حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالرَّدُّ عَلَى شُبُهَاتِ المُشَكِّكِينَ فِيهَا: كَلِمَةٌ عِلمِيَّةٌ وَإِيمَانِيَّةٌ فِي إِثبَاتِ حِفظِ السُّنَّةِ وَدَحضِ شُبهَةِ خَطَإِ الرُّوَاةِ وَالِاحتِجَاجِ بِالمَوضُوعَاتِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ، وَتَكَفَّلَ بِحِفظِ وَحيِهِ بِشِقَّيهِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ لِتَبقَى الحُجَّةُ قَائِمَةً عَلَى الأُمَّةِ، وَقَيَّضَ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ عَصرٍ جَهَابِذَةً عُدُولًا يَنفُونَ عَنهَا تَحرِيفَ الغَالِينَ وَانتِحَالَ المُبطِلِينَ وَتَأوِيلَ الجَاهِلِين، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ المُستَمسِكِينَ بِعُروَةِ الوَحيَينِ الوُثقَى، وَنَستَغفِرُهُ استِغفَارَ السَّالِكِينَ مَحَجَّةَ السُّنَّةِ البَيضَاءِ النَّقِيَّةِ الأَتقَى، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، زَكَّى مَنطِقَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَهُ وَحيًا مَعصُومًا فَقَالَ فِي مَطلَعِ سُورَةِ النَّجمِ وَقَولُهُ الحَقُّ المُبِين: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي تَرَكَنَا عَلَى البَيضَاءِ لَيلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنهَا بَعدَهُ إِلَّا هَالِكٌ، وَحَذَّرَنَا مِن دُعَاةِ الضَّلَالَةِ الَّذِينَ يَتَّكِئُونَ عَلَى أَرَائِكِهِم لِيَضربُوا الكِتَابَ بِالسُّنَّةِ وَيَردُّوا أَحَادِيثَ سَيِّدِ المُرسَلِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِين، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ حَمَلَةِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الأُمَنَاءِ الصَّادِقِين، وَعَلَى أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا إِخوَةَ الإِيمَانِ وَالعَقِيدَةِ، وَيَا كُلَّ بَاحِثٍ عَنِ الحَقِّ بِعَقلٍ مُنصِفٍ وَقَلبٍ سَلِيم:
إِنَّ مِن أَعظَمِ المَعَارِكِ الفِكرِيَّةِ وَالعَقدِيَّةِ الَّتِي تُشَنُّ فِي عَصرِنَا الحَاضِرِ عَبرَ الشَّاشَاتِ وَمِنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ: تِلكَ الحَملَةَ المَحمُومَةَ لِلتَّشكِيكِ فِي «السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ»؛ حَيثُ يَخرُجُ عَلَى الشَّبَابِ وَالعَوَامِّ مَن يَطرَحُ ثَلَاثَ شُبُهَاتٍ مُزَخرَفَةٍ يَحسَبُهَا الظَّمآنُ مَاءً:
فَيَسأَلُونَ أَوَّلًا: «مَا الَّذِي يُثبِتُ لَنَا صِحَّةَ هَذِهِ السُّنَّةِ بَعدَ أَربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا؟!».
ثُمَّ يَقُولُونَ ثَانِيًا: «أَلَيسَ الَّذِينَ نَقَلُوا هَذِهِ الأَحَادِيثَ وَدَوَّنُوهَا بَشَرًا يُخطِئُونَ وَيُصِيبُونَ وَيَنسَونَ وَيَهِمُونَ؟ فَكَيفَ تَجعَلُونَ نَقلَ البَشَرِ المُعرَّضِينَ لِلخَطَإِ دِينًا وَوَحيًا؟!».
ثُمَّ يَعمِدُونَ ثَالِثًا إِلَى رِوَايَاتٍ مَكذُوبَةٍ وَأَحَادِيثَ مَوضُوعَةٍ بَاطِلَةٍ لَا يُعلَمُ لَهَا أَصلٌ فِي دَوَاوِينِ الإِسلَامِ، فَيَعرِضُونَهَا عَلَى النَّاسِ لِيُنفِّرُوهُم مِن سُنَّةِ سَيِّدِ المرسَلِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
وَوَاجِبُنَا اليَومَ أَن نَضَعَ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ الثَّلَاثَ تَحتَ مِجهَرِ الوَحيِ وَالعَقلِ وَالعِلمِ التَّارِيخِيِّ النَّقدِيِّ، لِيَتَبَيَّنَ لِكُلِّ ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ الصَّحِيحَةَ طَودٌ أَشَمُّ لَا تَنَالُ مِنهُ سِهَامُ المُشَكِّكِينَ، وَأَنَّ حُجَجَهُم أَوهَى مِن بَيتِ العَنكَبُوت!
أَوَّلًا: النُّبوءَةُ النَّبَوِيَّةُ المُعجِزَةُ الَّتِي كَشَفَت دُعَاةَ التَّشكِيكِ فِي السُّنَّةِ قَبلَ ظُهُورِهِم بِقُرُونٍ:
قَبلَ أَن نَشرَعَ فِي الجَوَابِ التَّفصِيلِيِّ، تَأَمَّلُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - كَيفَ أَنَّ ظُهُورَ هَؤُلَاءِ المُشَكِّكِينَ فِي السُّنَّةِ هُوَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مُعجِزَةٌ مِن مُعجِزَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَدَلِيلٌ عَلَى صِدقِ سُنَّتِهِ!
فَقَد رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ المِقدَامِ بنِ مَعدِي كَرِبَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيكُم بِهَذَا القُرآنِ؛ فَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ! أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُم لَحمُ الحِمَارِ الأَهلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»!
سُبحَانَ اللهِ العَظِيم! انظُرُوا إِلَى دِقَّةِ الوَصفِ النَّبَوِيِّ قَبلَ أَربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا: «رَجُلٌ شَبعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ»! لَم يَرحَلْ فِي طَلَبِ العِلمِ، وَلَم يَسهَرِ اللَّيَالِيَ فِي دِرَاسَةِ الأَسَانِيدِ وَالمُتُونِ وَعُلُومِ اللُّغَةِ وَالأُصُولِ، بَل هُوَ جَالِسٌ فِي تَرَفِهِ وَغُرُورِهِ خَلفَ شَاشَتِهِ أَو عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَرُدُّ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِجَرَّةِ قَلَمٍ أَو بِكَلِمَةٍ عَابِرَة!
ثَانِيًا: الجَوَابُ البرهَانِيُّ عَن سُؤَالِهِمُ الأَوَّلِ: «مَا الَّذِي يُثبِتُ لَنَا صِحَّةَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ؟»
إِنَّ الَّذِي يُثبِتُ صِحَّةَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الثَّابِتَةِ هُوَ مَجمُوعَةٌ مِنَ البَرَاهِينِ الشَّرعِيَّةِ وَالعَقلِيَّةِ وَالتَّارِيخِيَّةِ القَاطِعَةِ الَّتِي لَا يَستَطِيعُ عَاقِلٌ إِنكَارَهَا:
فَالبُرهَانُ الأَوَّلُ: أَنَّ حِفظَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ جُزءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِن وَعدِ اللهِ القَاطِعِ بِحِفظِ الذِّكرِ وَالدِّينِ:
فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ الحِجرِ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّحلِ مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وَقَالَ فِي سُورَةِ القِيَامَةِ بَعدَ أَن ضَمِنَ جَمعَ القُرآنِ وَقِرَاءَتَهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾!
