من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

مشاعل الهدى وحملة التشويه

مشاركة
🕌 مَشاعِلُ الهُدَى... وحَملَةُ التَّشويه #خطبة_جمعة #العلماء #الدعوة_إلى_الله #المنافقون #حفظ_اللسان #عقيدة #الدعوة الحمدُ للهِ الذي بَعَثَ في كلِّ أُمَّةٍ نَذيرًا، وأقامَ للحقِّ حُرَّاسًا لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم ولا مَن خالَفَهم حتى يَأتِيَ أمرُ الله. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ العُلَماءَ والدُّعاةَ المخلصين وَرَثةَ الأنبياءِ في أمَّتِه، يَحفظون المِلَّة، ويَحرُسون العقيدة. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الدُّعاةِ وقُدوَةُ المُصلِحين، الشَّفيعُ المُشَفَّع، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا مَدينةً يُحاصِرُها ظَلامٌ دامِس، وفيها رِجالٌ يَحمِلونَ مَشاعِلَ النُّورِ لِيَدُلُّوا النَّاسَ على طَريقِ النَّجاةِ من الهَلاك. فَبَدَلَ أن يَشكُرَهُمُ القَوم، خَرَجَ فِريقٌ من داخِلِ المَدينة يُحاوِلُ إطفاءَ تِلكَ المَشاعِل، ويَصِفُ حامِليها بِالجُنونِ والتَّخَلُّفِ والفَساد، ويُحَرِّضُ العَوامَّ على رَجمِهِم! هذه لَيسَت قِصَّةً خَياليَّة، بَل هِيَ أقدَمُ مَعرَكَةٍ على وَجهِ الأرض، مَعرَكَةٌ تَتَكَرَّرُ اليَومَ في هَواتِفِكُم ومَجالِسِكُم... وسَنَعرِفُ بَعدَ قَليلٍ كَيفَ نَكونُ شُرَكاءَ فيها دونَ أن نَشعُر. أيُّها المُسلِمون، لَقَد اقتَضَت حِكمَةُ اللهِ جَلَّ جَلالُه أن تَستَمِرَّ رِسالَةُ الإسلامِ بَعدَ انقِطاعِ الوَحي وانقضاءِ زَمَنِ النُّبوَّة، فَأَورَثَ اللهُ هذا الدِّينَ لِرِجالٍ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ عَلَيه. رِجالٌ باعوا دُنياهُم لِيَشتَروا آخِرَةَ النَّاس. الدَّاعي إلى الله، والعالِمُ الرَّبَّاني، والمُصلِحُ الصَّادق... هؤلاء لَيسوا مُجَرَّدَ مُوَظَّفينَ يُلْقونَ خُطَبًا، بَل هُم "جِهازُ المَناعَةِ" في جَسَدِ هذه الأُمَّة. إذا ضَعُفوا، نَخَرَ المَرَضُ في عِظامِ المُجتَمَع، وإذا أُسكِتوا، عَمَّ الفَساد. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى، رافعًا قَدرَهم ومُعَلِّيًا شَأنَهم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. تأمَّلوا هذا الِاستفهامَ الرَّبَّانيَّ العَظيم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾؟ لا أحَد! مَهما بَلَغَت فَصاحَةُ البُلَغاء، ومَهما ارتَفَعَت خُطَبُ السِّياسِيِّين، ومَهما كَثُرَت كَلِماتُ المُفَكِّرين... يَبقى الشَّابُّ الذي يُعَلِّمُ النَّاسَ الفاتِحَة، والداعيةُ الذي يَرُدُّ شَبَابَ الأُمَّةِ عَن طَريقِ المُخَدِّراتِ والزِّنا إلى طَريقِ المَسجِد، أحسَنَ النَّاسِ قَولًا بِنَصِّ القُرآن. ويقولُ النَّبيُّ ﷺ مُبَيِّنًا هذه المَنزِلَةَ العُظمى: «إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ، إِنَّ الأَنبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (رواه أبو داود والترمذي). هَل سَأَلتُم أنفُسَكُم يَومًا: لماذا يَحتاجُ المُجتَمَعُ إلى الدَّاعية؟ لأنَّنا نَنسى. لأنَّ الدُّنيا تَجذِبُنا مِن رِقابِنا إلى أسفَل. لأنَّ المَرَضَ والشَّهواتِ والشُّبُهاتِ تَتَخَطَّفُ القُلوبَ كَما تَتَخَطَّفُ الذِّئابُ الشَّاةَ القاصِيَة. الدَّاعيةُ هو ذلِكَ الصَّوتُ المُزعِجُ لِغَفلَتِنا، الرَّحيمُ بِأرواحِنا. هو الَّذي يَقِفُ لِيَقولَ لَك: "استَيقِظ، العُمُرُ يَمضي، والمَوتُ قَريب، واللِّقاءُ حَقّ". يقولُ الإمامُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "لَولا العُلَماءُ لَصارَ النَّاسُ مِثلَ البَهائِم". أي: لَولا مَن يُذَكِّرُ النَّاسَ بِأخلاقِ السَّماء، لانحَدَروا إلى أخلاقِ الغابَة؛ القَويُّ يَأكُلُ الضَّعيف، والشَّهوَةُ تَحكُمُ العَقل. ولَكِن... هَل يَرضى الشَّيطانُ بِهذا النُّور؟ هَل يَرضى المُنافِقونَ وأصحابُ المَصالِحِ الفاسِدَةِ بِوُجودِ مَن يُوقِظُ ضَمائِرَ النَّاس؟ كَلَّا والله. وَمِن هُنا تَبدَأُ الحَرب. عبادَ الله، إنَّ أعداءَ الفَضيلَةِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ يَعلَمونَ يَقينًا أنَّهُم لا يَستَطيعونَ مُواجَهَةَ "الإسلام" بِشَكلٍ مُباشِر، خَصَّةً في مُجتَمَعٍ مُسلِم. لا يَستَطيعُ المُنافِقُ أن يَخرُجَ إلى الشَّاشَةِ أو إلى النَّاسِ لِيَقول: "اتْرُكوا القُرآن، ودَعوا الصَّلاة". إذن، ما هي الحيلَة؟ ما هُوَ المَكرُ الخَبيث؟ أن يُسقِطوا "حامِلَ" الرِّسالَة، لِتَسقُطَ الرِّسالَةُ تَبَعًا لِذلِك. هُم يُريدونَ لِلفَواحِشِ أن تَنتَشِر، ويُريدونَ لِلرِّبا أن يَسود، ويُريدونَ لِشَبابِ الأُمَّةِ أن يَغفُوا في سَريرِ الشَّهَوات. ولَكِنَّ الدَّاعِيَةَ الصَّادقَ يُفسِدُ عَلَيهِم خُطَّتَهم. لِذلِك، يَتَحَوَّلُ الهَدَفُ إلى "تَشويهِ صُورَةِ الدَّاعِيَة". يَتَّهِمونَهُم بِالتَّخَلُّف، وبِالرَّجعِيَّة، وبِالجَهلِ بِالواقِع، وتارَةً بِالنِّفاق، وتارَةً بِحُبِّ المال، وتارَةً بِطَلَبِ السُّلطَة. واسمَعوا لِهَذا المَشهَدِ القُرآنيِّ العَجيب، كَيفَ صَوَّرَ اللهُ لَنا حَملَةَ التَّشويهِ الإعلامِيَّةَ التي قامَ بِها فِرعَونُ ضِدَّ نَبِيِّ اللهِ موسى عليه السَّلام. موسى جاءَ بِالتَّوحيدِ والعَدل، وفِرعَونُ يُمَثِّلُ قِمَّةَ الظُّلمِ والفَسادِ واستِعبادِ النَّاس. فَبِماذا اتَّهَمَ فِرعَونُ موسى أمامَ الجَماهير؟ يقولُ اللهُ تَعالى عَن فِرعَون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26]. يا سُبحانَ الله! فِرعَونُ — الَّذي يُذَبِّحُ الأطفالَ ويَستَحيي النِّساءَ ويَقولُ "أنا رَبُّكُمُ الأعلى" — يَخافُ مِن موسى أن يُظهِرَ في الأرضِ الفَساد؟! نَعَم، هذا هُوَ قَلبُ الحَقائِق. عِندَما يَملِكُ المُنافِقُ والظَّالِمُ مَنابِرَ الكَلام، فَإنَّهُ يَجعَلُ المُصلِحَ مُفسِدًا، والمُفسِدَ مُصلِحًا. وهذا نَفسُهُ ما يَفعَلُهُ طابورُ المُنافِقينَ اليَومَ مَعَ دُعاةِ الإِسلام؛ يَصِمونَهُم بِالفَسادِ وإثارَةِ الفِتَن، وهُمُ المصلحون! ولنتَأمَّل مَعًا هذا المَوقِفَ من سِيرةِ الصَّادقِ المَصدوقِ ﷺ، لِنُدرِكَ أنَّ حَمَلاتِ التَّشويهِ وتخويفَ المُجتَمَعِ من الدُّعاةِ حِرفَةٌ قَديمَة. قَدِمَ الطُّفَيلُ بنُ عَمرٍو الدَّوسِيُّ رَضيَ اللهُ عنه إلى مَكَّة — قَبلَ أن يُسلِم، وكانَ سَيِّدًا في قَومِه، شاعِرًا لَبيبًا. فَما إن وَطِئَت قَدَماهُ مَكَّة، حتَّى اجتَمَعَ إلَيهِ كُبَراءُ قُرَيش (آلَةُ الإعلامِ والتَّشويهِ في ذَلِكَ الزَّمان). ماذا قالوا لَه؟ قالوا: يا طُفَيل، إنَّكَ قَدِمْتَ بِلادَنا، وإنَّ هذا الرَّجُلَ (يَقصِدونَ النَّبيَّ ﷺ) قَد فَرَّقَ جَماعَتَنا، وشَتَّتَ أَمرَنا، وإنَّما قَولُهُ كَالسِّحرِ، يُفَرِّقُ بَينَ المَرءِ وأخيه، وبَينَ المَرءِ وزَوجَتِه! وإنَّا نَخافُ عَلَيكَ وعلى قَومِكَ ما قَد دَخَلَ عَلَينا، فَلا تُكَلِّمْهُ أَبَدًا ولا تَسمَعْ مِنك! تَأمَّلوا! هُم لَم يَكْتَفوا بِمُحارَبَةِ النَّبيِّ ﷺ، بل صَنَعوا حَولَهُ جِدارًا مِنَ الإِشاعاتِ لِيَمنَعوا النَّاسَ حتَّى مِنَ (الِاستِماعِ) إلَيه. يَقولُ الطُّفَيل: فَواللهِ ما زالوا بي يُحَذِّرونَنِي حتَّى أجمَعتُ ألَّا أسمَعَ مِنهُ شَيئًا، حتَّى حَشَوتُ في أُذُنَيَّ كُرسُفًا (أي قُطنًا) حينَ غَدَوتُ إلى المَسجِدِ خَوفًا مِن أن يَبلُغَنِي شَيءٌ مِن قَولِه! رَجُلٌ عاقِلٌ، كَبيرٌ في قَومِه، يَضَعُ القُطنَ في أُذُنَيهِ مَخافَةَ أن يَسمَعَ كَلِمَة! ما الَّذي أَوْصَلَهُ إلى هذهِ الحالَة؟ إنَّها "حَملَةُ التَّشويهِ المُنَظَّمَة". ولَكِنَّ اللهَ أَبى إلَّا أن يُسمِعَه. يَقولُ الطُّفَيل: فَغَدَوتُ إلى المَسجِدِ، فَإذا رَسولُ اللهِ ﷺ قائِمٌ يُصَلِّي عِندَ الكَعبَة، فَقُمتُ قَريبًا مِنه، فَأَبى اللهُ إلَّا أن يُسمِعَني بَعضَ قَولِه، فَسَمِعتُ كَلامًا حَسَنًا. فَقُلتُ في نَفسي: واثُكلَ أُمِّياه! واللهِ إنِّي لَرَجُلٌ لَبيبٌ شاعِر، ما يَخفى عَلَيَّ الحَسَنُ مِنَ القَبيح، فَما يَمنَعُني أن أسمَعَ مِن هذا الرَّجُلِ ما يَقول؟ فَلَمَّا انصَرَفَ النَّبيُّ ﷺ تَبِعَهُ الطُّفَيل، وسَمِعَ مِنهُ القُرآن، فَقال: "واللهِ ما سَمِعتُ قَولًا قَطُّ أحسَنَ مِنه، ولا أمرًا أعدَلَ مِنه". فَأَسلَمَ مَكانَه. عبادَ الله، هل سَأَلتُم أنفُسَكُم يَومًا: كَم "قُطنَةً" يَضَعُها إعلامُ المُنافِقينَ اليَومَ في آذانِ شَبابِنا وبَناتِنا لِكَي لا يَسمَعوا لِلعُلَماءِ والدُّعاة؟ يَقتَطِعونَ مَقطَعًا صَغيرًا مِن مُحاضَرَةٍ طَويلَة، يَبتُرونَ السِّياق، يُرَكِّبونَ كَلِمَةً على كَلِمَة، ثُمَّ يَنشُرونَها في وسائِلِ التَّواصُل، لِيَقولوا لِلنَّاس: انظُروا، هَؤُلاءِ هُم عُلَماؤكُم! هَؤُلاءِ هُم دُعاتُكُم! وهُنا يَأتي الخَطَرُ الأكبَر. الخَطَرُ لَيسَ في المُنافِقِ الَّذي قَصَّ المَقطَع، فَهذا قَد باعَ دينَهُ مُنذُ زَمَن. الخَطَرُ في ذلِكَ الشَّابِّ المُسلِم، تِلكَ الفَتاةِ المُسلِمَة، ذلِكَ الرَّجُلِ الطَّيِّب، الَّذي يَرى المَقطَعَ في هاتِفِه، فَـ يَضحَك، ثُمَّ يَضغَطُ زِرَّ "المُشارَكَة" (Share) أو يُعيدُ النَّشر، لِيَكونَ شَريكًا في جَريمَةِ اغتيالِ سُمعَةِ عُلَماءِ الأُمَّةِ ودُعاتِها! واللهِ إنَّها لَقاصِمَةُ الظَّهر! يَحسَبُها بَعضُ النَّاسِ مُزاحًا، أو نَقدًا عابِرًا، أو مُشارَكَةً بَسيطَة. ولَكِنَّ اللهَ يَقول: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]. تَحسَبونَهُ هَيِّنًا... وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم! يقولُ الإمامُ الحافِظُ ابنُ عَساكِرَ رَحِمَهُ اللهُ في كَلِمَتِهِ الخالِدَة: "اعلَم يا أخي — وَفَّقَنَا اللهُ وإيَّاك لِمَرضاتِه — أنَّ لُحومَ العُلَماءِ مَسمومَة، وعادَةَ اللهِ في هَتكِ أستارِ مُنتَقِصيهِم مَعلومَة، وأنَّ مَن أطلَقَ لِسانَهُ في العُلَماءِ بِالثَّلْب، بَلاهُ اللهُ قَبلَ مَوتِهِ بِمَوتِ القَلب". نَعَم، مَوتُ القَلب! لأنَّ الَّذي يَطعَنُ في حامِلِ الشَّريعَة، إنَّما يَطعَنُ في الشَّريعَةِ نَفسِها في نِهايَةِ المَطاف. فإذا سَقَطَت هَيبَةُ الدَّاعِيَةِ في عَينِ الشَّاب، مِن أينَ سَيَأخُذُ الشَّابُّ دينَه؟ سَيَأخُذُهُ مِن التَّافِهينَ، ومِن دُعاةِ الضَّلالَة، ومِن المُشكِّكين! وهذا ما يَقودُنا إلى حَقيقَةٍ قاطِعَة: إنَّ واجِبَ المُجتَمَعِ نَحوَ الدَّاعِيَةِ إلى اللهِ لَيسَ مُجَرَّدَ الِاستِماعِ إلَيه في خُطبَةِ الجُمُعَة، بَل واجِبُ المُجتَمَعِ "حِمايَتُه"، والذَّبُّ عَن عِرضِه، والدِّفاعُ عَن رِسالَتِه. تَأمَّلوا مَعي هذا المَوقِفَ العَظيمَ الَّذي يَرويهِ لَنا التَّاريخُ النَّبَوي، لِنَتَعَلَّمَ كَيفَ يَكونُ المُجتَمَعُ حارِسًا لِحُرَّاسِه. في غَزوَةِ تَبوك، تَخَلَّفَ كَعبُ بنُ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه عَنِ الغَزوَة (وقَد تابَ اللهُ عَلَيهِ لاحِقًا). وفي لَحظَةٍ مِنَ اللَّحَظات، والنَّبيُّ ﷺ جالِسٌ بَينَ الجُندِ في تَبوك، سَأَلَ: «ما فَعَلَ كَعبُ بنُ مالِك؟» فَقامَ رَجُلٌ مِن بَني سَلَمَة فَقال: "يا رَسولَ الله، حَبَسَهُ بُرداهُ، والنَّظَرُ في عِطفَيه" (أي ألهَتهُ ثِيابُهُ وغُرورُهُ بِنَفسِه — يَطعَنُ في عِرضِه ودينِه). في تِلكَ اللَّحظَة، لَم يَصمُتِ الصَّحابَة! لَم يَقولوا: "هذا رَأيُه، وهذِهِ حُرِّيَّةُ تَعبير"! لَم يَسكتوا على الطَّعنِ في أخيهِمُ المُسلِم، فَكَيفَ لَو كانَ المَطعونُ فيهِ عالِمًا أو داعِيَة؟ قامَ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ رَضيَ اللهُ عنه — كَالأَسَدِ الغاضِب — وقالَ لِلرَّجُل: «بِئسَ ما قُلت! واللهِ يا رَسولَ اللهِ ما عَلِمنا عَلَيهِ إلَّا خَيرًا». فَسَكَتَ رَسولُ اللهِ ﷺ (وأقَرَّ مُعاذًا على دِفاعِه). [متفق عليه]. "ما عَلِمنا عَلَيهِ إلَّا خَيرًا" — كَلِمَةٌ يَجِبُ أن تَكونَ دِرعًا نُدافِعُ بِهِ عَن عُلَماءِ الأُمَّةِ ودُعاتِها إذا سَمِعنا مَن يَنهَشُ في أعراضِهِم في المَجالِس أو على مَنَصَّاتِ التَّواصُل. يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «مَن رَدَّ عَن عِرضِ أخيهِ، رَدَّ اللهُ عَن وَجهِهِ النَّارَ يَومَ القِيامَة» (رواه الترمذي وقال حديث حسن). فَكَيفَ بِمَن يَرُدُّ عَن عِرضِ ورثةِ الأنبياء؟ إخوَتي في الله، دَعوني أسأَلُكُم صَراحَةً: ماذا لَو نَجَحَ المُنافِقونَ في إسكَاتِ الدُّعاة؟ ماذا لَو استَسْلَمَ العُلَماءُ وتَرَكوا السَّاحَةَ خَوفًا على أعراضِهِم مِنَ السَّبِّ والشَّتمِ والتَّشويه؟ الجَوابُ مُرعِب، جَوابٌ قَد يَجعَلُ القَلبَ يَرتَجِف. يقولُ النَّبيُّ ﷺ مُحَذِّرًا تَحذيرًا عامًّا تَرتَعِدُ مِنهُ الفَرائِص: «إنَّ النَّاسَ إذا رَأَوا الظَّالِمَ فَلَم يَأخُذوا على يَدَيهِ، أَوشَكَ أن يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقابٍ مِن عِندِه» (رواه أبو داود والترمذي وصححه). وإذا غابَ الدَّاعِيَة، وغابَ الآمِرُ بِالمَعروفِ والنَّاهي عَنِ المُنكَر، نَزَلَتِ اللَّعنَةُ وغارَتِ البَرَكَة. ألَم نَقرَأ قَولَ رَبِّنا جَلَّ جَلالُه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ۝ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79]. إنَّ الدَّاعِيَةَ الصَّادِقَ — مَهما اختَلَفنا مَعَهُ في بَعضِ الِاجتِهادات — يَبقى أمانًا لِلمُجتَمَع، وصِمامَ أمانٍ لِلأُسرَة. هو الَّذي يُعَلِّمُ ابنَكَ كَيفَ يُصَلِّي، ويُعَلِّمُ ابنتَكَ كَيفَ تَحتَشِم، ويُذَكِّرُ التَّاجِرَ بِالحَلال، ويُخَوِّفُ الظَّالِمَ مِن عِقابِ الله. يقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "الرَّادُّ على أهلِ البِدَعِ والمُفسِدينَ مُجاهِد". فالكلمةُ في زَمَنِ الفِتَنِ جِهادٌ، والثَّباتُ على الحَقِّ حِينَ تَتَخَطَّفُ الأهواءُ النَّاسَ جِهادٌ. ... فانتبه. قبلَ أن يُسدَلَ السِّتار، وتُطوى الصُّحُف. إيَّاكَ أن تَجعَلَ إصبَعَكَ الَّذي تَضغَطُ بِهِ على شاشَةِ هاتِفِكَ، سَبَبًا في حِرمانِكَ مِنَ الجَنَّة. إيَّاكَ أن تُشارِكَ في مَقطَعٍ يَسخَرُ مِن مَظهَرِ داعِيَة، أو يَبتُرُ كَلامَ عالِم، أو يَغمِزُ في قَناةِ مُصلِح. هُوَ يَقِفُ على ثَغرَةٍ يَحرُسُ دينَ الله، فَلا تَكُن أنتَ السَّهمَ الَّذي يَأتيهِ مِن ظَهرِه. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن مَكانَةِ الدَّاعِيَةِ إلى اللهِ وحِراسَتِهِ لِسَفينَةِ المُجتَمَع، ووَقَفنا مَع مَكايِدِ المُنافِقينَ قَديمًا وحَديثًا في تَشويهِ صورَةِ الصَّادقين لِتَنفيرِ النَّاسِ مِنهُم، وعَرَفنا أنَّ صَمتَنا على هذا التَّشويهِ يُنذِرُ بِعِقابِ الله. والآن، إخوتي، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأَهَمّ: كَيفَ نَكونُ حِصنًا