🕌 غَزَّةُ.. ومِحْنَةُ الخِذْلان
#خطبة_جمعة #غزة #فلسطين #الخذلان #الأخوة_الإسلامية #نوازل #عقيدة
الحمدُ للهِ القويِّ المتين، القاهِرِ فوقَ عبادهِ أجمعين، مُذِلِّ الجبابرةِ والمُتكبِّرين، وناصِرِ المستضعفينَ والمظلومين. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يَبتَلي عبادَهُ ليَرفَعَ دَرَجاتِهم، ويُمَحِّصَ قُلوبَهم، ويَميزَ الخَبيثَ من الطَّيِّبِ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُجاهدينَ، وقُدوةُ الصَّابرينَ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ:
تَخيَّلوا معي رَجُلًا يُساقُ إلى الموتِ ظُلمًا، والأسياطُ تَجلِدُ ظَهرَه، والدِّماءُ تَسيلُ من وَجهِه، وهو يَلتَفِتُ يَمنَةً ويَسرةً، يَرى إخوانَهُ وأبناءَ عُمومَتِه وُقوفًا يَنظرون! بَعضُهم يَبكي في صَمت، وبَعضُهم يُشيحُ بوجهِه كَي لا يَرى، وبَعضُهم يَقول: "لا طاقةَ لنا بإنقاذه"... فيَموتُ الرَّجُلُ بينَ أظهُرِهِم وعُيونُه مُعَلَّقةٌ بهم! أيُّ مَيتةٍ أبشَع؟ وأيُّ قَهرٍ أعظَم؟ لا واللهِ، لَيسَت مرارةُ الموتِ هي التي تُمَزِّقُ قَلبَه، بل مرارةُ "الخِذلان" من ذَوي القُربى. وما هذا المَشهدُ المُتَخَيَّلُ يا عبادَ الله، إلَّا قَطرةٌ في بَحرِ ما تَعيشُه "غَزَّةُ" اليومَ على مَرأى ومَسمَعٍ من أُمَّةِ المِليارَي مُسلم!
أيُّها المسلمون، متى آخِرُ مَرَّةٍ نَظَرتُم فيها إلى الشَّاشات، ورأيتُم دَمًا يُسفَك، وأشلاءً تُمَزَّق، وخِيامًا تُحرَق بمن فيها، فَقَلَبتُمُ المَقطَعَ وكأنَّ شيئًا لم يَكُن؟ متى اعتَدنا على مَرأى الموتِ حتى صارَ خَبرًا عابِرًا في شَريطِ الأخبار؟ إنَّ الخَطَرَ الأكبَرَ اليومَ لَيسَ في قُوَّةِ العَدُوّ، بل في "مَوتِ القُلوبِ" في صُدورِنا.
يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى، في آيةٍ تَقرَعُ القُلوبَ وتَهُزُّ الضَّمائر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. أُخُوَّةٌ لم تَصنَعها جُغرافيا، ولا دَمٌ، ولا لُغة، بل صَنَعَها "لا إله إلا الله". ويَزيدُنا النبيُّ ﷺ هذا المَعنى وُضوحًا ورُسوخًا، فاسمعوا لهذا الحديثِ العظيمِ الذي رَواهُ مُسلم، يقولُ أصدَقُ مَن نَطَقَ بالضَّاد ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ».
تَأمَّلوا! لم يَقُل "لا يَقتُله" فَحَسب، بل قال: «لَا يَخْذُلُهُ». قال الإمامُ النَّوَويُّ رَحِمَهُ اللهُ في شَرحِه لهذا الحديث: "الخِذلانُ تَرْكُ الإِعَانَةِ وَالنُّصْرَةِ، وَمَعْنَاهُ إِذَا اسْتَعَانَ بِهِ فِي دَفْعِ ظَالِمٍ وَنَحْوِهِ، لَزِمَهُ إِعَانَتُهُ إِذَا أَمْكَنَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ".
فأينَ نَحنُ من هذا الحديث؟ أينَ نَحنُ من دِماءِ إخوانِنا التي تُسفَكُ لَيلَ نَهار؟ أينَ نَحنُ من صَرَخاتِ الأُيَامى وأنينِ الثَّكالى؟ يقولُ ربُّنا جَلَّ وعَلا مُوَبِّخًا ومُحَرِّضًا لِهِمَمِ الرِّجال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
إنَّ ما يَجري في غَزَّةَ اليومَ — يا عبادَ الله — لَيسَ ابتلاءً لأهلِ غَزَّةَ وَحدَهم، بل هو كاشِفَةٌ وفاضِحَةٌ للأُمَّةِ بِأَسرِها. أهلُ غَزَّةَ ابتُلاهم اللهُ بالدِّماءِ والجوعِ والخَوف، فصَبَروا ورَبِحوا الآخِرة، وابتَلانا اللهُ بالرَّخاءِ والسَّعَةِ والقُدرَةِ على إغاثَتِهم، لنَرى ماذا نَحنُ صانِعون!
