🤲 بَردُ الصَّبرِ وذُخرُ الاحتِسابِ في مَواطِنِ الفَقد
#كلمة_عزاء #الصبر #الاحتساب #المواساة #الرضا_بالقدر #الموت #رقائق
الحمدُ للهِ الذي تَفرَّدَ بالبَقاءِ والدَّوام، وكَتَبَ الفَناءَ على جَميعِ الأنام، وجَعَلَ المَوتَ جِسرًا يَعبُرُ به المُؤمِنونَ من دارِ التَّكليفِ والابتلاءِ إلى دارِ السَّلام.
نَحمَدُهُ سُبحانَهُ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاء، ونَشكُرُهُ على العَطاءِ وعندَ القَضاء، ونَستَعينُهُ بَردَ يَقينٍ يَربِطُ به على القُلوبِ المَكلومةِ، وسَكينةً تَتنزَّلُ على الأرواحِ المَحزونة.
وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ له، اللَّطيفُ الخَبيرُ، الرَّحيمُ القَديرُ، لا يُسألُ عمَّا يَفعَلُ وهُم يُسألون، ولا يَقضي للمُؤمِنِ قَضاءً إلا كانَ خَيرًا له في عاجِلِ أمرِهِ وآجِلِه.
وأشهَدُ أنَّ سَيِّدَنا ونَبيَّنا مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أَصبَرُ مَنِ ابتُلِيَ فاحتَسَب، وأَرضى مَن فَقَدَ الأحِبَّةَ فَسَلَّمَ لربِّهِ واقترَب، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليه، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الذينَ عَرَفوا حَقيقةَ الدُّنيا فما استَوطَنوها، وأبصَروا دارَ القَرارِ فَعَمَّروها، وعلى مَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
أمَّا بعد:
فيا أيُّها الإخوةُ المُؤمِنون، ويا مَعاشِرَ المُصَلِّينَ الأبرار:
في مِثلِ هذهِ اللَّحَظاتِ التي يَسكُنُ فيها الضَّجيج، وتَخشَعُ فيها الأصوات، ويَثقُلُ في الصُّدورِ غِيابُ مَن كُنَّا نَأنسُ بقُربِهم ونَفرَحُ بلِقائِهم، تَحتاجُ القُلوبُ إلى كَلِماتٍ لا تَزيدُ الجُرحَ نَزفًا، بل تَمسَحُ عليهِ بيَدِ الرَّحمةِ والوَحي.
كم مرَّةٍ شَيَّعنا حبيبًا، وكم مرَّةٍ وَقَفنا في مِثلِ هذا المَقامِ نُعَزِّي ونَتَعزَّى، غيرَ أنَّ الفَقدَ حينَ يَنزِلُ بساحةِ القَلبِ يَجعَلُ الإنسانَ يَتساءَلُ في دَخيلةِ نَفسِه: كيفَ يَستَحيلُ هذا الألمُ العَميقُ إلى دَرَجاتٍ عُلا عندَ الله؟
وما الفَرقُ الخَفِيُّ بينَ مَن يَصبرُ لأنَّهُ لا يَملِكُ إلا الصَّبر، وبينَ مَن يَحتَسِبُ مُصيبَتَهُ فيَخرُجُ من المِحنةِ بأعظَمِ المِنَح؟
في دَقائقَ هادئةٍ نَعيشُها مَعًا، نَفتحُ نَوافِذَ السَّلوى من كِتابِ ربِّنا وسُنَّةِ نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، لنُبصِرَ ما أَعَدَّهُ اللهُ لأهلِ الصَّبرِ والاحتِساب، فَلعَلَّ كَلِمةً واحدةً تَستَقِرُّ في قَلبِ مَحزونٍ اليومَ، فتَكونَ لهُ نُورًا في دُنياهُ، وبَيتًا يُبنى لهُ في جَنَّةِ مَولاه.
إخوتي الكِرام:
إنَّ أَوَّلَ حَقيقةٍ تُسكِنُ الرُّوعَ، وتُهدِّئُ لَوعَةَ الفُؤاد، أن نَعلَمَ عِلمَ يَقينٍ أنَّنا في هذهِ الدُّنيا سَفرٌ عابِرون، ولَسنا بِمُقيمين.
ما خُلِقَتِ الدُّنيا لتَكونَ دارَ بَقاء، ولا جُبِلَت على صَفاءٍ لا يَشوبُهُ كَدَر، أوِ اجتِماعٍ لا يَعقُبُهُ فِراق.
ولَو كانَتِ الدُّنيا تَدومُ لأحَدٍ لَدامَت لِخَيرِ خَلقِ اللهِ وحَبيبِهِ ومُصطَفاهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ولكنَّها سُنَّةُ اللهِ الماضيةُ في خَلقِه، وقَضاؤُهُ النَّافِذُ في عِبادِه.
تأمَّلوا بِقُلوبِكم هذا الإعلانَ الإلهيَّ المَهيبَ الذي يَقطَعُ كُلَّ وَهمٍ بالخُلود، حيثُ يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: 26-27].
يا لها من آيةٍ تَجمَعُ شَتاتَ القَلبِ المَفجوع!
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، الكُلُّ مَشمولٌ بهذا الحُكم، لا يُستَثنى منهُ مَلِكٌ ولا مَملوك، ولا غَنيٌّ ولا فَقير، ولا صَغيرٌ ولا كَبير.
