🕌 الحجُّ وميلادُ الأمَّة... نداءُ التَّوحيدِ والمُساواة
#خطبة_جمعة #الحج #وحدة_الأمة #الأخوة_الإسلامية #المساواة #عقيدة
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الحَجَّ مَوسِمًا تَجتَمِعُ فيه القُلوبُ قَبلَ الأجساد، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، ساوى بينَ عِبادِه في وُقوفِهم بين يَدَيه، فلا فَضلَ لغَنيٍّ على فَقيرٍ، ولا لِقَويٍّ على ضَعيفٍ إلَّا بالتَّقوى، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقينَ وقُدوَةُ المُتَواضِعينَ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا معي مَشهَدًا تَرونه كُلَّ عامٍ وتَقشَعِرُّ له الأبدان: مَلايينُ البَشر، اختَلَفَت لُغاتُهم، وتَبايَنَت ألوانُهم، وتَباعَدَت بُلدانُهم، يَقِفون جميعًا في صَعيدٍ واحد، بلِباسٍ واحد، يَهتِفون بنِداءٍ واحد. هذا المَشهدُ المَهيب ليس مُجَرَّدَ تَجَمُّعٍ بَشَري، بل هو إعلانٌ ربَّانيٌّ عظيم. ولكن، خَلفَ هذا المَشهدِ البَديع، هُناك مَرَضٌ خَفيٌّ يَتَسَلَّلُ إلى القُلوب، مَرَضٌ وصفَهُ النَّبيُّ ﷺ بأنَّه "مُنتِن"، مَرَضٌ قادِرٌ على هَدمِ هذا البُنيانِ العظيمِ وتَمزيقِ صَفِّ الأمَّةِ في لَحظة. فما هو هذا المَرَض؟ وكيفَ عَالَجَهُ القرآنُ في آيةٍ واحِدَة؟ وكيفَ نَعودُ من مَوسِمِ الحَجِّ أُمَّةً كالبُنيانِ المَرصوص؟ كُلُّ هذا نَقفُ مَعَهُ بعدَ قليل.
أيها الإخوةُ الأحبَّة، إنَّ المُتَأمِّلَ في شَعيرَةِ الحَجِّ، يَرى أنَّها لَيست مُجَرَّدَ رِحلَةٍ جَسَديَّةٍ تُقطَعُ فيها المَسافات، وتُبذَلُ فيها الأموال. إنَّها في عُمقِها الرُّوحيِّ رِحلَةٌ لصِناعَةِ "الأمَّةِ الواحدة". اللهُ سُبحانَهُ وتَعالى قادِرٌ على أن يَأمُرَ كُلَّ مُسلِمٍ بأن يَحُجَّ في بَلَدِه، أو أن يُفَرِّقَ مَناسِكَ الحَجِّ على شُهورِ العَامِ لِيَخِفَّ الزِّحام، لكنَّهُ جَلَّ جَلالُهُ قال: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [سورة الحج: 27].
لماذا "مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق"؟ ولماذا في مَكانٍ واحِدٍ وزَمانٍ واحِد؟
لأنَّ الإسلامَ جاءَ لِيَجمَعَ، لا لِيُفَرِّق. جاءَ لِيُذيبَ تِلكَ الفَوارِقَ المَصنوعَة، ويَمحُوَ تِلكَ الحُدودَ المَوهومَة، ويُسقِطَ تِلكَ الألقابَ الزَّائفَة. يُريدُكَ اللهُ أن تَقفَ في عَرَفات، فَتَنظُرَ عن يَمينِكَ فَتَرى مُسلِمًا من أقصى الشَّرق، وتَنظُرَ عن شِمالِكَ فَتَرى مُسلِمًا من أقصى الغَرب، فَتُدرِكَ يَقينًا أنَّ ما يَجمَعُكَ بِهِما أَعظَمُ مِمَّا يَجمَعُكَ بِأَيِّ شَيءٍ آخَر؛ إنَّها عَقيدَةُ "لا إله إلا الله".
هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا نَخلَعُ مَلابِسَنا المَخيطَة، ونَلبَسُ تِلكَ القِطعَتَينِ البَيضاوَينِ اللَّتَينِ تُشبِهانِ الكَفَن؟
إنَّ الإحرامَ يا عِبادَ اللهِ ليسَ مُجَرَّدَ لِباس، بل هو إعلانُ وِحدَةٍ ومُساواة. في مَحَطَّةِ الإحرام، يَخلَعُ المَلِكُ تاجَه، ويَخلَعُ الغَنيُّ حَريرَه، ويَخلَعُ الوَزيرُ وِسامَه، ويَلبَسونَ جَميعًا ثَوبًا واحِدًا، لا يُمَيِّزُ أعيُنَ النَّاظِرينَ فِيهِم أحَدًا عن أحَد. هُنا يَسقُطُ التَّكَبُّر. هُنا يَسقُطُ التَّعالي. هُنا تَتَساوى الرُّؤوسُ وتَخضَعُ الرِّقابُ لِرَبِّ العالَمين.
واسمَعوا لِهَذِه الآيَةِ العَظيمَةِ الَّتي تُمَثِّلُ دُستورًا كامِلًا لِحَياةِ البَشَر، والَّتي تَرتَبِطُ ارتِباطًا وَثيقًا بِروحِ الحَجِّ ومَقصَدِه. يَقولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات: 13].
تَأمَّلوا هَذا النِّداءَ الرَّباني: "لِتَعارَفُوا".
لَم يَقُل سُبحانَهُ لِتَتَقاتَلوا، ولا لِتَتَفاخَروا، ولا لِتَستَعلوا على بَعضِكُمُ البَعض. قال الإمامُ القُرطُبيُّ رَحِمَهُ اللهُ في تَفسيرِها: "أي لِيَعرِفَ بَعضُكُم بَعضًا في النَّسَب، لا لِيَتَفاخَروا بِالآباءِ والأجداد".
نَعَم يا عِبادَ الله، لِتَعارَفوا... لا لِتَتَنابَزوا بِالألقابِ والسُّخريَة.
لِتَعارَفوا... لا لِتَتَعالَوا بِأنسابِكُم وجِنسِيَّاتِكُم وأموالِكُم.
لِتَعارَفوا... لا لِتَستَكبِروا على بَعضِكُم البَعض بِألوانِكُم ولُغاتِكُم ومَناصِبِكُم.
كيفَ يُعقَلُ يا مَعاشِرَ المُسلِمين، أن نَقرَأَ هَذِهِ الآيَة، ونَرى مَشهَدَ الحَجِّ العَظيم، ثُمَّ نَجِدَ في مُجتَمَعِنا اليَومَ مَن يَحتَقِرُ أخاهُ المُسلِمَ لِأنَّهُ مِن جِنسيَّةٍ مُعَيَّنَة، أو لِأنَّ لَونَ بَشَرَتِهِ مُختَلِف، أو لِأنَّهُ يَعمَلُ عامِلَ نَظافَةٍ أو خادِمًا بَسيطًا؟!
إنَّ النَّبيَّ ﷺ قَد حَسَمَ هَذِهِ القَضيَّةَ في خُطبَةِ حَجَّةِ الوَداع، في أَعظَمِ مَحفِلٍ شَهِدَهُ التَّاريخُ آنَذاك، حينَ وَقَفَ أمامَ الآلافِ صارِخًا بِهَذِهِ الحَقيقَةِ الكُبرى: «يا أيُّهَا النَّاس، ألا إنَّ رَبَّكُم واحِد، وإنَّ أباكُم واحِد، ألا لا فَضلَ لِعَرَبيٍّ على أَعجَميٍّ، ولا لِعَجَميٍّ على عَرَبيٍّ، ولا لِأحمَرَ على أسوَدَ، ولا أسوَدَ على أحمَرَ إلَّا بِالتَّقوى» (رواه الإمام أحمد).
