🕌 القمار والمراهنات.. حين يتحول الهاتف إلى كازينو
#خطبة_جمعة #القمار #المراهنات_الرياضية #إدمان_الإنترنت #وهم_الثراء #الأسرة #فقه
الحمدُ للهِ الذي أحلَّ لِعِبَادِهِ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ وبَارَكَ فيها، وحَرَّمَ عليهِمُ الخَبَائِثَ وأكلَ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ وما فِيهَا، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ القَناعَةَ كَنزاً، والحَلالَ حِصناً، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسُولُه، أطْيَبُ النَّاسِ مَطْعَماً، وأعفُّهُم مَكْسَباً، صلَّى اللهُ عليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعدُ:
يا عبادَ الله، تَخَيَّلوا معي رَجُلاً يَفتَحُ بابَ بَيتِهِ كُلَّ ليلةٍ للِصٍّ مُحترِف، يُجلِسُهُ في غُرفَةِ ابنِه، ويَترُكُهُ يَسرِقُ مالَهُ، ويَسرِقُ عَقلَ ابنِهِ، ويَهدِمُ أُسْرَتَهُ، وهو يَنظُرُ إليهِ ويَبتَسِم! سَتَقولون: مَن هذا العاقِلُ الذي يَفعَلُ ذلك؟ وأقولُ لكم: هذا اللِّصُّ لَيسَ رَجُلاً مُلَثَّماً يَقفِزُ مِنَ السُّور، بل هو "تَطبيقٌ" صَغيرٌ مُلَوَّنٌ يَسكُنُ في هَواتِفِ أبنائِنَا، وفي هَواتِفِ بَعضِ رِجَالِنَا.. كازينو صامِتٌ مُتَحَرِّكٌ يَسلِبُ الأموالَ ويُدَمِّرُ الأجيال. فكيفَ تَسَلَّلَ هذا اللِّصُّ إلينا؟ وماذا يَصنَعُ في غَفلَتِنَا؟ الجَوابُ صَادمٌ ويَستَحِقُّ الإنصات.
أيها الإخوةُ الكرام، كانَ العَرَبُ في الجاهليَّةِ قَبلَ الإسلامِ إذا أرادوا المَيسِرَ (القِمار)، نَحَروا جَزُوراً (نَاقَة)، ثُمَّ قَسَّموها أجزاءً، ثُمَّ أتوا بِسِهامٍ مَكتوبٍ عليها أنصِبَةٌ، وأجالُوهَا، فَمَن خَرَجَ سَهمُهُ رَبِح، ومَن خَرَجَ فارِغاً خَسِرَ ودَفَعَ الثَّمَن. كَانُوا يَفعَلونَ ذلكَ تَفاخُراً وتَسلِيَةً، حتى جاءَ الإسلامُ فَنَزَلَ القُرآنُ كالسَّيفِ القاطِعِ يَجْتَثُّ هذا المَرَضَ مِن جُذورِه.
واسمَعوا لِهَذِه الآيَةِ العَظيمةِ التي إِذَا تَأَمَّلتُمُوهَا لَن تَبقَى قُلُوبُكُم كَمَا كانَت. يَقولُ ربُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].
تَأَمَّلوا.. لِماذا قَرَنَ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ "المَيسِر" وهو القِمار، بـ "الخَمر" و"الأوثان" التي تُعبَدُ مِن دونِ الله؟
قالَ العُلَماءُ في تَفسيرِهَا: لأنَّ الخَمرَ تُسْكِرُ العَقلَ فَتُذهِبُهُ، والقِمارَ يُسكِرُ النَّفسَ بِوهمِ الثَّراءِ فَيُهْلِكُهَا! المُقامِرُ يا عِبادَ اللهِ مِثلُ شَارِبِ الخَمرِ تَمَاماً، يَدخُلُ في نَشوَةِ اللَّعِب، يَربَحُ قَليلاً فَيَطْمَع، ثُمَّ يَخسَرُ فَيُحاوِلُ التَّعويض، ولا يَزالُ يَدورُ في هذهِ الدَّوَّامَةِ المُظلِمَةِ حتَّى يَستَيقِظَ وقد ضاعَ مالُهُ، وضاعَت كَرامَتُهُ، وضاعَ دِينُه.
