من مكتبة مِداد الخطيب

مَكَانَةُ العُلَمَاءِ وَالرَّدُّ عَلَى شُبهَةِ الِاستِغنَاءِ عَنهُم بِدَعوَى أَنَّ الدِّينَ جَوهَرٌ

مشاركة
مَكَانَةُ العُلَمَاءِ وَالرَّدُّ عَلَى شُبهَةِ الِاستِغنَاءِ عَنهُم بِدَعوَى أَنَّ الدِّينَ جَوهَرٌ: كَلِمَةٌ عِلمِيَّةٌ وَمَنهَجِيَّةٌ فِي دَحضِ مَقُولَةِ لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالبُخَارِيِّ وَبَيَانِ حَقِيقَةِ الاتِّبَاعِ الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ تِبيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً لِلمُؤمِنِين، وَبَعَثَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُون، وَقَيَّضَ لِحِفظِ هَذَا الدِّينِ فِي كُلِّ عَصرٍ أَئِمَّةً هُدَاةً وَعُلَمَاءَ رَبَّانِيِّينَ، يَنفُونَ عَنهُ تَحرِيفَ الغَالِين، وَانتِحَالَ المُبطِلِين، وَتَأوِيلَ الجَاهِلِين، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِين، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ المُفتَقِرِين، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً قَرنَ اللهُ فِيهَا شَهَادَةَ أُولِي العِلمِ بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ المُقَرَّبِين، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ العُلَمَاءِ العَامِلِين، وَقُدوَةُ السَّالِكِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِين، الَّذِينَ تَلَقَّوا الوَحيَ غَضًّا طَرِيًّا فَبَلَّغُوهُ بِالأَمَانَةِ وَالفَهمِ وَاليَقِين، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الهُدَى وَالدِّينِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ: فَإِنَّ مِن أَخطَرِ الفِتَنِ الفِكرِيَّةِ الَّتِي تَمُوجُ بِهَا مَجَالِسُ النَّاسِ وَمِنَصَّاتُ التَّوَاصُلِ فِي زَمَانِنَا هَذَا: فِتنَةَ التَّطَاوُلِ عَلَى مَرجِعِيَّةِ العِلمِ الشَّرعِيِّ، وَمُحَاوَلَةَ هَدمِ الجُسُورِ المَتِينَةِ الَّتِي وَصَلَ بِهَا دِينُ اللهِ إِلَينَا؛ فَتَسمَعُ مَن يَقُولُ بِلِسَانِ المُتَفَلسِفِ المُستَعلِي: «إِنَّ الدِّينَ جَوهَرٌ فِي القَلبِ، وَلَيسَ قُشُورًا وَلَا فَتَاوَى عُلَمَاء!»، ثُمَّ يُتبِعُ ذَلِكَ بِقَولِهِ: «لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَنِ البُخَارِيِّ وَلَا عَن غَيرِهِمَا مِنَ الرِّجَالِ، بَل حَدِّثْنِي بِالقُرآنِ وَالسُّنَّةِ فَقَط، فَهُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ مُخطِئُون!». وَهَذِهِ المَقُولَةُ - أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ - هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا مَزِيجٌ مِنَ المَغَالَطَاتِ المَنهَجِيَّةِ الخَطِيرَةِ، وَالخَدِيعَةِ النَّفسِيَّةِ المَاكِرَةِ، الَّتِي تَتَدَثَّرُ بِثَوبِ تَعظِيمِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ فِي الظَّاهِرِ، لَكِنَّهَا فِي البَاطِنِ تَرمِي إِلَى التَّفَلُّتِ مِن أَحكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَإِسقَاطِ حَمَلَةِ الوَحيِ، وَجَعلِ الهَوَى الشَّخصِيِّ وَالفَهمِ العَامِّيِّ القَاصِرِ حَكَمًا عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَلِذَلِكَ كَانَ لِزَامًا عَلَينَا فِي هَذِهِ الكَلِمَةِ العِلمِيَّةِ الإِيمَانِيَّةِ أَن نُفَكِّكَ هَذِهِ الشُّبهَةَ عُنصُرًا عُنصُرًا، بِالحُجَّةِ الدَّامِغَةِ، وَالبُرهَانِ السَّاطِعِ، وَالمَنطِقِ العَقلِيِّ وَالشَّرعِيِّ الرَّصِين. أَيُّهَا الإِخوَةُ الأَكَارِمُ: لِنَبدَأْ أَوَّلًا بِتَفكِيكِ الشِّقِّ الأَوَّلِ مِن هَذِهِ المَقُولَةِ، وَهُوَ زَعمُ القَائِلِ: «إِنَّ الدِّينَ جَوهَرٌ، فَلَا تُكَلِّمُونِي بِأَقوَالِ العُلَمَاءِ وَأَحكَامِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ!». وَنَسأَلُ هَذَا القَائِلَ سُؤَالًا صَرِيحًا يُخَاطِبُ عَقلَهُ وَفِطرَتَهُ: مَاذَا تَقصِدُ بِقَولِكَ إِنَّ الدِّينَ جَوهَرٌ؟ إِن كُنتَ تَقصِدُ أَنَّ أَصلَ الدِّينِ وَأَسَاسَهُ هُوَ إِخلَاصُ القَلبِ للهِ، وَصِدقُ النِّيَّةِ، وَطَهَارَةُ البَاطِنِ مِنَ الغِلِّ وَالنِّفَاقِ، وَتَعظِيمُ المَولَى جَلَّ جَلَالُهُ؛ فَهَذَا حَقٌّ لَا يَمرِي فِيهِ مُسلِمٌ، بَل هَذَا هُوَ لُبُّ مَا قَرَّرَهُ العُلَمَاءُ الَّذِينَ تَزهَدُ فِي كَلَامِهِم! وَأَمَّا إِن كُنتَ تَقصِدُ بِقَولِكَ «الدِّينُ جَوهَرٌ» أَنَّهُ يَكفِي الإِنسَانَ أَن يَزعُمَ صَفَاءَ قَلبِهِ وَنَقَاءَ سَرِيرَتِهِ، ثُمَّ يَستَغنِيَ بِذَلِكَ عَن شَرَائِعِ الإِسلَامِ الظَّاهِرَةِ، وَعَن مَعرِفَةِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَعَنِ امتِثَالِ الأَوَامِرِ وَاجتِنَابِ النَّوَاهِي، وَيُسَمِّيَ فَرَائِضَ الدِّينِ وَسُنَنَهُ وَأَحكَامَهُ «قُشُورًا وَشَكلِيَّاتٍ»؛ فَإِنَّ هَذَا وَاللهِ هُوَ عَينُ الضَّلَالِ المُبِينِ، وَهُوَ مُصَادَمَةٌ صَرِيحَةٌ لِلقُرآنِ الكَرِيمِ الَّذِي تَدَّعِي أَنَّكَ تُرِيدُ الأَخذَ مِنهُ! فَهَل فَرَّقَ القُرآنُ الكَرِيمُ يَومًا بَينَ إِيمَانِ القَلبِ وَعَمَلِ الجَوَارِحِ؟ تَأَمَّلُوا كِتَابَ اللهِ مِن فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ؛ تَجِدُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَرَنَ الإِيمَانَ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ فِي عَشَرَاتِ المَوَاضِعِ، فَلَا يَذكُرُ صَلَاحَ الجَوهَرِ البَاطِنِ إِلَّا مَقرُونًا بِاستِقَامَةِ العَمَلِ الظَّاهِرِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ العَصرِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. بَل إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الدَّلِيلَ الوَحِيدَ الصَّادِقَ عَلَى صِحَّةِ الجَوهَرِ القَلبِيِّ وَمَحَبَّةِ اللهِ هُوَ الاتِّبَاعُ العَمَلِيُّ الظَّاهِرُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي شَرِيعَتِهِ وَسُنَّتِهِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي