أَثَرُ المُسَلسَلَاتِ وَبَرَامِجِ الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ الخَادِشَةِ لِلحَيَاءِ عَلَى الشَّبَابِ وَالفَتَيَاتِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَخَاطِرِ تَسلِيعِ المَرأَةِ وَالفُحشِ الإِعلَامِيِّ وَالرَّقَمِيِّ عَلَى العَقِيدَةِ وَالأَخلَاقِ وَالسُّلُوكِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي طَهَّرَ قُلُوبَ أَولِيَائِهِ بِنُورِ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ، وَجَمَّلَ أَخلَاقَ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ بِلِبَاسِ التَّقوَى وَالحَيَاءِ وَالعَفَافِ المَتِينِ، وَحَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، وَالإِثمَ وَالبَغيَ بِغَيرِ الحَقِّ، وَتَوَعَّدَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا بِالعَذَابِ الأَلِيمِ فِي الدُّنيَا وَيَومَ الدِّينِ. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدَ مَن حَفِظَ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ وَفُؤَادَهُ عَمَّا حَرَّمَ مَولَاهُ، وَصَانَ نَفسَهُ وَأَهلَهُ عَن مَزَالِقِ الشَّيطَانِ وَمَصَايِدِ هَوَاهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الرَّقِيبُ العَلِيمُ، السَّمِيعُ البَصِيرُ، الَّذِي يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ، وَيُحَاسِبُ العَبدَ عَلَى كُلِّ نَظرَةٍ وَكَلِمَةٍ وَإِشَارَةٍ يَومَ النُّشُورِ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، بَعَثَهُ رَبُّهُ لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخلَاقِ، وَأَعلَنَ أَنَّ خُلُقَ الإِسلَامِ هُوَ الحَيَاءُ، وَأَنَّ الحَيَاءَ وَالإِيمَانَ قُرِنَا جَمِيعًا فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ، وَحَذَّرَ أُمَّتَهُ مِن فِتنَةِ النِّسَاءِ وَمِن قَولِ الزُّورِ وَالفُحشِ وَالبَذَاءَةِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠–٧١].
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا المُسلِمُونَ الكِرَامُ، وَيَا شَبَابَ الإِسلَامِ وَفَتَيَاتِهِ، وَيَا آبَاءَ الأُمَّةِ وَأُمَّهَاتِهَا:
إِنَّ المَعَارِكَ الَّتِي تُخَاضُ اليَومَ لِكسرِ هُوِيَّةِ الأُمَّةِ الإِسلَامِيَّةِ وَتَدمِيرِ جِيلِهَا الصَّاعِدِ لَم تَعُدْ مَحصُورَةً فِي المَيَادِينِ العَسكَرِيَّةِ فَحَسبُ؛ بَل إِنَّ أَخطَرَ مَيدَانٍ تُستَنزَفُ فِيهِ اليَومَ عَقِيدَةُ الشَّابِّ المُسلِمِ وَالفَتَاةِ المُسلِمَةِ، وَتُغتَالُ فِيهِ فِطرَتُهُمَا وَأَخلَاقُهُمَا وَسُلُوكُهُمَا، هُوَ مَيدَانُ «الشَّاشَاتِ وَالمَنَصَّاتِ الرَّقَمِيَّةِ»!
لَقَد ظَلَّتِ الأُمَّةُ عُقُودًا طَوِيلَةً تُعَانِي مِن غَزوِ «المُسَلسَلَاتِ الدَّرَامِيَّةِ الهَابِطَةِ» الَّتِي تَقُومُ صِنَاعَتُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَركَانٍ فاسِدَةٍ: استِغلَالِ جَسَدِ المَرأَةِ وَتَسلِيعِهَا، وَتَروِيجِ الكَلَامِ الفَاحِشِ البَذِيءِ وَالإِيحَاءَاتِ السَّاقِطَةِ، وَعَرضِ المَنَاظِرِ الخَادِشَةِ لِلحَيَاءِ الَّتِي تُطَبِّعُ الفَوَاحِشَ وَالخِيَانَةَ وَالعَلَاقَاتِ المُحَرَّمَةَ فِي أَذهَانِ النَّاشِئَةِ!
