🕌 لا تصدِّق كلَّ ما تَرى.. التَّثَبُّتُ في عَصرِ التَّزييف العَميق
#خطبة_جمعة #التثبت #حفظ_اللسان #الذكاء_الاصطناعي #التضليل #أخلاق
الحمدُ للهِ الذي أمَرَ عِبادَهُ بالتَّبَيُّنِ والتَّثَبُّت، ونَهاهُم عن اتِّباع الظَّنِّ واقتِفاءِ ما ليسَ لهم به عِلم، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الصِّدقَ طَريقًا للنَّجاة، والكَذِبَ مَهواةً للهَلاك، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أصدَقُ الناسِ لَهجَةً، وأعظَمُهم أمانةً، حَذَّرَ أمَّتَهُ من الشَّائعاتِ والفِتَن، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا معي أن تَرَوا بأعيُنِكم مَقطعًا مُصَوَّرًا لِرَجُلٍ تَعرفونَ صَلاحَه، وهو يَرتَكِبُ مُنكَرًا، وتَسمَعوا صَوتَهُ بأُذُنَيكم يُقِرُّ بخَطيئَتِه، وتُقسِموا باللهِ أنَّكم رَأيتُموه وسَمِعتُموه.. ثمَّ تَكتَشِفوا بَعدَ أن نَشَرتُم الفَضيحَةَ أنَّ المَقطَعَ بأكمَلِهِ صَنَعَتهُ آلةٌ، ولم يُوجَد إلَّا ليَكذِب! نحنُ نَعيشُ في عام 2026، حَيثُ أصبَحَ "التَّزييفُ العَميق" سِلاحًا يَفتِكُ بالأعراض، ويُدَمِّرُ الثِّقات، ويُشعِلُ الفِتَن. فكيفَ نَحمي إيمانَنا، وأعراضَنا، وعُقولَنا في عَصرٍ أصبَحَ فيهِ الصَّوتُ والصُّورَةُ من أكبَرِ صُنَّاعِ الكَذِب؟ الجوابُ الكافي نَقِفُ عليهِ في خُطبَتِنا اليوم.
أيُّها المؤمنون، هل سَأَلتُم أنفسَكم يومًا: لماذا كانَ أجدادُنا يَقولون في أمثالِهم: "لَيسَ مَن رَأى كَمَن سَمِع"؟ كانوا يَعتَبِرونَ العَينَ شاهِدَ عَدلٍ لا يُكَذَّب، والأُذُنَ قَد تَسمَعُ الصِّدقَ والكَذِب. أمَّا اليوم، في هَذا العَصرِ الرَّقَميِّ المُتَسارِع، سَقَطَت هَذهِ القاعِدَة! اليَومَ، العَينُ تَرى الكَذِبَ الصُّراح، والأُذُنُ تَسمَعُ التَّزييفَ المُتْقَن. لَقَد دَخَلنا عُمقَ فِتنَةٍ صَنَعَتها تِقنيَّاتُ "الذَّكاءِ الاصطِناعيِّ"، حيثُ أصبَحَ اختِلاقُ الأخبارِ، وتَلفيقُ المَقاطِع، واصطِناعُ الأَصواتِ، أسهَلَ مِن شُربِ الماء.
يَقولُ اللهُ تباركَ وتعالى، مُؤَسِّسًا أعظَمَ قاعِدَةٍ إعلاميَّةٍ وأخلاقيَّةٍ في تاريخِ البَشَريَّة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
تأمَّلوا.. لَم يَقُلِ اللهُ "فارفُضوه"، ولَم يَقُل "فصَدِّقوه"، بل قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. وفي قِراءَةٍ أُخرى سَبعيَّة: "فَتَثَبَّتُوا". والتَّثَبُّتُ هو التَّأَنِّي وعدَمُ العَجَلَة، أمَّا التَّبَيُّنُ فهو الفَحصُ والبَحثُ حتَّى يَظهَرَ الحَقُّ مِنَ الباطِل.