يا عِبادَ الله، لقَد كَانَ القِمارُ في الماضي مَحصُوراً في أماكِنَ مَشبُوهَة، كازينوهاتٍ وصالاتٍ لا يَدخُلُهَا إلا مَن نَزَعَ الحَياءَ مِن وَجهِه. كَانَ الشَّابُّ يَستَحي أن يُرَى قُربَهَا. أمَّا اليوم.. فيا حَسْرَةً على ما آلَ إليهِ زَمانُنَا! اليومَ، تَحَوَّلَ الهاتِفُ الذي بَينَ يَدي الشَّابِّ والمُراهِقِ بل والطِّفل، إلى كازينو مُتَكامِل. بكَبْسَةِ زِر، ومِن غُرفَةِ نَومِهِ المُغلَقَة، بَعيداً عن أعيُنِ الرَّقيب، يَدخُلُ الشَّابُّ إلى عالَمِ المُرَاهَنَات.
أصْبَحْنَا نَرى المُرَاهَنَاتِ الرِّياضِيَّةَ تَجتَاحُ مُجتَمَعاتِنَا كالنَّارِ في الهَشيم. شَبابٌ في مُقتَبَلِ العُمُرِ، يَجلِسُونَ في المَقاهي لِمُشاهَدَةِ مُباراةِ كُرَةِ قَدَم، ولَيسَ هَمُّهُمُ التَّشجيعَ الرِّياضي، بَل هَمُّهُم "التَّطْبيق" المَفتُوحُ في هَواتِفِهِم. يُراهِنُ على مَن يُسَجِّلُ الهَدَفَ الأوَّل، ومَن يَأخُذُ البِطاقَةَ الصَّفراء، وكم سَتَكونُ النَّتيجَة. يَضَعُ مِئَةً لِيَكسَبَ ألفاً، فَتَضيعُ المِئَة، فَيَضَعُ ألفاً لِيُعَوِّض، فَتَضيعُ الألف!
وقَدْ قَرَّرَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ مَعنىً عَظيماً حينَ قال: "مَفسَدَةُ المَيسِرِ أعظَمُ مِن مَفسَدَةِ الرِّبا؛ لِأنَّ المُيسِرَ يَشتَمِلُ على أكلِ المالِ بالباطِل، وعلى اللَّهوِ اللَّاعِبِ الذي يَصُدُّ عن ذِكرِ اللهِ وعن الصَّلاةِ، ويُوقِعُ العَداوَةَ والبَغضاء، فَهُوَ جامِعٌ لِفَسادِ ذاتِ البَينِ وفَسادِ الأموال".
وهذا هو الواقِعُ المَريرُ الذي نَراهُ اليوم. انظُروا إلى حالِنَا اليوم: كَم مِن شابٍّ استَدانَ مِن أصدقائِهِ بحُجَّةِ مَرَضِ أُمِّهِ أو ضائِقَةٍ يَمُرُّ بها، والواقِعُ أنَّهُ غارِقٌ في دُيُونِ تَطبيقاتِ المُرَاهَنَات! كم مِن مُوَظَّفٍ استَلَمَ رَاتِبَهُ في أوَّلِ الشَّهر، وفي اليَومِ الثَّالِثِ صَارَ يَستَجدِي النَّاسَ لِأنَّهُ ضَارَبَ براتِبِهِ كُلِّهِ في لَعبَةٍ رَقْمِيَّة! بل واللهِ يا عِبادَ الله، كَم مِن بَيتٍ هُدِم، وزَوجَةٍ طُلِّقَت، وأطفالٍ شُرِّدُوا، لِأنَّ الأبَ أدْمَنَ هذا المَرَض، فَبَاعَ أثاثَ بَيتِه، وسَرَقَ ذَهَبَ زَوجَتِهِ لِيُسَدِّدَ دُيُونَ المُرَاهَنَات!
أيُّها المسلمون، هل سَألتُم أنفُسَكم يَوماً: لِماذا يَسقُطُ شَبابُنَا في هذا الفَخّ؟ لِماذا يَترُكُونَ العَمَلَ الشَّريفَ ويَلهَثُونَ خَلفَ السَّراب؟
السَّبَبُ الأكبَرُ هو "وَهْمُ الرِّبحِ السَّريع". الشَّابُّ اليومَ يُريدُ أن يُصبِحَ غَنِيّاً في لَيلَةٍ وضُحاها. لا يُريدُ أن يَتعَب، لا يُريدُ أن يَكدَح. يَرى بَعضَ المَشاهيرِ التَّافِهينَ على مَواقِعِ التَّواصُلِ يَستَعْرِضُونَ السَّياراتِ الفَارِهَةَ والأموالَ الطَّائِلَة، فَيَظُنُّ أنَّ الطَّريقَ إلى ذلكَ هو "ضَربَةُ حَظّ".