هل تَظُنُّونَ أنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُه عاجِزٌ عن نُصرَتِهم؟ حاشا وكَلَّا! يقولُ المُهَيمِنُ سُبحانَه: ﴿ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4]. المسألةُ مِحنَةٌ لكَ أنت! اختبارٌ لِإيمانك! هل يَتَحَرَّكُ قلبُك؟ هل يَتَكَدَّرُ عَيشُك؟ هل تَرفَعُ يَدَك في ظُلمةِ اللَّيلِ تَدعو لهم؟ أم أنَّك غارِقٌ في دُنياك وكأنَّ النَّارَ تَأكُلُ بَيتَ جيرانِك وأنتَ تَقولُ "بابي مُغلَق"؟!
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّة رَحِمَهُ اللهُ وهو يَصِفُ سُنَّةَ اللهِ في المِحَن: "إنَّ النَّاسَ إِذَا أَصَابَهُمْ خَوْفٌ، ظَهَرَ فِيهِمْ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ وَحَقِيقَةُ النِّفَاقِ". وهذا ما نَراهُ اليومَ يَتَجَلَّى أمامَ أعيُنِنا كالشَّمسِ في كَبِدِ السَّماء.
عُودوا مَعي بِخَيالِكُم ألفًا وأربَعَمِائةِ عامٍ إلى الوَراء، إلى المدينةِ المُنَوَّرَةِ في غَزوَةِ الأحزاب. العَدُوُّ يُحاصِرُ المدينةَ من كُلِّ مَكان، الجوعُ قارِص، والخَوفُ بَلَغَ مَبلَغًا عَظيمًا. يَصِفُ اللهُ المَشهَدَ فيقول: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ
الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10-11].
في هذا الحِصارِ الخانِق، كيفَ كانَت رُدودُ الأفعال؟ انقَسَمَ النَّاسُ إلى فَريقَين. أمَّا المُنافِقون، والمُتَخاذِلون، والذينَ في قُلوبِهم مَرَض، فقالوا: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]! بَدَؤوا يُبَرِّرونَ خِذلانَهم بالخَوفِ على المَصالِح: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13]. ألا يُشبِهُ هذا مَن يَقولُ اليوم: مصالِحُنا، اقتِصادُنا، لا قِبَلَ لنا بالعَدُوّ، هم مَن جَنَوا على أنفُسِهم؟! الأعذارُ ذاتُها، والمَنطِقُ ذاتُه!
وأمَّا المُؤمِنونَ الصَّادقون، فماذا قالوا حينَ رأوا المَوتَ والحِصار؟ ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]. زادَهمُ البلاءُ يَقينًا، وزادَهمُ الحِصارُ ثَباتًا.
أيُّها الأحِبَّة، اسألوا أنفُسَكم يومًا: لماذا نَخذُلُهم؟ لماذا نَقفُ مَكتوفي الأيدي؟
قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَرَى الْحَقَّ يُخْذَلُ وَالْبَاطِلَ يُنْصَرُ، ثُمَّ لَا يَتَمَعَّرُ وَجْهُهُ، فَاعْلَمْ أَنَّ قَلْبَهُ قَدْ مَاتَ". نَعَم، إنَّه مَوتُ القَلبِ بِسُمومِ الشَّهَواتِ والرُّكونِ إلى الدُّنيا. وقد حَذَّرَنا النَّبيُّ ﷺ من هذا الداءِ العُضالِ حين قال: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» [رواهُ أبو داود].
وهذا هو التَّشخيصُ النَّبَويُّ الدَّقيقُ لِحالِنا! حُبُّ الدُّنيا جَعَلَنا نَخافُ على وَظائفِنا، وأموالِنا، ومَكاسِبِنا التَّافِهَة، فَنَسكتُ عن نُصرَةِ المَظلوم. كَراهيَةُ الموتِ جَعَلَتنا نَرضى بالدُّونِ، ونَستَمريءَ الذُّلَّ، ونَتَخاذَلَ عن إخوانِنا.