وَسَلُوا عُقُولَكُم: إِذَا كَانَ اللهُ قَد أَمَرَنَا فِي عَشَرَاتِ الآيَاتِ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ وَتَحكِيمِهِ، فَقَالَ فِي سُورَةِ الحَشرِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وَقَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، فَهَل يُعقَلُ فِي حِكمَةِ اللهِ وَعَدلِهِ أَن يَأْمُرَ البَشَرِيَّةَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ وَالأَخذِ بِبيَانِهِ، ثُمَّ يُضَيِّعَ هَذَا البَيَانَ النَّبَوِيَّ وَلَا يَحفَظَهُ؟!
كَلَّا وَاللهِ! بَل كَيفَ نُطبِّقُ القُرآنَ الكَرِيمَ أَصلًا بِلَا سُنَّةٍ؟! إِنَّ اللهَ أَمَرَ فِي القُرآنِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالحَجِّ، فَأَينَ نَجِدُ فِي القُرآنِ أَنَّ صَلَاةَ الظُّهرِ أَربَعُ رَكَعَاتٍ، وَالمَغرِبَ ثَلَاثٌ، وَالفَجرَ رَكعَتَان؟ وَأَينَ نَجِدُ تَفَاصِيلَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ، وَأَنصِبَةَ الزَّكَاةِ وَمَقَادِيرَهَا، وَعَدَدَ أَشوَاطِ الطَّوَافِ وَالسَّعيِ؟!
وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ رَجُلٌ لِلصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَا تُحَدِّثُونَا إِلَّا بِالقُرآنِ!»، قَالَ لَهُ عِمرَانُ: «إِنَّكَ لَامْرُؤٌ أَحمَقُ! أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللهِ الظُّهرَ أَربَعًا لَا يُجهَرُ فِيهَا بِالقِرَاءَةِ؟ ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَنَحوَ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: أَتَجِدُ هَذَا مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ اللهِ؟ إِنَّ كِتَابَ اللهِ أَحكَمَ ذَلِكَ، وَإِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ ذَلِكَ»!
وَالبُرهَانُ الثَّانِي: أَنَّ السُّنَّةَ حُفِظَت فِي الصُّدُورِ وَكُتِبَت فِي الصَّحَائِفِ وَالسُّطُورِ مُنذُ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
فَإِنَّ مِن أَكبَرِ الأَكَاذِيبِ الَّتِي يُرَوِّجُهَا المُشَكِّكُونَ زَعمَهُم أَنَّ السُّنَّةَ لَم تُكتَبْ إِلَّا بَعدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِمِائَتَي سَنَةٍ حِينَ جَاءَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ!
وَهَذَا جَهلٌ فَاضِحٌ بِالتَّارِيخِ؛ فَقَد كَانَ الصَّحَابَةُ يَكتُبُونَ الحَدِيثَ بَينَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَبِإِذنِهِ الصَّرِيحِ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: كُنتُ أَكتُبُ كُلَّ شَيءٍ أَسمَعُهُ مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفظَهُ، فَأَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِإِصبَعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: «اُكتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا يَخرُجُ مِنهُ إِلَّا حَقٌّ»! فَكُتِبَت «الصَّحِيفَةُ الصَّادِقَةُ» فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي عَامِ الفَتحِ: «اُكتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»! وَكَانَت عِندَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ صَحِيفَةٌ مَكتُوبَةٌ، وَكَتَبَ هَمَّامُ بنُ مُنَبِّهٍ صَحِيفَتَهُ الصَّحِيحَةَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ - وَمَخطُوطَتُهَا مَحفُوظَةٌ إِلَى اليَومِ وَجَمِيعُ أَحَادِيثِهَا فِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ بِأَلفَاظِهَا -، ثُمَّ جَاءَ التَّدوِينُ العَامُّ الشَّامِلُ فِي أَوَاخِرِ القَرنِ الأَوَّلِ بِأَمرِ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ عَلَى يَدِ الإِمَامِ ابنِ شِهَابٍ الزُّهرِيِّ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الأَمصَار، ثُمَّ جَاءَ مَالِكٌ فِي المُوَطَّإِ وَأَحمَدُ فِي المُسنَدِ، ثُمَّ جَاءَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فَلَم يَبدَآ الكِتَابَةَ مِنَ العَدَمِ، بَل انتَقَيَا أَصَحَّ الصَّحِيحِ مِمَّا كَانَ مَحفُوظًا وَمَكتُوبًا وَمُتَدَاوَلًا عِندَ الأَئِمَّةِ جِيلًا بَعدَ جِيل!