وقَد كَذَبُوا والله! واسمَعُوا إلى الصَّادِقِ المَصدُوقِ ﷺ وهو يَضَعُ لَنا دُستُورَ الرِّزقِ كَي تَطمَئِنَّ القُلُوب. يَقولُ ﷺ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي، أنَّ نَفْساً لَن تَموتَ حتَّى تَستَكمِلَ رِزقَها وتَستَوعِبَ أجَلَها، فاتَّقُوا اللهَ وأجمِلُوا في الطَّلَب، ولا يَحمِلَنَّكُمُ استِبطاءُ الرِّزقِ على أن تَطلُبُوهُ بِمَعصيَةِ اللهِ، فإنَّ ما عِندَ اللهِ لا يُنالُ إلا بِطاعَتِه» (رواه أبو نعيم وصححه الألباني).
تَأمَّلوا.. "لا يَحمِلَنَّكُمُ استِبطاءُ الرِّزقِ على أن تَطلُبُوهُ بِمَعصيَةِ الله". رِزقُكَ مَكتوبٌ وأنتَ في بَطنِ أُمِّك، فلِماذا تَطلُبُهُ بِغَضَبِ الله؟ لِماذا تَمُدُّ يَدَكَ إلى حَرامٍ يُحيلُ حَياتَكَ نَاراً وضَنكاً؟
ألا تَعجَبُونَ يا عِبادَ الله، أنَّ هَذَا الخَطَرَ لَم يَعُدْ مَخفِيّاً، بَل صارَ "مُطَبَّعاً" إعلامِيّاً؟
أصبَحَت شَرِكاتُ القِمارِ والمُرَاهَنَاتِ تَرعَى أندِيَةً رِياضِيَّةً عُظمى، وتَضَعُ شِعاراتِها على صُدورِ اللَّاعِبينَ الذين يَتَّخِذُهُم شَبابُنَا وأطفالُنَا قُدوَة! أصبَحَ "المُؤَثِّرونَ" في مَواقِعِ التَّواصُلِ يَقبِضُونَ آلافَ الدُّولاراتِ لِيُعلِنُوا عَن تَطبيقاتِ المُراهَنَاتِ لِمُتابِعيهِم مِنَ المُراهِقين!
حتى الدُّوَل والمُنَظَّمات، التي لا تَحكُمُهَا شَريعَةٌ بَل مَصَالِح، أدرَكَت الكَارِثَة. فها هي "مُنَظَّمَةُ الصِّحَّةِ العالَمِيَّة" تُؤَكِّدُ في تَقاريرِهَا الرَّسمِيَّةِ أنَّ الرَّقْمَنَةَ والتَّسويقَ الرِّياضِيَّ أسهَمَا في الانتِشارِ السَّريعِ والمُرعِبِ لِلمُقامَرَةِ وأضرارِهَا الصِّحِّيَّةِ والنَّفسِيَّة، ومَا يَتْبَعُهَا مِن حالاتِ اكتِئابٍ وانتِحار! فإذا كانَ غَيرُ المُسلِمِ قَد أدرَكَ خُطورَةَ هذا المَرَضِ على الصِّحَّةِ والمُجتَمَع، فَأينَ نَحنُ يا أُمَّةَ القُرآنِ الذي حَرَّمَ المَيسِرَ قَبلَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرناً؟!
ولا يَقِفُ الأمرُ عِندَ المُرَاهَنَاتِ الصَّريحَة، بَل تَسَلَّلَ الشَّيطانُ إلى غُرَفِ أطفالِنَا بِأسلوبٍ خَبيث.. "الألعابُ الإلِكترونِيَّة".
كثيرٌ مِنكُم يَظُنُّ أنَّ ابنَهُ يَلعَبُ لُعبَةً بَريئَةً في هاتِفِهِ أو جِهازِه. لكِنَّ بَعضَ هذه الألعابِ مَبنِيَّةٌ على آليَّاتٍ هي شَقيقَةُ القِمار، مِثلَ ما يُسَمَّى بـ "صَناديقِ الحَظ" أو "عَجَلَةِ الحَظ" (Loot Boxes). يَدفَعُ الطِّفلُ أو الشَّابُّ مالاً حَقيقِيّاً مِن بِطاقَةِ والِدِهِ البَنكِيَّة، لِيَشتَري صُندوقاً مُغلَقاً مَجهُولَ المُحتَوى داخل اللعبة، قَد يَخرُجُ لَهُ فِيهِ شَيءٌ نَادِر، وقَد يَخرُجُ لَهُ شَيءٌ لا قيمَةَ لَه. هذا هو القِمارُ بِعَينِه! دَفْعُ مالٍ في شَيءٍ مَجهُولٍ بَينَ الغُنمِ والغُرم. هَكَذا يُدَرِّبُونَ أطفالَنَا مُنذُ النُّعومَةِ على إدمانِ "نَشوَةِ المُخَاطَرَة"، لِيَكبُرَ الطِّفلُ وعَقلُهُ مُبَرمَجٌ على عَقْلِيَّةِ المُقَامِر.
