فَضلُ طَلَبِ العِلمِ الشَّرعِيِّ وَآدَابُهُ وَتَوقِيرُ العُلَمَاءِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَرَفِ العِلمِ وَحِليَةِ طَالِبِهِ وَمَكَانَةِ وَرَثَةِ الأَنبِيَاءِ
الحَمدُ للهِ العَلِيمِ الحَكِيمِ، الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَم يَعلَم، وَرَفَعَ بِالعِلمِ أَقوَامًا فَجَعَلَهُم فِي الخَيرِ قَادَةً يُقتَدَى بِهِم، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً قَرَنَ اللهُ فِيهَا شَهَادَةَ أُولِي العِلمِ بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ الأَبرَارِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ رَبُّهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، فَفَتَحَ بِهِ أَعيُنًا عُميًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلفًا، وَتَرَكَنَا عَلَى المَحَجَّةِ البَيضَاءِ لَيلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنهَا إِلَّا هَالِكٌ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ وَهُدَاةِ الأُمَّةِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ مِفتَاحُ البَصِيرَةِ، وَيَنبُوعُ الحِكمَةِ، وَسَبَبُ الفُرقَانِ فِي القُلُوبِ؛ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَو تَأَمَّلنَا فِي أَحوَالِ النَّاسِ وَهُم يَتَسَابَقُونَ فِي مَيَادِينِ الحَيَاةِ؛ فَهَذَا يَجمَعُ القَنَاطِيرَ المُقَنطَرَةَ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَذَاكَ يَطلُبُ الجَاهَ وَالمَنصِبَ وَالسُّلطَانَ، وَثَالِثٌ يَبنِي القُصُورَ الشَّاهِقَةَ وَيَغرِسُ البَسَاتِينَ النَّاضِرَةَ؛ ثُمَّ سَأَلنَا أَنفُسَنَا سُؤَالًا صَادِقًا: مَا هِيَ الغَنِيمَةُ البَاقِيَةُ الَّتِي لَا تَبلَى مَعَ تَقَلُّبِ الأَزمَانِ، وَلَا تَنقُصُ بِالإِنفَاقِ، بَل تَزدَادُ كُلَّمَا بُذِلَت، وَتَصحَبُ صَاحِبَهَا فِي دُنيَاهُ نُورًا وَهُدًى، وَفِي قَبرِهِ أُنسًا وَضِيَاءً، وَفِي آخِرَتِهِ رِفعَةً وَدَرَجَاتٍ عُلَى؟
إِنَّهَا يَا عِبَادَ اللهِ غَنِيمَةُ العِلمِ الشَّرعِيِّ النَّافِعِ؛ العِلمِ بِاللهِ تَعَالَى وَأَسمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَالعِلمِ بِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَالفِقهِ فِي الحَلَالِ وَالحَرَامِ. وَإِنَّ حَاجَةَ القُلُوبِ وَالأَروَاحِ إِلَى هَذَا العِلمِ أَعظَمُ مِن حَاجَةِ الأَبدَانِ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالهَوَاءِ؛ كَمَا قَرَّرَ الإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كَلِمَتِهِ المَأثُورَةِ: «النَّاسُ إِلَى العِلمِ أَحوَجُ مِنهُم إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَحتَاجُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي اليَومِ مَرَّةً أَو مَرَّتَينِ، وَحَاجَتُهُ إِلَى العِلمِ بِعَدَدِ أَنفَاسِهِ». وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ الأَبدَانَ إِذَا فَقَدَت غِذَاءَهَا مَاتَت مَوتَةً دُنيَوِيَّةً يَنقَطِعُ عَنهَا التَّكلِيفُ، أَمَّا القُلُوبُ إِذَا فَقَدَت نُورَ الوَحيِ وَغِذَاءَ العِلمِ مَاتَت مَوتَةَ الغَفلَةِ وَالضَّلَالَةِ، وَتَخَبَّطَت فِي ظُلُمَاتِ الجَهلِ وَالشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، فَتَعَرَّضَت لِلشَّقَاءِ فِي الدُّنيَا وَالعَذَابِ فِي الآخِرَةِ!
عِبَادَ اللهِ: لَقَد أَعلَى اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ شَأنَ العِلمِ وَأَهلِهِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ إِعلَاءً تَخشَعُ لَهُ القُلُوبُ وَتَسمُو بِهِ الهِمَمُ؛ وَيَكفِي العِلمَ شَرَفًا وَجَلَالًا أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى استَشهَدَ بِأُولِي العِلمِ عَلَى أَعظَمِ مَشهُودٍ بِهِ وَهُوَ تَوحِيدُهُ جَلَّ وَعَلَا، فَقَرَنَ شَهَادَتَهُم بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فَأَيُّ وِسَامٍ أَشرَفُ مِن هَذَا الوِسَامِ الإِلَهِيِّ؟ وَأَيُّ مَنزِلَةٍ أَرفَعُ مِن مَنزِلَةِ قَومٍ جَعَلَهُمُ اللهُ شُهَدَاءَ عَلَى تَوحِيدِهِ وَعَدلِهِ فِي أَرضِهِ؟
وَلَم يَأمُرِ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ وَصَفِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يَستَزِيدَ مِن شَيءٍ مِن مَتَاعِ الدُّنيَا وزِينَتِهَا، فَلَم يَقُلْ لَهُ: قُل رَبِّ زِدنِي مَالًا، وَلَا جَاهًا، وَلَا مُلكًا، بَل أَمَرَهُ أَن يَستَزِيدَ مِنَ العِلمِ وَحدَهُ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ طه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. وَنَفَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ المُسَاوَاةَ نَفيًا قَاطِعًا بَينَ مَن استَنَارَ قَلبُهُ بِالعِلمِ وَمَن رَضِيَ لِنَفسِهِ بِظُلمَةِ الجَهلِ؛ فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وَوَعدَ سُبحَانَهُ أَهلَ الإِيمَانِ وَالعِلمِ بِالرِّفعَةِ العَالِيَةِ فِي الدَّارَينِ؛ فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ المُجَادَلَةِ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: «يَرفَعُ اللهُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ مِنَ المُؤمِنِينَ عَلَى الَّذِينَ لَم يُؤتَوُا العِلمَ بِسَبعِمِائَةِ دَرَجَةٍ، مَا بَينَ الدَّرَجَتَينِ مَسِيرَةُ خَمسِمِائَةِ عَامٍ».
وَإِذَا يَمَّمنَا وُجُوهَنَا شَطرَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ، رَأَينَا البِشَارَاتِ النَّبَوِيَّةَ العَظِيمَةَ تَتَوَالَى عَلَى كُلِّ مَن خَطَا خُطوَةً فِي طَلَبِ العِلمِ وَالفِقهِ فِي الدِّينِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ مِن حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الفِقهَ فِي دِينِ اللهِ عُنوَانَ إِرَادَةِ اللهِ الخَيرَ بِالعَبدِ، وَدَلِيلَ اصطِفَائِهِ وَمَحَبَّتِهِ؛ لِأَنَّ مَن فَقِهَ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَرَفَ رَبَّهُ فَعَبَدَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَعَرَفَ الحَقَّ فَاتَّبَعَهُ، وَعَرَفَ البَاطِلَ فَاجتَنَبَهُ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلتَمِسُ فِيهِ عِلمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا اجتَمَعَ قَومٌ فِي بَيتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ يَتلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينَهُم، إِلَّا نَزَلَت عَلَيهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ، وَحَفَّتهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَن عِندَهُ». اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ اللهِ! تَأَمَّلُوا فِي هَذَا الشَّرَفِ العَظِيمِ: أَقدَامٌ تَمشِي إِلَى حَلَقَاتِ العِلمِ وَمَجَالِسِ الذِّكرِ، أَو أَنَامِلُ تُقَلِّبُ صَفَحَاتِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَسمَاعٌ تُصغِي إِلَى مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ؛ فَيُكَافِئُهَا المَلِكُ الجَوَادُ سُبحَانَهُ بِتَسهِيلِ الطَّرِيقِ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَتَنَزُّلِ السَّكِينَةِ، وَغِشيَانِ الرَّحمَةِ، وَذِكرِ المَلَأِ الأَعلَى!
