولِ الأَمَل، وَأَمَرَنَا بِزِيَارَةِ القُبُورِ لِتُذَكِّرَنَا الآخِرَةَ وَتَزهِّدَنَا فِي الدُّنيَا قَبلَ حُلُولِ الأَجَل، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ السَّابِقِينَ إِلَى الخَيرَات، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ المَمَات. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّزَوُّدِ مِن دُنيَاكُم لِآخِرَتِكُم، وَمِن حَيَاتِكُم لِمَوتِكُم، وَمِن شَبَابِكُم لِهَرَمِكُم؛ فَإِنَّمَا أَنتُم فِي مَهلَةٍ تُطوَى سَاعَاتُهَا، وَأَنفَاسٍ تُعدُّ دَقَّاتُهَا، وَقَد قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]. أَيُّهَا المُسلِمُون: لَو أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذِنَ اليَومَ لِمَيِّتٍ مِن أَهلِ القُبُورِ الَّذِينَ شَيَّعنَاهُم بِأَيدِينَا، وَوَارَينَاهُم تَحتَ التُّرَابِ مُنذُ أَعوَامٍ أَو شُهُورٍ أَو أَيَّام؛ لَو أَذِنَ اللهُ لِوَاحِدٍ مِنهُم بَعدَ أَن ذَاقَ سَكرَةَ المَوت، وَعَايَنَ مَلَائِكَةَ السُّؤَال، وَرَأَى مَقعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ أَوِ النَّار، وَعَرَفَ حَقِيقَةَ الدُّنيَا الَّتِي نَتَكَالَبُ عَلَيهَا، أَن يَخرُجَ مِن قَبرِهِ سَاعَةً وَاحِدَة، فَيَصعَدَ هَذَا المِنبَرَ وَيُوَجِّهَ إِلَينَا نَحنُ الأَحيَاءَ «وَصِيَّةَ مَيِّتٍ» عَرَفَ اليَقِينَ بَعدَ الغَفلَة؛ فَمَاذَا عَسَاهُ أَن يَقُولَ لَنَا؟! وَبِأَيِّ كَلِمَاتٍ سَيَصرُخُ فِي وُجُوهِنَا وَقُلُوبِنَا؟! لَا نَحتَاجُ يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى الظُّنُونِ وَالتَّخمِينَاتِ لِنَعرِفَ مَاذَا يُوصِينَا بِهِ الأَموَات؛ فَقَد نَقَلَ لَنَا القُرآنُ الكَرِيم، وَنَقَلَت لَنَا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَة، صَرَخَاتِ المَوتَى وَأَمنِيَّاتِ الرَّاحِلِينَ وَحَسَرَاتِ المُحتَضَرِينَ حِينَ يُعايِنُونَ الحَقِيقَة! فَتَعَالَوا نُصغِ بِقُلُوبِنَا اليَومَ إِلَى أَربَعِ وَصَايَا عُظمَى تَخرُجُ مِن أَعماقِ القُبُورِ إِلَى كُلِّ حَيٍّ مَا زَالَ قَلبُهُ يَنبِضُ فِي صَدرِه: الوَصِيَّةُ الأُولَى مِن وَصَايَا المَيِّتِ لِلأَحيَاء: «أَدرِكُوا قِيمَةَ الرَّكعَتَينِ وَالتَّسبِيحَةِ قَبلَ أَن يُحَالَ بَينَكُم وَبَينَ السُّجُودِ»! أَوَّلُ مَا يَندَمُ عَلَيهِ المَيِّتُ حِينَ يُغلَقُ عَلَيهِ بَابُ قَبرِهِ وَتُطوَى صَحِيفَةُ عَمَلِه، هُوَ تِلكَ السَّاعَاتُ وَالأَيَّامُ الَّتِي ضَيَّعَهَا فِي الدُّنيَا بِلَا صَلَاةٍ وَلَا ذِكرٍ وَلَا طَاعَة! استَمِعُوا إِلَى مَا حَكَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ المُؤمِنُونَ عَن صَرخَةِ الإِنسَانِ المُفَرِّطِ عِندَ مُعَايَنَةِ المَوت: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠]! تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ الله: لَم يَقُل «رَبِّ ارجِعُونِ لَعَلِّي أُكمِلُ بِنَاءَ قَصرِي، أَو أُوَسِّعُ تِجَارَتِي، أَو أَجمَعُ أَمْوَالِي، أَو أَسهَرُ مَعَ أَصحَابِي»؛ بَل تَلَاشَت كُلُّ شَهَوَاتِ الدُّنيَا فِي عَينِهِ وَلَم يَبقَ فِي قَلبِهِ إِلَّا أُمنِيَّةٌ وَاحِدَةٌ يَتَوَسَّلُ مِن أَجلِهَا: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾! أَتَدرُونَ مَا هِيَ أَغلَى أُمنِيَّةٍ يَتَمَنَّاهَا صَاحِبُ القَبرِ الآنَ وَهُوَ تَحتَ التُّرَاب؟ أَخرَجَ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي «الزُّهدِ» وَالطَّبَرَانِيُّ فِي «الأَوسَطِ» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبرٍ فَقَال: «مَن صَاحِبُ هَذَا القَبرِ؟» فَقَالُوا: فُلَان، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «رَكعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِن بَقِيَّةِ دُنيَاكُم»! وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ أُخرَى: «رَكعَتَانِ خَفِيفَتَانِ مِمَّا تَحقِرُونَ وَتَنَفَّلُونَ يَزِيدُهُمَا هَذَا فِي عَمَلِهِ أَحَبُّ إِلَيهِ مِن بَقِيَّةِ دُنيَاكُم»! يَا للهِ العَظِيم! رَكعَتَانِ اثنَتَانِ لَا تَستَغرِقَانِ خَمسَ دَقَائِق، قَد يَستَثقِلُهُمَا الحَيُّ أَو يَنَامُ عَن صَلَاةِ الفَجرِ وَالعَصرِ وَالعِشَاء، هُمَا فِي مِيزَانِ المَيِّتِ الَّذِي رَأَى الحَقِيقَةَ أَغلَى وَأَحَبُّ إِلَيهِ مِنَ الدُّنيَا كُلِّهَا بِذَهَبِهَا وَفِضَّتِهَا وَمُلْكِهَا! فَالمَيِّتُ يُنَادِيكَ اليَومَ مِن قَبرِه: «يَا أَخِي الحَيّ، إِنَّكَ تَملِكُ الآنَ مَا أَتَمَنَّاهُ أَنَا وَلَا أَقدِرُ عَلَيه! أَنتَ تَملِكُ القُدرَةَ عَلَى الوُضُوءِ وَالسُّجُود، وَتَملِكُ لِسَانًا يَستَطِيعُ أَن يَقُولَ (سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ، سُبحَانَ اللهِ العَظِيم)، وَأَنَا فِي قَبرِي قَد أُغلِقَ بَابُ العَمَلِ دُونِي؛ فَإِيَّاكَ أَن تُفَرِّطَ فِي صَلَاةٍ مَفرُوضَة، أَو تَغفُلَ عَن سَجدَةٍ وَتَسبِيحَةٍ تُنِيرُ لَكَ ظُلمَةَ هَذَا المَضجَعِ الموحِش!». الوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ مِن وَصَايَا المَيِّتِ لِلأَحيَاء: «قَدِّمُوا أَموَالَكُم أَمَامَكُم بِالصَّدَقَةِ قَبلَ أَن تَصيرَ لِلوَرَثَةِ غُنمًا وَعَلَيكُم غُرمًا»! فَإِنَّ الإِنسَانَ فِي صِحَّتِهِ وَعَافِيَتِهِ يَبخَلُ بِالمَالِ وَيُمسِكُ يَدَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ خَوفَ الفَقر، حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِهِ المَوتُ وَرَأَى أَنَّ المَالَ كُلَّهُ خَارِجٌ مِن يَدِهِ رَغمًا عَنه، صَرَخَ تِلكَ الصَّرخَةَ الَّتِي سَجَّلَهَا القُرآنُ الكَرِيمُ فِي سُورَةِ المُنَافِقُون: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]! قَالَ أَهلُ التَّفسِير: لِمَاذَا خَصَّ المُحتَضَرُ «الصَّدَقَةَ» بِالذِّكرِ فَقَالَ «فَأَصَّدَّقَ»؟ لِأَنَّهُ عَايَنَ عِندَ المَوتِ عَظِيمَ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ وَكَيفَ تُطفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَقِي مَيتَةَ السُّوءِ وَتُظِلُّ صَاحِبَهَا فِي قَبرِه وَيَومَ حَشرِه! وَلِذَلِكَ سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَصحَابَهُ يَومًا -كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنه- فَقَال: «أَيُّكُم مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيهِ مِن مَالِهِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيه! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ»! فَالمَيِّتُ يُوصِيكَ مِن قَبرِه: «يَا مَن تَجمَعُ المَالَ لَيلَ نَهَار: وَاللهِ مَا دَخَلَ مَعِي فِي قَبرِي مِن مَالِي إِلَّا كَفَنٌ أَبيَضُ بِلَا جُيُوب، وَمَا تَصَدَّقتُ بِهِ فِي حَيَاتِي لِوَجهِ الله؛ وَأَمَّا المَلَايِينُ وَالعَقَارَاتُ الَّتِي كَنَزتُهَا فَقَدِ اقتَسَمَهَا الوَرَثَةُ مِن بَعدِي، يَتَنَعَّمُونَ هُم بِهَا فِي الدُّنيَا وَأُحَاسَبُ أَنَا وَحدِي عَلَى حَلَالِهَا وَحَرَامِهَا فِي قَبرِي! فَتَصَدَّق بِيَدِكَ اليَومَ قَبلَ أَن تَرجُوَ مَن يَتَصَدَّقُ عَنكَ غَدًا فَلَا تَجِد!». الوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ مِن وَصَايَا المَيِّتِ: «فُكُّوا رِقَابَكُم مِنَ الدُّيُونِ وَالمَظَالِمِ قَبلَ أَن تُحبَسُوا بِهَا فِي القُبُورِ»! كَم مِن مَيِّتٍ فِي قَبرِهِ اليَومَ مَرهُونٌ مَحبُوسٌ عَن مَقَامِهِ الكَرِيمِ فِي الجَنَّةِ بِسَبَبِ دَينٍ تَهَاوَنَ فِي سَدَادِهِ أَو لَم يُوَثِّقْهُ فَجَحَدَهُ وَرَثَتُه، أَو بِسَبَبِ مِيرَاثِ أُختٍ أَكَلَه، أَو أَرضِ جَارٍ اغتَصَبَهَا، أَو عِرضِ مُسلِمٍ مَزَّقَهُ بِالغِيبَةِ وَالبُهتَان! أَخرَجَ التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «نَفسُ المُؤمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَينِهِ حَتَّى يُقضَى عَنهُ»! وَأَخرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَطلَقَ هَذَا النِّدَاءَ العَاجِلَ لِكُلِّ حَيٍّ فَقَال: «مَن كَانَت لَهُ مَظلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِن عِرضِهِ أَو شَيءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنهُ اليَومَ، قَبلَ أَن لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرهَمٌ؛ إِن كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنهُ بِقَدرِ مَظلَمَتِهِ، وَإِن لَم تَكُن لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيهِ»! فَالمَيِّتُ يَصرُخُ فِينَا مِن تَحتِ الثَّرَى: «تَخَلَّصُوا مِن حُقُوقِ العِبَادِ اليَومَ مَا دَامَ الدِّرهَمُ وَالدِّينَارُ فِي أَيدِيكُم؛ فَإِنَّ العُملَةَ الوَحِيدَةَ هُنَا فِي القُبُورِ وَالآخِرَةِ هِيَ الحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَات!». الوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ مِن وَصَايَا المَيِّتِ: «احذَرُوا خِدَاعَ الصِّحَّةِ وَطُولِ الأَمَلِ، وَأَعدُّوا لِوَحشَةِ أَوَّلِ لَيلَةٍ فِي القَبرِ عُدَّتَهَا»! يَقُولُ لَكَ المَيِّتُ بِلِسَانِ حَالِه: «يَا أَيُّهَا المَغرُورُ بِشَبَابِهِ وَقُوَّتِه، وَاللهِ لَقَد كُنتُ مِثلَكَ أَمشِي عَلَى الأَرضِ صَحِيحًا مُعَافًى، أُخَطِّطُ لِعَشَرَاتِ السِّنِينَ القَادِمَة، وَأُؤَجِّلُ التَّوبَةَ مِن عَامٍ إِلَى عَام، حَتَّى جَاءَتِ السَّاعَةُ البَغتَةُ فَلَم يُمهِلنِي مَلَكُ المَوتِ طَرفَةَ عَين!» كَانَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يُخَاطِبُ نَفسَهُ فَيَقُول: «وَيحَكَ يَا يَزِيد! مَن ذَا يُصَلِّي عَنكَ بَعدَ المَوت؟! مَن ذَا يَصُومُ عَنكَ بَعدَ المَوت؟! مَن ذَا يَتَرَضَّى لَكَ رَبَّكَ بَعدَ المَوت؟! ثُمَّ يَقول: أَيُّهَا النَّاس، أَلَا تَبكُونَ وَتَنُوحُونَ عَلَى أَنفُسِكُم بَاقِيَ حَيَاتِكُم؟ مَنِ المَوتُ طَالِبُه، وَالقَبرُ بَيتُه، وَالتُّرَابُ فِرَاشُه، وَالدُّودُ أَنِيسُه، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَنتَظِرُ الفَزَعَ الأَكبَر، كَيفَ يَكُونُ حَالُه؟!». وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِلِ وَهُوَ يُتَرجِمُ وَصِيَّةَ أَهلِ القُبُورِ لِلأَحيَاء: سَلِ القُبُورَ بِمَن فِيهَا تُخَبِّرْكَا ... عَمَّا لَقُوا بَعدَ أَن خَلَّوا مَغَانِيكَا قَالُوا نَدمْنَا عَلَى مَا فَاتَ مِن عُمُرٍ ... فَاستَدرِكِ اليَومَ مَا قَد كَانَ يُغْنِيكَا بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيه، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وَلِيِّ المتَّقِين، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِلَهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِين، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: إِذَا كُنَّا قَدِ استَمَعنَا فِي الخُطبَةِ الأُولَى إِلَى وَصِيَّةِ المَيِّتِ الوَعظِيَّةِ لَنَا مِن قَبرِه؛ فَإِنَّ ثَمَّةَ وَاجِبًا شَرعِيًّا عَمَلِيًّا يَتَعَلَّقُ بِعُنوَانِ خُطبَتِنَا، يَغفُلُ عَنهُ كَثِيرٌ مِنَ المُسلِمِينَ حَتَّى يَفجَأَهُمُ المَوت؛ وَهُوَ «كِتَابَةُ الوَصِيَّةِ الشَّرعِيَّةِ قَبلَ المَمَاتِ»! أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَا حَقُّ امرِئٍ مُسلِمٍ لَهُ شَيءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيلَتَينِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكتُوبَةٌ عِندَهُ»! قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «مَا مَرَّت عَلَيَّ لَيلَةٌ مُنذُ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِندِي وَصِيَّتِي»! فَيَا أَيُّهَا الأَب، وَيَا أَيُّهَا التَّاجِر، وَيَا كُلَّ مُسلِمٍ عَلَيهِ دُيُونٌ لِلنَّاسِ أَو لَهُ دُيُونٌ وَأَمَانَاتٌ عِندَ الآخَرِين: إِيَّاكَ أَن تَبِيتَ وَأَنتَ لَم تَكتُب وَصِيَّتَكَ وَتُوَثِّقْ مَا لَكَ وَمَا عَلَيك! كَم مِن رَجُلٍ مَاتَ فَجأَةً بِسَكتَةٍ قَلبِيَّةٍ أَو حَادِثٍ مَرُورِيّ، وَعَلَيهِ دُيُونٌ وَأَمَانَاتٌ لَا يَعلَمُ بِهَا