من مكتبة مِداد الخطيب

فَضلُ مَجَالِسِ الذِّكرِ وَتِلَاوَةِ القُرآنِ: خطبةُ جُمُعَةٍ فِي شَرحِ حَدِيثِ حَفَّتهُمُ المَلَائِكَةُ وَغَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ وَقِصَصِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي شَرَفِ الذَّاكِرِينَ

مشاركة
فَضلُ مَجَالِسِ الذِّكرِ وَتِلَاوَةِ القُرآنِ: خطبةُ جُمُعَةٍ فِي شَرحِ حَدِيثِ حَفَّتهُمُ المَلَائِكَةُ وَغَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ وَقِصَصِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي شَرَفِ الذَّاكِرِينَ الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ ذِكرَهُ حَيَاةً لِلقُلُوبِ وَالأَروَاحِ، وَنُورًا يَهدِي الحَائِرِينَ فِي الغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ، وَشَرَّفَ مَجَالِسَ الذَّاكِرِينَ وَالتَّالِينَ لِكِتَابِهِ فَجَعَلَهَا رِيَاضَ الجَنَّةِ فِي الدُّنيَا وَمَهْبِطَ السَّكِينَةِ وَالرَّحمَةِ وَالفَلَاحِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن ذَكَرَ رَبَّهُ فِي نَفسِهِ وَفِي المَلَإِ فَذَكَرَهُ اللهُ فِي المَلَإِ الأَعلَى، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الأَسمَاءُ الحُسنَى وَالصِّفَاتُ العُلَى، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الذَّاكِرِينَ، وَإِمَامُ الخَاشِعِينَ المُخبِتِينَ، الَّذِي كَانَ يَذكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحيَانِهِ، وَيُحِبُّ مَجَالِسَ الذِّكرِ وَيَأمُرُ أَصحَابَهُ بِالِارتِيَاعِ فِي رِيَاضِهَا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَبرَار، الَّذِينَ عَمَرُوا بُيُوتَ اللهِ بِالتِّلَاوَةِ وَالمُدَارَسَةِ وَالذِّكرِ فَبَاهَى اللهُ بِهِم مَلَائِكَتَهُ الكِرَامَ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ عَلَى الدَّوَام. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم - أَيُّهَا النَّاسُ - وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالإِكثَارِ مِن ذِكرِهِ سُبحَانَهُ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُم، وَعِمَارَةِ مَجَالِسِكُم بِتِلَاوَةِ كِتَابِهِ وَتَدَارُسِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّ ذِكرَ اللهِ هُوَ أَعظَمُ الزَّادِ، وَأَنفَعُ العُدَّةِ لِيَومِ المَعَادِ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ۝ ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وَيَقُولُ جَلَّ شَأنُهُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَو قِيلَ لِأَحَدِنَا اليَومَ: إِنَّ عَلَى وَجهِ الأَرضِ بُقَعًا وَمَجَالِسَ هِيَ قِطعَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، إِذَا جَلَستَ فِيهَا سَاعَةً وَاحِدَةً هَبَطَت إِلَيكَ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ فَأَحَاطَت بِكَ بِأَجنِحَتِهَا النُّورَانِيَّةِ، وَغَمَرَتكَ رَحمَةُ اللهِ مِن فَوقِ رَأسِكَ إِلَى أَخمَصِ قَدَمَيكَ، وَسَكَبَ اللهُ فِي قَلبِكَ سَكِينَةً تُذهِبُ كُلَّ هَمٍّ وَقَلَقٍ، وَالأَعظَمُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَنطِقُ بِاسمِكَ فِي المَلَإِ الأَعلَى عِندَ مَلَائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ؛ كَيفَ سَيَكُونُ شَوقُنَا وَتَسَابُقُنَا إِلَى هَذِهِ المَجَالِسِ العَظِيمَةِ؟! إِنَّ هَذَا الفَضلَ الهَائِلَ لَيسَ خَيَالًا وَلَا تَمَنِّيًا؛ بَل هُوَ وَعدٌ نَبَوِيٌّ صَادِقٌ نَطَقَ بِهِ مَن لَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَصحَابُ السُّنَنِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: «لَا يَقعُدُ قَومٌ يَذكُرُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ، وَنَزَلَت عَلَيهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَن عِندَهُ»! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «وَمَا اجتَمَعَ قَومٌ فِي بَيتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينَهُم، إِلَّا نَزَلَت عَلَيهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ، وَحَفَّتهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَن عِندَهُ»! تَعَالَوا بِنَا - يَا عِبَادَ اللهِ - فِي هَذِهِ الخُطبَةِ الإِيمَانِيَّةِ لِنَعِيشَ بَينَ يَدَي هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الجَلِيلِ؛ نَتَأَمَّلُ كَرَامَاتِهِ الأَربَعَ العُظمَى، وَنَستَعرِضُ القِصَصَ المَشهُودَةَ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَحَيَاةِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ الَّتِي رَأَوا فِيهَا هَذَا الوَعدَ النَّبَوِيَّ عِيَانًا، وَنَعرِفُ كَيفَ نَجعَلُ مَجَالِسَنَا وَبُيُوتَنَا عَامِرَةً بِذِكرِ اللهِ! عِبَادَ اللهِ: لِنَقِفْ أَوَّلًا مَعَ «الجَوَائِزِ وَالكَرَامَاتِ الأَربَعِ» الَّتِي ضَمِنَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِكُلِّ قَومٍ جَلَسُوا يَذكُرُونَ اللهَ، وَيَتلُونَ كِتَابَهُ، وَيَتَفَقَّهُونَ فِي دِينِهِ: الكَرَامَةُ الأُولَى: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا حَفَّتهُمُ المَلَائِكَةُ»: مَا مَعنَى «حَفَّتهُمُ المَلَائِكَةُ» فِي لُغَةِ العَرَبِ؟ الحَفُّ هُوَ الإِحَاطَةُ بِالشَّيءِ مِن جَمِيعِ جَوَانِبِهِ إِحَاطَةَ السِّوَارِ بِالمِعصَمِ، إِكرَامًا لَهُ، وَتَعظِيمًا لِشَأنِهِ، وَحِرَاسَةً لَهُ مِن كُلِّ سُوءٍ! تَخَيَّلْ - أَيُّهَا المُسلِمُ - وَأَنتَ جَالِسٌ الآنَ فِي هَذَا المَسجِدِ تَستَمِعُ إِلَى ذِكرِ اللهِ فِي خُطبَةِ الجُمُعَةِ، أَو جَالِسٌ فِي حَلقَةِ قُرآنٍ أَو دَرسِ عِلمٍ: أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحمَنِ الكِرَامَ الأطْهَارَ قَد نَزَلُوا مِنَ السَّمَاءِ فَأَحَاطُوا بِمَجلِسِكُم هَذَا، وَبَسَطُوا أَجنِحَتَهُم حَولَكُم وَفَوقَ رُؤُوسِكُم، يَتَرَاصُّ بَعضُهُم فَوقَ بَعضٍ حَتَّى يَبلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنيَا؛ مَحَبَّةً لَكُم، وَاستِمَاعًا لِذِكرِكُم، وَاستِغفَارًا لِذُنُوبِكُم! أَمَا عَلِمتَ أَنَّ الشَّيطَانَ يَفرُّ مِن مَجلِسٍ تَحُفُّهُ المَلَائِكَةُ؟ وَأَنَّ القَلبَ يَشرقُ بِنُورِ الإِيمَانِ إِذَا جَاوَرَتهُ مَلَائِكَةُ الرَّحمَنِ؟! الكَرَامَةُ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَغَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ»: تَأَمَّلُوا البَلَاغَةَ النَّبَوِيَّةَ المُعجِزَةَ فِي اختِيَارِ الأَلفَاظِ: لَم يَقُل فِي الرَّحمَةِ «نَزَلَت عَلَيهِم»، بَل قَال: «غَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ»! وَالغِشيَانُ فِي لُغَةِ العَرَبِ هُوَ التَّغطِيَةُ الشَّامِلَةُ الغَامِرَةُ الَّتِي تَعُمُّ الشَّيءَ كُلَّهُ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾! فَرَحمَةُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مَجَالِسِ الذِّكرِ لَا تَأْتِي قَطرَةً قَطرَةً، بَل تَغشَى الجَالِسِينَ جَمِيعًا كَالسَّحَابَةِ الغَادِيَةِ وَالبَحرِ الفَيَّاضِ، فَتَغسِلُ ذُنُوبَهُم، وَتَجبُرُ كَسرَهُم، وَتَستُرُ عُيُوبَهُم! الكَرَامَةُ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَنَزَلَت عَلَيهِمُ السَّكِينَةُ»: كَم مِن إِنسَانٍ فِي عَصرِنَا الحَاضِرِ يَملِكُ المَالَ وَالقُصُورَ وَالمَرَاكِبَ، لَكِنَّهُ يَشكُو مِن ضِيقِ الصَّدرِ، وَقلَقِ النَّفسِ، وَاضطِرَابِ الرُّوحِ، وَأَرَقِ اللَّيلِ، فَيَبحَثُ عَنِ «السَّكِينَةِ وَالطُّمَأنِينَةِ» فِي المَلَاهِي وَالأسفَارِ وَالعَقَاقِيرِ فَلَا يَجِدُهَا! وَلَو عَلِمَ المِسكِينُ أَينَ تَنزِلُ السَّكِينَةُ لَجَاءَ يُهَروِلُ إِلَى مَجَالِسِ الذِّكرِ وَالقُرآنِ! فَإِنَّ السَّكِينَةَ جُندٌ مِن جُنُودِ اللهِ لَا تَنزِلُ إِلَّا عَلَى القُلُوبِ الذَّاكِرَةِ الخَاشِعَةِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرَّعدِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الفَتحِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾. الكَرَامَةُ الرَّابِعَةُ (وَهِيَ التَّاجُ الأَعظَمُ وَالشَّرَفُ الأَرفَعُ): قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَن عِندَهُ»! اللهُ أَكبَرُ! تَوَقَّفُوا طَوِيلًا عِندَ هَذِهِ الجُملَةِ يَا عِبَادَ اللهِ! أَنتَ العَبدُ الفَقِيرُ الضَّعِيفُ المَغمُورُ الجَالِسُ فِي زَاوِيَةٍ مِن زَوَايَا المَسجِدِ، حِينَ تَجتَمِعُ مَعَ إِخوَانِكَ لِذِكرِ اللهِ وَتَدَارُسِ كِتَابِهِ، يَذكُرُكَ مَلِكُ المُلُوكِ وَرَبُّ العَرشِ العَظِيمِ بِاسمِكَ فِي المَلَإِ الأَعلَى عِندَ جِبرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَحَمَلَةِ العَرشِ وَالمَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، وَيُثنِي عَلَيكَ وَيُبَاهِي بِكَ مَلَائِكَتَهُ! لَو أَنَّ مَلِكًا أَو أَمِيرًا مِن أُمَرَاءِ الدُّنيَا ذَكَرَ اسمَكَ بِالثَّنَاءِ فِي مَجلِسِهِ الخَاصِّ، لَظَلَلتَ تَفتَخِرُ بِذَلِكَ طَوَالَ عُمُرِكَ؛ فَكَيَفَ وَالَّذِي يَذكُرُكَ فِي مَلَكُوتِ سَمَاوَاتِهِ هُوَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ؟! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي؛ فَإِن ذَكَرَنِي فِي نَفسِهِ ذَكَرتُهُ فِي نَفسِي، وَإِن ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرتُهُ فِي مَلَإٍ خَيرٍ مِنهُم»! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: تَعَالَوا بِنَا الآنَ إِلَى «رِيَاضِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ العَطِرَةِ وَحَيَاةِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ»، لِنَرَى قِصَصًا صَحِيحَةً مَوثَّقَةً تَجعَلُنَا نَرَى هَذَا الحَدِيثَ النَّبَوِيَّ رَأيَ العَينِ: القِصَّةُ الأُولَى مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ: «مُبَاهَاةُ اللهِ بِأَصحَابِ حَلقَةِ الذِّكرِ فِي مَسجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»: رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ وَمُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَومًا عَلَى حَلقَةٍ مِن أَصحَابِهِ جَالِسِينَ فِي المَسجِدِ، فَوَقَفَ عَلَيهِم وَقَال: «مَا أَجلَسَكُم؟»! قَالُوا: جَلَسنَا نَذكُرُ اللهَ، وَنَحمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَينَا! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُؤَكِّدًا وَمُستَحلِفًا لَهُم: «آللهِ مَا أَجلَسَكُم إِلَّا ذَاكَ؟»! قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ! فَتَهَلَّلَ وَجهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُم تِلكَ البِشَارَةَ الَّتِي تَطِيرُ لَهَا الأَفئِدَةُ فَرَحًا: «أَمَا إِنِّي لَم أَستَحلِفْكُم تُهمَةً لَكُم، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبرِيلُ فَأَخبَرَنِي أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ المَلَائِكَةَ»! تَأَمَّلُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - قَومٌ مِن فُقَرَاءِ الصَّحَابَةِ جَلَسُوا فِي المَسجِدِ لَا يَملِكُونَ دِينَارًا وَلَا دِرهَمًا، يَتَذَاكَرُونَ نِعمَةَ اللهِ عَلَيهِم بِالإِسلَامِ وَيَحمَدُونَهُ؛ فَيَنزِلُ أَمِينُ الوَحيِ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِن سَبعِ سَمَاوَاتٍ فِي التَّوِّ وَاللَّحظَةِ لِيُخبِرَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللهَ يُبَاهِي بِهَؤُلَاءِ الجَالِسِينَ مَلَائِكَتَهُ الكِرَامَ! القِصَّةُ الثَّانِيَةُ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ: «رُؤيَةُ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِحُفُوفِ المَلَائِكَةِ وَالسَّكِينَةِ عِيَانًا»: رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ أُسَيدَ بنَ حُضَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ - وَكَانَ مِن أَندَى النَّاسِ صَوتًا بِالقُرآنِ - بَينَمَا هُوَ لَيلَةً يَقرَأُ فِي مِربَدِهِ (مَوضِعِ تَجفِيفِ التَّمرِ) سُورَةَ البَقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مَربُوطَةٌ عِندَهُ، إِذ جَالَتِ الفَرَسُ وَاضطَرَبَت؛ فَسَكَتَ عَنِ القِرَاءَةِ فَسَكَنَتِ الفَرَسُ! فَعَادَ يَقرَأُ فَجَالَتِ الفَرَسُ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَسَكَتَ فَسَكَنَت! ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ مَرَّةً ثَالِثَةً! قَالَ أُسَيدٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: فَانصَرَفتُ، وَكَانَ ابنِي «يَحيَى» نَائِمًا قَرِيبًا مِنَ الفَرَسِ، فَأَشفَقتُ أَن تَطَأَهُ الفَرَسُ بِحَوَافِرِهَا؛ فَلَمَّا اجتَرَرتُ الغُلَامَ، رَفَعتُ رَأسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمثَالُ المَصَابِيحِ (أَنوَارٌ سَاطِعَةٌ فِي جَوفِ اللَّيلِ) عَرَجَت فِي الجَوِّ حَتَّى غَابَت عَن بَصَرِي! فَلَمَّا أَصبَحَ أُسَيدٌ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَأَخبَرَهُ الخَبَرَ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اقرَأْ يَا ابنَ حُضَيرٍ، اقرَأْ يَا ابنَ حُضَيرٍ»! قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، قَد أَشفَقتُ عَلَى يَحيَى أَن تَطَأَهُ الفَرَسُ فَرَفَعتُ رَأسِي فَإِذَا مِثلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمثَالُ المَصَابِيحِ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «تِلكَ المَلَائِكَةُ دَنَت لِصَوتِكَ، وَلَو قَرَأتَ لَأَصبَحَت يَنظُرُ النَّاسُ إِلَيهَا لَا تَتَوَارَى مِنهُم»! وَفِي رِوَايَةٍ: «تِلكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَت بِالقُرآنِ»! القِصَّةُ الثَّالِثَةُ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ: «قِصَّةُ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ مَعَ مَجلِسِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»: رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي وَاقِدٍ اللَّيثِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ فِي حَلقَةِ ذِكرٍ وَعِلمٍ، إِذ أَقبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ؛ فَأَقبَلَ اثنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ وَاحِدٌ؛ قَال: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرجَةً فِي الحَلقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلفَهُم، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدبَرَ ذَاهِبًا! فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن مَجلِسِهِ قَالَ لِأَصحَابِهِ: «أَلَا أُخبِرُكُم عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُم فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاستَحيَا فَاستَحيَا اللهُ مِنهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعرَضَ فَأَعرَضَ اللهُ عَنهُ»! فَاحذَرْ - يَا عَبدَ اللهِ - أَن تَمُرَّ بِمَجلِسِ ذِكرٍ أَو عِلمٍ فِي مَسجِدٍ وَأَنتَ فَارِغٌ لَا شُغلَ لَكَ فَتُعرِضَ عَنهُ استِثقَالًا أَو زُهدًا فِيهِ، فَيُعرِضَ اللهُ عَنكَ، بَلِ ادنُ وَاجلِسْ مَعَ الذَّاكِرِينَ يَأوِكَ اللهُ إِلَى رَحمَتِهِ! القِصَّةُ الرَّابِعَةُ مِن حَيَاةِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ: «اجلِسْ بِنَا نُؤمِنْ سَاعَةً»: كَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَ أَحَدُهُم صَاحِبَهُ فِي الطَّرِيقِ لَا يَجتَمِعُونَ عَلَى غِيبَةٍ وَلَا فُضُولِ كَلَامٍ؛ بَل كَمَا ذَكَرَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ أَحمَدُ عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ وَعَبدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: كَانَ عَبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَأخُذُ بِيَدِ النَّفَرِ مِن أَصحَابِهِ فَيَقُول: «تَعَالَوا بِنَا نُؤمِنْ سَاعَةً؛ فَلنَجلِسْ فَلْنَذكُرِ اللهَ فَنَزدَادَ إِيمَانًا بِطَاعَتِهِ لَعَلَّهُ يَذكُرُنَا بِمَغفِرَتِهِ»! باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدَ الشَّاكِرِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ أَنِيسُ الذَّاكِرِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين. أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، إِنَّ لِحَدِيثِ «حَفَّتهُمُ المَلَائِكَةُ وَغَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ» تَتمَّةً وَمَشهَدًا سَمَاوِيًّا عَجِيبًا يَحكِي لَنَا مَاذَا يَجرِي بَعدَ أَن يَنفَضَّ مَجلِسُ الذِّكرِ وَتَصعَدَ المَلَائِكَةُ إِلَى رَبِّهَا جَلَّ جَلَالُهُ! اسْمَعُوا بآذَانِ قُلُوبِكُم إِلَى مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلتَمِسُونَ أَهلَ الذِّكرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَومًا يَذكُرُونَ اللهَ تَنَادَوا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُم! فَيَحُفُّونَهُم بِأَجنِحَتِهِم إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا؛ فَيَسأَلُهُم رَبُّهُم وَهُوَ أَعلَمُ مِنهُم: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ! فَيَقُولُ: هَل رَأَونِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا وَاللهِ مَا رَأَوكَ! فَيَقُولُ: وَكَيفَ لَو رَأَونِي؟ يَقُولُونَ: لَو رَأَوكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمجِيدًا وَتَحمِيدًا، وَأَكثَرَ لَكَ تَسبِيحًا! قَال: فَيَقُولُ: فَمَا يَسأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسأَلُونَكَ الجَنَّةَ! قَال: يَقُولُ: وَهَل رَأَوهَا؟ يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوهَا! قَال: يَقُولُ: فَكَيَفَ لَو أَنَّهُم رَأَوهَا؟ يَقُولُونَ: لَو أَنَّهُم رَأَوهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيهَا حِرصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعظَمَ فِيهَا رَغبَةً! قَال: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ! يَقُولُ: وَهَل رَأَوهَا؟ يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوهَا! يَقُولُ: فَكَيَفَ لَو رَأَوهَا؟ يَقُولُونَ: لَو رَأَوهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً! فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: فَأُشهِدُكُم أَنِّي قَد غَفَرتُ لَهُم! فَيَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهِم فُلَانٌ لَيسَ مِنهُم، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ! فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: هُمُ الجُلَسَاءُ لَا يَشقَى بِهِم جَلِيسُهُم»! اللهُ أَكبَرُ! حَتَّى الَّذِي دَخَلَ المَسجِدَ لِحَاجَةٍ دُنيَوِيَّةٍ فَجَلَسَ مَعَ أَهلِ الذِّكرِ وَالعِلمِ، شَمِلَتهُ المَغفِرَةُ الإِلَهِيَّةُ بِبَرَكَةِ مُجَالَسَتِهِ لَهُم: «هُمُ الجُلَسَاءُ لَا يَشقَى بِهِم جَلِيسُهُم»! وَفِي مُقَابِلِ هَذَا الفَضلِ العَظِيمِ؛ حَذَّرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ التَّحذِيرِ مِن تِلكَ المَجَالِسِ وَالسَّهَرَاتِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي يَجتَمِعُ فِيهَا النَّاسُ سَاعَاتٍ فِي القِيلِ وَالقَالِ وَمُتَابَعَةِ المَبَارَيَاتِ وَالشَّاشَاتِ ثُمَّ يَقُومُونَ دُونَ أَن يَذكُرُوا اللهَ أَو يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَا جَلَسَ قَومٌ مَجلِسًا لَم يَذكُرُوا اللهَ فِيهِ، وَلَم يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِم، إِلَّا كَانَ عَلَيهِم تِرَةً (أَي حَسرَةً وَنَدَامَةً يَومَ القِيَامَةِ)، فَإِن شَاءَ عَذَّبَهُم وَإِن شَاءَ غَفَرَ لَهُم»! وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: «مَا مِن قَومٍ يَقُومُونَ مِن مَجلِسٍ لَا يَذكُرُونَ اللهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَن مِثلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُم حَسرَةً»! وَعَلَّمَنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَفَّارَةَ المَجلِسِ عِندَ القِيَامِ مِنهُ كَمَا فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ: «سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ». وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ وَصَفَ نَعِيمَ مَجَالِسِ الذِّكرِ وَحُفُوفَ المَلَائِكَةِ بِهَا فَقَال: مَجَالِسُ ذِكرِ اللهِ رَوضُ جِنَانِنَا ... تَحُفُّ بِهَا الأَملَاكُ مِن كُلِّ جَانِبِ تَغَشَّاهُمُ الرَّحمَاتُ مِن فَضلِ رَبِّهِمْ ... وَيَذكُرُهُمْ فِي العَرشِ مُعطِي الرَّغَائِبِ فَاعمُرُوا - يَا عِبَادَ اللهِ - أَوقَاتَكُم وَمَسَاجِدَكُم وَبُيُوتَكُم بِمَجَالِسِ الذِّكرِ وَتِلَاوَةِ القُرآنِ، وَاصبِرُوا أَنفُسَكُم مَعَ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ، وَلَا تَقُومُوا مِن مَجلِسٍ إِلَّا وَقَد عَطَّرتُمُوهُ بِذِكرِ اللهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ الذَّاكِرِينَ وَسَيِّدِ المُرسَلِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ فِي عُلَاهُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ، وَشُكرِكَ، وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ اجعَلْ جَمعَنَا هَذَا جَمعًا مَرحُومًا، وَتَفَرُّقَنَا مِن بَعدِهِ تَفَرُّقًا مَعصُومًا، وَلَا تَجعَلْ فِينَا وَلَا مَعَنَا شَقِيًّا وَلَا مَحرُومًا، اللَّهُمَّ أَنزِلْ عَلَى قُلُوبِنَا السَّكِينَةَ، وَاغشَنَا بِرَحمَتِكَ الوَاسِعَةِ، وَحُفَّنَا بِمَلَائِكَتِكَ الكِرَامِ، وَاذكُرنَا فِيمَن عِندَكَ فِي المَلَإِ الأَعلَى يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ وَيَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.