بَل استَمِعُوا بِقُلُوبِكُم إِلَى ذَلِكَ المَوكِبِ الكَونِيِّ المَهِيبِ الَّذِي يَحتَفِي بِطَالِبِ العِلمِ وَيَستَغفِرُ لِلعَالِمِ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَطلُبُ فِيهِ عِلمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِن طُرُقِ الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلمِ، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَستَغفِرُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ وَالحِيتَانُ فِي جَوفِ المَاءِ، وَإِنَّ فَضلَ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضلِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنبِيَاءَ لَم يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا العِلمَ، فَمَن أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: لِمَاذَا فَضَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ العَالِمَ عَلَى العَابِدِ كَفَضلِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ؟ وَالجَوَابُ وَاضِحٌ جَلِيٌّ: لِأَنَّ الكَوكَبَ يُضِيءُ لِنَفسِهِ ضَوءًا خَافِتًا، وَكَذَلِكَ العَابِدُ يَقتَصِرُ نَفعُ عِبَادَتِهِ عَلَى نَفسِهِ فَقَط، وَإِذَا مَاتَ انقَطَعَ أَثَرُهُ؛ أَمَّا القَمَرُ لَيلَةَ البَدرِ فَإِنَّهُ يَملَأُ الآفَاقَ نُورًا، وَيَهتَدِي بِضَوئِهِ السَّارُونَ فِي الفَلَوَاتِ وَالبِحَارِ، وَكَذَلِكَ العَالِمُ الرَّبَّانِيُّ؛ نَفعُهُ مُتَعَدٍّ إِلَى الأُمَّةِ كُلِّهَا، يُعَلِّمُ الجَاهِلَ، وَيُرشِدُ الضَّالَّ، وَيُفَتِّي المُستَفتِيَ، وَيَذُبُّ عَن حِيَاضِ الشَّرِيعَةِ تَحرِيفَ الغَالِينَ وَانتِحَالَ المُبطِلِينَ وَتَأوِيلَ الجَاهِلِينَ، وَحَتَّى الحِيتَانُ فِي قَعرِ البِحَارِ وَالدَّوَابُّ فِي الفَلَوَاتِ تَستَغفِرُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُعَلِّمُ النَّاسَ الإِحسَانَ إِلَى الخَلقِ وَالرِّفقَ بِالبَهَائِمِ وَإِقَامَةَ العَدلِ الَّذِي بِهِ تَصلُحُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ!
غَيرَ أَنَّ هَذَا الشَّرَفَ الرَّفِيعَ يَا عِبَادَ اللهِ لَا يُنَالُ بِمُجَرَّدِ الدَّعوَى، وَلَا يُدرَكُ بِحَملِ الشَّهَادَاتِ أَو كَثرَةِ المَحفُوظَاتِ المَقطُوعَةِ عَنِ التَّزكِيَةِ وَالعَمَلِ؛ بَل لَا بُدَّ لِطَالِبِ العِلمِ مِن حِليَةٍ يَتَحَلَّى بِهَا، وَآدَابٍ يَتَأَدَّبُ بِهَا؛ إِذِ الأَدَبُ هُوَ وِعَاءُ العِلمِ وَحَارِسُهُ، وَمَن فَقَدَ الأَدَبَ حُرِمَ بَرَكَةَ العِلمِ وَنُورَهُ وَإِن حَفِظَ المُتُونَ وَصَنَّفَ الدَّوَاوِينَ!