كلماتٌ نَزَلَت كالمِطرَقَةِ تُحَطِّمُ أصنامَ الجاهِليَّةِ وتَكسِرُ قُيودَ العُنصُريَّة. لا قيمَةَ لِجَوازِ سَفَرِك، ولا لِمَسقَطِ رَأسِك، ولا لِرَصيدِكَ في البَنكِ أمامَ الله. المِيزانُ الوَحيدُ هو التَّقوى. والمِيزانُ الوَحيدُ لِقَبولِ حَجِّكَ وعَمَلِكَ هو طَهارَةُ هَذا القَلبِ مِن دَنَسِ الكِبرِ والتَّعالي.
وهُنا نَصِلُ إلى المَرَضِ الأخطَر.
الكِبر! هَذا المَرَضُ الَّذي مَزَّقَ صُفوفَنا. أَتَدرونَ ما هو الكِبر؟ إنَّهُ أوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ في السَّماء. حينَ أمَرَ اللهُ إبليسَ بِالسُّجودِ لِآدَم، ماذا كانَ رَدُّه؟ ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [سورة الأعراف: 12].
أنا خَيرٌ مِنه! هَذِهِ هِيَ نَزعَةُ إبليسَ الَّتي تَتَرَدَّدُ اليَومَ في صُدورِ بَعضِنا بِلُغاتٍ مُختَلِفَة. "أنا خَيرٌ مِنهُ جِنسيَّةً"، "أنا خَيرٌ مِنهُ قَبيلَةً"، "أنا خَيرٌ مِنهُ عائِلَةً"، "أنا خَيرٌ مِنهُ لَونًا"!
وقَد ذَكَرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ مَعنًى عَجيبًا حينَ قال: "الكِبرُ والفَخرُ والخُيَلاءُ مِن أعظَمِ المُهلِكات، وهي تَنشَأُ مِن رُؤيَةِ النَّفسِ واستِعظامِها، ومَن رَأى نَفسَهُ خَيرًا مِن غَيرِهِ فَقَد سَلَكَ مَسلَكَ إبليس".
ولِأجْلِ هَذا الخَطَرِ العَظيم، كانَ رَدُّ النَّبيِّ ﷺ حاسِمًا صارِمًا لا لِين فِيهِ حينَ يَتَعَلَّقُ الأمرُ بِتَمزيقِ صَفِّ المُسلِمينَ واستِصغارِ بَعضِهِم.
تَأمَّلوا مَعي هَذِهِ القِصَّةَ العَظيمَةَ الَّتي وَقَعَت بَينَ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ، لِنَعرِفَ كَيفَ يُعالَجُ التَّعالي. غَضِبَ أبو ذَرٍّ الغِفاريُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن بِلالِ بنِ رَباحٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ في خِلافٍ بَينَهُما. وفي لَحظَةِ غَضَبٍ، انفلَتَت مِن لِسانِ أبي ذَرٍّ كَلِمَةٌ مِن مَواريثِ الجاهِليَّة، فَقالَ لِبِلال: "يَا ابنَ السَّوداء!".
كلِمَةٌ واحِدَة. شَكوَى بِلالٌ حالَهُ إِلى النَّبيِّ ﷺ. فَهَل صَمَتَ النَّبيُّ ﷺ؟ هَل قالَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ قالَها في ساعَةِ غَضَب؟
لا! بل استَدعى أبا ذَرٍّ، ونَظَرَ إلَيهِ بِغَضَبٍ قائِلًا الكَلِمَةَ الَّتي زَلزَلَت كَيانَ الصَّحابيِّ الجَليل: «يا أبا ذَرّ! أَعَيَّرتَهُ بِأُمِّه؟ إِنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليَّة!» (متفق عليه).
إنَّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليَّة! أنتَ تُصَلِّي مَعَنا، وتَصومُ مَعَنا، وتُجاهِدُ مَعَنا، ولَكِنَّ هَذِهِ العُنصُريَّةَ والتَّعالي هي بَقايا الجاهِليَّةِ المُنتِنَة!
