من مكتبة مِداد الخطيب

سَفِينَةُ النَّجَاة... حَتَّى لا نَغْرَقَ جَمِيعًا

مشاركة
🕌 سَفِينَةُ النَّجَاة... حَتَّى لا نَغْرَقَ جَمِيعًا #خطبة_جمعة #الأمر_بالمعروف #النهي_عن_المنكر #الدعوة_إلى_الله #صلاح_المجتمع #أخلاق #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ هذه الأُمَّةَ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت للنَّاسِ، تأمُرُ بالمعروفِ وتَنهى عن المُنكَرِ وتُؤمِنُ بالله، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ النَّجاةَ في الأمرِ بالمعروف، وجَعَلَ الهَلاكَ في السُّكوتِ والرِّضا بالباطل، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ الدُّعاة، وسَيِّدُ المُصلِحين، الرَّفيقُ الشَّفيقُ الذي بعَثَهُ اللهُ رَحمةً للعالمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا معي مَشهدًا، تَخَيَّلوا أنَّنا جميعًا في سَفينةٍ واحدةٍ تَمخُرُ عُبابَ البَحر. فجأةً، نَزَلَ أحَدُ الرُّكَّاب إلى أسفل السَّفينة، وأمسَكَ بفَأسٍ، وبدأَ يَضربُ قاعَ السَّفينةِ ليَخرِقَها! الماءُ بَدأ يَتَسَرَّب... وأنتَ تَنظُرُ إليه. لو تَرَكتَهُ وقلتَ: "هذه حُريَّتُه الشَّخصيَّة، وهذا مَكانُه فليَفعَل ما يَشاء"... لَغَرِقتَ أنت، وغَرِقَ هو، وغَرِقنا جَميعًا! ولو أوقَفتَهُ وأمْسَكتَ على يَدَيه... لَنَجا، ونَجَوتَ، ونَجَونا جَميعًا! اليومَ — يا عباد الله — مُجتَمَعُنا هو هذه السَّفينة، والفُؤوسُ تَضربُ في قاعِها ليلَ نهار. فهل سَنَتَكَلَّم... أم سَنَنتَظِرُ الغَرَق؟ أيها الإخوةُ الأحبَّة، نحنُ اليومَ نَعيشُ في زَمَنٍ انعَكَسَت فيه المَفاهيم، وانتَكَسَت فيه الفِطَر. زَمَنٌ أصبَحَ فيه القابضُ على دينِهِ كالقابضِ على الجَمر، وأصبَحَ الذي يأمرُ بالمعروفِ ويَنهى عن المنكَر يُتَّهَمُ بأنَّهُ "مُتَخَلِّف"، أو "مُتَدَخِّل في شُؤون غيرِه"، أو "رَجعيٌّ يُصادِرُ حُرِّيَّات النَّاس". لقد نَجَحَ الشَّيطانُ — بخطواتٍ بَطيئةٍ وخَبيثة — في تَلجيمِ ألسِنَتِنا، حتَّى صِرنا نَرى المُنكَرَ في شاشاتنا، وفي شَوارعنا، بل وفي بُيوتنا، فَنَغُضُّ الطَّرفَ ونَمضي، وكأنَّ الأمرَ لا يَعنينا! دعوني أسألكم بصدق: ما الذي جَعَلَ هذه الأُمَّةَ تَسودُ العالَم؟ ما الذي رَفَعَ قَدرَها عند الله؟ هل هو كَثرَةُ أموالها؟ لا والله. هل هو سَبقُها في التكنولوجيا؟ لا والله. اسمعوا إلى كلامِ مَلِكِ المُلوك، وهو يُتَوِّجُ هذه الأُمَّةَ بوسامِ الشَّرَفِ الخالد: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. توقَّفوا هنا! ما هو سَبَبُ هذه الخَيريَّة؟ هل لِأنَّنا نُصَلِّي ونَصومُ فقط؟ استَمِعوا للتَّكملة: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. قال أميرُ المؤمنينَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه وهو يَقرَأُ هذه الآية: "يا أيُّها النَّاس، مَن سَرَّهُ أن يَكونَ مِن تلك الأُمَّة، فليُؤَدِّ شَرطَ اللهِ فيها". يا عباد الله، إنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكَرِ ليسَ "نشاطًا تطوُّعيًا" نَفعَلُه في وقتِ الفَراغ! بل هو هُويَّةُ الأُمَّة، هو صِمامُ الأمان، هو الحَبلُ السُّرِّيُّ الذي يَربِطُنا برَحمةِ الله. إذا قُطِعَ هذا الحَبل، ارتَفَعَتِ الرَّحمةُ وحَلَّتِ اللَّعنة! نعم، اللَّعنة! وهذه ليست مُبالَغةً خَطابيَّة، بل هي حقيقةٌ قُرآنيَّةٌ مُرعِبة. هل سَألتُم أنفُسَكُم يومًا: لِماذا لَعَنَ اللهُ بَني إسرائيل؟ لِماذا طَرَدَهم من رَحمتِه؟ يقول ربُّنا تبارك وتعالى مُجيبًا على هذا السُّؤالِ المُخيف: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ما هو هذا الاعتداء؟ ما هي الجريمةُ الكُبرى التي جَلَبَت اللَّعنة؟ اسمعوا: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79]. قال ابنُ كثيرٍ رحمه الله في تفسيرِها: "أي كان لا يَنهى أحَدُهم أحَدًا عن مُقارفةِ المآثِم والمَحارِم، ثم ذَمَّهم اللهُ على ذلك ليُحَذِّرَ مَن شابههم في صَنيعهم". كانوا يَجلسون في مَجالسهم، يَرى الرجُلُ أخاهُ يَعصي الله، فلا يُنكرُ عليه، بل يُجالِسُه ويُؤاكِلُه وكأنَّ شيئًا لم يَكُن! ألَا يُشبِهُ هذا حالَ كَثيرٍ منَّا اليوم؟ نَرى الشَّابَّ يَترُكُ الصَّلاة، ونَرى الفَتاةَ تَتَبَرَّج، ونَرى التَّاجِرَ يَغُشّ، ونَرى المَقاطِعَ الفاسِدةَ تُتَداوَل في مَجموعاتِ الهَواتف، فنَسكُت، ونَبتَسِم، ونُجامِل، خَوفًا من أن نَخسَرَ علاقَةً أو نُغضِبَ إنسانًا! فوالله، لَغَضَبُ اللهِ أشَدّ، ولَخَسارَةُ الآخِرةِ أخطَر. ويُبَيِّنُ لنا النَّبيُّ ﷺ قاعِدةَ السَّفينةِ التي ذَكَرتُها لكم في أوَّلِ الخُطبة بِأروَعِ تَصويرٍ وأدَقِّ بَيان. اسمعوا لِهذا الحديثِ الذي يَنبغي أن يُكتَبَ بمَاءِ الذَّهب، قال رسول الله ﷺ: «مَثَلُ القائِمِ على حُدودِ اللهِ والواقِعِ فيها، كَمَثَلِ قَومٍ استَهَموا على سَفينةٍ، فأصابَ
بَعضُهم أعلاها وبَعضُهم أسفَلَها، فكان الذين في أسفَلِها إذا استَقَوا من الماء مَرُّوا على مَن فَوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خَرَقنا في نَصيبنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فَوقَنا! فَإن يَتْرُكوهُم وما أرادوا هَلَكوا جَميعًا، وإن أخَذوا على أيديهِم نَجَوا، ونَجَوا جَميعًا» [رواه البخاري]. يا لَعَظَمةِ هذا التَّصوير! المُجتَمَعُ سَفينة. والذَّنبُ ثُقبٌ في قاعِها. العاصي يَقُول: "أنا حُرّ! هذا نَصيبي من السَّفينة أخرِقُهُ كما أشاء! هذه حياتي أفعَلُ بها ما أُحبّ!". والقائِمُ على حُدودِ اللهِ يَقول: "نعم حياتُك، لكنَّنا في سَفينةٍ واحِدة، وذَنبُك سَيُغْرِقُنا كُلَّنا!". قال اللهُ تعالى مُحَذِّرًا من السُّكوت: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25]. العَذابُ إذا نَزَل، لا يُمَيِّزُ بين العاصي والسَّاكِتِ الرَّاضي! وفي الحديث الصَّحيح، قال النَّبيُّ ﷺ مُقسِمًا: «والَّذي نَفسي بيَدِه، لَتَأمُرُنَّ بالمَعروف، ولَتَنهَوُنَّ عن المُنكَر، أو لَيوشِكَنَّ اللهُ أن يَبعَثَ عَليكُم عِقابًا مِن عِنده، ثُمَّ لَتَدعُنَّه فَلا يُستَجابُ لَكُم» [رواه الترمذي وحسنه]. يا الله! أهذا هو سَبَبُ تأخُّرِ الإجابةِ في دُعائنا اليوم؟ نَدعو على الظَّالمين فلا يُستجاب، نَدعو بصلاح الحال فلا يَتَغَيَّر، لأنَّنا عطَّلنا فَريضةَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! لكن، هنا قَضيَّةٌ مِفصَليَّة، ومَنزَلَقٌ خَطيرٌ يَقَعُ فيه بَعضُ الغَيورين. بَعضُ النَّاس يَظُنُّ أنَّ الأمرَ بالمَعروفِ يَعني القَسوةَ، والفَظاظَةَ، والتَّعالي على الخَلق، وتَوزيعَ صُكوكِ الجَنَّةِ والنَّار. يَأتي للنَّصيحةِ وكأنَّهُ قاضٍ يَحكُمُ على مُجرِم، لا كطبيبٍ يُعالِجُ مَريضًا! وهذا واللهِ مُخالِفٌ لهَديِ النَّبيِّ ﷺ. الغايَةُ من الأمر بالمَعروفِ هي "إنقاذُ النَّاس"، لا "إثباتُ أنَّك أفضَلُ منهم"!