وَلَكِنَّ الخَطَرَ تَضَاعَفَ فِي هَذِهِ السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ تَضَاعُفًا مُرعِبًا حِينَ دَخَلَت عَلَى الخَطِّ مَوجَةٌ جَدِيدَةٌ أَشدُّ فَتْكًا وَأَعمَقُ تَأثِيرًا؛ وَهِيَ «مُحتَوَى مُسَلسَلَاتِ وَبَرَامِجِ وَتَطبِيقَاتِ الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ التَّولِيدِيِّ» الَّتِي تُصَمَّمُ خِصِّيصًا لِصِنَاعَةِ شَخصِيَّاتٍ نِسَائِيَّةٍ افتِرَاضِيَّةٍ فَائِقَةِ الإِغرَاءِ، أَو تَولِيدِ مَقَاطِعَ مَرئِيَّةٍ وَمُحَادَثَاتٍ صَوتِيَّةٍ وَنَصِّيَّةٍ تَقطُرُ فُحشًا وَإِثَارَةً لِلغَرَائِزِ، أَو تَزيِيفِ الصُّوَرِ وَالأَجسَادِ بِتِقنِيَاتِ «التَّزيِيفِ العَمِيقِ»، وَتَقدِيمِهَا لِلشَّابِّ وَالفَتَاةِ فِي خَلوَتِهِمَا بِخَوَارِزمِيَّاتٍ ذَكِيَّةٍ تَدرُسُ نِقَاطَ الضَّعفِ النَّفسِيِّ وَالغَرِيزِيِّ لِتَأْسِرَ القَلبَ وَالعَقلَ وَتَسلُبَ الإِرَادَةَ!
تَعَالَوا بِنَا -يَا عِبَادَ اللهِ- نَزِنُ هَذِهِ الظَّاهِرَةَ الخَطِيرَةَ بِمِيزَانِ الوَحيِ الإِلَهِيِّ المَعصُومِ أَوَّلًا، ثُمَّ نَفحَصُ آثَارَهَا المُدَمِّرَةَ عَلَى العَقِيدَةِ وَالأَخلَاقِ وَالسُّلُوكِ ثَانِيًا، ثُمَّ نَستَعرِضُ مَا وَثَّقَتهُ الدِّرَاسَاتُ وَالإِحصَائِيَّاتُ العِلمِيَّةُ المُحَكَّمَةُ مَعَ بَيَانِ حُدُودِ الدَّلِيلِ العِلمِيِّ بِأَمَانَةٍ وَمَوضُوعِيَّةٍ ثَالِثًا، ثُمَّ نَضَعُ خُطَّةَ الوِقَايَةِ وَالعِلَاجِ الشَّرعِيِّ وَالتَّربَوِيِّ رَابِعًا!
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ:
لَقَد كَشَفَ القُرآنُ الكَرِيمُ حَقِيقَةَ هَذِهِ المَنظُومَةِ الَّتِي تَسعَى لِنَشرِ الفَوَاحِشِ وَالمَنَاظِرِ الخَادِشَةِ وَالكَلَامِ البَذِيءِ فِي مُجتَمَعِ المُؤمِنِينَ، وَأَصدَرَ فِيهَا حُكمًا إِلَهِيًّا قَاطِعًا فِي سُورَةِ النُّورِ؛ حَيثُ يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
تَأَمَّلُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ-: إِذَا كَانَ هَذَا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ لِمَن «أَحَبَّ» بِقَلبِهِ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي المُؤمِنِينَ، فَكَيَ بِمَن يَصنَعُ الفَاحِشَةَ بِأَدوَاتِ التَّصوِيرِ أَو بَرَامِجِ الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ، وَيُنتِجُهَا فِي مُسَلسَلَاتٍ وَمَقَاطِعَ، وَيُوَزِّعُهَا عَلَى المَلَايِينَ مِن شَبَابِ المُسلِمِينَ وَفَتَيَاتِهِم، أَو يُعِيدُ نَشرَهَا وَالتَّروِيجَ لَهَا؟!
