حَاجَةُ المَرأَةِ المُسلِمَةِ إِلَى الزَّوَاجِ وَحِفظِ المِيثَاقِ الغَلِيظِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ وَخَدِيعَةِ الِاستِغنَاءِ بِالوَظِيفَةِ وَخُطُورَةِ التَّسَاهُلِ فِي طَلَبِ الطَّلَاقِ
الحَمدُ للهِ الخَلَّاقِ العَلِيم، الحَكِيمِ الرَّحِيم، الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهرًا، وَشَرَعَ الزَّوَاجَ سَكَنًا لِلقُلُوبِ وَطَهَارَةً لِلأَعرَاضِ وَعِمَارَةً لِلكَونِ وَذُخرًا، وَسَمَّى عَقدَ النِّكَاحِ مِيثَاقًا غَلِيظًا لِيَصُونَهُ عَنِ العَبَثِ وَالشِّقَاقِ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةَ مَن آمَنَ بِحِكمَةِ شَرعِه، وَاستَسلَمَ لِأَمرِهِ وَحُكمِه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الَّذِي جَعَلَ النِّكَاحَ سُنَّتَهُ القَوِيمَة، وَأَوصَى بِحِفظِ الأُسرَةِ المُسلِمَةِ وَصِيَانَةِ أَركَانِهَا الكَرِيمَة، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَزهَارِ بَيتِهِ الطَّاهِرَات، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الهُدَاة، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ المَمَات.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَبِالتَّقوَى تُبنَى البُيُوتُ وَتَعمُر، وَبِهَا تَدفَعُ الأُسَرُ عَوَادِيَ الفِتَنِ وَتُجبَر، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ الأُسرَةَ المُسلِمَةَ هِيَ القَلعَةُ الحَصِينَةُ الَّتِي يَتَحَطَّمُ عَلَى أَسوَارِهَا كَيدُ أَعدَاءِ الإِسلَام، وَهِيَ المَحضِنُ الأَوَّلُ الَّذِي يُخرِّجُ لِلأُمَّةِ رِجَالَهَا الصَّادِقِينَ وَنِسَاءَهَا العَفِيفَاتِ القَانِتَات. وَفِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي تَلَاطَمَت فِيهِ أَموَاجُ الفِتَنِ، وَارتَفَعَت فِيهِ نِسَبُ الطَّلَاقِ ارتِفَاعًا مُفزِعًا يُهدِّدُ تَمَاسُكَ المُجتَمَع، وَانتَشَرَت فِيهِ دَعَوَاتٌ مَسمُومَةٌ تُزَهِّدُ الفَتَيَاتِ فِي الزَّوَاجِ تَحتَ شِعَارِ «الاكتِفَاءِ بِالوَظِيفَةِ وَالِاستِقلَالِ المَالِيِّ»، أَو تَدفَعُ الزَّوجَةَ المَخدُوعَةَ إِلَى طَلَبِ الطَّلَاقِ وَالخُلعِ عِندَ أَدْنَى خِلَافٍ؛ كَانَ لِزَامًا عَلَى المَنَابِرِ أَن تَصدَعَ بِالحَقِّ، وَتُبَيِّنَ بِمِيزَانِ الوَحيِ الحَكِيمِ «حَاجَةَ المَرأَةِ المُسلِمَةِ إِلَى الزَّوَاجِ مِنَ الرَّجُلِ المُسلِمِ، وَفَائِدَتَهُ العُظمَى فِي الدِّينِ وَالدُّنيَا وَالآخِرَة»!
عِبَادَ اللهِ: لِمَاذَا شَرَعَ اللهُ الزَّوَاجَ؟ هَل شَرَعَهُ لِيَكُونَ مُجَرَّدَ عَقدِ إِعلَالٍ مَالِيٍّ أَو صَفْقَةٍ مَادِّيَّةٍ تَنتَهِي الحَاجَةُ إِلَيهَا إِذَا صَارَ لِلمَرأَةِ رَاتِبٌ شَهرِيٌّ أَو وَظِيفَة؟!