آيَةِ المِحنَةِ وَالِاختِبَارِ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. وَقَد فَضَحَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ حَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الإِيمَانَ القَلبِيَّ بِالجَوهَرِ، حَتَّى إِذَا دُعُوا إِلَى تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ وَأَحكَامِهَا أَعرَضُوا وَتَوَلَّوا، فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ۝ ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾. أَرَأَيتُم كَيفَ أَنَّ الشَّجَرَةَ الحَيَّةَ لَا يَحفَظُ جَوهَرَهَا وَلُبَّهَا إِلَّا لِحَاؤُهَا وَقِشرُهَا؟ فَمَن قَشَرَ الشَّجَرَةَ وَعَرَّاهَا بِزَعمِ أَنَّهُ يُرِيدُ الجَوهَرَ وَحدَهُ، يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ وَمَاتَ جَوهَرُهَا! وَكَذَلِكَ الدِّينُ؛ جَوهَرُهُ التَّوحِيدُ وَالإِخلَاصُ، وَسِيَاجُهُ الشَّرِيعَةُ وَالفِقهُ وَالأَحكَامُ، فَمَن هَدَمَ السِّيَاجَ وَاستَخَفَّ بِالأَحكَامِ وَالعُلَمَاءِ، ضَيَّعَ الجَوهَرَ وَخَسِرَ الدِّينَ كُلَّهُ! وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَينَ البَاطِنِ وَالظَّاهِرِ فِي كَلِمَةٍ نَبَوِيَّةٍ جَامِعَةٍ فَقَال: «إِنَّ اللهَ لَا يَنظُرُ إِلَى صُوَرِكُم وَأَموَالِكُم، وَلَكِن يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم وَأَعمَالِكُم»؛ فَلَم يَقُل يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم فَقَط، بَل قَالَ: «إِلَى قُلُوبِكُم وَأَعمَالِكُم»! وَكَيفَ يَصحُّ العَمَلُ وَيُقبَلُ عِندَ اللهِ إِذَا لَم يَكُن مَبنِيًّا عَلَى فِقهٍ صَحِيحٍ وَعِلمٍ مُؤَصَّلٍ يَشرَحُهُ أَهلُ العِلمِ وَالذِّكرِ؟ وَهَذَا يَقُودُنَا إِلَى المَبحَثِ الثَّانِي: وَهُوَ الرَّدُّ عَلَى مَن يَزعُمُ أَنَّهُ يَأخُذُ مِنَ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَأخُذُ بِكَلَامِ العُلَمَاءِ! فَنَقُولُ لَهُ بِكُلِّ هُدُوءٍ وَإِنصَافٍ: إِذَا كُنتَ تُؤمِنُ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ وَتَحتَكِمُ إِلَيهِ، فَهَل قَرَأتَ مَاذَا قَالَ القُرآنُ الكَرِيمُ نَفسُهُ عَنِ العُلَمَاءِ، وَكَيفَ أَمَرَكَ اللهُ تَعَالَى أَمرًا جَازِمًا بِالرُّجُوعِ إِلَيهِم وَسُؤَالِهِم؟ إِنَّ الَّذِي يَرفُضُ الرُّجُوعَ إِلَى العُلَمَاءِ بِدَعوَى التَّمَسُّكِ بِالقُرآنِ، هُوَ فِي الحَقِيقَةِ أَوَّلُ مَن يُخَالِفُ القُرآنَ! لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي آيَتَينِ صَرِيحَتَينِ مِن سُورَتَيِ النَّحلِ وَالأَنبِيَاءِ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فَمَن هُم أَهلُ الذِّكرِ الَّذِينَ أَوجَبَ اللهُ عَلَينَا سُؤَالَهُم؟ إِنَّهُم عُلَمَاءُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفُقَهَاءُ الشَّرِيعَةِ! وَقَد بَيَّنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَنَّ النَّوَازِلَ وَالأَحكَامَ وَالمَسَائِلَ لَا يَجُوزُ لِعَامَّةِ النَّاسِ أَن يَخُوضُوا فِيهَا بِأَهوَائِهِم وَأَفكَارِهِم، بَل يَجِبُ رَدُّهَا إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى أُولِي الأَمرِ مِنَ العُلَمَاءِ القَادِرِينَ عَلَى الِاستِنبَاطِ الصَّحِيحِ مِنَ النُّصُوصِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. تَأَمَّلُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ القُرآنِيَّةَ العَجِيبَةَ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾! إِنَّ الِاستِنبَاطَ فِي لُغَةِ العَرَبِ مَأخُوذٌ مِنَ استِخرَاجِ المَاءِ مِن قَعرِ البِئرِ العَمِيقَةِ؛ فَالنُّصُوصُ الشَّرعِيَّةُ كَالبَحرِ الزَّاخِرِ وَالبِئرِ العَمِيقَةِ، لَا يَستَطِيعُ كُلُّ عَابِرِ سَبِيلٍ أَن يَستَخرِجَ دُرَرَهَا وَأَحكَامَهَا وَمَقَاصِدَهَا، بَل لَا بُدَّ لَهَا مِن غَوَّاصٍ مَاهِرٍ يَملِكُ أَدَوَاتِ الغَوصِ وَالِاستِنبَاطِ، وَهُم أَئِمَّةُ العِلمِ وَالفِقهِ وَالحَدِيثِ! وَقَد رَفَعَ اللهُ تَعَالَى مَقَامَ العُلَمَاءِ فِي كِتَابِهِ مَقَامًا تَقشَعِرُّ لَهُ الأَبدَانُ إِجلَالًا؛ فَقَرَنَ شَهَادَتَهُم بِشَهَادَتِهِ سُبحَانَهُ وَشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ عَلَى أَعظَمِ مَشهُودٍ وَهُوَ تَوحِيدُ اللهِ، فَقَالَ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. وَحَصَرَ سُبحَانَهُ كَمَالَ الخَشيَةِ مِنهُ فِي العُلَمَاءِ فَقَالَ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وَنَفَى المَولَى جَلَّ وَعَلَا التَّسويَةَ بَينَ العَالِمِ وَالجَاهِلِ فَقَالَ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وَفِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي يَزعُمُ هَذَا المُتَكَلِّمُ أَنَّهُ يُرِيدُهَا، أَخرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنبِيَاءَ لَم يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلمَ، فَمَن أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ». فَبِاللهِ عَلَيكُم، مَن أَرَادَ مِيرَاثَ النُّبُوَّةِ، أَيَطلُبُهُ مِن عِندِ الوَرَثَةِ الشَّرعِيِّينَ الَّذِينَ سَمَّاهُم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «وَرَثَةَ الأَنبِيَاءِ»، أَم يَطرُدُ الوَرَثَةَ وَيُسَفِّهُهُم ثُمَّ يَزعُمُ أَنَّهُ يُعَظِّمُ المَورُوثَ؟! ثُمَّ لِنَنتَقِلْ - أَيُّهَا العُقَلَاءُ - إِلَى المَبحَثِ الثَّالِثِ، وَهُوَ تَفكِيكُ تِلكَ العِبَارَةِ الرَّنَّانَةِ الَّتِي يُردِّدُهَا بَعضُهُم بِانتِفَاخٍ وَغُرُورٍ حِينَ يَقُولُ: «لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَنِ البُخَارِيِّ وَلَا عَن غَيرِهِمَا، بَل حَدِّثْنِي بِالقُرآنِ وَالسُّنَّةِ!». إِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَصلُحُ أَن يُقَالَ فِيهَا مَا قَالَهُ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِلخَوَارِجِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ»! وَذَلِكَ مِن أَربَعَةِ أَوجُهٍ عَقلِيَّةٍ وَعِلمِيَّةٍ لَا يَستَطِيعُ أَحَدٌ الفِكَاكَ مِنهَا: الوَجهُ الأَوَّلُ: تَأَمَّلُوا التَّنَاقُضَ الصَّارِخَ فِي قَولِهِ: «لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ البُخَارِيِّ، بَل حَدِّثْنِي بِالسُّنَّةِ!»