ولِكَي تَعرِفوا الفَرقَ بينَنا وبينَ أسلافِنا العِظام، دَعوني أروي لَكم مَوقِفًا من صَفَحاتِ التَّاريخِ المُشرِقَة. يُروى أنَّ امرأةً مُسلِمَةً في عَمُّوريَّة — بلدة في أطرافِ الرُّوم — اعتَدى على عِرضِها رُوميٌّ، فصَرَخَت صَرخَةً واحِدَة: "وا مُعتَصِماه!". نُقِلَت الكلمةُ إلى الخليفةِ المُعتَصِم، وما كانَت تويتر ولا شاشاتٌ تَنقُلُ المَشهَد، كانت كَلِمةً سَمِعَها رَجلٌ واحِد. فماذا فَعَل؟ لم يَستَنكِر، لم يَشجُب، لم يَقل "هذه بَلدةٌ بَعيدة". بل وَثَبَ من مَجلِسِه مُجيبًا: "لَبَّيكِ يا أُختاه!". وجَهَّزَ جَيشًا جَرَّارًا لم يَرَ الرُّومُ مِثلَه، وسارَ بنَفسِه حتى دَكَّ حُصونَ عَمُّوريَّةَ واقتَحَمَها، ليَنتَصِرَ لامرأةٍ واحِدَة!
امرأةٌ واحِدَةٌ حَرَّكَت جَيشًا! واليوم، آلافُ النِّساءِ يَصرُخن، وملايينُ الأطفالِ يَرتَجِفون تَحتَ الأنقاض، ومَساجِدُ اللهِ تُدَمَّر، فما الذي يَتَحَرَّك؟ تَتَحَرَّكُ أصابِعُنا لنُغَلِّقَ الشَّاشاتِ ونَنام! ألا نَخافُ أن يَسألَنا اللهُ عن هذا الخِذلان؟ ألا نَخافُ قَولَ النَّبيِّ ﷺ: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ»!
إنَّ الخِذلانَ — يا إخوتي — لَيسَ أنَّنا لا نَملِكُ دَبَّاباتٍ وطائرات... الخِذلانُ أن يَموتَ فينا حَتَّى الشُّعورُ بالألَم! الخِذلانُ أن تَستمِرَّ حَياتُنا طَبيعيَّة، نَأكُلُ، ونَشرَب، ونَلهو، ونَتَضاحَك، وإخوانُنا لا يَجِدونَ شَربةَ ماءٍ نَقيَّة! الخِذلانُ أن نَدعَمَ أعداءَهم بِشِرائِنا لِبَضائِعِهم ونحنُ نَستطيعُ المُقاطَعَة! الخِذلانُ أن نَبخَلَ عليهم بدُعاءِ قَلبٍ مُضطَرٍّ في ظُلمَةِ اللَّيل!
وهُنا نَنتَقِلُ إلى المَشهَدِ الآخَر، إلى أرْضِ العِزَّةِ والإباء. انظُروا إلى ذلكَ الأبِ في غَزَّة، يَخرُجُ من تَحتِ الرُّكامِ حامِلًا أشلاءَ طِفلِه في كِيس! هل التَفَتَ يَمنَةً ويَسرَةً يَستَجدي العَرَبَ والعَجَم؟ لا والله! رَفَعَ إصبَعَهُ إلى السَّماءِ وقال واليَقينُ يَملأُ قَلبَه: "حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكيل... الحَمدُ لله".
أيُّ قُوَّةٍ هذه؟ أيُّ إيمانٍ هذا؟ إنَّهم لم يَخسَروا — يا عبادَ الله — بل نَحنُ الخاسِرون! هم قَدَّموا دِماءَهم ومَضَوا إلى رَبِّهِم شُهداء، ومَن ماتَ شَهيدًا فقد رَبِحَ
البَيع، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]. أمَّا نحن، فنَحنُ المَأسورونَ في سِجنِ عَجزِنا، ونَحنُ الذينَ سَنُسأَلُ يَومَ القيامَة: ماذا فَعَلتُم لِنُصرَتِهم؟
وإيَّاكُم أن تَتَسَلَّلَ الهَزيمَةُ النَّفسيَّةُ إلى قُلوبِكم فتَظُنُّوا أنَّ العَدُوَّ قَدِ انتَصَر! لا تَغتَرُّوا بِبَطشِ الجَبابِرة، ولا بِصَمتِ العالَم. يقولُ الجَبَّارُ سُبحانَه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197]. إنَّ اللهَ يُملي للظَّالِم، ويَستَدرِجُه، حتى إذا أَخَذَهُ لم يُفلِتْه. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].