فَماذا فَعَلَ أبو ذَرّ؟ هَل بَرَّرَ مَوقِفَه؟ هَل كابَرَ واستَعلَى؟
وَاللهِ، لَقَد رَمى بِنَفسِهِ على التُّراب، ووَضَعَ خَدَّهُ على الأرض، مَرَّغَ وَجهَهُ الَّذي رُبَّما تَعالى فيهِ لَحظَةً، وقالَ لِبِلال: "وَاللهِ لا أرفَعُ خَدِّي مِنَ التُّرابِ حَتَّى تَطَأَهُ بِقَدَمِكَ، أنتَ الكَريمُ وأنا المُهان!".
يا لَعَظَمَةِ هَذا الدِّين! ويا لَطَهارَةِ هَذِهِ النُّفوس!
فَأينَ هَذا مِمَّا نَراهُ اليَوم؟ أينَ هَذا مِمَّن يَسخَرُ مِن أخيهِ المُسلِمِ لِلُكنَةٍ في لِسانِه، أو ضيقٍ في رِزقِه، أو اختِلافٍ في ثَوبِه؟ أينَ هَذا مِن حَملاتِ السُّخريَةِ والتَّهَكُّمِ والشَّتائِمِ الَّتي تَمَلَأُ شاشاتِ الهَواتِفِ ووسائِلَ التَّواصُل، بَينَ شُعوبٍ تَدينُ بِدينٍ واحِد، وتَقرَأُ قُرآنًا واحِدًا، وتَتَّجِهُ إلى قِبلَةٍ واحِدَة؟! أين هُم مِن قَولِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ [سورة الحجرات: 11]؟
إنَّ مِمَّا يُدمي القَلبَ حَقًّا، أن يَعُودَ بَعضُنا مِن مَوسِمِ الحَجِّ، وقَد وَقَفَ في صَفِّ الصَّلاةِ بِجِوارِ أخيهِ المُسلِمِ مِن أَقاصي إفريقيا أو آسيا، يَبكِيانِ مَعًا، ويَدعُوانِ مَعًا.. ثُمَّ إذا عادَ إلى بَلَدِه وعَمَلِه، رَأيتَهُ يَنتَهِرُ عامِلًا ضَعيفًا مِن ذِاتِ الجِنسيَّة، أو يَستَكبِرُ على خادِمٍ في بَيتِه، أو يَنتَقِصُ مِن زَميلٍ لَهُ في العَمَلِ بِسَبَبِ عِرقِه! أيُعقَلُ أن يَهْدِمَ الحاجُّ أو المُعتَمِرُ حَجَّهُ وعُمرَتَهُ بِكَلِمَةِ كِبرٍ وتَعالٍ؟
يَقولُ النَّبيُّ ﷺ قَولًا حاسِمًا قاطِعًا لِلعُروق: «لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلبِهِ مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبر» (رواه مسلم).
ذَرَّة! لَيسَت جَبَلًا ولا صَخرَة... ذَرَّةٌ واحِدَةٌ مِن استِصغارِ النَّاسِ واحتِقارِهِم تَكفي لِحِرمانِ العَبدِ مِن دُخولِ الجَنَّة!
...
فانتَبِه.
قَبلَ أن يُسدَلَ السِّتارُ على عُمُرِك، وتَقِفَ أمامَ اللهِ صاغِرًا، لِيُقتَصَّ مِنكَ لِمَن احتَقَرتَهُ في الدُّنيا.
يا عِبادَ الله، إنَّ الإسلامَ جاءَ لِيَجمَعَنا عَلى الأخُوَّة، لا عَلى العَصَبِيَّة. وفي السِّيرَةِ النَّبَويَّةِ شَواهِدُ تَنطِقُ بِهَذا المَنهَج. حَدَثَ أن وَقَعَ خِلافٌ بَينَ رَجُلٍ مِنَ المُهاجِرينَ ورَجُلٍ مِنَ الأنصار، فَنادى المُهاجِريُّ: "يا لَلمُهاجِرين!"، ونادى الأنصاريُّ: "يا لَلأنصار!".. سَمِعَ النَّبيُّ ﷺ هَذِهِ النِّداءاتِ الَّتي تُفَرِّقُ وتُحَزِّب، فَخَرَجَ غَضبانَ مُسرِعًا يَقول: «أَبِدَعوَى الجاهِليَّةِ وأنا بَينَ أَظهُرِكُم؟! دَعُوها فَإنَّها مُنتِنَة» (متفق عليه).