إنَّ ما قَرَّرَهُ الوَحيُ قَبلَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا، يَصرُخُ بهِ العالَمُ اليومَ رُعبًا وفَزَعًا! أتَدرونَ أنَّ "تقريرَ المَخاطِرِ العالَميَّة" لِهذا العام، 2026م، والصَّادِرَ عن المُنتَدى الاقتِصاديِّ العالَميِّ، وَضَعَ "التَّضليلَ والمَعلوماتِ المُضَلِّلَة" في المَرتَبَةِ الثَّانيةِ ضِمنَ أشَدِّ المَخاطِرِ الَّتي تُهَدِّدُ البَشَريَّةَ خِلالَ العامَينِ القادِمَين؟ العالَمُ كُلُّهُ، بمُفَكِّريهِ ومُؤسَّساتِه، يَرتَجِفُ من سُهولَةِ صِناعَةِ الكَذِب. وما هذا إلَّا تَصديقٌ لِخَطَرِ الكَلِمَةِ الَّذي حَذَّرَنا مِنهُ رَبُّنا جَلَّ جَلالُه حين قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
عِبادَ الله، كَم مَرَّةً شارَكتُم خَبَرًا أو مَقطَعًا في مَجموعاتِ العائِلَةِ أو الأصدِقاءِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَكُم أنَّهُ كَذِب؟ كَم سُمعَةٍ شُوِّهَت، وكَم بَريءٍ اتُّهِم، وكَم رُعبٍ أُثيرَ في قُلوبِ النَّاسِ بسَبَبِ رِسالَةٍ نُقِلَت دُونَ تَثَبُّت؟
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، الَّذي يَحسِمُ القَضيَّةَ مِن جُذورِها. يَقولُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواهُ مُسلم).
كَفَى بِهِ كَذِبًا! أنتَ لَم تَكذِب ابتِداءً، أنتَ فَقَط نَقَلتَ ما سَمِعت.. لَكِنَّ الشَّرعَ اعتَبَرَكَ كاذِبًا مُشارِكًا في الإثمِ لِأنَّكَ أغثَتَ الشَّائِعَةَ بنَشرِها. وقال ﷺ محذِّرًا من خطورة الكلمة الطائشة: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ» (متفق عليه).
يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، لَقَد كانَت أعظَمُ حادِثَةِ "تَزييفٍ" في تَاريخِ الإسلامِ الأوَّل، فِتنَةً هَزَّتِ المَدينَةَ شَهرًا كامِلًا.. إنَّها حادِثَةُ الإفك. طُعِنَ في عِرضِ النَّبيِّ ﷺ، في أطْهَرِ البُيوت، في عائِشَةَ رضيَ اللهُ عنها، وفي الصَّحابيِّ الجَليلِ صَفوانَ بنِ المُعَطَّل. لَم يَكُن هُناكَ ذَكاءٌ اصطِناعيٌّ، ولا صُوَرٌ مُفَبرَكَة، بَل كانَت مُجَرَّدَ "كَلِمَةٍ" أطلَقَها مُنافِقٌ، فتَلَقَّفَها بَعضُ المُسلِمينَ بِحُسنِ نِيَّةٍ أو بِغَفلَة.
تَأمَّلوا كَيفَ وَصَفَ اللهُ سُرعَةَ انتِشارِ هَذِهِ الشَّائِعَة، قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15].
...
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا!
مُجَرَّدُ ضَغطَةِ زِرٍّ في هاتفِك تَنشُرُ بِها مَقطَعًا يُشَوِّهُ إنسانًا بَريئًا.. تَحسَبُهُ هَيِّنًا!
رِسالَةٌ تُحَذِّرُ من مَرَضٍ مَوهومٍ أو حادِثَةٍ مُختَلَقَة تُثيرُ الفَزَع.. تَحسَبُها هَيِّنَة!
نَقلُ خَبَرٍ يَطعَنُ في ذِمَّةِ مَسؤولٍ أو نَزاهَةِ مُؤَسَّسَةٍ بِلا دَليل.. تَحسَبُهُ هَيِّنًا!