فَمَا هِيَ أَعظَمُ آدَابِ طَلَبِ العِلمِ الَّتِي سَارَ عَلَيهَا سَلَفُنَا الصَّالِحُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم؟
إِنَّ الأَدَبَ الأَوَّلَ وَالأَسَاسَ الأَعظَمَ هُوَ: إِخلَاصُ النِّيَّةِ للهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي طَلَبِ العِلمِ؛ بِأَن يَنوِيَ الطَّالِبُ بِتَعَلُّمِهِ رَفعَ الجَهلِ عَن نَفسِهِ أَوَّلًا، وَرَفعَ الجَهلِ عَن أُمَّتِهِ ثَانِيًا، وَإِحيَاءَ الشَّرِيعَةِ وَالعَمَلَ بِهَا ابتِغَاءَ مَرضَاةِ اللهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ؛ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَيِّنَةِ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. قَالَ الإِمَامُ سُفيَانُ الثَّورِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مَا عَالَجنَا شَيئًا أَشَدَّ عَلَينَا مِن نِيَّاتِنَا؛ إِنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَينَا». وَقَد حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَشدَّ التَّحذِيرِ مِمَّن يَتَعَلَّمُ العِلمَ الشَّرعِيَّ لِيَتَكَثَّرَ بِهِ فِي المَجَالِسِ، أَو لِيَطلُبَ بِهِ الشُّهرَةَ وَالتَّصَدُّرَ وَحُطَامَ الدُّنيَا؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَابنِ مَاجَه وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن تَعَلَّمَ عِلمًا مِمَّا يُبتَغَى بِهِ وَجهُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنيَا، لَم يَجِدْ عَرفَ الجَنَّةِ يَومَ القِيَامَةِ»، يَعنِي رِيحَهَا! وَفِي سُنَنِ ابنِ مَاجَه وَالتِّرمِذِيِّ عَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ وَجَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَعَلَّمُوا العِلمَ لِتُبَاهُوا بِهِ العُلَمَاءَ، وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا تَخَيَّرُوا بِهِ المَجَالِسَ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ».
وَالأَدَبُ الثَّانِي مِن آدَابِ طَلَبِ العِلمِ: اقترَانُ العِلمِ بِالخَشيَةِ وَالتَّقوَى وَالعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَإِنَّ ثَمَرَةَ العِلمِ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ خَشيَةُ اللهِ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي كَلِمَةٍ تَكتَبُ بِمَاءِ العُيُونِ: «لَيسَ العِلمُ بِكَثرَةِ الرِّوَايَةِ، وَلَكِنَّ العِلمَ الخَشيَةُ». وَقَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «هَتَفَ العِلمُ بِالعَمَلِ، فَإِن أَجَابَهُ وَإِلَّا ارتَحَلَ». فَيَا مَن يَحفَظُ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثَ وَالمَسَائِلَ: هَل رُؤِيَ أَثَرُ مَا تَعلَمُ فِي خُشُوعِ صَلَاتِكَ، وَصِدقِ لِسَانِكَ، وَبِرِّكَ بِوَالِدَيكَ، وَعِفَّةِ بَصَرِكَ، وَأَمَانَتِكَ فِي مُعَامَلَتِكَ؟ فَإِنَّ العِلمَ بِلَا عَمَلٍ حُجَّةٌ دَامِغَةٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَومَ القِيَامَةِ!
وَالأَدَبُ الثَّالِثُ: الصَّبرُ وَالمُصَابَرَةُ وَالتَّدَرُّجُ وَعُلُوُّ الهِمَّةِ فِي التَّحصِيلِ؛ فَإِنَّ العِلمَ لَا يُعطِيكَ بَعضَهُ حَتَّى تُعطِيَهُ كُلَّكَ، وَلَا يُنَالُ مَعَ الكَسَلِ وَالدَّعَةِ وَإِيثَارِ الرَّاحَةِ؛ كَمَا قَالَ يَحيَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ فِيمَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: «لَا يُستَطَاعُ العِلمُ بِرَاحَةِ الجِسمِ». وَقَد ضَرَبَ اللهُ تَعَالَى لَنَا المَثَلَ الأَعلَى فِي الصَّبرِ عَلَى طَلَبِ العِلمِ وَالرِّحلَةِ إِلَيهِ بِقِصَّةِ كَلِيمِ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَ الخَضِرِ فِي سُورَةِ الكَهفِ؛ حِينَ قَطَعَ المَسَافَاتِ الطِّوَالَ وَقَالَ لِفَتَاهُ: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾، حَتَّى إِذَا لَقِيَ الخَضِرَ خَاطَبَهُ بِأَرقَى عِبَارَاتِ التَّوَاضُعِ وَالتَّلَطُّفِ وَالأَدَبِ، وَهُوَ نَبِيٌّ كَرِيمٌ مِن أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقَالَ لَهُ كَمَا حَكَى اللهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، ثُمَّ وَعَدَهُ بِالصَّبرِ وَالطَّاعَةِ فَقَالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.
وَالأَدَبُ الرَّابِعُ يَا عِبَادَ اللهِ: التَّحَلِّي بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ وَالتَّوَاضُعِ، وَالحَذَرُ مِن دَاءِ الكِبرِ وَالعُجبِ؛ فَكَم مِن طَالِبٍ حَفِظَ مَسأَلَتَينِ أَو قَرَأَ كِتَابَينِ فَدَخَلَهُ الغُرُورُ، فَرَأَى نَفسَهُ فَوقَ النَّاسِ، وَتَطَاوَلَ عَلَى مَن هُوَ أَعلَمُ مِنهُ! وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي أَثَرِهِ المَشهُورِ: «تَعَلَّمُوا العِلمَ، وَتَعَلَّمُوا لِلعِلمِ السَّكِينَةَ وَالوَقَارَ، وَتَوَاضَعُوا لِمَن تَتَعَلَّمُونَ مِنهُ وَلِمَن تُعَلِّمُونَهُ، وَلَا تَكُونُوا جَبَابِرَةَ العُلَمَاءِ فَلَا يَقُومَ جَهلُكُم بِعِلمِكُم». مَا أَعظَمَ هَذِهِ الوَصِيَّةَ العُمَرِيَّةَ الجَامِعَةَ! وَمَا أَصدَقَ قَولَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ جَمَعَ شُرُوطَ تَحصِيلِ العِلمِ وَآدَابَهُ فِي أَبيَاتِهِ الخَالِدَةِ السَّائِرَةِ مَسِيرَ الشَّمسِ:
أَخِي لَن تَنَالَ العِلمَ إِلَّا بِسِتَّةٍ ... سَأُنبِيكَ عَن تَفصِيلِهَا بِبَيَانِ
ذَكَاءٌ وَحِرصٌ وَاجتِهَادٌ وَبُلغَةٌ ... وَصُحبَةُ أُستَاذٍ وَطُولُ زَمَانِ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَبِهَديِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقوَى، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن أَعظَمِ شَعَائِرِ هَذَا الدِّينِ، وَمِن أَوثَقِ عُرَى الأَدَبِ الشَّرعِيِّ: مَعرِفَةَ قَدرِ العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، وَتَوقِيرَهُم، وَالتَّأَدُّبَ مَعَهُم، وَالصدُورَ عَن رَأيِهِم وَفَتوَاهُم؛ فَهُم وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ، وَحُرَّاسُ الشَّرِيعَةِ، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، وَصَمَّامُ أَمَانِ الأُمَّةِ عِندَ تَلَاطُمِ الفِتَنِ وَادلِهمَامِ الخُطُوبِ؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ النَّحلِ آمِرًا بِالرُّجُوعِ إِلَيهِم عِندَ الجَهلِ وَالإِشكَالِ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مُوَجِّهًا الأُمَّةَ عِندَ النَّوَازِلِ العِظَامِ إِلَى رَدِّ الأَمرِ إِلَى أَهلِ العِلمِ وَالاستِنبَاطِ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
وَلَقَد جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَعرِفَةَ حَقِّ العَالِمِ وَإِجلَالَهُ شَرطًا مِن شُرُوطِ كَمَالِ الانتِسَابِ إِلَى هَذِهِ الأُمَّةِ المَرحُومَةِ؛ فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيسَ مِن أُمَّتِي مَن لَم يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ».