استَمِعوا إلى هذا المشهَدِ العَظيم من حَياةِ المُعَلِّمِ الأوَّل ﷺ. جاءَهُ شابٌّ في رَيعانِ شَبابِه، تَدفَعُهُ شَهوَتُه، وقَفَ أمامَ النَّبيِّ ﷺ في المَسجِد، وبين الصَّحابة، وقال جُملةً تَصعَقُ الآذان: "يا رَسولَ اللهِ، ائذَنْ لي في الزِّنا!". تَخَيَّلوا المَوقِف! شابٌّ يَطلُبُ تَصريحًا بالزِّنا في مَسجِدِ النَّبيِّ ﷺ! ماذا فَعَلَ الصَّحابة؟ غَضِبوا، وصاحوا به، وقالوا: "مَهْ مَهْ!" (يَزجُرونَه). لكن انظُروا إلى الطَّبيبِ الرَّحيم، إلى الدَّاعيةِ الرَّفيق ﷺ. لم يَغضَب، لم يَصرُخ، لم يَطرُده من المَسجِد، بَل قال له: «ادْنُهْ». فقَرَّبَهُ مِنهُ حتَّى جَلَسَ بين يَدَيه. وبدأ الحِوارُ العَقليُّ العاطفيُّ الهادئ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جَعَلَني اللهُ فِداك. قال: «ولَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهاتهم». «أَفَتُحِبُّهُ لابنَتِك؟» قال: لا والله. قال: «ولَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَناتهم». «أَفَتُحِبُّهُ لِأُختِك؟ عَمَّتِك؟ خالتِك؟» والشَّابُّ في كُلِّ مَرَّةٍ يَقول: لا والله. ثُمَّ ماذا فَعَل ﷺ؟ مَدَّ يَدَهُ الشَّريفة، المَليئةَ بالرَّحمة، فوَضَعَها على صَدرِ الشَّاب، ودَعا لهُ وقال: «اللَّهُمَّ اغفِرْ ذَنبَهُ، وطَهِّر قَلبَهُ، وحَصِّن فَرجَهُ». قال الرَّاوي: فلم يَكُن شيءٌ أبغَضَ إلى الشَّابِّ بَعدَها من الزِّنا! [رواه أحمد بصند صحيح]. يا لَها من مَدرَسة! هكذا يَكونُ الأمرُ بالمَعروف! قال الإمامُ سُفيانُ الثَّوريُّ رَحِمه الله واصِفًا الدَّاعية: "لا يَأمُرُ بالمَعروفِ ولا يَنهى عَنِ المُنكَرِ إلَّا مَن كان فيه خِصالٌ ثَلاث: رَفيقٌ بِما يَأمُر، رَفيقٌ بِما يَنْهى. عَدلٌ بِما يَأمُر، عَدلٌ بِما يَنْهى. عالِمٌ بِما يَأمُر، عالِمٌ بِما يَنْهى". وقَرَّرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمه الله قاعِدةً ذَهبيَّةً فقال: "يَنبَغي أن يَكونَ الأمرُ بالمَعروفِ في نَفسِهِ مَعروفًا، والنَّهيُ عن المُنكَرِ في نَفسِهِ غَيرَ مُنكَر". فلا تُعالجِ الخَطأَ بخَطِيئة، ولا تُصلِحِ المُنكَرَ بمُنكَرٍ أوسَعَ مِنه بالصُّراخِ والفَضيحَة. عِبادَ الله، كَم من كَلمةٍ لَيِّنَةٍ طَيِّبة، خَرَجَت من قَلبٍ صادِق، أيقَظَت إنسانًا من غَفلَتِه! وكَم من مَوعِظَةٍ قاسِيةٍ فُجَّة، أبْعَدَتِ النَّاسَ عن طَريقِ المَساجِد! النَّصيحةُ هَدِيَّة، والغَليظُ يَرمي الهَدِيَّةَ في وُجوهِ النَّاسِ فَيرفُضونَها، والرَّفيقُ يُغَلِّفُها بالمَحَبَّةِ فَيَقبَلونَها. ومَعَ ضَرورَةِ الرِّفق، إلَّا أنَّ الرِّفقَ لا يَعني "السُّكوت"! نَحنُ في زَمَنٍ استَشرى فيهِ الفَساد، وأصبَحَ الحَرامُ سَهلًا في يَدِ الصَّغير والكبير عَبْرَ هَواتِفهم. وأصبَحَ التَّفاهَةُ مِعيارًا للنَّجاح. إذا سكَتَ أهلُ الحقِّ، مَن الذي سَيَتَكَلَّم؟ قال النَّبيُّ ﷺ: «مَن رَأى مِنكُم مُنكَرًا فليُغَيِّرهُ بيَدِه، فإن لَم يَستَطِع فبِلِسانِه، فإن لَم يَستَطِع فبقَلبِه،