أَولَادُه، فَضَاعَت حُقُوقُ النَّاسِ وَبَقِيَت ذِمَّتُهُ مُرتَهَنَةً فِي قَبرِه! وَلْيَحذَرِ المُوصِي أَشدَّ الحَذَرِ مِنَ الجَنَفِ وَالظُّلمِ وَالإِضرَارِ فِي الوَصِيَّة؛ كَأَن يُوصِيَ لِوَارِثٍ لِيُفَضِّلَهُ عَلَى إِخوَتِه، أَو يَحرِمَ البَنَاتِ مِن حَقِّهِنَّ الشَّرعِيّ، أَو يَتَجَاوَزَ الثُّلُثَ فِي التَّبَرُّعَات؛ فَقَد حَذَّرَ اللهُ مِنَ الإِضرَارِ فِي الوَصِيَّةِ بِقَولِه: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حُجَّةِ الوَدَاعِ كَمَا فِي السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيح: «إِنَّ اللهَ قَد أَعطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». وَاجعَلُوا فِي مُقَدِّمَةِ وَصَايَاكُمُ المَكتُوبَةِ لِأَولَادِكُم وَأَهلِيكُم وَصِيَّةً إِيمَانِيَّةً تَأمُرُونَهُم فِيهَا بِتَقوَى الله، وَتَوحِيدِه، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاة، وَصِلَةِ الرَّحِم، وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي الجِنَازَةِ وَتَركِ النِّيَاحَةِ وَالبِدَع، كَمَا وَصَّى إِبرَاهِيمُ وَيَعقُوبُ بَنِيهِمَا حِينَ قَالَا: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. وَاذكُرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- آخِرَ وَصِيَّةٍ يَرجُوهَا مِنكُم آبَاؤُكُم وَأُمَّهَاتُكُم وَإِخوَانُكُمُ الَّذِينَ سَبَقُوكُم إِلَى القُبُور: لَا تَنسَوهُم مِن صَالِحِ دُعَائِكُم وَصَدَقَاتِكُم! فَإِنَّهُم قَدِ انقَطَعَت أَعمَالُهُم، وَهُم يَنتَظِرُونَ دَعوَةً صَادِقَةً مِن وَلَدٍ صَالِحٍ أَو أَخٍ وَفِيٍّ تَنزِلُ عَلَى قُبُورِهِم نُورًا وَرَحمَةً وَبَرَدًا وَسَلَامًا! ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى الهَادِي البَشِيرِ وَالسِّرَاجِ المُنِير، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُمُ العَلِيُّ الكَبِيرُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّين؛ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ أَيقِظ قُلُوبَنَا مِن غَفلَتِهَا، وَأَعِنَّا عَلَى الاستِعدَادِ لِلمَوتِ قَبلَ نُزُولِه، وَاجعَل خَيرَ أَعمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيرَ أَعمَالِنَا خَوَاتِمهَا، وَخَيرَ أَيَّامِنَا يَومَ نَلقَاكَ فِيه! اللَّهُمَّ هَوِّن عَلَينَا سَكَرَاتِ المَوت، وَثَبِّتنَا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَة، وَاجعَل قُبُورَنَا وَقُبُورَ وَالِدِينَا وَأَمْوَاتِنَا وَجَمِيعِ مَوتَى المُسلِمِينَ رِيَاضًا مِن رِيَاضِ الجَنَّة! اللَّهُمَّ ارحَم مَوتَانَا الَّذِينَ شَهِدُوا لَكَ بِالوَحدَانِيَّة، وَلِنَبِيِّكَ بِالرِّسَالَة، وَمَاتُوا عَلَى ذَلِك؛ اللَّهُمَّ آنِس وَحشَتَهُم، وَارحَم غُربَتَهُم، وَأَكرِم نُزُلَهُم، وَاقضِ دُيُونَنَا وَدُيُونَهُم، وَتَجَاوَز عَنَّا وَعَنهُم يَا غَفُورُ يَا رَحِيم! عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.