ثَالِثًا: تَفكِيكُ شُبهَتِهِمُ الثَّانِيَةِ: «أَلَيسَ الَّذِينَ نَقَلُوا السُّنَّةَ بَشَرًا يُخطِئُونَ وَيُصِيبُونَ؟!»
يَقُولُ المُشَكِّكُ: «الرُّوَاةُ بَشَرٌ يَعتَرِيهِمُ الخَطَأُ وَالنِّسيَانُ، فَكَيفَ نَثِقُ بِنَقلِهِم؟!».
وَالجَوَابُ عَن هَذِهِ الشُّبهَةِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ حَقَائِقَ سَاطِعَةٍ تَهدِمُ الشُّبهَةَ مِن أَسَاسِهَا:
الحَقِيقَةُ الأُولَى: أَنَّ نَقَلَةَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ هُم أَنفُسُهُم نَقَلَةُ القُرآنِ الكَرِيمِ!
فَاسأَلْ هَذَا المُشَكِّكَ سُؤَالًا وَاحِدًا لَا مَفَرَّ لَهُ مِنهُ: مَنِ الَّذِي نَقَلَ إِلَينَا القُرآنَ الكَرِيمَ مِن فَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ أَلَيسَ هُم أَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيًّا وَابنَ مَسعُودٍ وَأُبَيَّ بنَ كَعبٍ وَزَيدَ بنَ ثَابِتٍ وَمُعَاذًا وَعَائِشَةَ وَأَبَا هُرَيرَةَ وَابنَ عَبَّاسٍ وَسَائِرَ الصَّحَابَةِ ثُمَّ التَّابِعِينَ؟!
أَفَيَكُونُ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ الأَبرَارُ أُمَنَاءَ صَادِقِينَ حَافِظِينَ حِينَ يَنقُلُونَ لَنَا الآيَةَ القُرآنِيَّةَ، ثُمَّ يَصِيرُونَ فِي اللَّحظَةِ نَفسِهَا غَيرَ مَوثُوقِينَ حِينَ يَنقُلُونَ لَنَا تَفسِيرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِتِلكَ الآيَةِ وَتَطبِيقَهُ لَهَا؟!
وَللهِ دَرُّ الإِمَامِ الحَافِظِ أَبِي زُرعَةَ الرَّازِيِّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ كَشَفَ هَذَا المَكرَ الخَبِيثَ فَقَالَ: «إِذَا رَأَيتَ الرَّجُلَ يَنتَقِصُ أَحَدًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَاعلَمْ أَنَّهُ زِندِيقٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عِندَنَا حَقٌّ، وَالقُرآنَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَينَا هَذَا القُرآنَ وَالسُّنَنَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَن يَجرَحُوا شُهُودَنَا لِيُبطِلُوا الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالجَرحُ بِهِم أَولَى»!
وَالحَقِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ عُلَمَاءَ الحَدِيثِ لَم يَزعُمُوا يَومًا عِصمَةَ الرَّاوِي الوَاحِدِ مِنَ الخَطَإِ، بَل أَسَّسُوا أَعظَمَ مَنهَجٍ عِلمِيٍّ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ لِكَشفِ خَطَإِ المُخطِئِ!