وذلك أضعَفُ الإيمان» [رواه مسلم]. والتَّغييرُ باليَدِ لِمَن لَهُ سُلطَة (كالأبِ في بَيتِه، والمُديرِ في عَمَلِه). والتَّغييرُ باللِّسانِ بَيانُ الحَقِّ بالكَلِمَةِ الطَّيِّبة (وهذا وظيفةُ الجَميع). أمَّا التَّغييرُ بالقَلب — وهو الحدُّ الأدنَى الذي لا يُعذَرُ فيه أحد — فهو أن تَكرَهَ المُنكَرَ في قَلبِك، وتَبتَعِدَ عن مَجالِسِه. أمَّا أن تَجلِسَ مع أهلِ المَعصيَة وتَضحَكَ مَعَهم وتَقول: "أنا أُغيِّرُ بقَلبي"، فهذا واللهِ تَدليسٌ على النَّفس! تَخَيَّلوا مَعي مشهَدًا أخيرًا قَبل أن أنزِل... تَخَيَّل نفسَكَ يومَ القِيامَة، تَقِفُ أمامَ الله، فَيَأتي إنسانٌ — جَارُك، أو زَميلُك في العَمَل، أو قَريبُك — فَيُمسِكُ بتَلابيبِك أمامَ الجَبَّارِ جَلَّ جَلالُه، ويَقول: "يا ربّ! سَلْ هذا، لِماذا رآني أَعصيكَ فلم يَنصَحني؟ لِماذا رآني أترُكُ صَلاتي فلم يُذَكِّرني؟ يا ربّ، لقد كان يَبتَسِمُ في وَجهي، ولم يُخَوِّفني من عِقابِك!". فَبِماذا سَتُجيب؟ ماذا سَيَنفَعُكَ حينها حَياؤُك أو خَجَلُك المَوهوم؟ أنقِذوا أنفُسَكُم، وأنقِذوا إخوانَكُم، وأنقِذوا هذه السَّفينَة قَبلَ أن تَغرَق. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، وقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَع حَقيقَةِ أنَّنا في سَفينَةٍ واحِدة، وأنَّ النَّجاةَ مَرهونةٌ بأخذِنا على أيدي بَعضِنا البَعض، وتَدَبَّرنا كيف كان النَّبيُّ ﷺ يَنصَحُ بِرَحمَةٍ لا باستِعلاء. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأَهَمّ: كَيفَ نُطَبِّقُ هذا الحَقَّ في زَمَنٍ كَثُرَت فيه الحَساسيَّات والمُنكَرات مَعًا؟ كيفَ نَأمُر بِالمَعروف دُونَ أن نُفسِدَ أكثَرَ مِمَّا نُصلِح؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكُم: الأولى (قَلبيَّة): أخلِص نيَّتَكَ قَبلَ أن تَنطِق. اسأل نَفسَكَ: هل أنا أنصَحُهُ غَيرَةً على دينِ الله وشَفَقَةً عَليه، أم لِأُثبِتَ لنَفسي أنِّي أفضَلُ مِنه؟ أكْرَه الذَّنبَ، ولكن ارحَمِ المُذنِب. المريضُ يُعطى الدَّواءَ ولا يُشتَم، والمُذنِبُ مَريضُ قَلب يَحتاجُ دَواءَ النَّصيحةِ لا سِياطَ الكِبْر. الثانية (لِسانيَّة): اختَر أطيَبَ الألفاظِ وأستَرَ المَواقف. النَّصيحَةُ في العَلَن فَضيحَة. رِسالةٌ خاصَّةٌ في هاتفِهِ مَليئةٌ بالحُبّ، أو خَلوَةٌ دافئةٌ مَع فِنجانِ قَهوة، أوقَعُ في القَلبِ من صَرخَةٍ في مَجلِسٍ عامّ. ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): ابدأ بِدائِرَتِكَ الأولى — بَيتِك! لا تَنشَغِل بإصلاحِ العالم وأبناؤُكَ غَرقَى في شاشاتهم وزَوجَتُك غَافِلَة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. إذا رَأيتَ مُنكَرًا في بَيتِك (قَناةً فاسِدَة، أو لِباسًا مُحَرَّمًا، أو تَساهُلًا في الصَّلاة)، فغَيِّرهُ بيَدِك بحَزمٍ مَقرونٍ بِحُبّ، فأنتَ الرَّاعي المَسؤول أمامَ الله. الرابعة (اجتماعيَّة): شَجِّع وأعِن كُلَّ مَن تَرَاهُ يَصدَعُ بالحقِّ بالتي هي أحسن. لا تَترُكوا الدُّعاةَ والمُصلِحينَ وَحدَهم في مَيدانِ الغُربَة. إن لَم تَستَطِع أن تَتَكَلَّم، فقِف بجانِبِ مَن يَتَكَلَّم، شُدَّ عَضُدَه، واحمِهِ من طَعناتِ المُرجِفين. هذا أقلُّ حُقوقِ الأخوَّةِ في الدِّين. الخامسة (موضوعيَّة مُتَّصِلَة بالخُطبَة): لا تَيأس إذا نَصَحتَ ولم يَستَجيبوا. هُناكَ مَن يَنصَحُ مَرَّةً، فإن رآهم لا يَسمَعون قال: "لا فائِدَة، لَقَد هَلَك النَّاس!". واجِبُكَ هو "البَيان" وليس "الهِدايَة". اللهُ يَقولُ لِنَبيِّه صَفوةِ الخَلق: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]. أنتَ تَرمي البَذرَة، واللهُ يُخرِجُ الثَّمَرة ولو بَعدَ حين. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وكونوا مَفاتيحَ للخيَر، مَغاليقَ للشَّر، فَبهذا شَرَّفَكُمُ اللهُ وعَظَّمَ أمرَكُم. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقولِ رَبِّكم جَلَّ وعَلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن تَبِعَهم بِإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ الآمِرينَ بالمَعروفِ الفاعِلينَ لَه، ومِنَ النَّاهينَ عَن المُنكَرِ
المُجتَنِبينَ لَه. اللَّهُمَّ ارزُقنا الحِكمَةَ في القَول، والرِّفقَ في النُّصح، واللِّينَ في الإرشاد. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِنَ السَّاكِتينَ على الباطِل، ولا مِنَ الرَّاضينَ بالعِصيان. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ أُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ، ورُدَّنا إليكَ رَدًّا جَميلًا. اللَّهُمَّ مَن كانَ فينا عاصيًا فَتُب عَليه، ومَن كان غافِلًا فَأيقِظه، ومَن كانَ مُبتَلًى فعافِه. اللَّهُمَّ احفَظ بُيوتَنا وأبناءَنا وبَناتِنا من الفِتَن، ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن، واجعَلنا هُداةً مُهتَدين، لا ضالِّين ولا مُضِلِّين. اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، وانصُر عِبادَك المُستَضعَفين المَظلومين في كُلِّ مَكان، واجعَل لَهم من كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجًا. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروه على نِعَمِه يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.