وَفِي الآيَةِ الَّتِي بَعدَهَا مُبَاشَرَةً يُحَذِّرُنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِن خُطُوَاتِ إِبلِيسَ التَّدرِيجِيَّةِ الَّتِي تَبدَأُ بِنَظرَةٍ أَو كَلِمَةٍ أَو مَقطَعٍ عَابِرٍ ثُمَّ تَنتَهِي بِالفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ، فَيَقُولُ سُبحَانَهُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١]،
وَيَفضَحُ سُبحَانَهُ المَقَاصِدَ الخَبِيثَةَ لِأَهلِ الشَّهَوَاتِ الَّذِينَ يَصنَعُونَ هَذَا المُحتَوَى المُفسِدَ فَيَقُولُ:
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ الكِرَامُ:
إِنَّ إِدمَانَ الشَّابِّ المُسلِمِ وَالفَتَاةِ المُسلِمَةِ عَلَى مُشَاهَدَةِ هَذِهِ المُسَلسَلَاتِ وَالتَّفَاعُلِ مَعَ بَرَامِجِ الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ القَائِمَةِ عَلَى المَرأَةِ المُتَبَرِّجَةِ أَوِ المُصَنَّعَةِ رَقَمِيًّا وَالكَلَامِ الفَاحِشِ وَالمَشَاهِدِ الخَادِشَةِ، يُحدِثُ زَلَازِلَ مُدَمِّرَةً فِي ثَلَاثِ دَوَائِرَ أَسَاسِيَّةٍ: فِي «العَقِيدَةِ»، وَفِي «الأَخلَاقِ»، وَفِي «السُّلُوكِ»:
أَوَّلًا: الأَثَرُ السَّلبِيُّ الخَطِيرُ عَلَى «العَقِيدَةِ وَالإِيمَانِ»:
قَد يَسأَلُ سَائِلٌ: مَا عَلَاقَةُ مُشَاهَدَةِ مَقطَعٍ خَادِشٍ أَو مُسَلسَلٍ هَابِطٍ أَو بَرنَامَجِ ذَكَاءٍ اصطِنَاعِيٍّ فَاحِشٍ بِـ«العَقِيدَةِ»؟
وَالجَوَابُ الَّذِي قَرَّرَهُ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالعَقِيدَةِ: أَنَّ الإِيمَانَ قَولٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنقُصُ بِالمَعصِيَةِ، وَأَنَّ أَعظَمَ مَا يَهدِمُ أَصلَ التَّعظِيمِ وَالمُرَاقَبَةِ العَقَدِيَّةِ فِي القَلبِ هُوَ «ذُنُوبُ الخَلَوَاتِ وَاستِمرَاءُ الفَوَاحِشِ»!
١. فَالشَّابُّ أَوِ الفَتَاةُ الَّذِي يُغلِقُ عَلَيهِ بَابَهُ، وَيَستَخفِي مِن أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَالنَّاسِ، ثُمَّ يَفتَحُ شَاشَتَهُ عَلَى مَحَارِمِ اللهِ مِنَ الصُّوَرِ العَارِيَةِ أَوِ المُحَادَثَاتِ الفَاحِشَةِ، يَقَعُ فِي قَلبِهِ ضَعفٌ شَدِيدٌ فِي مَقَامِ «تَعظِيمِ اللهِ وَالإِيمَانِ بِاسمَيهِ الرَّقِيبِ وَالبَصِيرِ»؛ كَيَ يَجعَلُ اللهَ أَهوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيهِ؟ قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]،
وَرَوَى الإِمَامُ ابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ مِن أَقوَامٍ تَصِيرُ حَسَنَاتُهُم يَومَ القِيَامَةِ هَبَاءً مَنثُورًا، وَوَصَفَهُم بِقَولِهِ: «وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا»!
٢. وَمِن أَخطَرِ الآثَارِ العَقَدِيَّةِ: «مَوتُ الغَيرَةِ الإِيمَانِيَّةِ وَتَطبِيعُ المُنكَرِ وَاستِحلَالُهُ العَمَلِيُّ بَعدَ طُولِ الأُلفَةِ»! فَإِنَّ القَلبَ إِذَا أَدمَنَ رُؤيَةَ العُرْيِ وَسَمَاعَ الكَلَامِ الفَاحِشِ يَومًا بَعدَ يَومٍ، انطَفَأَ مِنهُ نُورُ الإِنكَارِ القَلبِيِّ الَّذِي هُوَ آخِرُ دَرَجَاتِ الإِيمَانِ! كَمَا رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُعرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ كَالحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلبٍ أُشرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكتَةٌ سَودَاءُ، وَأَيُّ قَلبٍ أَنكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكتَةٌ بَيضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلبَينِ: عَلَى أَبيَضَ مِثلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ، وَالآخَرُ أَسوَدُ مُربَادًّا كَالكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعرِفُ مَعرُوفًا وَلَا يُنكِرُ مُنكَرًا إِلَّا مَا أُشرِبَ مِن هَوَاهُ»!