فالمَوتُ ليسَ عُقوبةً نَزَلَت بِفَقيدِنا وَحدَه، ولا حَدَثًا غَريبًا اخترَقَ نِظامَ الحَياة، بل هوَ الطَّريقُ الذي سَلَكَهُ الأوَّلون، ويَسلُكُهُ الآخِرون، ونَحنُ جَميعًا سائرونَ فيهِ خُطوةً بعدَ خُطوة، يَسبِقُ بَعضُنا بَعضًا إلى مَوعِدٍ لا يَتقدَّمُ ولا يَتأخَّر.
ولَئِن كانَ الشَّطرُ الأوَّلُ من الآيةِ يَذكُرُ الفَناء، فإنَّ الشَّطرَ الثَّانيَ يَفتحُ بابَ العَزاءِ الأَعظَم: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
فإذا ماتَ الحَبيبُ، فإنَّ الرَّبَّ الحَبيبَ حَيٌّ لا يَموت.
وإذا غابَ السَّنَدُ البَشَريُّ، فإنَّ السَّنَدَ الإلهيَّ باقٍ لا يَزول.
ومَن كانَ اللهُ معَهُ، فَمَن ذا الذي فَقَد؟ ومَن كانَ يَرجو وَجهَ ربِّهِ ذي الجَلالِ والإكرام، فكيفَ يَستَوحِشُ في طَريقِ الحَياة؟
مَعاشِرَ المُصَلِّين:
إنَّ المَوتَ في تَصوُّرِ المُؤمِنِ ليسَ عَدَمًا ولا فَناءً مُطلَقًا، بل هوَ انتِقالٌ من دارٍ إلى دار، وخُروجٌ من ضِيقِ الدُّنيا وتَعَبِها ونَصَبِها إلى سَعَةِ الآخِرةِ ورَحمةِ أرحَمِ الرَّاحِمين.
ولِهذا قَرَنَ اللهُ سُبحانَهُ وتعالى ذِكرَ المَوتِ بِذِكرِ تَوفِيَةِ الأُجور، لِيَربِطَ قَلبَ العَبدِ بالغايَةِ الكُبرى، فَقالَ عَزَّ مِن قائل:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [سورة آل عمران: 185].
تَدَبَّروا هذا التَّعبيرَ القُرآنيَّ الدَّقيق: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، والذَّوقُ أَوَّلُ اللِّقاءِ وبِدايةُ العُبور، ثُمَّ تَأتي الحَياةُ الحَقيقيَّةُ التي لا مَوتَ فيها، حَيثُ تُوَفَّى الأُجورُ كامِلةً غَيرَ مَنقوصة.
فالمُؤمِنُ الذي يَرحَلُ عن دُنيانا، إنَّما يَطوي صَفحةَ التَّعَب، ويَضَعُ عصا التَّرحال، ويَقدَمُ على رَبٍّ كَريمٍ حَفِظَ لهُ كُلَّ رَكعةٍ رَكَعَها، وكُلَّ سَجدةٍ سَجَدَها، وكُلَّ كَلِمةٍ طَيِّبةٍ نَطَقَ بها، وكُلَّ وَجَعٍ صَبَرَ عليه.
ولِذلكَ لمَّا قيلَ لِبَعضِ السَّلَفِ الصَّالحِ: تَمَنَّى المَوت؟ قالَ: لا، ولكنَّ القُدومَ على رَبٍّ عَرَفتُهُ أَحَبُّ إلَيَّ من البَقاءِ في دُنيا قد خَبَرتُها.
أحِبَّتي في الله:
وحينَ يَقَعُ القَدرُ، ويَحِلُّ الفِراق، يَنقَسِمُ النَّاسُ أمامَ المُصيبةِ إلى مَراتِبَ شَتَّى، وأعلى هذهِ المَراتِبِ وأَرفَعُها مَنزِلةً عندَ اللهِ مَرتَبةُ «الصَّبرِ والاحتِساب».
وكَثيرٌ من النَّاسِ يَسمَعُ كَلِمةَ الصَّبرِ وكَلِمةَ الاحتِسابِ فيَظُنُّهُما شَيئًا واحِدًا، وبينَهُما من الدَّقائقِ الإيمانيَّةِ ما يَرفَعُ العَبدَ دَرَجاتٍ لا يَبلُغُها بِكَثيرِ الصِّيامِ والقيام.
أمَّا الصَّبرُ، فَكَمَا قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في كِتابِهِ «عُدَّةُ الصَّابِرين»، فَهُوَ حَبسُ النَّفسِ عنِ التَّسَخُّطِ بالمَقدور، وحَبسُ اللِّسانِ عنِ الشَّكوى لِغَيرِ الله، وحَبسُ الجَوارِحِ عن كُلِّ فِعلٍ يُنافي الرِّضا والتَّسليم.
وأمَّا الاحتِسابُ، فَهُوَ رُوحُ الصَّبرِ وثَمَرَتُهُ العُليا؛ ومعناهُ أن يَستَحضِرَ المُصابُ في لَحظةِ أَلَمِهِ أنَّ هذا الصَّبرَ لِوَجهِ الله، وأن يَعُدَّ مُصيبَتَهُ ذُخرًا يَدَّخِرُهُ عندَ ربِّهِ، فَيَنتَظِرَ العِوَضَ منهُ سُبحانَه، ويَطلُبَ الثَّوابَ على كُلِّ غُصَّةِ حُزنٍ يَبتَلِعُها راضيًا بقَضاءِ الله.