عبادَ الله.. قال الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله، وهو يَصِفُ خَطَرَ المُحَرَّماتِ عَلى القَلب: "وهل جَزَاءُ السَّيِّئَةِ إلَّا السَّيِّئَةُ بَعدَهَا؟ وهل عُقُوبَةُ الذَّنبِ إلا العَمى في البَصيرَة، والخَتْمُ عَلى القَلب؟". والمالُ الحَرامُ يا كِرام، نارٌ تَأكُلُ الجَسَدَ، وتَمحَقُ البَرَكَة، وتَحجُبُ الدُّعاء.
في الحَديثِ الصَّحيح، ذَكَرَ النَّبيُّ ﷺ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أغبَرَ، يَمُدُّ يَدَيهِ إلى السَّماء: يا رَبِّ، يا رَبِّ.. "ومَطعَمُهُ حَرام، ومَشرَبُهُ حَرام، ومَلبَسُهُ حَرام، وغُذِيَ بالحَرام، فَأَنَّى يُستَجَابُ لِذَلِكَ؟". فكيفَ بِمَن مَطعَمُهُ مِن مَيسِرٍ وقِمارٍ أكلَ فِيهِ أموالَ النَّاسِ بالباطِل؟!
يا مَن غَرَّتْهُ التَّطبيقاتُ، ويا مَن ألهَتْهُ المُرَاهَنَات! أفيِقوا قَبلَ فَواتِ الأوان. واللهِ، لَو جَمَعتَ مَلايينَ الدُّنيَا مِن هذا الطَّريقِ المُظلِم، لَن تَجِدَ فيهَا رَاحَةَ بَال، ولَن تَدفَعَ عَنكَ مَرَضاً، ولَن تُبارِكَ لكَ في وَلَد، وسَتَقِفُ بَينَ يَدَيِ اللهِ عُرياناً حافِياً وتُسألُ عن عُمُرِكَ فِيمَا أبلَيْتَه، وعَن مَالِكَ مِن أينَ اكتَسَبْتَه وفِيمَا أنفَقْتَه.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروه إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بعد:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنَا الأُولى عَن جَريمَةِ المَيسِرِ الرَّقَمِيِّ والمُرَاهَنَات التي اجتاحَت هَواتِفَ شَبابِنَا، ووَقَفنَا مَعَ وَهْمِ الثَّراءِ السَّريعِ الذي دَمَّرَ أسَراً وأورَثَ دُيُوناً لا طَاقَةَ لِلبَشَرِ بِهَا، ورَأينَا كَيفَ أنَّ الشَّريعَةَ السَّمحاءَ حَرَّمَت هذا العَبَثَ حِفظاً لِلعُقولِ والأموال. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهمِّ الذي سَيُحَدِّدُ إن كانَت هذهِ الخُطبَةُ سَتَمُرُّ مُرُورَ الرِّيح، أم سَتُثْمِرُ في قُلُوبِكُم وبُيُوتِكُم: كيفَ نُواجِهُ هذا الطُّوفانَ عَمَلِيّاً؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلْبِيَّة): لمَن وَقَعَ في وَحْلِ المُرَاهَنَاتِ والقِمارِ الرَّقَمِي، تُبْ إلى اللهِ تَوبَةً نَصُوحاً، واقطَع صِلَتَكَ بِهَذا الحَرامِ فَوراً. إن كُنتَ كَسِبتَ مالاً مِنهُ فَتَخَلَّص مِنهُ في وُجُوهِ البِرِّ دُونَ نِيَّةِ صَدَقَة بَل نِيَّةِ تَخَلُّص، وإن كُنتَ خَسِرتَ فاحمدِ اللهَ أنَّ الخَسارَةَ في الدُّنيا ولَيسَت في دينِك. عُد إلى الله، فَبَابُهُ مَفتُوحٌ لِكُلِّ عَائِد.