٣. بَل إِنَّ كَثِيرًا مِن هَذِهِ المُسَلسَلَاتِ وَبَرَامِجِ الدَّردَشَةِ بِالذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ المَبْنِيَّةِ عَلَى فَلْسَفَاتٍ مَادِّيَّةٍ غَربِيَّةٍ لَا تَقتَصِرُ عَلَى الإِغرَاءِ الجَسَدِيِّ فَقَط، بَل تَدُسُّ فِي حِوَارَاتِهَا شُبُهَاتٍ إِلحَادِيَّةً، وَاعتِرَاضًا عَلَى القَدَرِ، وَتَمَرُّدًا عَلَى أَحكَامِ الشَّرِيعَةِ فِي الحِجَابِ وَالقِوَامَةِ وَالعِفَّةِ، وَتُصَوِّرُ التَّدَيُّنَ عَلَى أَنَّهُ تَخَلُّفٌ وَتَعقِيدٌ! وَمَعلُومٌ عِندَ عُلَمَاءِ القُلُوبِ أَنَّ الشَّهوَةَ مَطِيَّةُ الشُّبهَةِ؛ فَالقَلبُ الغَارِقُ فِي الشَّهَوَاتِ يَضعُفُ أَمَامَ الشُّبُهَاتِ لِيُبَرِّرَ لِنَفسِهِ البَقَاءَ فِي الوَحلِ!
ثَانِيًا: الأَثَرُ السَّلبِيُّ عَلَى «الأَخلَاقِ وَالقِيَمِ وَالفِطرَةِ»:
١. اغتِيَالُ خُلُقِ «الحَيَاءِ» الَّذِي هُوَ سِيَاجُ العِفَّةِ وَرُوحُ الإِيمَانِ:
كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الإِيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ -أَو بِضعٌ وَسِتُّونَ- شُعبَةً، فَأَفضَلُهَا قَولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ». وَرَوَى الحَاكِمُ وَالبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الحَيَاءُ وَالإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ»!
فَحِينَ يَعتَادُ الشَّابُّ أَوِ الفَتَاةُ عَلَى رُؤيَةِ المَنَاظِرِ الفَاضِحَةِ وَسَمَاعِ العِبَارَاتِ الخَادِشَةِ فِي المُسَلسَلَاتِ وَمَقَاطِعِ الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ، يَتمَزَّقُ بُرقُعُ الحَيَاءِ مِنَ الوَجهِ وَالقَلبِ، فَيَجتَرِئُ اللِّسَانُ عَلَى الفُحشِ، وَتَجتَرِئُ العَينُ عَلَى الخِيَانَةِ! وَقَد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا عِندَ التِّرمِذِيِّ وَأَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَيسَ المُؤمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الفَاحِشِ، وَلَا البَذِيءِ»، وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى لِلتِّرمِذِيِّ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَإِنَّ اللهَ لَيُبغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ»!
٢. إِفسَادُ الفِطرَةِ وَتَحقِيرُ المَرأَةِ وَتَحوِيلُهَا إِلَى سِلعَةٍ جَسَدِيَّةٍ رَخِيصَةٍ:
لَقَد كَرَّمَ الإِسلَامُ المَرأَةَ أُمًّا وَزَوجَةً وَبِنتًا وَأُختًا، وَصَانَ جَوْهَرَهَا وَكَرَامَتَهَا عَنِ الابتِذَالِ؛ بَينَمَا تَقُومُ هَذِهِ المُسَلسَلَاتُ وَتَطبِيقَاتُ الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ المُنحَلَّةُ عَلَى اختِزَالِ المَرأَةِ فِي جَسَدٍ مَعرُوضٍ لِلإِثَارَةِ، وَصَوتٍ مَصنُوعٍ لِلخُضُوعِ بِالقَولِ وَالإِغوَاءِ! فَتَنشَأُ الفَتَاةُ المُسلِمَةُ المُتَأَثِّرَةُ بِهَذَا المُحتَوَى وَهِيَ تَشعُرُ بِالنَّقصِ أَمَامَ المَعَايِيرِ الجَسَدِيَّةِ المُزَيَّفَةِ المَصنُوعَةِ بِالفَلَاتِرِ وَالذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ، فَتَزهَدُ فِي حِجَابِهَا وَسترِهَا، وَيَنشَأُ الشَّابُّ وَهُوَ يَنظُرُ إِلَى المَرأَةِ نَظرَةً شَهوَانِيَّةً مَادِّيَّةً مَشَوَّهَةً تَجعَلُهُ يَعزِفُ عَنِ الزَّوَاجِ العَفِيفِ أَو يَسخَطُ عَلَى زَوجَتِهِ الحَلَالِ لِأَنَّهُ يُقَارِنُهَا بِصُوَرٍ خَيَالِيَّةٍ مُصَنَّعَةٍ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الوَاقِعِ!