وَلَقَد ضَرَبَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الهُدَى أَروَعَ الأَمثِلَةِ فِي إِجلَالِ العُلَمَاءِ وَالتَّوَاضُعِ بَينَ أَيدِيهِم؛ فَهَذَا حَبرُ الأُمَّةِ وَتَرجُمَانُ القُرآنِ، وابنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، يَرَى الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ الفَقِيهَ الفَرَضِيَّ زَيدَ بنَ ثَابِتٍ الأَنصَارِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَركَبُ دَابَّتَهُ، فَيُقبِلُ ابنُ عَبَّاسٍ بِنَفسِهِ فَيَأخُذُ بِرِكَابِ دَابَّةِ زَيدٍ وَزِمَامِهَا يَقُودُهَا لَهُ! فَيَقُولُ لَهُ زَيدٌ مُستَعظِمًا ذَلِكَ: تَنَحَّ يَا ابنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ! فَيَقُولُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ: «هَكَذَا أُمِرنَا أَن نَفعَلَ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا»! فَيَأخُذُ زَيدُ بنُ ثَابِتٍ يَدَ ابنِ عَبَّاسٍ فَيُقَبِّلُهَا وَيَقُولُ: «هَكَذَا أُمِرنَا أَن نَفعَلَ بِأَهلِ بَيتِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»! فَأَيُّ مُجَامَلَةٍ إِيمَانِيَّةٍ، وَأَيُّ أَدَبٍ نَبَوِيٍّ رَفِيعٍ بَينَ العِلمِ وَالنَّسَبِ الشَّرِيفِ!
وَهَذَا الإِمَامُ الرَّبِيعُ بنُ سُلَيمَانَ المُرَادِيُّ تِلمِيذُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى، يُصَوِّرُ لَنَا مِقدَارَ هَيبَةِ العَالِمِ فِي قُلُوبِ طُلَّابِهِ الصَّادِقِينَ، فَيَقُولُ فِيمَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ وَالخَطِيبُ البَغدَادِيُّ: «وَاللهِ مَا اجتَرَأتُ أَن أَشرَبَ المَاءَ وَالشَّافِعِيُّ يَنظُرُ إِلَيَّ هَيبَةً لَهُ»! وَكَانَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ نَفسُهُ يَقُولُ عَن جُلُوسِهِ بَينَ يَدَي شَيخِهِ إِمَامِ دَارِ الهِجرَةِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ: «كُنتُ أَتَصَفَّحُ الوَرَقَةَ بَينَ يَدَي مَالِكٍ تَصَفُّحًا رَفِيقًا هَيبَةً لَهُ؛ لِئَلَّا يَسمَعَ وَقعَهَا»! وَقَالَ الإِمَامُ طَاوُسُ بنُ كَيسَانَ اليَمَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مِنَ السُّنَّةِ أَن يُوَقَّرَ العَالِمُ».
إِنَّنَا فِي زَمَانِنَا هَذَا يَا عِبَادَ اللهِ — زَمَنِ الفَضَاءِ المَفتُوحِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ وَكَثرَةِ الجُرأَةِ عَلَى القَولِ فِي دِينِ اللهِ بِلَا عِلمٍ — أَحوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى إِحيَاءِ فِقهِ الأَدَبِ مَعَ العُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ؛ فَإِنَّكَ تَرَى اليَومَ بِأَسَفٍ شَدِيدٍ مَن لَم يَثنِ رُكبَتَيهِ فِي حَلَقَاتِ العِلمِ، وَلَم يُتقِنْ أُصُولَ الفِقهِ وَلَا قَوَاعِدَ التَّفسِيرِ وَالحَدِيثِ، يَتَسَوَّرُ مِحرَابَ الفُتيَا فِي الدِّمَاءِ وَالأَمَوَالِ وَالأَعرَاضِ، أَو يَطلِقُ لِسَانَهُ بِالطَّعنِ وَالتَّجرِيحِ وَالاستِخفَافِ بِأَئِمَّةِ الإِسلَامِ وَعُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ إِذَا خَالَفَت فَتوَاهُم هَوَاهُ أَو حِزبَهُ أَو مَصلَحَتَهُ! وَقَد قَالَ الحَافِظُ ابنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ تَبيِينِ كَذِبِ المُفتَرِي كَلِمَتَهُ السَّائِرَةَ: «اعلَم يَا أَخِي وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ لِمَرضَاتِهِ أَنَّ لُحُومَ العُلَمَاءِ مَسمُومَةٌ، وَعَادَةُ اللهِ فِي هَتكِ أَستَارِ مُنتَقِصِيهِم مَعلُومَةٌ؛ فَمَن أَطلَقَ لِسَانَهُ فِي العُلَمَاءِ بِالثَّلبِ ابتَلَاهُ اللهُ قَبلَ مَوتِهِ بِمَوتِ القَلبِ».