ولْنَحذَر جَميعًا من تَبَريرِ التَّخاذُل، فَبَعضُ المَخذولينَ لا يَكتَفي بِخِذلانِه، بل يَلومُ الضَّحِيَّة! يَلومُ المَظلومَ لأنَّه قاوَمَ الجَلَّاد! يَقولونَ بِلِسانِ المُنافِقينَ الأوَّلين: ﴿لَوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 156]. فَيَرُّدُّ اللهُ عليهم ويَفضَحُهم: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. المُقاوَمَةُ شَرَف، ومُدافَعَةُ المُحتَلِّ عَقيدَة، والذُّلُّ ليسَ في المَوت، بل الذُّلُّ في الرِّضا بِحَياةِ العَبيد.
أيُّها المُسلِمون، إنَّ السَّماءَ تَنظُرُ إلينا. وإنَّ المَلائِكَةَ تَكتُب. وإنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُه يَنتَظِرُ مِنَّا عُذرًا نَعتَذِرُ بِه يومَ نَلقاه. قال الإمامُ القُرطُبيُّ رَحِمَهُ اللهُ في تَفسيرِ آياتِ استِنقاذِ الأسرى: "اسْتِنْقَاذُ الْأَسْرَى مِنَ الْكُفَّارِ فَرْضٌ عَلَى كِفَايَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ مُسْلِمٌ وَاحِدٌ مَأْسُورٌ لَوَجَبَ اسْتِنْقَاذُهُ، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ". فكَيفَ إذا كانَ الأسرى والمُحاصَرونَ والمَذبَوحونَ مَلايينَ المُسلِمين؟!
إنَّ الدَّمَ الذي يُسفَكُ في غَزَّة لَيسَ دَمًا فِلَسطينِيًّا فَحَسب... إنَّه دَمٌ إسلاميٌّ بامتياز. وما قضيَّةُ الأقصى إلا قَضيَّةُ عَقيدَةٍ تُتلى في كِتابِ اللهِ في سُورَةِ الإسراء. ومَن ظَنَّ أنَّ المَعرَكَةَ هُناك ولا تَعنيه، فقد جَهِلَ حَقيقَةَ دِينِه. ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: 72]. هذا حُكمُ اللهِ الذي لا مُعَقِّبَ لِحُكمِه!
نَسأَلُ اللهَ العَظيمَ رَبَّ العَرشِ الكَريمِ أن يُوقِظَ قُلوبَنا من غَفلَتِها، وأن يَرُدَّنا إلى دِينِه رَدًّا جَميلًا، وأن يَستَعمِلَنا في نُصرَةِ إخوانِنا ولا يَستَبدِلَنا.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمَدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِه ومَنِ اقتَفى أثَرَهُ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن أُخُوَّةِ الإيمان، وعن مِحنةِ غَزَّةَ التي فَضَحَت حالَ الأُمَّة، ووُقوفِنا أمامَ جَريمَةِ "الخِذلان" التي حَذَّرَ منها النَّبيُّ ﷺ. وبيَّنَّا أنَّ دِماءَ الشُّهداءِ هُناك هي مِقياسٌ لِصِدقِ الإيمانِ هُنا. والآن، إخوتي، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأهَمُّ: كَيفَ نَنصُرُهم ونَحنُ في مَكانِنا؟ وكيفَ نَبرَأُ إلى اللهِ من الخِذلان؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري، عاهِدوا اللهَ عليها:
الأولى (قَلبيَّة): إيَّاكَ أن تَعتادَ المَشهَد! لا تَسمَح لِقَلبِك أن يَتَبَلَّدَ أمامَ الدِّماء. ابكِ لحالِهم، وتَأَلَّم لِوُجَعِهم، وجَدِّد في قَلبِك نيَّةَ نُصرَتِهم في كُلِّ صَباح. فإنَّ القَلبَ الذي يَنبِضُ بِهَمِّ المُسلِمينَ هو القَلبُ الحَيُّ الذي يَنظُرُ اللهُ إليه.