ثَالِثًا: الأَثَرُ السَّلبِيُّ عَلَى «السُّلُوكِ العَمَلِيِّ وَالصِّحَّةِ النَّفسِيَّةِ وَالأَمنِ الاجتِمَاعِيِّ»:
إِنَّ مَا يَدخُلُ عَبرَ العَينِ وَالأُذُنِ لَا يَبقَى حَبِيسَ الخَيَالِ، بَل يَتَحَوَّلُ إِلَى سُلُوكٍ جَارِفٍ؛ كَمَا صَدَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ فَالعَينَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاستِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الكَلَامُ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطشُ، وَالرِّجلُ زِنَاهَا الخُطَا، وَالقَلبُ يَهوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرجُ وَيُكَذِّبُهُ»!
فَمِنَ الآثَارِ السُّلُوكِيَّةِ الوَاقِعِيَّةِ لِهَذَا المُحتَوَى: التَّكَاسُلُ عَنِ الصَّلَاةِ وَطَلَبِ العِلمِ، وَالعُزلَةُ الاجتِمَاعِيَّةُ وَالإِدمَانُ الرَّقَمِيُّ عَلَى مُحَادَثَةِ الرُّوبُوتَاتِ وَالشَّخصِيَّاتِ الِافتِرَاضِيَّةِ الإِغوَائِيَّةِ، وَفِقدَانُ التَّركِيزِ الدِّرَاسِيِّ وَالمِهنِيِّ، بَل وَالتَّوَرُّطُ فِي جَرَائِمِ التحَرُّشِ وَالابتِزَازِ الإِلكترُونِيِّ وَتَزيِيفِ صُوَرِ الفَتَيَاتِ الأَبرِيَاءِ!
أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ:
لَقَد جَاءَتِ الدِّرَاسَاتُ العِلمِيَّةُ المُحَكَّمَةُ وَالإِحصَائِيَّاتُ الدَّولِيَّةُ المُوَثَّقَةُ لِتَشهَدَ بِالأَرقَامِ وَالشَّوَاهِدِ المَيدَانِيَّةِ عَلَى خُطُورَةِ هَذَا الطُّوفَانِ، وَنَذكُرُ هُنَا أَبرَزَ هَذِهِ الدِّرَاسَاتِ مَعَ تَحرِّي مَصَادِرِهَا الأَصلِيَّةِ وَبَيَانِ حُدُودِ دَلَالَتِهَا العِلمِيَّةِ بِأَمَانَةٍ وَتَدقِيقٍ:
أَوَّلًا: فِي بَابِ الدِّرَاسَاتِ المُوَثَّقَةِ حَولَ أَثَرِ المُسَلسَلَاتِ وَالإِعلَامِ القَائِمِ عَلَى التَّشيِيءِ الجِنسِيِّ لِلمَرأَةِ وَالمَنَاظِرِ الخَادِشَةِ:
١. مراجعة الباحثة مونيك وارد المنشورة سنة ٢٠١٦ في مجلة أبحاث الجنس، وقد شملت ١٠٩ منشورات تضم ١٣٥ دراسة نُشرت بين ١٩٩٥ و٢٠١٥. ووجدت ارتباطًا بين التعرض للمحتوى الإعلامي الذي يختزل المرأة في جسدها وبين عدم الرضا عن الجسد، والنظر إلى الذات بوصفها موضوعًا للتقييم، وتقبّل معتقدات تمييزية والتسامح مع العنف الجنسي. وقد شملت المراجعة دراسات وتجارب متفاوتة المنهج، ولا يصح تعميم نتائجها على كل شخص أو نسبتها مباشرة إلى الذكاء الاصطناعي. المصدر: https://doi.org/10.1080/00224499.2016.1142496
٢. تقرير فريق عمل الجمعية الأمريكية لعلم النفس بشأن تسليع الفتيات يستعرض أدلة على ارتباط تسليع صورة الفتاة بالنظر إلى الذات كجسد يُقيَّم، وبصعوبات في التركيز وآثار نفسية مثل الخجل والقلق وانخفاض تقدير الذات. وأشار التقرير إلى أن كثيرًا من الدراسات أُجري على نساء في أواخر المراهقة، وأن الحاجة إلى مزيد من البحث قائمة. المصدر: https://www.apa.org/pi/women/programs/girls/report