واسمَعوا بِقُلوبِكم إلى أعظَمِ بُشرى زَفَّها القُرآنُ الكَريمُ لِكُلِّ قَلبٍ كَسير، ولِكُلِّ مُصابٍ احتَسَبَ أَمرَهُ عندَ اللَّطيفِ الخَبير، حَيثُ يَقولُ مَولانا تَبارَكَ وتَعالى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة: 155-157].
قِفوا معي قَليلًا عندَ هذهِ الآياتِ الشَّافيةِ الكافية.
بِمَ استَحَقَّ هَؤُلاءِ الصَّابِرونَ هذهِ الجَوائزَ الثَّلاثَ العُظمى: صَلَواتٍ من رَبِّهم، ورَحمةً تُغشِّيهم، وهِدايةً تُسَدِّدُ خُطاهُم؟
استَحَقُّوها بِكَلِمَتَينِ خَرَجَتا من صَميمِ القَلبِ المُوقِن: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
كَلِمَتانِ تُلَخِّصانِ قِصَّةَ الوُجودِ كُلَّها:
الأولى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾، اعترافٌ بأنَّنا ومَن نُحِبُّ ومَا نَملِكُ مِلكٌ للهِ وَحدَه، والمالِكُ الحَقيقيُّ يَتصرَّفُ في مُلكِهِ كَيفَ يَشاء، فإذا أَعطى فَبِفَضلِه، وإذا أَخَذَ فَبِعَدلِهِ وحِكمَتِه، ولا يَعتَرِضُ العَبدُ على سَيِّدِهِ فيما استَردَّ من عارِيَّتِه.
والثَّانية: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، إقرارٌ بأنَّ الفِراقَ مُؤقَّت، وأنَّ المَوعِدَ هناكَ عندَ الله، فَمَن فَقَدناهُ اليومَ على ظَهرِ الأرضِ سَنَلقاهُ غَدًا في جِوارِ أرحَمِ الرَّاحِمين.
ولِهذا كانَ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا قَرَأَ هذهِ الآيةَ قالَ كَلِمَتَهُ المَشهورة: «نِعمَ العِدلانِ، ونِعمَتِ العِلاوة!».
يَعني بالعِدلَينِ اللَّذَينِ يَتَوازَنُ بِهِما حِملُ المُؤمِن: صَلَواتِ اللهِ ورَحمَتَه، ويَعني بالعِلاوةِ الزَّائدةِ فَوقَهُما: الهِدايةَ التي تَجعَلُ القَلبَ مُستَقِرًّا مُطمَئنًّا لا يَزِيغُ ولا يَضطَرِب.
ومِمَّا يَزيدُ القَلبَ سَكينَةً ويَقينًا، ما قَرَّرَهُ الحَقُّ سُبحانَهُ في سورةِ التَّغابُن، في آيةٍ هيَ بَلسَمٌ لِكُلِّ صَدرٍ ضاقَ بِمُصيبَتِه، يَقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ:
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة التغابن: 11].
تأمَّلوا قَولَهُ سُبحانَه: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
قالَ التَّابِعيُّ الجَليلُ عَلقَمَةُ بنُ قَيسٍ رَحِمَهُ اللهُ في تَفسيرِ هذهِ الآية: «هُوَ الرَّجُلُ تُصيبُهُ المُصيبةُ فَيَعلَمُ أَنَّها مِن عِندِ الله، فَيَرضى ويُسَلِّم».
فَهِدايةُ القَلبِ عندَ المُصيبةِ هيَ أعظَمُ عَطايا اللهِ للعَبد؛ أن يَنظُرَ إلى القَضاءِ فَلا يَرى فيهِ قَسوةً، بل يَرى يَدَ اللهِ الحَكيمةَ الرَّحيمةَ التي تُدَبِّرُ الأمر، فَيَهدَأُ رُوعُه، وتَسكُنُ جَوارِحُه، ويَنطِقُ لِسانُهُ بالرِّضا.
وإذا وَصَلَ العَبدُ إلى هذا المَقامِ السَّامي، فُتِحَت لهُ خَزائنُ الأجرِ التي لا تَخضَعُ لِلمَوازينِ المَحدودة، بل تُصَبُّ صَبًّا بِلا عَدٍّ ولا إحصاء، كَما وَعَدَ الصَّادِقُ في وَعدِهِ سُبحانَه:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة الزمر: 10].
عِبادَ الله:
ولَئِن كانَ اللهُ قَد أَمَرَنا بالصَّبرِ والاحتِساب، فإنَّ هذا الدِّينَ العَظيمَ دِينُ فِطرةٍ ورَحمة، لا يُكَلِّفُ النُّفوسَ أن تَتَجرَّدَ من مَشاعِرِها، ولا يَطلُبُ منَ القُلوبِ أن تَكونَ كالحِجارةِ الصَّمَّاءِ لا تَتأَلَّمُ لِفِراقِ الأحِبَّة.
فالحُزنُ الفِطريُّ لا يُنافي الصَّبر، ودَمعُ العَينِ لا يُنقِصُ أَجرَ الاحتِساب، بلِ الدَّمعةُ الصَّادِقةُ رَحمةٌ جَعَلَها اللهُ في قُلوبِ عِبادِهِ الرُّحَماء.
انظُروا إلى سَيِّدِ الصَّابِرينَ وإمامِ الرَّاضينَ، نَبيِّنا مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، كيفَ جَمَعَ بينَ كَمالِ الرَّحمةِ البَشَريَّةِ وكَمالِ التَّسليمِ للهِ رَبِّ العالَمين.