؛ نَسأَلُ هَذَا القَائِلَ: وَمَن أَينَ عَرَفتَ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ أَصلًا لَولَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ وَالإِمَامُ مَالِكٌ وَأَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَسَائِرُ جَهَابِذَةِ الحَدِيثِ رَحِمَهُمُ اللهُ؟! هَل نَزَلَ عَلَيكَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي مَنَامِكَ فَأَملَى عَلَيكَ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ أَم أَنَّكَ أَدرَكتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَشَافَهتَهُ وَسَمِعتَ مِنهُ؟! إِنَّ بَينَنَا وَبَينَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا مِنَ الزَّمَانِ؛ فَمَنِ الَّذِي رَحَلَ آلافَ الأَميَالِ عَلَى الأَقدَامِ وَظُهُورِ الجِمَالِ، وَسَهِرَ اللَّيَالِيَ الطِّوَالَ، وَفَتَّشَ عَن أَحوَالِ مِئَاتِ الآلَافِ مِنَ الرُّوَاةِ عَدَالَةً وَضَبطًا، وَنَخَلَ المَروِيَّاتِ نَخلًا دَقِيقًا لِيَفرِزَ لَكَ كَلَامَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحَ مِن كَذِبِ الكَذَّابِينَ وَوَهمِ الوَاهِمِينَ؟ أَلَيسَ هُوَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَإِخوَانُهُ مِن أَئِمَّةِ الحَدِيثِ؟! فَإِذَا قُلتَ: «لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ البُخَارِيِّ، بَل حَدِّثْنِي بِالسُّنَّةِ»، فَأَنتَ كَمَن يَقُولُ لِلطَّبِيبِ: «لَا تُحَدِّثْنِي عَن عِلمِ الطِّبِّ وَالصَّيدَلَةِ وَالأَطِبَّاءِ، بَل أَعطِنِي الدَّوَاءَ الشَّافِيَ مُبَاشَرَةً!»، أَو كَمَن يَقُولُ: «أَنَا أُرِيدُ المَاءَ العَذبَ النَّقِيَّ، وَلَكِنِّي أَرفُضُ القَنَاةَ النَّظِيفَةَ الوَحِيدَةَ الَّتِي نَقَلَتهُ مِنَ النَّبعِ وَصَفَّتهُ مِنَ الشَّوَائِبِ!». إِنَّ الإِمَامَ البُخَارِيَّ رَحِمَهُ اللهُ لَم يَأتِ بِدِينٍ مِن عِندِ نَفسِهِ، بَل جَمَعَ لِلأُمَّةِ أَصَحَّ كَلَامِ نَبِيِّهَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَعدَ أَن عَرَضَ كِتَابَهُ عَلَى جَهَابِذَةِ عَصرِهِ كَأَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ وَعَلِيِّ بنِ المَدِينِيِّ وَيَحيَى بنِ مَعِينٍ فَشَهِدُوا لَهُ بِالصِّحَّةِ وَالإِتقَانِ؛ فَالَّذِي يَقُولُ «لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ البُخَارِيِّ» إِنَّمَا يُرِيدُ فِي الحَقِيقَةِ أَن يَطمسَ المِعْيَارَ الَّذِي نُمَيِّزُ بِهِ صَحِيحَ السُّنَّةِ مِن مَوضُوعِهَا، لِيَبقَى النَّاسُ فِي فَوضَى لَا يُعرَفُ فِيهَا الصَّادِقُ مِنَ الكَاذِبِ! وَأَمَّا الوَجهُ الثَّانِي: فَهُوَ قَولُهُ: «لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالأَئِمَّةِ الفُقَهَاءِ، بَل حَدِّثْنِي بِالقُرآنِ وَالسُّنَّةِ!»