﴿وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.
كانَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقول: "المُؤمِنُ وَقَّافٌ حتَّى يَتَبَيَّن". أي يَقِف، لا يَندَفِع، لا يَتَعَجَّل. يَضَعُ كُلَّ خَبَرٍ في ميزانِ الشَّرعِ والعَقل.
ولَكِن كَيفَ نَتَبَيَّنُ اليومَ في هذا الطُّوفان؟
أيُّها الإخوَة، لا بُدَّ أن نُفَرِّقَ بَينَ ثَلاثَةِ أُمورٍ اختَلَطَت على النَّاسِ في مَواقِعِ التَّواصُل: "الخَبَر"، و"الرَّأي"، و"الدِّعايَة".
الخَبَرُ: هو حادِثَةٌ وَقَعَت يَجِبُ التَّأَكُّدُ مِن مَصدَرِها المَوثوق.
الرَّأيُ: هو وِجهَةُ نَظَرِ شَخصٍ قابِلَةٌ للصَّوابِ والخَطَأ، لا يُلْزِمُكَ الإيمانُ بها.
الدِّعايَةُ (أو التَّضليل): هي تَلاعُبٌ مُتَعَمَّد، قَد يَستَخدِمُ جُزءًا مِنَ الحَقيقَةِ لِيُمَرِّرَ كِذبَةً كَبيرَة، أو يَستَخدِمُ صُورَةً قديمَةً ويَربِطُها بِحَدَثٍ جَديدٍ لِتَوجيهِ غَضَبِ الجَماهير!
يَقولُ اللهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. هذا هو المَنهَج! رَدُّ الأُمورِ إلى أهلِ الاختِصاص. لَستَ مُطالَبًا بأن تَكونَ وِكالَةَ أنباءٍ تُسارِعُ في نَشرِ كُلِّ مُثير! المُؤمِنُ الرَّزينُ يَعرِفُ أنَّ السَّبقَ الصَّحَفيَّ لَيسَ من مُهِمَّاتِه، وأنَّ السَّلامَةَ في الصَّمتِ لا في الثَّرثَرَة، وقَد قال ﷺ: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ: زَعَمُوا» (رواهُ أبو داود).
ولْنَتأمَّل مَعًا هذا المَوقِفَ العَجيبَ لِإمامِ أهلِ الحَديث، الإمامِ البُخاريِّ رَحِمَهُ الله. رَحَلَ مَسافَةً طَويلَةً، شُهورًا مِنَ السَّفَر، لِيَأخُذَ حَديثًا عَن رَجُل. فَلَمَّا وَصَلَ إلَيه، وَجَدَهُ يَرفَعُ طَرَفَ ثَوبِهِ لِفَرَسِهِ كَأنَّ فيهِ طَعامًا لِيَخدَعَ الفَرَسَ حَتَّى يَقتَرِب. نَظَرَ الإمامُ البُخاريُّ إليهِ وقال: "رَجُلٌ يَكذِبُ على بَهيمَة، كَيفَ آتَمِنُهُ على حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ؟!" وتَرَكَهُ وعاد.
يا لَعَظَمَةِ هَذا الدِّين! إمامٌ يَقطَعُ الفَيافي لِيَترُكَ الحَديثَ لِأجلِ شُبهَةِ كَذِبٍ صَغيرَة.. ونَحنُ اليومَ، تَصِلُنا رِسالةٌ مِن مَجهول، لا نَعرِفُ اسمَهُ، ولا رَسمَهُ، ولا دينَه، ولا غايَتَه، فَنَنشُرُها لِآلافِ النَّاسِ في ثَوانٍ مَعدودات!