فَفي اليَومِ الذي قُبِضَ فيهِ وَلَدُهُ الصَّغيرُ إبراهيمُ رَضِيَ اللهُ عنه، دَخَلَ عليهِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهُوَ يَجودُ بِنَفسِه، فَأَخَذَهُ وضَمَّهُ إلى صَدرِهِ الشَّريف، فَجَعَلَت عَينا رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تَذرِفانِ الدُّموع.
فَتَعجَّبَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقال: «وأنتَ يا رَسولَ الله؟!» أي: أَتَبكي وأنتَ تَنهانا عنِ النِّياحةِ والجَزَع؟
فَأَجابَهُ الرَّحمةُ المُهداةُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بِكَلِماتٍ خُلِّدَت في صَحيحِ البُخاريِّ لِتَكونَ مَنارًا لِكُلِّ مَحزونٍ إلى يَومِ القِيامة، فَقال:
«يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ»، ثُمَّ أَتبَعَها بِأُخرى، فَقَالَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (رواه البخاري).
اللهُ أكبَر، ما أَرفَقَ هذا الهَديَ النَّبويَّ وما أَعدَلَه!
العَينُ تَدمَعُ؛ لأنَّها عَينُ إنسانٍ يَحمِلُ في جَنبَيهِ مَودَّةً ورَحمة.
والقَلبُ يَحزَنُ؛ لأنَّ فِراقَ الأحِبَّةِ يَترُكُ في الفُؤادِ لَوعةً لا يَدفَعُها البَشَر.
ولكنَّ مِيزانَ العُبوديَّةِ والاحتِسابِ يَتَجلَّى في قَولِه: «وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا».
فابكوا رحمكم اللهُ دَمعَ رَحمةٍ وشَوقٍ، واحزَنوا حُزنَ مُؤمِنٍ يَفقِدُ أَنيسَه، ولكنِ احفَظوا الألسِنَةَ أن تَنطِقَ بِكَلِمةِ تَسَخُّط، واحفَظوا القُلوبَ أن يَدخُلَها سوءُ ظَنٍّ بالله، واجعَلوا كُلَّ دَمعةٍ تَنحَدِرُ على الخَدِّ مَصحوبةً بِحَمدِ اللهِ واستِرجاعِه.
وإذا أَرَدتُم أن تَعلَموا عِظَمَ الجَزاءِ الذي أَعَدَّهُ اللهُ لِمَن يَفقِدُ حبيبًا من أَهلِ الدُّنيا فَيَصبِرُ ويَحتَسِب، فَأَرعوا أَسماعَكم وقُلوبَكم لِهذا الحَديثِ القُدسيِّ الجَليلِ الذي يَرويهِ الصَّادِقُ المَصدوقُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن ربِّهِ تَبارَكَ وتَعالى، حيثُ يَقول:
«يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةُ» (رواه البخاري).
تأمَّلوا كَلِمةَ «صَفِيَّهُ»!
والصَّفِيُّ هُوَ الحَبيبُ الخالِصُ الذي يَصفو لهُ الوُدُّ ويَميلُ إليهِ القَلب؛ قَد يَكونُ والدًا كَريمًا، أو أُمًّا حَنونًا، أو وَلَدًا قُرَّةَ عَين، أو زَوجًا رَفيقَ دَرب، أو أَخًا شَقيقَ رُوح، أو صَديقًا صَدوقًا.
حينَ يَقبِضُ اللهُ هذا الصَّفِيَّ، يَنظُرُ سُبحانَهُ إلى قَلبِ عَبدِهِ المُؤمِن، فإذا رَآهُ قَد كَظَمَ مَرارَةَ الفَقدِ، واحتَسَبَ لَوعَةَ الشَّوقِ عندَ الله، استَحيا الكَريمُ جَلَّ جَلالُهُ أن يُجازِيَهُ دُونَ الجَنَّة!
أَيُّ تِجارةٍ أَربَحُ من هذهِ التِّجارة؟
يُؤخَذُ مِنكَ حَبيبٌ كانَ لا بُدَّ أن يُفارِقَكَ يَومًا ما، أو تُفارِقَهُ أَنتَ بِالمَوت، فإذا صَبَرتَ واحتَسَبتَ جَعَلَ اللهُ ثَمَنَ صَبرِكَ جَنَّةً عَرضُها السَّماواتُ والأرضُ، تَجتَمِعُ فيها بِمَن أَحبَبتَ اجتماَعًا لا فِراقَ بَعدَهُ أَبَدًا.
أيُّها الإخوةُ الأحِبَّة:
ولَنا في سِيَرِ أَصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ والتَّابِعينَ لَهُم بإحسانٍ نَماذِجُ تُبهِرُ العُقول، وتُعَلِّمُنا كَيفَ يَصنَعُ الإيمانُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ منَ القُلوبِ المُنكَسِرةِ قِلاعًا منَ الرِّضا والتَّسليم.
استَحضِروا مَعي مَوقفَ المَرأةِ الصَّالحةِ الصَّابِرةِ «أُمِّ سُلَيمٍ» رَضِيَ اللهُ عنها، زَوجِ الصَّحابيِّ الجَليلِ أَبي طَلحَةَ الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنه.
مَرِضَ لَهُما غُلامٌ صَغيرٌ كانَ أَبو طَلحَةَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَديدًا، وخَرَجَ أَبو طَلحَةَ لِبَعضِ شَأنِه، فَقُبِضَ الغُلامُ وماتَ وأَبوهُ غائب.