لِدُعاتِنا ولِدِينِنا في أَيَّامِنا هَذِه؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكم: الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ مِنَ الحِقدِ على أهلِ الدِّين. إذا رَأَيتَ مِن نَفسِكَ نُفورًا مِن سَماعِ المَواعِظ أو كُرهًا لِلعُلَماء، فَراجِع إيمانَك، واسأَلِ اللهَ أن يُطَهِّرَ قَلبَكَ، فَإنَّ حُبَّ أهلِ الطَّاعَةِ مِن عَلاماتِ صِحَّةِ الإيمان. الثانية (لِسانيَّة): احفَظ لِسانَكَ — وإصبَعَكَ على هاتِفِكَ — مِن نَشرِ أيِّ مَقطَعٍ مَبتورٍ أو صُورَةٍ ساخِرَةٍ تَستَهدِفُ داعِيَةً أو عالِمًا. إنَّ الكَلِمَةَ الطَّائِشَةَ قد تُردي صاحِبَها في جَهَنَّمَ سَبعينَ خَريفًا. الثالثة (عَمَليَّة): خُذِ العِلمَ مِن مَنابعِهِ الصَّافِيَة، لا مِن الفيديوهاتِ المُجتَزَأةِ في مَنَصَّاتِ التَّفاهَة. اذهَب إلى كُتُبِهِم، واستَمِع إلى مُحاضَراتِهِمُ الكامِلَة، فَهُناكَ الفَهمُ العَميق، لا في الثَّواني القَصيرَةِ المَليئَةِ بِالشُّبُهات. الرابعة (اجتماعيَّة): كُن كَمُعاذِ بنِ جَبَل! إذا كُنتَ في مَجلِسٍ واغتابَ أحدهم مُصلِحًا أو داعِيَة، فلا تَصمُت. دافِع عَن عِرضِ أخيك، وقُل: "لا نَعلَمُ عَلَيهِ إلَّا خَيرًا، ولَحْمُ العُلَماءِ مَسموم". الخامسة (موضوعيَّة): ادعَم جُهودَ الدَّعوَةِ إلى الله، بِمالِك، أو بوَقتِك، أو بِتَشجيعِ أبنائِكَ على حُضورِ حِلَقِ القُرآنِ ومَجالِسِ العِلم. فَسَفينَةُ النَّجاةِ تَحتاجُ كُلَّ يَدٍ تَبني وتُدافِع. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي التي تَحمِلُكُم على نُصرَةِ الحقِّ وحِفظِ حُرمَةِ أهلِه. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، القائِل: «البَخيلُ مَن ذُكِرتُ عِندَهُ فَلَم يُصَلِّ عَلَيَّ». اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ احفَظ عُلَماءَنا ودُعاتَنا والمُصلِحينَ في كُلِّ مَكان. اللَّهُمَّ مَن أرادَهُم وأرادَ دِينَكَ بِخَيرٍ فَوَفِّقْهُ لِكُلِّ خَير، ومَن أرادَهُم بِسوءٍ أو مَكرٍ أو تَشويه، فَاجعَل كَيدَهُ في نَحرِه، واكْفِنا شَرَّهُ بِما شِئتَ يا قَويُّ يا مَتين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِفتاحًا لِلخَيرِ مِغلاقًا لِلشَّر. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا سَهمًا في أقواسِ المُنافِقين، ولا بوقًا لِلمُرجِفين، ورُدَّنا إلَيكَ رَدًّا جَميلًا. اللَّهُمَّ ارزُقنا حُبَّكَ، وحُبَّ مَن يُحِبُّكَ، وحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنا إلى حُبِّك. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ عامَّة، وَوَحِّد كَلِمَتَهُم، وانصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِنهُم في كُلِّ بَقاعِ الأرض. عبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وأَقِمِ الصَّلَاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.