نَعَم، الرَّاوِي الوَاحِدُ بَشَرٌ قَد يُخطِئُ؛ وَلِأَنَّ الرَّاوِيَ بَشَرٌ قَد يُخطِئُ، لَم يَكتَفِ عُلَمَاءُ الحَدِيثِ بِمُجَرَّدِ صِدقِ الرَّاوِي وَأَمَانَتِهِ وَتَقوَاهُ - وَهُوَ مَا يُسَمَّى «العَدَالَةَ» -، بَلِ اشتَرَطُوا مَعَهَا أَربَعَةَ شُرُوطٍ صَارِمَةٍ أُخرَى لِصِحَّةِ الحَدِيثِ؛ وَهِيَ: «اتِّصَالُ السَّنَدِ»، وَ«تَمَامُ الضَّبطِ وَالإِتقَانِ»، وَ«السَّلَامَةُ مِنَ الشُّذُوذِ»، وَ«السَّلَامَةُ مِنَ العِلَّةِ القَادِحَةِ»!
أَتَدرُونَ كَيفَ كَانَ أَئِمَّةُ الحَدِيثِ يَكتَشِفُونَ أَنَّ الرَّاوِيَ الصَّادِقَ الثِّقَةَ قَد أَخطَأَ أَو وَهِمَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ؟
عَبرَ مَنهَجِ «المُقَارَنَةِ وَالتَّقَاطُعِ وَجَمعِ الطُّرُقِ»!
فَإِذَا حَدَّثَ إِمَامٌ فِي المَدِينَةِ بِحَدِيثٍ، وَسَمِعَهُ مِنهُ عَشرَةُ تَلَامِيذَ، تَفَرَّقُوا فِي البِلَادِ: وَاحِدٌ سَافَرَ إِلَى الكُوفَةِ، وَثَانٍ إِلَى البَصرَةِ، وَثَالِثٌ إِلَى الشَّامِ، وَرَابِعٌ إِلَى مِصرَ، وَخَامِسٌ إِلَى خُرَاسَانَ وَاليَمَن؛ يَرحَلُ حُفَّاظُ الحَدِيثِ فَيَجمَعُونَ رِوَايَاتِ هَؤُلَاءِ التَّلَامِيذِ العَشَرَةِ كُلِّهِم، وَيُقَابِلُونَ بَعضَهَا بِبَعضٍ حَرفًا بِحَرفٍ!
فَإِذَا اتَّفَقَ التَّلَامِيذُ فِي المَشرِقِ وَالمَغرِبِ عَلَى لَفظٍ وَاحِدٍ دُونَ أَن يَلتَقُوا، قَطَعَ العَقلُ قَطعًا يَقِينِيًّا بِأَنَّهُم ضَبَطُوا الحَدِيثَ وَلم يُخطِئُوا فِيهِ! وَإِذَا خَالَفَ وَاحِدٌ مِنهُم تِسعَةً مِن أَقرَانِهِ الأَثبَاتِ فِي لَفظَةٍ أَوِ اسْمٍ، حَكَمَ النُّقَّادُ فَوْرًا بِأَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ - عَلَى ثِقَتِهِ وَصَلَاحِهِ - قَد أَخطَأَ فِي هَذَا المَوضِعِ، وَسَمَّوا رِوَايَتَهُ «شَاذَّةً أَو مَعلُولَةً» وَلَم يَقبَلُوهَا!
قَالَ إِمَامُ الجَرحِ وَالتَّعدِيلِ يَحيَى بنُ مَعِينٍ رَحِمَهُ اللهُ: «لَو لَم نَكتُبِ الحَدِيثَ مِن ثَلَاثِينَ وَجهًا مَا عَقَلنَاهُ»! وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ: «إِذَا أَرَدتَ أَن يَصِحَّ لَكَ الحَدِيثُ فَاضرِبْ بَعضَهُ بِبَعضٍ»! وَقَالَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: «وَعَلَامَةُ المنكَرِ فِي حَدِيثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَت رِوَايَتُهُ لِلحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيرِهِ مِن أَهلِ الحِفظِ وَالرِّضَا خَالَفَت رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُم»!