دَعوها فَإنَّها مُنتِنَة! هَكَذا وَصَفَ النَّبيُّ ﷺ العَصَبِيَّةَ للقَبيلَةِ أو الجِنسيَّةِ أو الوَطَنِ إِذا كانت سَبَبًا في احتقارِ الآخرين وتَمزيقِ الأُخُوَّةِ الإسلاميَّة.
وقَد لَخَّصَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ اللهُ هَذا المَفهومَ بِعِبارَةٍ بَليغَةٍ حينَ قال: "كُلُّ ما خَرَجَ عن دَعوى الإسلامِ والقُرآن، مِن نَسَبٍ أو بَلَدٍ أو جِنسٍ أو مَذهَبٍ أو طَريقَةٍ، فَهُوَ مِن عَزاءِ الجاهِليَّة".
أينَ نَحنُ مِن قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء: 92]؟
الأمَّةُ الواحِدَةُ هي الجَسَدُ الواحِد، الَّذي إذا نَزَفَ فِيهِ عِرقٌ في الشَّرق، تَألَّمَ لَهُ قَلبٌ في الغَرب. هي الأمَّةُ الَّتي لا تَعرِفُ الحُدودَ المُصطَنَعَةَ حينَ يَتَعَلَّقُ الأمرُ بِالمُوالاةِ والمُؤازَرَة. وكَما قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَثَلُ المُؤمِنينَ في تَوادِّهِم وتَراحُمِهِم وتَعاطُفِهِم مَثَلُ الجَسَد، إِذا اشتَكى مِنهُ عُضوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى» (متفق عليه).
وإنَّ مِن أعظَمِ آياتِ اللهِ في الخَلقِ هَذا التَّنَوُّعَ البَديع، قالَ تَعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ [سورة الروم: 22]. فَالاختِلافُ آيَةٌ للِجَمالِ والتَّكامُل، ولَيسَ مُبَرِّرًا لِلتَّعالي والتَّفاضُل!
يا مَن أنعَمَ اللهُ عَليهِم بِنِعمَةِ الإسلام... إِذا أرَدتُم قَبولَ الطَّاعات، وإِذا أرَدتُم نَصرَ اللهِ لِهَذِهِ الأمَّةِ المَجروحَة، فابدَؤوا بِتَطهيرِ القُلوب. طَهِّروها مِن كُلِّ نَزعَةٍ تُفَرِّقُ وتُمَزِّق. وتَذَكَّروا قَولَ الحَبيبِ المُصطَفى ﷺ: «المُسلِمُ أخو المُسلِم، لا يَظلِمُهُ، ولا يَخذُلُهُ، ولا يَحقِرُهُ... بِحَسبِ امرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أن يَحقِرَ أخاهُ المُسلِم» (رواه مسلم).
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بعد:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن مَشهدِ الحَجِّ العَظيمِ وكَيفَ يُؤَسِّسُ لِوِحدَةِ الأمَّة، ووَقَفنا مَعَ قَولِهِ تَعالى: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾، ورَأَينا كيفَ أنَّ التَّعالي والتَّنابُزَ والعُنصُريَّةَ مَرَضٌ خَطيرٌ يَهْدِمُ عَمَلَ المُسلِمِ وقَد يُورِدُهُ المَخاطِر. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ في حَياتِنا بَعدَ أن نَخرُجَ مِن بابِ المَسجِد؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ اللَّيلَةَ مِن أيِّ ذَرَّةِ كِبرٍ أو استِعلاءٍ على أيِّ مُسلِمٍ في الأرض. تَذَكَّر دائمًا الحَديث: «إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إِلى صُوَرِكُم وأموالِكُم، ولَكِن يَنظُرُ إِلى قُلوبِكُم وأعمالِكُم» (رواه مسلم). فاجعَل قَلبَكَ مَحَلًّا للتَّواضُعِ والمَحَبَّة.