الثانية (لِسانيَّة): سِلاحُ الدُّعاء! لا تَستَخِفُّوا بِدُعاءِ اللَّيل. قَبلَ أن تَنامَ اللَّيلَة، وفي سُجودِ وِترِك، ارفَع يَدَيكَ وتَضَرَّع لِرَبِّ السَّماءِ أن يَنصُرَهم ويَخذُلَ عَدُوَّهم. فإنَّ دَعوَةَ الصَّادِقينَ رُصاصَةٌ في صَدرِ الباطِلِ لا تُخطِئ.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): قاطِعوا كُلَّ مَن يَدعَمُ العَدُوّ، وتَبَرَّعوا بِما تَستَطيعون! لا تَقُل "وماذا يَصنَعُ رِيالٌ أو مُقاطَعَةُ كوبِ قَهوَة؟" المُقاطَعَةُ يا أخي مَوقِفُ بَراءَةٍ إلى اللهِ أنَّ مالَكَ لم يَشتَرِ رَصاصَةً تُقتَلُ بِها طِفلَةٌ مُسلِمَة. هذا أضعَفُ الإيمانِ العَمَليّ، فَلا
تَتَنازَل عَنه.
الرابعة (اجتماعيَّة): رَبُّوا أبناءَكُم على هَذِه القَضيَّة! لا تَجعَلوا أطفالَكم يَكبَرونَ وهم لا يَعرِفونَ إلا بُطولاتِ الشَّاشاتِ المُزَيَّفَة. اجلِس مَع ابنِكَ اللَّيلَةَ، وحَدِّثهُ عن فَِلسطين، وعن المَسجِدِ الأقصى، وعن أبطالِ غَزَّة الذينَ صَمَدوا بِرُغم الخُذلان. اصرَعوا الجَهلَ في أجيالِنا لِيَخرُجَ مِنهُم جِيلُ التَّحرير.
الخامسة (موضوعيَّة): ثِقوا بِنَصرِ الله ولا تَيأَسوا! المَعرَكَةُ طَويلَة، وعَدُوُّكُم يُريدُ كَسرَ نُفوسِكُم قَبلَ دِيارِكُم. كُونوا مَشاعِلَ أَمَلٍ لِمَن حَولَكُم، ولا تَنشُروا اليَأسَ والإحباط، فَإنَّ اللهَ ﴿غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّكُم مَوقوفونَ بَينَ يَدَيه، ومَسؤولونَ عَمَّا قَدَّمتُم لإخوانِكُم.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهم بِإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ يا سَميعَ الدُّعاء، يا مُجيبَ المُضطَرِّين، يا كاشِفَ كَربِ المَكروبين.. اللَّهُمَّ إنَّا نَستَودِعُكَ إخوانَنا المُستَضعَفينَ في غَزَّةَ وفي فِلسطينَ كُلِّها. اللَّهُمَّ كُن لَهم عونًا ونَصيرًا، ومُؤَيِّدًا وظَهيرًا. اللَّهُمَّ إنَّهم حُفاةٌ فاحمِلهم، وجِياعٌ فَأطعِمهم، وعُراةٌ فاكسُهم، ومَظلومونَ فانتَصِر لَهم يا قَويُّ يا جَبَّار!
اللَّهُمَّ داوِ جَرحاهُم، واشفِ مَرضاهُم، وتقبَّل شُهداءَهم، واربُط على قُلوبِ ثَكالاهم وأياماهم. اللَّهُمَّ أنزِلِ السَّكينَةَ على قُلوبِهم، وأفرِغ عَليهِم صَبرًا من عِندِكَ يُثَبِّتُ أقدامَهم.
اللَّهُمَّ يا مُنزِلَ الكِتاب، ويا مُجريَ السَّحاب، ويا هازِمَ الأحزاب.. اهزِمِ الصَّهايِنَةَ المُعتَدينَ المَلعونين، ومَن عاوَنَهم، ومَن والاهُم، ومَن دَعَمَهم! اللَّهُمَّ خُذهُم أخذَ عَزيزٍ مُقتَدِر، ومَزِّقهُم كُلَّ مُمَزَّق، ولا تَرفَع لَهم رايَة، ولا تُحَقِّق لَهم غايَة، واجعَلهُم لِمَن خَلفَهم آيَة. اللَّهُمَّ أرِنا فيهم عَجائِبَ قُدرَتِك، وبَأسَكَ الذي لا يُرَدُّ عَن القَومِ المُجرِمين!
اللَّهُمَّ استَعمِلنا في نُصرَةِ دِينِكَ وإخوانِنا، ولا تَستَبدِلنا، واغفِر لَنا ضَعفَنا وتَقصيرَنا وخِذلانَنا يا أرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ اجعَل خَيرَ أيَّامِنا يومَ نَلقاك، وخَيرَ أعمالِنا خَواتيمَها.
عِبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَرُ، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.