فَأَيُّ دِقَّةٍ بَشَرِيَّةٍ عَلَى وَجهِ الأَرضِ بَلَغَت عُشرَ مِعشَارِ هَذَا المِيزَانِ النَّقدِيِّ الذَّهَبِيِّ الَّذِي يَحكُمُ عَلَى كُلِّ رِوَايَةٍ وَكُلِّ لَفظَةٍ بِمِعيَارٍ حَاسِمٍ لَا يُحَابِي وَالِدًا وَلَا وَلَدًا؟! حَتَّى إِنَّ الإِمَامَ عَلِيَّ بنَ المَدِينِيِّ سُئِلَ عَن أَبِيهِ نَفسِهِ فَقَالَ: «اسأَلُوا عَنهُ غَيرِي»، فَأَلَحُّوا عَلَيهِ، فَأَطرَقَ ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ وَقَالَ: «هُوَ الدِّينُ! أَبِي ضَعِيفٌ فِي الحَدِيثِ»!
وَالحَقِيقَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ نُقِلَت بِالتَّوَاتُرِ القَولِيِّ وَالعَمَلِيِّ وَبِتَلَقِّي الأُمَّةِ لَهَا بِالقَبُولِ:
فَإِنَّ الأَخبَارَ الَّتِي رَوَاهَا الجَمعُ الغَفِيرُ عَنِ الجَمعِ الغَفِيرِ الَّذِينَ تَستَحِيلُ العَادَةُ تَوَاطُؤَهُم عَلَى الكَذِبِ أَوِ الخَطَإِ، وَكَذَلِكَ مَا أَجمَعَت الأُمَّةُ عَلَى صِحَّتِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ فِي الصَّحِيحَينِ، قَد خَرَجَ عَن حَيِّزِ الظَّنِّ وَاحتمَالِ الخَطَإِ إِلَى حَيِّزِ اليَقِينِ وَالعِلمِ القَطعِيِّ!
رَابِعًا: تَفكِيكُ شُبهَتِهِمُ الثَّالِثَةِ: «الِاحتِجَاجُ بِأَحَادِيثَ مَوضُوعَةٍ لَا أَصلَ لَهَا لِلطَّعنِ فِي السُّنَّةِ!»
وَمِن أَعجَبِ تَدلِيسِ المُشَكِّكِينَ فِي السُّنَّةِ أَنَّهُم يَذهَبُونَ إِلَى أَقوَالٍ مَكذُوبَةٍ مَوضُوعَةٍ لَا أَصلَ لَهَا فِي كُتُبِ السُّنَّةِ المُعتَمَدَةِ، مِمَّا وَضَعَهُ الزَّنَادِقَةُ أَوِ القُصَّاصُ الجَهَلَةُ، فَيَعرِضُونَهَا عَلَى النَّاسِ وَيَقُولُونَ: «انظُرُوا مَاذَا تَقُولُ كُتُبُ الحَدِيثِ!»
وَالرَّدُّ عَلَى هَذَا التَّدلِيسِ مِن ثَلَاثَةِ أَوجُهٍ دَامِغَةٍ:
الوَجهُ الأَوَّلُ: أَنَّ نَقدَنَا لِتِلكَ الأَحَادِيثِ البَاطِلَةِ وَبَيَانَ أَنَّهَا «لَا أَصلَ لَهَا» هُوَ ثَمَرَةُ جُهُودِ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ أَنفُسِهِم!
فَاسأَلْ هَذَا المُشَكِّكَ: مَنِ الَّذِي حَكَمَ عَلَى تِلكَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهَا مَوضُوعَةٌ مَكذُوبَةٌ لَا أَصلَ لَهَا؟ إِنَّهُم أَئِمَّةُ الحَدِيثِ وَالنَّقدِ كَالبُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ وَأَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي زُرعَةَ وَالدَّارَقُطنِيِّ وَابنِ حِبَّانَ وَابنِ عَدِيٍّ وَابنِ الجَوزِيِّ وَالذَّهَبِيِّ وَابنِ تَيمِيَّةَ وَابنِ القَيِّمِ وَابنِ حَجَرٍ وَالأَلبَانِيِّ رَحِمَهُمُ اللهُ!