٣. مراجعة الباحثين يوخن بيتر وباتي فالكينبورغ سنة ٢٠١٦ للأبحاث المنشورة على مدى عشرين سنة وجدت ارتباطات بين استخدام المواد الإباحية لدى المراهقين وبعض المواقف والسلوكيات، مع تأكيد الباحثين أن أوجه القصور المنهجية في الأدلة المتاحة تمنع استخلاص نتائج سببية قاطعة. وهذه مراجعة للمحتوى عمومًا وليست دراسة مباشرة لأثر الذكاء الاصطناعي التوليدي. المصدر: https://doi.org/10.1080/00224499.2016.1143441
ثَانِيًا: وَأَمَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالإِحصَائِيَّاتِ وَالدِّرَاسَاتِ الحَدِيثَةِ الخَاصَّةِ بِمُحتَوَى وَبَرَامِجِ «الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ التَّولِيدِيِّ» الخَادِشِ لِلحَيَاءِ:
١. أفاد المركز الوطني الأمريكي للأطفال المفقودين والمستغَلّين بأن خط البلاغات تلقى نحو ٤٧٠٠ بلاغ مرتبط بالذكاء الاصطناعي التوليدي سنة ٢٠٢٣، ونحو ٦٧ ألفًا سنة ٢٠٢٤. وهذه بلاغات لها صلة بالتقنية في سياق استغلال الأطفال؛ ولا يعني كل بلاغ منها بالضرورة إنشاء صورة مولَّدة أو نشرها، ولا يثبت العدد وحده سبب الزيادة. المصدر: https://www.missingkids.org/theissues/generative-ai
٢. في دراسة لمؤسسة ثورن شملت ١٢٠٠ مشارك في الولايات المتحدة تتراوح أعمارهم بين ١٣ و٢٠ سنة، قال ٣١٪ ممن تتراوح أعمارهم بين ١٣ و١٧ سنة إنهم سمعوا بمصطلح الصور العارية المزيَّفة. وأفاد نحو واحد من كل ثمانية من عموم المشاركين بمعرفة شخص استُهدف بمثل هذه الصور وهو دون الثامنة عشرة، وقال ٦٪ من المشاركين إنهم استُهدفوا شخصيًا. ورأى ٨٤٪ من المشاركين أن هذه الصور تضر بالشخص الذي تصوّره. وهذه نسب من عينة الدراسة، لا من جميع شباب العالم. المصدر: https://www.thorn.org/research/library/deepfake-nudes-and-young-people/
٣. أورد تقرير أعدته جامعة هارفارد بالشراكة مع كومون سينس ميديا وهوب لاب أن ٥١٪ من الشباب المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين ١٤ و٢٢ عامًا استخدموا الذكاء الاصطناعي التوليدي في وقت ما، وأن ٣١٪ من مستخدميه في العينة استخدموه لصنع صور. وذكر التقرير مخاوف بعض المشاركين من التنمر والمعلومات المضللة. ولا تشير هذه النسب وحدها إلى استخدامات خادشة أو إلى أضرار سببية. المصدر: https://www.gse.harvard.edu/ideas/usable-knowledge/24/09/students-are-using-ai-already-heres-what-they-think-adults-should-know
ثَالِثًا: بَيَانُ حُدُودِ الدَّلِيلِ العِلمِيِّ التَّجرِيبِيِّ بِأَمَانَةٍ وَدِقَّةٍ:
وَمِن تَمَامِ الأَمَانَةِ العِلمِيَّةِ عَلَى مِنبَرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن نُبَيِّنَ أَنَّ الدِّرَاسَاتِ الِاجتِمَاعِيَّةَ وَالنَّفسِيَّةَ فِي حَقلِ الإِعلَامِ تَرصُدُ فِي غَالِبِهَا «عَلَاقَاتِ ارتِبَاطٍ وَتَلَازُمٍ إِحصَائِيٍّ قَوِيٍّ» بَينَ التَّعَرُّضِ لِلمُحتَوَى الخَادِشِ وَبَينَ تَآكُلِ القِيَمِ وَانحِرَافِ السُّلُوكِ، وَلَا تَقتَضِي بِمُفرَدِهَا عَلَاقَةً سَبَبِيَّةً حَتمِيَّةً مَعزُولَةً عَن سَائِرِ العَوَامِلِ كَالوَازِعِ الدِّينِيِّ وَالتَّربِيَةِ الأُسرِيَّةِ وَالصُّحبَةِ، كَمَا أَنَّ الأَبحَاثَ الطُّولِيَّةَ الَّتِي تَقِيسُ الأَثَرَ المُبَاشِرَ لِبَرَامِجِ الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ التَّولِيدِيِّ وَحدَهَا عَلَى المَدَى البَعِيدِ لَا تَزَالُ فِي بِدَايَاتِهَا لِحَدَاثَةِ هَذِهِ التِّقنِيَةِ؛ غَيرَ أَنَّ مَا حَسَمَهُ الوَحيُ الإِلَهِيُّ المَعصُومُ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ مَا ثَبَتَ فِي عُقُودٍ مِنَ الأَبحَاثِ النَّفسِيَّةِ حَولَ أَثَرِ الصُّورَةِ المُحَرَّمَةِ وَالكَلِمَةِ الفَاحِشَةِ، يَقطَعُ بِأَنَّ اجتِمَاعَ الإِغرَاءِ الجَسَدِيِّ مَعَ قُدرَةِ الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ عَلَى المُحَاكَاةِ الفَائِقَةِ وَالتَّخصِيصِ الفَردِيِّ يُمَثِّلُ خَطَرًا مُضَاعَفًا يَفتِكُ بِالقُلُوبِ الضَّعِيفَةِ إِذَا غَابَ عَنهَا حِصنُ التَّقوَى!
أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، العَاصِمِ لِمَنِ اعتَصَمَ بِحَبلِهِ المَتِينِ، وَالهَادِي لِمَنِ استَهدَى بِنُورِ كِتَابِهِ المُبِينِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهَديِهِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَاعلَمُوا أَنَّ مُوَاجَهَةَ هَذَا الغَزوِ الرَّقَمِيِّ الخَادِشِ لِلحَيَاءِ تَتَطَلَّبُ مِن كُلِّ شَابٍّ مُسلِمٍ، وَكُلِّ فَتَاةٍ مُسلِمَةٍ، وَكُلِّ أَبٍ وَأُمٍّ، أَربَعَ خُطُوَاتٍ عَمَلِيَّةٍ حَاسِمَةٍ:
الخُطوَةُ الأُولَى: تَحصِينُ العَقِيدَةِ وَإِحيَاءُ فَرِيضَةِ «غَضِّ البَصَرِ وَحِفظِ السَّمعِ وَالفُؤَادِ»:
تَذَكَّرْ أَيُّهَا الشَّابُّ وَتَذَكَّرِي أَيَّتُهَا الفَتَاةُ قَولَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]،
وَقَولَهُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ النُّورِ:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠–٣١].
اعلَمُوا أَنَّ حُرمَةَ النَّظَرِ إِلَى العَورَاتِ وَالمَشَاهِدِ الفَاحِشَةِ، وَحُرمَةَ الاستِمَاعِ إِلَى الكَلَامِ البَذِيءِ وَالغَزَلِ المُحَرَّمِ، ثَابِتَةٌ سَوَاءٌ كَانَ المَشهَدُ لِأَشخَاصٍ حَقِيقِيِّينَ فِي المُسَلسَلَاتِ أَو كَانَ مَصنُوعًا وَمُوَلَّدًا بِبَرَامِجِ الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ؛ لِأَنَّ العِلَّةَ الشَّرعِيَّةَ هِيَ إِثَارَةُ الفِتنَةِ، وَإِفسَادُ القَلبِ، وَالدَّعوَةُ إِلَى الفَاحِشَةِ!
الخُطوَةُ الثَّانِيَةُ: القَطعُ الحَازِمُ لِلذَّرَائِعِ وَحَذفُ التَّطبِيقَاتِ وَالبَرَامِجِ المَشبُوهَةِ:
لَا يَجُوزُ لِلمُسلِمِ أَن يُعَرِّضَ قَلبَهُ لِلفِتنَةِ ثُمَّ يَشتَكِيَ مِن ضَعفِ إِيمَانِهِ! قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَن سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنأَ عَنهُ، فَوَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأتِيهِ وَهُوَ يَحسَبُ أَنَّهُ مُؤمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ»!