ماذا صَنَعَت هذهِ الأُمُّ المُؤمِنةُ التي فَقَدَت فَلذَةَ كَبِدِها؟
غَسَّلَتِ الصَّبيَّ وسَجَّتهُ في ناحيةِ البَيت، ونَهَت أَهلَها أن يُخبِروا أَبا طَلحَةَ حتَّى تَكونَ هيَ التي تُخبِرُه.
فَلَمَّا عادَ زَوجُها في اللَّيلِ وسَأَلَ عنِ الغُلام، قالَت بِكَلِمةٍ صادِقةٍ تَحتَمِلُ المَعنَيَين: «هُوَ أَسكَنُ ما كان»، فَظَنَّ أنَّهُ قَد عُوفِيَ ونام، فَقَدَّمَت لهُ عَشاءَهُ فَأَصابَ مِنه.
فَلَمَّا كانَ في آخِرِ اللَّيلِ واطمَأَنَّت نَفسُه، التَفَتَت إليهِ بِحِكمةِ المُؤمِنةِ المُحتَسِبةِ وقالَت:
«يا أَبا طَلحَة، أَرَأَيتَ لَو أنَّ قَومًا أَعاروا أَهلَ بَيتٍ عارِيَّةً، فَطَلَبوا عارِيَّتَهُم، أَلَهُم أن يَمنَعوهم؟»
قالَ أَبو طَلحَة: لا، ليسَ لَهُم ذَلِك.
فَقالَت بِثَباتٍ يَهُزُّ الجِبال: «فاحتَسِبِ ابنَك، فإنَّهُ عارِيَّةٌ منَ اللهِ قَدِ استَرَدَّها».
فَبارَكَ اللهُ لَهُما في صَبرِهِما واحتِسابِهِما، حتَّى دَعا لَهُما النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الصَّباحِ فَرزَقَهُما اللهُ غُلامًا خَرَجَ من صُلبِهِ عَشَرةُ رِجالٍ كُلُّهُم قَد قَرَأَ القُرآنَ وحَمَلَ العِلم!
هَكَذا يَنظُرُ أَهلُ الإيمانِ إلى أَنفُسِهِم وإلى أَهلِيهِم: عَوارٍ وودائعُ أَودَعَها اللهُ عِندَنا إلى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَنَشكُرُ المُودِعَ مُدَّةَ بَقائِها، ونَرضى بِحُكمِهِ يَومَ يَستَرِدُّ أمانَتَه، كَما يَقولُ سُبحانَهُ وتعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [سورة آل عمران: 145].
وهذا التَّابِعيُّ الجَليلُ عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ رَحِمَهُ الله، أَصابَتهُ الأَكَلَةُ في رِجلِهِ حتَّى اضطُرَّ الأَطِبَّاءُ إلى قَطعِها، وفي السَّفرةِ نَفسِها ماتَ أَحَبُّ أَبنائِهِ إليهِ وهُوَ غُلامٌ في مَقتَبَلِ العُمُر.
فَاجتَمَعَت عليهِ مُصيبتانِ عَظيمتانِ في يَومٍ واحِد: فَقْدُ الوَلَد، وفَقْدُ العُضو.
فَماذا قالَ هذا العالِمُ الرَّبَّانيُّ وهُوَ يَنظُرُ إلى مُصابِه؟
رَفَعَ طَرفَهُ إلى السَّماءِ وقالَ بِقَلبٍ يَفيضُ حَمدًا واحتِسابًا: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمد، إن كُنتَ قَد أَخَذتَ فَقَد أَبقَيت، وإن كُنتَ قَدِ ابتَلَيتَ فَلَطالَما عافَيت؛ كانَ لي أَربَعةُ أَبناءٍ فَأَخَذتَ واحِدًا وأَبقَيتَ ثَلاثة، وكانَت لي أَربَعةُ أَطرافٍ فَأَخَذتَ واحِدًا وأَبقَيتَ ثَلاثة، ولَئِن أَخَذتَ مِنِّي قَليلًا فَلَقَد أَبقَيتَ لي كَثيرًا».
ورَحِمَ اللهُ الخَليفةَ الرَّاشِدَ عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزيزِ حينَ فَقَدَ ابنَهُ الصَّالِحَ عَبدَ المَلِكِ وهُوَ شابٌّ يَملأُ العَينَ قُرَّةً، فَقَامَ عُمَرُ يَحمَدُ اللهَ ويَقول: «ما أَصبَحَ لي في شَيءٍ منَ الأُمورِ سُرورٌ إلا في مَواقِعِ القَضاءِ والقَدَر».
إخوتي في الله:
ومِن هُنا، فإِنِّي أَتوَجَّهُ بِخِطابي وكَلِماتي خَاصَّةً إلى أَهلِ فَقيدِنا وذَويهِ ومُحِبِّيه، إلى كُلِّ قَلبٍ فيكُم يَعتَصِرُهُ الحَنين، وإلى كُلِّ عَينٍ تُداري دَمعَها في هذا المَقام:
عَظَّمَ اللهُ أَجرَكُم، وأَحسَنَ عَزاءَكُم، وغَفَرَ لِمَيِّتِكُم، ورَبَطَ على قُلوبِكُم بِرِباطِ الصَّبرِ واليَقين.