لَقَد صَنَّفَ أَئِمَّةُ الحَدِيثِ مُنذُ القُرُونِ الأُولَى كُتُبًا مُستَقِلَّةً لِفَضحِ الكَذَّابِينَ وَبيَانِ الأَحَادِيثِ المَوضُوعَةِ الَّتِي لَا أَصلَ لَهَا، مَعزُولَةً تَمَامًا عَن دَوَاوِينِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ؛ فَلَمَّا قِيلَ لِلإِمَامِ عَبدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ: «هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَصنُوعَةُ (أَيِ المَكذُوبَةُ)، كَيفَ يُصنَعُ بِهَا؟»، قَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَة: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ!»، ثُمَّ تَلَا قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الحِجرِ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾!
وَلَمَّا أُخِذَ أَحَدُ الزَّنَادِقَةِ الوَضَّاعِينَ لِيُقتَلَ، قَالَ مُفتَخِرًا بِزَعمِهِ: «لَقَد وَضَعتُ فِيكُم أَربَعَةَ آلَافِ حَدِيثٍ أُحَرِّمُ فِيهَا الحَلَالَ وَأُحِلُّ فِيهَا الحَرَامَ!» فَقَالَ لَهُ الخَلِيفَةُ المَهدِيُّ أَو هَارُونُ الرَّشِيدُ: «أَينَ أَنتَ يَا عَدُوَّ اللهِ مِن أَبِي إِسحَاقَ الفَزَارِيِّ وَعَبدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ؟ يَنخُلَانِهَا فَيُخرِجَانِهَا حَرفًا حَرفًا!»!
وَالوَجهُ الثَّانِي: أَنَّ وُجُودَ عُملَةٍ مُزَيَّفَةٍ كَشَفَهَا الصَّيَارِفَةُ لَا يُبطِلُ الذَّهَبَ الخَالِصَ المَحفُوظَ فِي الخَزَائِنِ!
فَهَل يَقُولُ عَاقِلٌ فِي الدُّنيَا: «نَحنُ نَرفُضُ التَّعَامُلَ بِالأَموَالِ وَالذَّهَبِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مُزَوِّرِينَ طَبَعُوا أَورَاقًا مُزَيَّفَةً قَد كَشَفَهَا البَنكُ وَحَذَّرَ النَّاسَ مِنهَا»؟!
أَو هَل يَقُولُ عَاقِلٌ: «نَحنُ نَرفُضُ عِلمَ الطِّبِّ وَالأَدوِيَةِ الصَّحِيحَةِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ دَجَّالِينَ بَاعُوا عَقَاقِيرَ مَغشُوشَةً قَد فَضَحَتهَا وِزَارَةُ الصِّحَّةِ وَالأَطِبَّاءُ»؟!
بَل بَالعَكسِ تَمَامًا؛ إِنَّ قُدرَةَ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ عَلَى تَميِيزِ الحَدِيثِ المَوضُوعِ الَّذِي لَا أَصلَ لَهُ وَطَرحِهِ خَارِجَ كُتُبِ الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ هُوَ أَعظَمُ بُرهَانٍ عَلَى أَنَّ مَا وَثَّقُوهُ وَصَحَّحُوهُ هُوَ الذَّهَبُ الخَالِصُ المَحفُوظُ الَّذِي لَا يَأتِيهِ البَاطِلُ!
وَالوَجهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَن يَستَدِلُّ بِحَدِيثٍ مَكذُوبٍ لِيَطعَنَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ إِمَّا جَاهِلٌ مُرَكَّبٌ لَا يَعرِفُ الفَرقَ بَينَ صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَبَينَ خُرَافَاتِ السُّمَّارِ، وَإِمَّا مُدلِّسٌ خَائِنٌ لِلأَمَانَةِ العِلمِيَّةِ يَتَعَمَّدُ التَّلبِيسَ عَلَى البُسَطَاءِ لِيَهدِمَ أَصلًا مِن أُصُولِ الإِسلَام!