كَلَّا وَاللهِ! إِنَّ الزَّوَاجَ فِي الإِسلَامِ أَسمَى وَأَعمَقُ وَأَعظَمُ مِن ذَلِكَ بِكَثِير! إِنَّهُ حَاجَةٌ فِطرِيَّةٌ، وَسَكِينَةٌ رُوحِيَّةٌ، وَحِصنٌ إِيمَانِيٌّ، وَشَرَاكَةٌ تَعَبُّدِيَّةٌ لَا يُغْنِي عَنهَا مَالُ الدُّنيَا كُلُّهُ وَلَو مَلَكَتِ المَرأَةُ خَزَائِنَ الأَرض!
تَأَمَّلُوا التَّعبِيرَ القُرآنِيَّ المُعجِزَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ حِينَ قَالَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. مَاذَا يَصنَعُ اللِّبَاسُ لِلإِنسَانِ يَا عِبَادَ الله؟ إِنَّ اللِّبَاسَ يَستُرُ العَورَةَ، وَيَمنَحُ الدِّفءَ فِي قَسْوَةِ البَردِ، وَيَقِي الجَسَدَ مِنَ الأَذَى، وَيُضفِي عَلَى صَاحِبِهِ الجَمَالَ وَالزِّينَة، وَهُوَ أَقرَبُ شَيءٍ إِلَى جَسَدِ الإِنسَان! فَكَذَلِكَ الرَّجُلُ المُسلِمُ الصَّالِحُ لِلمَرأَةِ المُسلِمَةِ، وَكَذَلِكَ المَرأَةُ المُسلِمَةُ الصَّالِحَةُ لِزَوجِهَا!
إِنَّ حَاجَةَ المَرأَةِ المُسلِمَةِ إِلَى الزَّوَاجِ مِنَ الرَّجُلِ المُسلِمِ الصَّالِحِ تَتَجَلَّى فِي خَمسِ فَوَائِدَ وَضَرُورَاتٍ عَظِيمَةٍ لَا تُشتَرَى بِمَالٍ وَلَا تُعَوَّضُ بِوَظِيفَة:
الفَائِدَةُ الأُولَى: إِدرَاكُ «السَّكَنِ النَّفسِيِّ وَالعَاطِفِيِّ» الَّذِي فَطَرَ اللهُ النُّفُوسَ عَلَيه!
فَالمَرأَةُ جَبَلَهَا اللهُ عَلَى الرِّقَّةِ وَالعَاطِفَةِ وَالحَاجَةِ إِلَى الرَّجُلِ القَوِيِّ الأَمِينِ الَّذِي تَأوِي إِلَى كَنَفِهِ، وَتَستَنِدُ إِلَى رُجُولَتِهِ وَقِوَامَتِهِ عِندَ نَوَائِبِ الدَّهرِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
وَالفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: حِفظُ الدِّينِ وَالعَفَافِ وَالتَّحَصُّنُ مِن فِتَنِ الشَّهَوَات!
فِي زَمَنٍ تَفَتَّحَت فِيهِ أَبوَابُ الفِتَنِ عَبرَ الشَّاشَاتِ وَالطُّرُقَاتِ وَأَمَاكِنِ العَمَل، يَبقَى الزَّوَاجُ هُوَ الحِصنَ الحَصِينَ لِإِحصَانِ الفَرجِ وَغَضِّ البَصَرِ وَصِيَانَةِ الكَرَامَة. فَفِي مُستَدرَكِ الحَاكِمِ وَشُعَبِ الإِيمَانِ لِلبَيهَقِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن رَزَقَهُ اللهُ امرَأَةً صَالِحَةً فَقَد أَعَانَهُ عَلَى شَطرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي الشَّطرِ البَاقِي!». وَكَذَلِكَ المَرأَةُ إِذَا رَزَقَهَا اللهُ زَوجًا مُسلِمًا صَالِحًا فَقَد أَعَانَهَا عَلَى شَطرِ دِينِهَا!
وَالفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: نِعمَةُ الأُمُومَةِ وَالذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ وَالأُنسِ عِندَ تَقَدُّمِ العُمُر!