أنا أَعلَمُ، وكُلُّ إخوانِكُم يَعلَمون، أنَّ مَكانَ الفَقيدِ خالٍ يَصعُبُ مَلؤُه، وأنَّ ذِكراهُ حاضِرةٌ في زَوايا البَيتِ ومَجالِسِ الأُنس، ولكنِّي أُذَكِّرُكُم بِأَعظَمِ كَلِمةِ تَعزيةٍ خَرَجَت من فَمِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ أَرسَلَها إلى اِبنَتِهِ رَضِيَ اللهُ عنها وقد حَضَرَ وَلَدَها المَوت، فَقالَ لِرَسولِه:
«مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى» (متفق عليه).
ضعوا هذهِ الكَلِماتِ النَّبويَّةَ وِسامًا على صُدورِكُم، ودَواءً لِجِراحِكُم.
لم يَأخُذِ اللهُ فَقيدَكُم ليُعَذِّبَ قُلوبَكُم، حاشاهُ وهُوَ أَرحَمُ الرَّاحِمين، ولكنَّهُ استَردَّ أمانَتَهُ بَعدَ أنِ انقَضى أَجَلُها المَكتوب، وابتَلاكُم لِيَرفَعَ دَرَجاتِكُم، ويُكَفِّرَ سَيِّئاتِكُم، ويَسمَعَ تَضرُّعَكُم ودُعاءَكُم.
وتَذَكَّروا أنَّ المَصائبَ والآلامَ في حَياةِ المُؤمِنِ مَغاسِلُ تُطَهِّرُهُ منَ الذُّنوبِ والخَطايا، كَما ثَبَتَ في الصَّحيحَينِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال:
«مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (متفق عليه).
فَإِذا كانَتِ الشَّوكةُ العابِرةُ تَحُطُّ الخَطايا، فَكَيفَ بِحُزنِ الفِراقِ ولَوعَةِ الفَقدِ إذا قُوبِلَت بالصَّبرِ والاحتِساب؟
واعلَموا يا أَهلَ الفَقيدِ أنَّ مَن صَدَقَ معَ اللهِ في صَبرِهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيرًا في دِينِهِ ودُنياهُ وعاقِبةِ أَمرِه، وأَنزَلَ في قَلبِهِ سَكينةً وعِوَضًا يَجبُرُ بهِ كَسرَه، كَما حَدَّثَت أُمُّ المُؤمِنينَ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها سَمِعَت رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَقول:
«مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» (رواه مسلم).
مَعاشِرَ المُصَلِّين، ويا أَهلَ الفَقيدِ الكِرام:
إنَّ الحُبَّ الحَقيقيَّ لِمَن رَحَلوا عَنَّا لا يَظهَرُ في كَثرةِ البُكاءِ وتَجديدِ الأحزان، بل يَظهَرُ فيما نُقَدِّمُهُ لَهُم وهُم في قُبورِهِم قَدِ انقَطَعوا عنِ العَمَلِ واشتَدَّت حاجَتُهُم إلى البِرِّ والإحسان.
ولِكَي تَخرُجَ كَلِمَتُنا هذهِ بِثَمَرةٍ عَمَليَّةٍ تَنفَعُ مَيِّتَنا وتَنفَعُنا، فإِنِّي أُوصيكُم وأُوصي نَفسي بِخَمسِ وَصايا نَعمَلُ بِها مَنذُ هذهِ اللَّحظة:
الأولى: عَقدُ النِّيَّةِ الصَّادِقةِ في القَلبِ على الرِّضا التَّامِّ بِقَضاءِ اللهِ واحتِسابِ أَجرِ هذهِ المُصيبةِ كامِلًا عندَه، فإذا باغَتَتكَ ذِكرى الفَقيدِ في خَلوتِكَ وهاجَ بِكَ الحُزنُ، فَلا تَستَسلِم لِوساوِسِ الشَّيطانِ التي تُحزِنُ الذينَ آمَنوا، بلِ اِستَحضِر فورًا وَعدَ اللهِ لِمَن قَبَضَ صَفِيَّهُ بالجَنَّة، وقُل في قَرارَةِ نَفسِكَ الآنَ وفي كُلِّ حين: رَضيتُ باللهِ رَبًّا وبِقَضائِهِ حُكمًا، لِيَكتُبَكَ اللهُ في دِيوانِ الصَّابِرينَ الذينَ يُوَفَّونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِساب.
الثَّانية: مُلازَمَةُ دُعاءِ المَصيبةِ النَّبويِّ والإكثارُ منَ الدُّعاءِ الخالِصِ للفَقيدِ بالمَغفِرةِ والثَّبات، فالمَيِّتُ في قَبرِهِ كالغَريقِ المُتَغَوِّثِ يَنتَظِرُ دَعوةً تَصِلُهُ من أَبٍ أو أُمٍّ أو وَلَدٍ أو أَخٍ فَتَكونُ أَحَبَّ إليهِ منَ الدُّنيا وما فيها، فَلا تَغفَلوا عنهُ بَعدَ انصِرافِ النَّاسِ؛ بلِ اجعَلوا لهُ نَصيبًا ثابِتًا في سُجودِكُم، وفي أَدبارِ صَلَواتِكُم، وفي ساعَةِ السَّحَرِ منَ اللَّيلةِ وكُلِّ لَيلة، وتَجاوَزوا عائقَ النِّسيانِ بِرَبطِ الدُّعاءِ لهُ بِفَرائضِ الصَّلواتِ الخَمس.