وَإِنَّ تَوقِيرَ العُلَمَاءِ وَالأَدَبَ مَعَهُم يَا عِبَادَ اللهِ لَا يَعنِي الغُلُوَّ فِيهِم أَوِ اعتِقَادَ عِصمَتِهِم؛ فَلَيسَ أَحَدٌ بَعدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَعصُومًا مِنَ الخَطَأِ، وَلَكِنَّ الأَدَبَ الشَّرعِيَّ يَقتَضِي حِفظَ كَرَامَتِهِم، وَحَملَ كَلَامِهِم عَلَى أَحسَنِ المَحَامِلِ، وَالدُّعَاءَ لَهُم، وَالاستِفَادَةَ مِن عِلمِهِم، وَأَن يُعرَفَ لِلمُجتَهِدِ مِنهُم أَجرُهُ؛ فَإِنَّهُ إِن أَصَابَ فَلَهُ أَجرَانِ، وَإِن أَخطَأَ فَلَهُ أَجرٌ وَاحِدٌ وَخَطَؤُهُ مَغفُورٌ، مَعَ التَّأَدُّبِ فِي السُّؤَالِ، وَحُسنِ الإِنصَاتِ فِي مَجَالِسِ الدَّرسِ، وَتَركِ المُقَاطَعَةِ وَالجِدَالِ العَقِيمِ.
فَاللهَ اللهَ يَا عِبَادَ اللهِ فِي إِحيَاءِ مَجَالِسِ العِلمِ فِي مَسَاجِدِكُم وَبُيُوتِكُم! خُذُوا بِأَيدِي أَبنَائِكُم وَبَنَاتِكُم إِلَى حَلَقَاتِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ وَالفِقهِ، وَازرَعُوا فِي قُلُوبِهِم مَحَبَّةَ العِلمِ وَتَعظِيمَ الوَحيِ وَتَوقِيرَ العُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ أُمَّةً تُكرِمُ عُلَمَاءَهَا وَتُربِّي نَاشِئَتَهَا عَلَى العِلمِ وَالأَدَبِ أُمَّةٌ مَنصُورَةٌ مَحفُوظَةٌ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى.
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى نَبِيِّ الهُدَى وَمُعَلِّمِ البَشَرِيَّةِ الخَيرَ؛ كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ عَلِّمنَا مَا يَنفَعُنَا، وَانفَعنَا بِمَا عَلَّمتَنَا، وَزِدنَا عِلمًا وَعَمَلًا وَهُدًى وَتُقًى يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ عِلمًا نَافِعًا، وَرِزقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَنعُوذُ بِكَ مِن عِلمٍ لَا يَنفَعُ، وَمِن قَلبٍ لَا يَخشَعُ، وَمِن نَفسٍ لَا تَشبَعُ، وَمِن دَعوَةٍ لَا يُستَجَابُ لَهَا. اللَّهُمَّ احفَظ عُلَمَاءَ المُسلِمِينَ الرَّبَّانِيِّينَ، وَوَفِّقهُم لِلصَّدعِ بِالحَقِّ وَالدَّعوَةِ إِلَى سَبِيلِكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ، وَبارِك فِي طَلَبَةِ العِلمِ وَاجعَلهُم هُدَاةً مُهتَدِينَ غَيرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَانصُر عِبَادَكَ المُستَضعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
فَضلُ طَلَبِ العِلمِ الشَّرعِيِّ وَآدَابُهُ وَتَوقِيرُ العُلَمَاءِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَرَفِ العِلمِ وَحِليَةِ طَالِبِهِ وَمَكَانَةِ وَرَثَةِ الأَنبِيَاءِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.