الثانية (لِسانيَّة): احفَظ لِسانَكَ مُنذُ اليَومِ عن كُلِّ كَلِمَةِ سُخريَةٍ أو تَنَمُّرٍ أو شَتمٍ لِأيِّ شَعبٍ أو قَبيلَةٍ أو لَون. لا تُشارِك في النُّكاتِ الَّتي تَنتَقِصُ مِن جِنسيَّاتٍ مُعَيَّنَة، فَإنَّها حَصائِدُ مُهلِكَةٌ تُلقي في النَّار، واستَبدِل بِذَلِكَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَة.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): إِذا خَرَجتَ اليَومَ وصادَفتَ عامِلًا أجنَبيًّا، أو خادِمًا، أو مُغتَرِبًا في بَلَدِك — ابتَسِم في وَجهِه، بادِرهُ بِالسَّلام، أَعطِهِ صَدَقَةً أو قِنِّينَةَ ماء، وأشعِرهُ أنَّكَ أَخوهُ في الإسلام. هَذَا الفِعلُ البَسيطُ يُحيي مَعنى الأمَّةِ الواحِدَةِ في قَلبِه.
الرابعة (اجتماعيَّة): ازرَع هَذِهِ المَعاني في أُسرَتِك. إِذا سَمِعتَ ابنَكَ أو ابتَنَتكَ يَتَعالى على أحَدٍ لِفَقرِهِ أو لَونِهِ أو بَلَدِه، فَقِف حازِمًا كما وَقَفَ النَّبيُّ ﷺ مع أبي ذَرّ، وقُل لَهُم: الإسلامُ يُسَوِّي بَينَنا، ولا قِيمَةَ لَنا إِلَّا بِالتَّقوى.
الخامسة (موضوعيَّة): عِش روحَ الإحرامِ والمُساواةِ حَتَّى وإن لَم يَكتُب لَكَ اللهُ الحَجَّ هَذا العام. البَس ثَوبَ التَّقوى في تَعامُلاتِك، وتَذَكَّر أنَّ اللهَ سَيَجمَعُ الأوَّلينَ والآخِرينَ حُفاةً عُراةً كما وُلِدوا، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فَإنَّ تَقوى اللهِ هي الَّتي تَحمِلُكُم عَلى التَّواضُعِ ولِينِ الجانِب، وهي الَّتي تَجعَلُكُم تَخفِضونَ جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمَةِ لِإخوانِكُمُ المُسلِمين.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليهِ، إِذ قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بِإحسانٍ إِلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَعرِفونَ حَقَّ الأخُوَّةِ الإسلاميَّةِ فَيَرعَونَها. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ الكِبرِ والغِلِّ والحَسَد، واقتَلِع مِن نُفوسِنا جُذورَ التَّعالي والعَصَبِيَّةِ والمَقْت.
اللَّهُمَّ أَلِّف بَينَ قُلوبِ المُسلِمين، واجمَع كَلِمَتَهُم عَلى الحَقِّ، ووَحِّد صُفوفَهُم في كُلِّ مَكان. اللَّهُمَّ مَن قَصَدَ بَيتَكَ حاجًّا ومُعتَمِرًا فَتَقَبَّل مِنه، ومَن رَجَا الحَجَّ ولَم يَستَطِع فَاكتُب لَهُ النِّيَّةَ والأجرَ بِرَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
اللَّهُمَّ كُن لِإخوانِنا المُستَضعَفينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ اربُط عَلى قُلوبِهِم، وانصُرهُم نَصرًا مُؤَزَّرًا، واجعَل لَهُم مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجًا.
عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القُربى، ويَنهى عنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون.
وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.