الثَّالثة: المُبادَرَةُ بِإِخراجِ صَدَقةٍ عاجِلةٍ أو جاريةٍ عن رُوحِ الفَقيدِ، لِقَولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (رواه مسلم)، ولا تَستَقِلُّوا شَيئًا مَهما صَغُر؛ فَسَقيُ الماءِ، أو إِطعامُ مِسكينٍ، أو وَضعُ مُصحَفٍ في مَسجِدٍ، أو كَفالةُ يَتيمٍ يَشتَرِكُ فيها أَهلُ البَيتِ اليومَ بِحَسَبِ استِطاعَتِهِم، تَصِلُ أَنوارُها إلى قَبرِهِ فَتُوَسِّعُهُ عليهِ مَدَّ بَصَرِه.
الرَّابعة: تَعاهُدُ أَهلِ الفَقيدِ بِالمُواساةِ الرَّفيقةِ، وتَفقُّدُ شُؤونِهِم، والمُسارَعةُ إلى قَضاءِ دُيونِ المَيِّتِ وإبراءِ ذِمَّتِهِ وحِفظِ وُدِّهِ في أَصحابِهِ وأَرحامِه، فَمِنَ السُّنَّةِ التي هَجَرَها كَثيرٌ منَ النَّاسِ صُنعُ الطَّعامِ لأَهلِ المَيِّتِ وإِعانَتُهُم لأنَّهُم في شُغلٍ يَشغَلُهُم، فَبادِروا يا جِيرانَ الفَقيدِ وإخوانَهُ في هذهِ الأيَّامِ الثَّلاثةِ وما بَعدَها إلى كِفايَتِهِم مَؤونةَ الضِّيافةِ والوقوفِ بِجانِبِهِم، ولْيَحرِص أَولياؤُهُ منَ اللَّيلةِ على سُؤالِ مَن لَهُ حَقٌّ أو مَظلِمةٌ عندَهُ لِيُؤَدُّوها عنه، فَنَفسُ المُؤمِنِ مُعَلَّقةٌ بِدَينِهِ حتَّى يُقضى عَنه.
الخامِسة: أَخذُ العِبرةِ والعِظةِ الشَّخصيَّةِ من هذا المَوتِ وتَجديدُ التَّوبةِ والإقبالُ على اللهِ قَبلَ فَوَاتِ الأَوان، فَما مِن مَيِّتٍ يُحمَلُ على الأَعناقِ إلا وهُوَ يَعِظُ الأَحياءَ بِلِسانِ حالِهِ أن يَستَعِدُّوا لِيَومِ رَحيلِهِم، فَلا تَخرُجوا من هذا المَسجِدِ كَما دَخَلتُم؛ بل لِيُحاسِب كُلُّ واحِدٍ مِنَّا نَفسَهُ اللَّيلةَ قَبلَ أن يَنام، فَيُصَلِّي رَكعَتَي تَوبةٍ، ويَرُدَّ المَظالِمَ، ويَكتُبَ وَصِيَّتَهُ، ويُصلِحَ ما بَينَهُ وبَينَ الله، فَإِنَّنا لا نَدري مَن مِنَّا سَيَكونُ المَحمُولَ غَدًا.
عِبادَ الله:
ونَحنُ نَختِمُ كَلِمَتَنا هذه، نَفتَحُ لِقُلوبِنا جَميعًا بابَ الرَّجاءِ الواسِعِ، وحُسنِ الظَّنِّ بِرَبِّنا الكَريمِ الجَواد.
فَإِنَّ فَقيدَنا اليومَ قَد نَزَلَ بِساحةِ مَلِكٍ لا يَظلِمُ عِندَهُ أَحَد، وانتَقَلَ من ضِيقِ الدُّنيا إلى جِوارِ مَن هُوَ أَرحَمُ بهِ من والِدَيهِ ومِنَ النَّاسِ أَجمَعين.
أَلَيسَ اللهُ هُوَ القائلَ في كِتابِهِ الكَريمِ بَعدَ أن ذَكَرَ عَذابَهُ:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف: 156]؟
بَلى والله، إنَّ رَحمةَ اللهِ أَوسَعُ من ذُنوبِنا، وعَفوَهُ أَعظَمُ من تَقصيرِنا، وفَضلَهُ أَكبَرُ من أَعمالِنا.
وقَد عاشَ فَقيدُنا بينَنا مُوحِّدًا للهِ، شَاهِدًا أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ الله، مُصَلِّيًا مَعَ المُسلِمين، راجيًا رَحمةَ ربِّه، ونَرجو اللهَ أن يَكونَ مِمَّن تَلَقَّتهُمُ المَلائكةُ بِالبِشارَةِ العُظمى عندَ الرَّحيل:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [سورة الفجر: 27-30].
وابشِروا يا أَهلَ الفَقيدِ بِأَنَّ الفِراقَ في الدُّنيا لا يَعني انقِطاعَ الصِّلةِ إلى الأَبَد، فَإِنَّ اللهَ بِكَرَمِهِ وفَضلِهِ يَجمَعُ الشَّملَ في دارِ الكَرامة، ويُلحِقُ الذُّرِّيَّاتِ بِالآباءِ والأُمَّهاتِ والأحِبَّةِ إذا استَقاموا على الإيمان، كَما وَعَدَ سُبحانَهُ فَقال:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [سورة الطور: 21].