الثانية (لِسَانِيَّة): لا تَكُن شَيطاناً أخرَس. إن رَأيتَ صَديقاً لكَ أو زَميلاً في العَمَلِ يَفتَحُ تَطبيقاتِ المُرَاهَنَاتِ على مُباراة، فانصَحهُ بِلِينٍ وذَكِّرهُ بِالله. قُل لَهُ: "يا أخي، هذا مَيسِرٌ حَرَّمَهُ الله، ومالٌ مَمحُوقُ البَرَكَة". لا تَسكُت مُجَامَلَةً فَتَشْرَكَهُ في وِزْرِ الصَّمْت.
الثالثة (عَمَلِيَّة): كُلُّ شابٍّ يَسمَعُني الآن، أخرِج هاتِفَكَ اللَّيلَةَ قَبلَ أن تَنام، واخذِف — بلا تَرَدُّد — أيَّ تَطبيقٍ أو لُعبَةٍ تَعْتَمِدُ على المُراهَنَةِ أو صَناديقِ الحَظِّ المَدفُوعَة. لا تَقُل "ألْعَبُ لِلتَّسلِيَةِ فَقَط دونَ مال"، فَإنَّ المُحُومَ حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أن يُوقِعَ فِيه. الخُطوَةُ الأُولى لِلتَّعافي هي قَطْعُ أدَواتِ المَرَض.
الرابعة (اجتِمَاعِيَّة): يا أيُّهَا الآباء، ويا أيَّتُهَا الأُمَّهَات.. راقِبُوا هَواتِفَ أبنائِكُم والألعابَ التي يُدمِنُونَ عَلَيهَا. الخَطَرُ لَيسَ في الشَّارِعِ فَقَط، بل هو مَعَهُم على أسِرَّتِهِم. حَاوِرُوهُم عَن قيمَةِ المالِ والتَّعَبِ الحَلال، ولا تَربِطُوا بِطاقَاتِكُمُ البَنكِيَّةَ بِهَواتِفِهِم دونَ رَقابَةٍ صارِمَة، فَكَم مِن أبٍ صُدِمَ بِآلافٍ مَسحُوبَةٍ مِن رَصيدِهِ بِسَبَبِ لُعبَةِ حَظ!
الخامسة (مَوضُوعِيَّة): ارضَوْا بِالحَلالِ وإن قَلّ، فإنَّ بَرَكَةَ الحَلالِ تَربُو، ونارَ الحَرامِ تَحرِق. قالَ تَعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. الدِّرهَمُ الحَلالُ الذي تَأكُلُهُ بعَرَقِ جَبينِك، وتُطعِمُ مِنهُ أهلَك، يَنزِلُ سَكينَةً في قَلبِك، وعافِيَةً في بَدَنِك.
فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ الله، واعرِفُوا قَدرَ أعمَارِكُم وأموالِكُم، ولا تُضَيِّعُوهَا في سَرابِ الشَّاشاتِ ووُعُودِ الشَّياطين.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، القائلِ: "إنَّ اللهَ مَلائكَةً يُطَوِّفُونَ في الطُّرُقِ يَلتَمِسُونَ أهلَ الذِّكر". اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبدِكَ ورَسُولِكَ مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وأغنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّن سِوَاك.
اللَّهُمَّ حَصِّن شَبابَنَا وأبناءَنَا مِن فِتَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَوَات، اللَّهُمَّ احفَظْهُم مِن وَهْمِ الثَّراءِ الحَرام، ومن شِراكِ المَيسِرِ والقِمارِ وعَبَثِ الألعابِ والمُلهِيات.
اللَّهُمَّ مَن سَقَطَ مِنهُم في هَذا الفَخِّ فَمُنَّ عَلَيهِ بِتَوبَةٍ صَادِقَةٍ تَرُدُّهُ إليكَ رَدّاً جَميلاً، ومَن استَدَانَ فيهِم فاقْضِ عَنهُ دَينَهُ، واهدِ قَلبَهُ، ونَوِّر بَصيرَتَه.
اللَّهُمَّ اجعَلْ بُيُوتَنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّة، مَليئَةً بِرِزقِكَ الحَلال، مَحرُوسَةً مِن كُلِّ سُوءٍ وفِتنَة.
اللَّهُمَّ انصُرِ المُستَضعَفينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ ارفَع عَنهُمُ الظُّلْمَ والطُّغيَان، واجْعَل لَهُم مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجاً.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُرُوا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
القمار والمراهنات.. حين يتحول الهاتف إلى كازينو
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.