فَاحذِفْ فَوْرًا مِن هَاتِفِكَ وَجِهَازِكَ كُلَّ مَنَصَّةٍ دَرَامِيَّةٍ تَنشُرُ الفَوَاحِشَ، وَكُلَّ تَطبِيقِ دَردَشَةٍ أَو تَولِيدِ صُوَرٍ بِالذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ يَقُومُ عَلَى الإِغوَاءِ وَالكَلَامِ الفَاحِشِ، وَإِيَّاكَ أَن تَدخُلَهُ مِن بَابِ الفُضُولِ أَوِ التَّجرِبَةِ!
الخُطوَةُ الثَّالِثَةُ: وَصِيَّةٌ خَاصَّةٌ لِلفَتَاةِ المُسلِمَةِ بِصِيَانَةِ عِفَّتِهَا وَعَدَمِ نَشرِ صُوَرِهَا الشَّخصِيَّةِ فِي الفَضَاءِ الرَّقَمِيِّ:
يَا أَمَةَ اللهِ، يَا حَفِيدَةَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُنَّ: إِنَّ مِن مَخَاطِرِ التَّقنِيَةِ إِسَاءَةَ استِخدَامِ صُوَرِ الأَشخَاصِ وَصُنعَ صُوَرٍ مُزَيَّفَةٍ لَهُم دُونَ رِضَاهُم، وَقَد يُستَخدَمُ ذَلِكَ فِي الإِسَاءَةِ أَوِ الابتِزَازِ. فَاحرِصِي عَلَى خُصُوصِيَّتِكِ وَتَأَمَّلِي مَا تَنشُرِينَهُ أَو تُرسِلِينَهُ، وَإِن تَعَرَّضتِ لِاعْتِدَاءٍ فَالمُعتَدِي هُوَ المَسؤُولُ، وَاستَعِينِي بِمَن تَثِقِينَ بِهِ وَأَبلِغِي الجِهَاتِ المُختَصَّةَ.
الخُطوَةُ الرَّابِعَةُ: التَّوظِيفُ الرَّشِيدُ لِلتِّقنِيَةِ وَمَلءُ أَوقَاتِ الشَّبَابِ بِالعِلمِ وَالعَمَلِ وَتَيسِيرُ الزَّوَاجِ الحَلَالِ:
إِنَّ الإِسلَامَ لَا يُعَادِي التِّقنِيَةَ النَّافِعَةَ؛ فَبَرَامِجُ الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ أَدَاةٌ مَحَايِدَةٌ، إِنِ استُخدِمَت فِي البَحثِ العِلمِيِّ، وَتَعلُّمِ المَهَارَاتِ، وَخِدمَةِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، وَتَنمِيَةِ الأُمَّةِ كَانَت نِعمَةً وَقُوَّةً، وَإِنِ استُخدِمَت فِي تَولِيدِ الفَوَاحِشِ وَتَدمِيرِ الأَخلَاقِ كَانَت نِقمَةً وَوَبَالًا! وَعَلَى الآبَاءِ وَالمُجتَمَعِ أَن يُعِينُوا الشَّبَابَ وَالفَتَيَاتِ عَلَى العَفَافِ بِتَيسِيرِ مُؤَنِ الزَّوَاجِ وَإِغلَاقِ أَبوَابِ الحَرَامِ!
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى إِمَامِ المُتَّقِينَ وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فِي كِتَابِهِ المُبِينِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى، اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا، وَحَصِّنْ فُرُوجَنَا، وَاحفَظْ أَبصَارَنَا وَأَسمَاعَنَا وَأَلسِنَتَنَا عَمَّا حَرَّمتَ عَلَينَا.
اللَّهُمَّ احفَظْ شَبَابَ المُسلِمِينَ وَفَتَيَاتِهِم مِن فِتَنِ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَاصرِفْ عَنهُم السُّوءَ وَالفَحشَاءَ، وَرُدَّ كَيدَ المُفسِدِينَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى نُحُورِهِم، وَاجعَلْ بُيُوتَنَا وَمُجتَمَعَاتِنَا عَامِرَةً بِالإِيمَانِ وَالحَيَاءِ وَالطُّهرِ وَالعَفَافِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
أَثَرُ المُسَلسَلَاتِ وَبَرَامِجِ الذَّكَاءِ الِاصطِنَاعِيِّ الخَادِشَةِ لِلحَيَاءِ عَلَى الشَّبَابِ وَالفَتَيَاتِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.