فَاصبِروا وصابِروا، واستَعينوا باللهِ، وأَقبِلوا الآنَ بِقُلوبٍ خاشِعةٍ مُتَضرِّعةٍ نَرفَعُ أَكُفَّ الضَّراعةِ إلى مَولانا، لَعَلَّها تَكونُ ساعَةَ إِجابةٍ يَتَغَمَّدُ اللهُ بِها فَقيدَنا، ويَجبُرُ بِها كَسرَنا.
اللَّهُمَّ لَكَ الحَمدُ كُلُّهُ، ولَكَ المِلكُ كُلُّهُ، وبِيَدِكَ الخَيرُ كُلُّهُ، وإلَيكَ يُرجَعُ الأَمرُ كُلُّهُ، عَلانِيَتُهُ وسِرُّهُ، أَنتَ الحَيُّ الذي لا يَموت، والإنسُ والجِنُّ يَموتون.
اللَّهُمَّ اغفِر لِفَقيدِنا وارحَمهُ، وعافِهِ واعفُ عَنهُ، وأَكرِم نُزُلَهُ، ووَسِّع مُدخَلَهُ، واغسِلهُ بِالماءِ والثَّلجِ والبَرَد، ونَقِّهِ منَ الخَطايا كَما يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ منَ الدَّنَس.
اللَّهُمَّ جافِ الأَرضَ عن جَنبَيه، وافسَح لهُ في قَبرِهِ مَدَّ بَصَرِه، وافرِش قَبرَهُ من فِراشِ الجَنَّة، واجعَلهُ رَوضةً من رِياضِ الجِنان.
اللَّهُمَّ أَبدِلهُ دارًا خَيرًا من دارِه، وأَهلًا خَيرًا من أَهلِه، وأَدخِلهُ الجَنَّةَ بَرَحمَتِك، وأَعِذهُ من عَذابِ القَبرِ ومِن عَذابِ النَّار.
اللَّهُمَّ عامِلهُ بِما أَنتَ أَهلُهُ، ولا تُعامِلهُ بِما هُوَ أَهلُهُ، فإِنَّكَ أَهلُ التَّقوى وأَهلُ المَغفِرة.
اللَّهُمَّ إن كانَ مُحسِنًا فَزِد في حَسَناتِه، وإن كانَ مُسيئًا فَتَجاوَز عن سَيِّئاتِه، واجعَل كِتابَهُ في عِلِّيِّين، واكتُبهُ عِندَكَ في المُحسِنين.
اللَّهُمَّ آنِس وَحشَتَهُ في القُبور، وأَمِّن رَوعَتَهُ يَومَ البَعثِ والنُّشور، وثَبِّتهُ عِندَ السُّؤالِ بِالقَولِ الثَّابِتِ يا غَفورُ يا شَكور.
اللَّهُمَّ يمن كِتابَهُ، ويَسِّر حِسابَهُ، وثَقِّل بِالحَسَناتِ مِيزانَهُ، وثَبِّت على الصِّراطِ أَقدامَهُ، وأَسكِنهُ في أَعلى الجِنانِ بِجِوارِ نَبيِّكَ ومُصطَفاكَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.
اللَّهُمَّ أَفرِغ على قُلوبِ أَهلِهِ وذَويهِ ومُحِبِّيهِ صَبرًا جَميلًا، وثَبِّت أَفئِدَتَهُم بِالإيمانِ واليَقين، واجبُر كَسرَهُم جَبرًا يَليقُ بِكَرَمِكَ ورَحمَتِك.
اللَّهُمَّ عَظِّم أُجورَهُم، وأَحسِن عَزاءَهُم، واخلُفهُم في مُصيبَتِهِم خَيرًا، ولا تَحرِمنا وإيَّاهُم أَجرَه، ولا تَفتِنَّا وإيَّاهُم بَعدَه.
اللَّهُمَّ اجعَل هذا المُصابَ رِفعةً لَهُم في الدَّرَجات، وتَكفيرًا لِلسَّيِّئات، وزِيادةً في الحَسَنات، واجمَعنا وإيَّاهُم بِفَقيدِنا في مُستَقَرِّ رَحمَتِكَ ودارِ كَرامَتِك.
اللَّهُمَّ اغفِر لِحَيِّنا ومَيِّتِنا، وشاهِدِنا وغائبِنا، وصَغيرِنا وكَبيرِنا، وذَكَرِنا وأُنثانا، ومَن أَحيَيتَهُ مِنَّا فَأَحيِهِ على الإسلام، ومَن تَوَفَّيتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ على الإيمان.
اللَّهُمَّ اغفِر لِجَميعِ مَوتى المُسلِمينَ الذينَ شَهِدوا لَكَ بِالوَحدانيَّة، ولِنَبيِّكَ بِالرِّسالة، وماتوا على ذَلِكَ، اللَّهُمَّ ارحَمنا إذا صِرنا إلى ما صاروا إليهِ تَحتَ الجَنادِلِ والتُّرابِ وَحدَنا.
اللَّهُمَّ أَحسِن خَواتيمَنا في الأُمورِ كُلِّها، واجعَل خَيرَ أَعمالِنا خَواتيمَها، وخَيرَ أَيَّامِنا يَومَ نَلقاكَ وأَنتَ راضٍ عَنَّا غَيرَ غَضبان.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة: 201].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الصافات: 180-182].
وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ على نَبيِّنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أَجمَعين، والسَّلامُ عَلَيكُم ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
بَردُ الصَّبرِ وذُخرُ الاحتِسابِ في مَواطِنِ الفَقد
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.