ألَا تَعلَمونَ أنَّ أعداءَ الأُمَّةِ اليَومَ يَستَخدِمونَ "التَّزييفَ العَميق" لِصِناعَةِ صُوَرٍ وفيديوهاتٍ مُفَبرَكَة، بَل ويُقَلِّدونَ الأَصواتَ بِدِقَّةٍ تَعجِزُ الأُذُنُ البَشَريَّةُ عَن تَمييزِها، لِيُسقِطوا رُموزَ المُجتَمَع، ويُفَتِّتوا الأسَر، ويُشَكِّكوا النَّاسَ في عُلَمائِهِم ومُقَدَّساتِهِم؟
مَن يَضمَنُ لَكَ أنَّ المَقطَعَ الصَّوتيَّ الَّذي نَشَرتَهُ لِفُلانٍ وهُوَ يَتَكَلَّمُ بِالسُّوءِ، لَيسَ مَصنوعًا بِالذَّكاءِ الاصطِناعيّ؟ مَن يَضمَنُ لَكَ؟ وكَيفَ سَتَقِفُ بَينَ يَدَيِ اللهِ غَدًا وقَد طَعَنتَ في عِرضِهِ بِمُشَارَكَةِ هذا المَقطَع؟
قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "ومِنَ العَجَبِ أنَّ الإنسانَ يَهُونُ عَلَيهِ التَّحَفُّظُ والاحتِرازُ مِن أكلِ الحَرامِ والظُّلمِ والزِّنى والسِّرقَةِ ومُباشَرَةِ النَّجاسات، ويَشُقُّ عَلَيهِ التَّحَفُّظُ مِن حَرَكَةِ لِسانِه!".
يا مَعاشِرَ المُصَلِّين، إنَّ الحَلَّ لَيسَ في اعتِزالِ التِّقنيَة، فَهَذا مُستَحيل، ولَكِنَّ الحَلَّ في تَفعيلِ "التَّقوى" كَفِلتَرٍ داخِليٍّ قَبلَ نَشرِ أيِّ حَرف. قال تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].
وقد حَذَّرنا الفُاروقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عَنهُ مِن ذَلِكَ فقال: "إيَّاكُم والفِتَن، فإنَّ وَقعَ اللِّسانِ فيها كَوَقعِ السَّيفِ". فكَم مِن كَلِمَةٍ مَكتوبَةٍ هَدَمَت بَيتًا، وكَم مِن صُورَةٍ مَنشورَةٍ أراقَت دَمًا.
فاحفَظوا ألسِنَتَكم، وَزِنوا أخبارَكم، ولا تَكونوا أداةً مَجَّانيَّةً في أيدي عِصاباتِ التَّضليلِ ومُنَظَّماتِ الكَذِب.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، جَعَلَ الحَقَّ أبلَج، والباطِلَ لَجلَج، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن خُطورَةِ التَّسَرُّعِ في نَقلِ الأخبار، وكَيفَ أنَّنا نَعيشُ في عُمقِ عَصرِ "التَّزييف العَميق" بِتِقنيَّاتِه الَّتي تُحيلُ الوَهمَ إلى واقِعٍ في عُيونِ الغافِلين، ووَقَفنا على مَنهَجِ القُرآنِ في التَّبَيُّن، وسِرِّ النَّجاةِ في زَمَنِ الشَّائعات. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا إلى سُلوكٍ نَحمي بِهِ أنفُسَنا ومُجتَمَعاتِنا؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأُولى (قَلبيَّة): انوِ مِن هَذِهِ اللَّحظَةِ أن تَجعَلَ قَلبَكَ حِصنًا لِحُقوقِ المُسلِمينَ وأعراضِهِم. إذا جاءَكَ خَبَرُ سُوءٍ عَن مُسلِم، فقُل في قَلبِكَ كما عَلَّمَنا القُرآن: ﴿سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 16]. لا تَفرَح بِسُقوطِ النَّاس، بَل اسألِ اللهَ السَّلامَة.
الثَّانية (لِسانيَّة): أَمْسِك عَلَيكَ لِسانَكَ، وأَمْسِك عَلَيكَ "إصبَعَكَ" الَّذي يُرسِلُ الرَّسائل! قال النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». في زَمَنِ الواتساب ومَواقِعِ التَّواصُل، الصَّمتُ هو ألَّا تَضغَطَ زِرَّ "مُشارَكَة" (Share) قَبلَ التَّثَبُّت. هَذا إصبَعُكَ الَّذي سَيَشهَدُ عَلَيكَ يَومَ القِيامَة.
الثَّالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): تَحَقَّق مِنَ المَصدَرِ والتَّاريخ. عِندَما يَصِلُكَ خَبَرٌ مُثير، لا تُسارِع. ابحَث في المَصادِرِ الرَّسميَّةِ المَوثوقَة. كَثيرٌ مِنَ الأزماتِ نَشَأَت مِن فيديوهاتٍ قَديمَةٍ مَرَّ عَلَيها سَنَوات، نُشِرَت لِتُثيرَ الهَلَعَ اليَوم! خُذ دَقيقَةً بَحثٍ تَقيكَ إثمَ الكَذِب.
الرَّابعة (اجتِماعيَّة): كُن سَدًّا مَنيعًا في مَجموعاتِ العائِلَةِ والأصدِقاء. إذا رَأيتَ شَائِعَةً أو خَبَرًا مُزَيَّفًا يُتَداوَل، لا تَسكُت، بَل أنكِر بِحِكمَة، وبَيِّن لَهُم أنَّ هذا المَقطَعَ مُفَبرَكٌ أو هذا الخَبَرَ لا أصلَ لَه. حِمايَةُ أُسْرَتِكَ مِن أن يَكونوا جُنودًا للكَذِبِ مِن صَميمِ الأمرِ بالمَعروف.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): اعلَم أنَّنا في مَرحَلَةِ الذَّكاءِ الاصطِناعيِّ باتَت فيهِ الصُّوَرُ والمَقاطِعُ الصَّوتيَّةُ تُوَلَّدُ بِمُجَرَّدِ أمرٍ كِتابيّ. فَلا تَجعَل عَينَكَ الحَكَمَ الوَحيد. احتَرِم عَقلَكَ، وتَذَكَّر أنَّ الإمامَ مالِكًا رَحِمَهُ اللهُ قال: "اعلَمْ أنَّهُ لَيسَ يَسلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ ما سَمِع". كُن ذَكيًّا، ولا تَدَع آلةً تُضَلِّلُك.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هي الَّتي تَحمِلُكُم على حِفظِ الجَوارِحِ عن الحَرام، وحِفظِ العُقولِ عَن الخُرافَة.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَلَيه، القائِلِ في الحديث: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ»، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ ألسِنَةً صادِقَة، وقُلوبًا مُطمَئِنَّة، وعُقولًا بَصيرَةً تُمَيِّزُ الخَبيثَ مِنَ الطَّيِّب.
اللَّهُمَّ طَهِّر ألسِنَتَنا مِنَ الكَذِب، وقُلوبَنا مِنَ النِّفاق، وأعمالَنا مِنَ الرِّياء.
اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا أداةً في بَثِّ شائِعَة، ولا سَبَبًا في هَدمِ سُمعَة، ولا مِفتاحًا لِشَرٍّ يُؤذي عِبادَك.
اللَّهُمَّ أرِنا الحَقَّ حَقًّا وارزُقنا اتِّباعَه، وأرِنا الباطِلَ باطِلًا وارزُقنا اجتِنابَه، ولا تَجعَلهُ مُلتَبِسًا عَلَينا فَنَضِلّ.
اللَّهُمَّ احفَظ على أُمَّةِ الإسلامِ أمنَها واستِقرارَها، وادْفَع عَنّا كَيدَ الكائِدِين، وتَضليلَ المُضَلِّلين.
اللَّهُمَّ مَن أرادَ بِنا وبِالمُسلِمينَ سوءًا فأشغِلهُ في نَفسِه، واجعَل كَيدَهُ في نَحرِه، واكْفِنا شَرَّهُ بِما شِئتَ يا سَميعَ الدُّعاء.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون.
وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
لا تصدق كل ما ترى.. التثبت في عصر التزييف العميق
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.