لِتَسأَلْ كُلُّ فَتَاةٍ تُعرِضُ عَنِ الزَّوَاجِ اليَومَ اغتِرَارًا بِشَبَابِهَا وَوَظِيفَتِهَا وَرَاتِبِهَا: مَاذَا بَعدَ أَن تَمضِيَ سَنَوَاتُ الشَّبَابِ المَعدُودَة؟ مَاذَا حِينَ يَرحَلُ الأَبُ وَالأُمُّ عَنِ الدُّنيَا، وَيَنشَغِلُ كُلُّ أَخٍ وَأُختٍ بِأَسرَتِهِ وَأَولَادِه، وَتَتَقَاعَدُ المَرأَةُ مِن وَظِيفَتِهَا فَتَجِدُ نَفسَهَا وَحِيدَةً بَينَ أَربَعَةِ جُدرَانٍ، لَا زَوجٌ يُؤَانِسُ وَحشَتَهَا، وَلَا وَلَدٌ يَبرُّهَا فِي كِبَرِهَا وَمَرَضِهَا وَيَدعُو لَهَا بَعدَ مَوتِهَا؟! أَتُغنِي الشَّهَادَةُ أَوِ الوَظِيفَةُ أَوِ الحِسَابُ البَنكِيُّ يَومَئِذٍ عَن ضَمَّةِ وَلَدٍ أَو مَوَدَّةِ زَوجٍ صَالِح؟!
وَالفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الزَّوَاجَ وَطَاعَةَ الزَّوجِ بِالمَعرُوفِ مِن أَسرَعِ الطُّرُقِ المُوصِلَةِ لِلمَرأَةِ إِلَى الجَنَّة!
تَأَمَّلُوا هَذِهِ البِشَارَةَ النَّبَوِيَّةَ العَظِيمَةَ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ أَحمَدُ وَابنُ حِبَّانَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا صَلَّتِ المَرأَةُ خَمسَهَا، وَصَامَت شَهرَهَا، وَحَفِظَت فَرجَهَا، وَأَطَاعَت زَوجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادخُلِي الجَنَّةَ مِن أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ شِئتِ!». وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِلحُصَينِ بنِ مِحصَنٍ عَن عَمَّتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَمَا فِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ بِإِسنَادٍ صَحِيح: «فَانظُرِي أَينَ أَنتِ مِنهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ!».
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: وَمِن أَخطَرِ الفِتَنِ الَّتِي دَخَلَت عَلَى بَعضِ بُيُوتِ المُسلِمِينَ فِي هَذَا العَصرِ مَا يَنفُثُهُ شَيَاطِينُ الإِنسِ وَالجِنِّ فِي رُوعِ بَعضِ النِّسَاءِ المَوَظَّفَاتِ صَاحِبَاتِ الدَّخلِ المَالِيِّ؛ مِن أَنَّهَا «مُستَغنِيَةٌ بِنَفسِهَا عَنِ الرَّجُلِ»، فَتَدخُلُ بَيتَ الزَّوجِيَّةِ بِنَفسِيَّةِ النِّدِّ المُستَعلِي لَا بِنَفسِيَّةِ السَّكَنِ وَالمَوَدَّةِ، فَلَا تَتَحَمَّلُ كَلِمَةً، وَلَا تَصبِرُ عَلَى هَفوَةٍ، وَلَا تَقبَلُ قِوَامَةً، وَعِندَ أَوَّلِ خِلَافٍ يَسِيرٍ تَرفَعُ صَوتَهَا بِطَلَبِ الطَّلَاقِ أَوِ الخُلعِ قَائِلَةً: «أَنَا مَعِي وَظِيفَتِي وَرَاتِبِي وَلَستُ بِحَاجَةٍ إِلَى رَجُلٍ!»؛ فَتَهدِمُ بَيتَهَا بِيَدِهَا، وَتُشَتِّتُ أَطفَالَهَا، وَتُفجِعُ قَلبَ وَالِدَيهَا!
أَمَا سَمِعَت تِلكَ المَرأَةُ الَّتِي تَستَسهِلُ طَلَبَ الطَّلَاقِ وَالخُلعِ ذَلِكَ الوَعِيدَ النَّبَوِيَّ الشَّدِيدَ الَّذِي تَرتَعِدُ لَهُ الفَرَائِص؟!
فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه وَصَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا امرَأَةٍ سَأَلَت زَوجَهَا طَلَاقًا فِي غَيرِ مَا بَأسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ!». وَفِي جَامِعِ التِّرمِذِيِّ وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُختَلِعَاتُ وَالمُنتَزِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ!»؛ أَيِ اللَّوَاتِي يَطلُبنَ الخُلعَ وَينتَزِعنَ أَنفُسَهُنَّ مِن أَزوَاجِهِنَّ بَطَرًا وَأَشَرًا مِن غَيرِ ضَرَرٍ شَرعِيٍّ مَلجِئ!
وَاسْمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ مَنِ الَّذِي يَفْرَحُ وَيَرقُصُ طَرَبًا كُلَّمَا طُلِّقَتِ امرَأَةٌ مُسلِمَةٌ وَتَهَدَّمَ بَيتٌ مُؤمِن! إِنَّهُ إِبلِيسُ اللَّعِين! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ إِبلِيسَ يَضَعُ عَرشَهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ يَبعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدنَاهُم مِنهُ مَنزِلَةً أَعظَمُهُم فِتنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُم فَيَقُولُ: فَعَلتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعتَ شَيئًا! قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُم فَيَقُولُ: مَا تَرَكتُهُ حَتَّى فَرَّقتُ بَينَهُ وَبَينَ امرَأَتِهِ! قَالَ: فَيُدنِيهِ مِنهُ وَيَقُولُ: نِعمَ أَنتَ!». فَيَا أَمَةَ اللهِ، أَتَرضَينَ أَن تَكُونِي أُلعُوبَةً يُحَقِّقُ بِهَا الشَّيطَانُ أَغلَى أَمانِيهِ فِي تَدمِيرِ بُيُوتِ المُوَحِّدِين؟!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ عِلَاجَ أَزمَةِ العُزُوفِ عَنِ الزَّوَاجِ وَكَثرَةِ الطَّلَاقِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ رَسَائِلَ صَادِقَةٍ بِمِيزَانِ العَدلِ الشَّرعِيِّ:
الرِّسَالَةُ الأُولَى: إِلَى كُلِّ فَتَاةٍ وَامرَأَةٍ مُسلِمَةٍ عَامِلَةٍ أَو مُوَظَّفَة!
اعلَمِي يَا أَمَةَ اللهِ أَنَّ العِلمَ وَالعَمَلَ المُنضَبِطَ بِضَوَابِطِ الشَّرعِ نِعمَةٌ، وَلَكِنَّ تَاجَ المَرأَةِ وَمَملَكَتَهَا الحَقِيقِيَّةَ وَجَنَّتَهَا فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ هُوَ بَيتُهَا وَزَوجُهَا وَذُرِّيَّتُهَا! انظُرِي إِلَى قُدوَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ أُمِّ المُؤمِنِينَ خَدِيجَةَ بِنتِ خُوَيلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا؛ لَقَد كَانَت أَغنَى تَاجِرَةٍ فِي مَكَّةَ وَأَشرَفَ نِسَاءِ قُرَيشٍ نَسَبًا وَمَالًا، فَهَلِ استَغنَت بِمَالِهَا وَتِجَارَتِهَا عَنِ الزَّوَاج؟ أَو هَل تَكَبَّرَت بِمَالِهَا عَلَى زَوجِهَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ حَاشَا وَكَلَّا! بَل كَانَت أَعظَمَ النِّسَاءِ تَوقِيرًا لِزَوجِهَا، وَتَثبِيتًا لِفُؤَادِهِ، وَحِفظًا لِبَيتِهِ، فَبَشَّرَهَا جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ «بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ -أَي مِن لُؤلُؤٍ مُجَوَّفٍ- لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ»؛ جَزَاءً لَهَا لِأَنَّهَا لَم تَرفَعْ صَوتَهَا عَلَى زَوجِهَا وَلَم تُتعِبْهُ يَومًا!
فَإِيَّاكِ وَكُفرَانَ العَشِيرِ الَّذِي حَذَّرَ مِنهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، وَاصبِرِي عَلَى مَا قَد يَقَعُ مِن تَقصِيرٍ بَشَرِيٍّ، وَحَافِظِي عَلَى بَيتِكِ وَمِيثَاقِكِ الغَلِيظ.
وَالرِّسَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِلَى كُلِّ زَوجٍ مُسلِم!
اتَّقِ اللهَ فِي زَوجَتِكَ الَّتِي أَخَذتَهَا بِأَمَانَةِ اللهِ وَاستَحلَلتَ فَرجَهَا بِكَلِمَةِ الله! فَإِنَّ بَعضَ الرِّجَالِ -هَدَاهُمُ اللهُ- يَكونُ هُوَ السَّبَبَ فِي نُفُورِ المَرأَةِ مِنَ الزَّوَاجِ؛ إِمَّا بِتَخلِّيهِ عَن وَاجِبِ النَّفَقَةِ وَطَمَعِهِ المُحَرَّمِ فِي رَاتِبِ زَوجَتِهِ وَأَخذِهِ بِغَيرِ طِيبِ نَفسٍ مِنهَا، وَإِمَّا بِالقَسْوَةِ وَالإِهمَالِ وَسُوءِ الخُلُق! قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «خَيرُكُم خَيرُكُم لِأَهلِهِ، وَأَنَا خَيرُكُم لِأَهلِي!». فَكُنْ لَهَا زَوجًا رَحِيمًا كَرِيمًا تَكُنْ لَكَ أَمَةً مُطِيعَةً وَسَكَنًا وَفِيًّا.
وَالرِّسَالَةُ الثَّالِثَةُ: إِلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَأَولِيَاءِ الأُمُور!
يَسِّرُوا أَمرَ الزَّوَاجِ لِبَنَاتِكُم وَأَبنَائِكُم، وَإِذَا جَاءَكُم مَن تَرضَونَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ وَلَا تُؤَخِّرُوا الزَّوَاجَ بِحُجَّةِ إِكمَالِ الدِّرَاسَاتِ أَوِ انتِظَارِ الوَظَائِفِ حَتَّى يَمضِيَ قِطَارُ العُمُر، وَإِذَا وَقَعَ خِلَافٌ بَينَ الزَّوجَينِ فَكُونُوا حُكَمَاءَ مُصلِحِينَ تَجمَعُونَ الشَّملَ وَلَا تُشَجِّعُونَ عَلَى الطَّلَاقِ وَالفُرقَة. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ صَوَّرَ جَمَالَ السَّكَنِ الزَّوجِيِّ فِي ظِلِّ الإِيمَان:
بَيتُ المَوَدَّةِ بِالتُّقَى يَتَشَيَّدُ ... وَعَلَى الوِئَامِ رِوَاقُهُ يَتَجَدَّدُ
فَالزَّوجُ دِرعٌ لِلحَلِيلَةِ سَاتِرٌ ... وَالزَّوجَةُ السَّكَنُ الهَنِيُّ الأَرغَدُ
لَا يَخدَعَنَّكِ بِالوظِيفَةِ نَاعِقٌ ... فَالِعزُّ فِي ظِلِّ العَفَافِ يُخَلَّدُ
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَصُونُوا بُيُوتَكُم بِالمَوَدَّةِ وَالرَّحمَةِ وَالصَّبرِ وَالتَّغَافُلِ الجَمِيل.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا هَب لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا. اللَّهُمَّ زَوِّجْ شَبَابَ المُسلِمِينَ وَفَتَيَاتِهِم، وَحصِّنْ فُرُوجَهُم، وَأَغنِهِم بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ وَبِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاك. اللَّهُمَّ أَلِّف بَينَ قُلُوبِ الأَزوَاجِ وَالزَّوجَات، وَأَنزِلْ عَلَى بُيُوتِ المُسلِمِينَ السَّكِينَةَ وَالمَوَدَّةَ وَالرَّحمَة، وَاصْرِف عَنهُم نَزَغَاتِ الشَّيطَانِ وَشُرُورَ الشِّقَاقِ وَالطَّلَاق. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
حَاجَةُ المَرأَةِ المُسلِمَةِ إِلَى الزَّوَاجِ وَحِفظِ المِيثَاقِ الغَلِيظِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ وَخَدِيعَةِ الِاستِغنَاءِ بِالوَظِيفَةِ وَخُطُورَةِ التَّسَاهُلِ فِي طَلَبِ الطَّلَاقِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.