خَامِسًا: نَصِيحَةٌ خَالِصَةٌ لِلشَّبَابِ وَطُلَّابِ الحَقِّ، وَلِمَن وَقَعَ فِي شِرَاكِ الشُّبُهَاتِ:
يَا شَبَابَ الإِسلَامِ، وَيَا أَبنَاءَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: إِفخَرُوا بِعُلَمَاءِ أُمَّتِكُم، وَاعتَزُّوا بِمَنهَجِ المُحَدِّثِينَ الَّذِي حَفِظَ اللهُ بِهِ دِينَكُم؛ فَقَد قَالَ الإِمَامُ ابنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسلِمٍ: «إِنَّ هَذَا العِلمَ دِينٌ، فَانظُرُوا عَمَّن تَأخُذُونَ دِينَكُم»! وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ: «الإِسنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَولَا الإِسنَادُ لَقَالَ مَن شَاءَ مَا شَاءَ»!
وَأَمَّا أَنتَ أَيُّهَا المُشَكِّكُ فِي سُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: اتَّقِ اللهَ فِي نَفسِكَ قَبلَ أَن تَقفَ بَينَ يَدَيِ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَتَذَكَّرْ تحذِيرَ اللهِ الصَّارِمَ فِي سُورَةِ النُّورِ لِكُلِّ مَن يُخَالِفُ أَمرَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّتَهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ وَتَذَكَّرْ قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن أَبَى!»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَن يَأبَى؟ قَالَ: «مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن عَصَانِي فَقَد أَبَى»!
فَعُودُوا إِلَى نُورِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَخذُوا العِلمَ مِن مَصَادِرِهِ الأَصِيلَةِ المَوثُوقَةِ، وَلَا تَنسِبُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا إِلَّا بَعدَ التَّثَبُّتِ مِن صِحَّتِهِ وَثُبُوتِهِ عِندَ أَئِمَّةِ الشَّأن؛ وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ ذَبَّ عَن حِيَاضِ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ وَنُقَّادِهَا الأَبرَار:
دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ أَخبَارُ ... نِعمَ المَطِيَّةُ لِلفَتَى الآثَارُ
لَا تَرغَبَنَّ عَنِ الحَدِيثِ وَأَهلِهِ ... فَالرَّأيُ لَيلٌ وَالحَدِيثُ نَهَارُ
حَفِظَ الإِلَهُ بِنَقدِ أَهلِ حَدِيثِنَا ... سُنَنَ الهُدَى فَاستَمسِكُوا وَاستَنِرُوا
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَحَمَلَةِ سُنَّتِهِ إِلَى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ أَحيِنَا عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَوَفَّنَا عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاحشُرنَا فِي زُمرَةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابِهِ الكِرَامِ، وَاسقِنَا مِن حَوضِهِ الشَّرِيفِ شَربَةً هَنِيئَةً مَرِيئَةً لَا نَظمَأُ بَعدَهَا أَبَدًا.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَاعصِمْنَا وَشَبَابَ المُسلِمِينَ مِن مُضِلَّاتِ الفِتَنِ وَشُبُهَاتِ المُشَكِّكِينَ وَالزَّائِغِينَ، وَاجعَلنَا هُدَاةً مُهتَدِينَ، غَيرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّين، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين.
من مكتبة مِداد الخطيب
حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالرَّدُّ عَلَى شُبُهَاتِ المُشَكِّكِينَ فِيهَا: كَلِمَةٌ عِلمِيَّةٌ وَإِيمَانِيَّةٌ فِي إِثبَاتِ حِفظِ السُّنَّةِ وَدَحضِ شُبهَةِ خَطَإِ الرُّوَاةِ وَالِاحتِجَاجِ بِالمَوضُوعَاتِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.