؛ وَنَسأَلُهُ هُنَا أَيضًا: وَمَا الَّذِي صَنَعَهُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحمَدُ وَسُفيَانُ وَالأَوزَاعِيُّ رَحِمَهُمُ اللهُ؟ هَل أَلَّفُوا كُتُبًا مِن بُنَاتِ أَفكَارِهِم تُعَارِضُ القُرآنَ وَالسُّنَّةَ، أَم أَنَّهُم قَضَوا أَعمَارَهُم فِي جَمعِ آيَاتِ القُرآنِ وَأَحَادِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، وَبيَانِ كَيفِيَّةِ فَهمِهَا وَالعَمَلِ بِهَا؟! إِنَّ النَّصَّ الشَّرعِيَّ مِنَ القُرآنِ أَوِ السُّنَّةِ يَحتَاجُ لِفَهمِهِ فَهمًا صَحِيحًا إِلَى أَدَوَاتٍ عِلمِيَّةٍ دَقِيقَةٍ: فَفِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ العَامُّ الَّذِي خَصَّصَهُ دَلِيلٌ آخَرُ، وَفِيهِمَا المُطلَقُ الَّذِي قَيَّدَهُ نَصٌّ آخَرُ، وَفِيهِمَا المُجمَلُ الَّذِي بَيَّنَهُ حَدِيثٌ آخَرُ، وَفِيهِمَا النَّاسِخُ وَالمَنسُوخُ، وَفِيهِمَا دَلَالَاتُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ العَمِيقَةِ وَأَسبَابُ النُّزُولِ وَوُرُودِ الحَدِيثِ! فَبِاللهِ عَلَيكُم، إِذَا جَاءَ رَجُلٌ عَامِّيٌّ لَم يَدرُسْ نَحوًا وَلَا صَرفًا وَلَا أُصُولَ فِقهٍ، وَلَا يَحفَظُ كِتَابَ اللهِ وَلَا يَعرِفُ جَمعَ الأَحَادِيثِ الوارِدَةِ فِي البَابِ الوَاحِدِ، فَقَرَأَ آيَةً وَاحِدَةً أَو حَدِيثًا وَاحِدًا بِمَعزِلٍ عَن بَقِيَّةِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ، أَلَا يَقَعُ فِي الكَوَارِثِ وَالطَّوَامِّ؟! وَاضْرِبُوا لِذَلِكَ مَثَلًا وَاقِعِيًّا: لَو أَنَّ مَرِيضًا دَخَلَ صَيدَلِيَّةً مَلِيئَةً بِالأَدوِيَةِ النَّافِعَةِ، فَقَالَ لِلصَّيدَلِيِّ وَالطَّبِيبِ: «لَا تُحَدِّثُونِي بِكَلَامِكُم وَلَا بِوَصَفَاتِكُم، أَنَا أَقرَأُ النَّشرَةَ المَكتُوبَةَ عَلَى عُلبَةِ الدَّوَاءِ بِنَفسِي وَأَتَنَاوَلُ مَا أَشَاءُ!»؛ مَاذَا سَيَقُولُ لَهُ العُقَلَاءُ؟ سَيَقُولُونَ لَهُ: إِنَّ الدَّوَاءَ صَحِيحٌ وَنَافِعٌ، وَلَكِنَّ جَهلَكَ بِتَعَارُضِ الأَدوِيَةِ وَمَقَادِيرِ الجُرعَاتِ وَحَالَةِ جَسَدِكَ سَيَجعَلُ هَذَا الدَّوَاءَ النَّافِعَ سُمًّا قَاتِلًا يَفتِكُ بِكَ! وَكَذَلِكَ الشَّأنُ فِي نُصُوصِ الوَحيِ؛ فَالوَحيُ نُورٌ وَشِفَاءٌ، وَلَكِنَّ الإِمَامَ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ دَوَّنَ عِلمَ أُصُولِ الفِقهِ فِي كِتَابِهِ «الرِّسَالَةِ» وَكِتَابِهِ «الأُمِّ»، إِنَّمَا وَضَعَ لَكَ المِيزَانَ العِلمِيَّ المُنضَبِطَ الَّذِي يَعصِمُكَ مِن أَن تَضرِبَ آيَاتِ القُرآنِ بَعضَهَا بِبَعضٍ، أَو أَن تَأخُذَ بِطَرَفٍ مِنَ الدَّلِيلِ وَتَترُكَ بَقِيَّتَهُ! وَأَمَّا الوَجهُ الثَّالِثُ فِي كَشفِ هَذِهِ الخَدِيعَةِ: فَهُوَ أَنَّنَا نَقُولُ لِهَذَا الَّذِي يَصرُخُ قَائِلًا: «لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ الشَّافِعِيِّ وَالبُخَارِيِّ وَالعُلَمَاءِ، بَل حَدِّثْنِي بِالقُرآنِ وَالسُّنَّةِ»: تَعَالَ نُحَاكِمْكَ إِلَى العَقلِ الصَّرِيحِ! حِينَ تَقرَأُ أَنتَ الآيَةَ مِنَ القُرآنِ أَوِ الحَدِيثَ مِنَ السُّنَّةِ، فَتُفسِّرُهُمَا بِرَأيِكَ وَتَستَنبِطُ مِنهُمَا حُكمًا؛ هَل هَذَا الفَهمُ الَّذِي خَرَجتَ بِهِ هُوَ عَينُ القُرآنِ، أَم هُوَ «فَهمُكَ أَنتَ لِلقُرآنِ»؟! لَا شَكَّ أَنَّهُ فَهمُكَ أَنتَ! إِذَن فَالخِلَافُ بَينَنَا وَبَينَكَ لَيسَ خِلَافًا بَينَ «القُرآنِ وَالسُّنَّةِ» مِن جِهَةٍ وَ«كَلَامِ العُلَمَاءِ» مِن جِهَةٍ أُخرَى كَمَا تُوهِمُ السَّامِعِينَ؛ كلا وَاللهِ! بَلِ الخِلَافُ الحَقِيقِيُّ هُوَ بَينَ «فَهمِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالبُخَارِيِّ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِلقُرآنِ وَالسُّنَّةِ»، وَبَينَ «فَهمِكَ أَنتَ القَاصِرِ الهَزِيلِ لِلقُرآنِ وَالسُّنَّةِ»! فَأَنتَ فِي الحَقِيقَةِ تَطلُبُ مِنَ النَّاسِ أَن يَطَّرِحُوا فَهمَ أَئِمَّةِ الإِسلَامِ الَّذِينَ شَهِدَت لَهُمُ الأُمَّةُ بِالإِمَامَةِ وَالرُّسُوخِ وَالتَّقوَى وَالإِحَاطَةِ بِلِسَانِ العَرَبِ وَأَسبَابِ النُّزُولِ، لِكَي يَتَّبِعُوا فَهمَكَ أَنتَ وَرَأيَكَ أَنتَ وَهَوَاكَ أَنتَ! فَيَا لَلعَجَبِ! أَتَستَنكِفُ أَن تَستَفِيدَ مِن فَهمِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَالبُخَارِيِّ بِحُجَّةِ أَنَّهُم بَشَرٌ قَد يُخطِئُونَ، ثُمَّ تُنصِّبُ نَفسَكَ إِمَامًا مَعصُومًا وَمُفَسِّرًا أَوحَدَ لِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟! وَأَمَّا الوَجهُ الرَّابِعُ: فَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الشُّبهَةَ لَيسَت جَدِيدَةً فِي تَارِيخِ الإِسلَامِ، بَل هِيَ شُبهَةُ الخَوَارِجِ الأَوَّلِينَ وَأَهلِ الأَهوَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! تَذكَّرُوا مَعِي تِلكَ المُنَاظَرَةَ التَّارِيخِيَّةَ العَظِيمَةَ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ أَحمَدُ وَالحَاكِمُ وَالبَيهَقِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ، حِينَ خَرَجَ الخَوَارِجُ عَلَى أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَرَفَعُوا المَصَاحِفَ وَقَالُوا: «لَا حُكمَ إِلَّا للهِ! لَا نُحَكِّمُ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللهِ! نَحنُ نَأخُذُ بِالقُرآنِ مُبَاشَرَةً!». فَأَرسَلَ إِلَيهِم عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَبرَ الأُمَّةِ وَتَرجُمَانَ القُرآنِ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا؛ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِم ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، بِمَاذَا افتَتَحَ مُنَاظَرَتَهُ؟ قَالَ لَهُم تِلكَ الكَلِمَةَ المَنهَجِيَّةَ الخَالِدَةَ الَّتِي تَهدِمُ شُبهَةَ الِاستِغنَاءِ عَنِ العُلَمَاءِ مِن أَسَاسِهَا: «أَتَيتُكُم مِن عِندِ أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، وَمِن عِندِ ابنِ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصِهرِهِ، وَعَلَيهِم نَزَلَ القُرآنُ، وَهُم أَعلَمُ بِتَأوِيلِهِ مِنكُم، وَلَيسَ فِيكُم مِنهُم أَحَدٌ!». اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا حُجَّةَ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: كَانَ الخَوَارِجُ يَحفَظُونَ القُرآنَ عَن ظَهرِ قَلبٍ، وَتَبتَلُّ لِحَاهُم مِنَ البُكَاءِ عِندَ تِلَاوَتِهِ، لَكِنَّهُم أَخَذُوا القُرآنَ بِفَهمِهِمُ السَّقِيمِ وَعَزَلُوهُ عَن فَهمِ الصَّحَابَةِ وَالعُلَمَاءِ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيهِمُ الوَحيُ وَعَرَفُوا تَأوِيلَهُ؛ فَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟ كَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنَّهُم نَزَّلُوا الآيَاتِ الَّتِي نَزَلَت فِي الكُفَّارِ عَلَى المُؤمِنِينَ، فَكَفَّرُوا الصَّحَابَةَ وَاستَحَلُّوا دِمَاءَ المُسلِمِينَ بِاسمِ القُرآنِ! فَلَمَّا نَاظَرَهُمُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا بِعِلمِ الصَّحَابَةِ وَفَهمِهِمُ الرَّاسِخِ، رَجَعَ مِنهُم فِي يَومٍ وَاحِدٍ أَلفَانِ أَو أَربَعَةُ آلَافٍ إِلَى جَادَّةِ الحَقِّ وَالصَّوَابِ! وَلِهَذَا قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسلِمٍ: «إِنَّ هَذَا العِلمَ دِينٌ، فَانظُرُوا عَمَّن تَأخُذُونَ دِينَكُم». وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ: «الإِسنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَولَا الإِسنَادُ لَقَالَ مَن شَاءَ مَا شَاءَ». فَالَّذِي يُرِيدُ إِسقَاطَ الشَّافِعِيِّ وَالبُخَارِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، إِنَّمَا يُرِيدُ هَدمَ الإِسنَادِ العِلمِيِّ وَالفِقهِيِّ لِيَقُولَ فِي دِينِ اللهِ مَن شَاءَ مَا شَاءَ! وَهُنَا نَصلُ إِلَى المَبحَثِ الرَّابِعِ وَالحَاسِمِ، وَهُوَ الرَّدُّ العِلمِيُّ المُنصِفُ عَلَى قَولِ هَذَا المُتَشكِّكِ: «فَهُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ مُخطِئُون!». وَنَحنُ نَقُولُ لَهُ بِمِلءِ أَفوَاهِنَا وَبِمَنهَجِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ النَّقِيِّ الصَّافِي: نَعَم، إِنَّ العَالِمَ الفَردَ بَشَرٌ غَيرُ مَعصُومٍ، قَد يُصِيبُ وَقَد يُخطِئُ؛ وَلَكِن تَعَالَ لِنَضَعَ النِّقَاطَ عَلَى الحُرُوفِ حَتَّى لَا تَخلِطَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ، وَذلكَ فِي أَربَعِ قَوَاعِدَ ذَهَبِيَّةٍ: القَاعِدَةُ الأُولَى: أَنَّ أَهلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ لَا يَدَّعُونَ العِصمَةَ لِأَحَدٍ مِنَ البَشَرِ بَعدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَيسَ فِي الإِسلَامِ كَهَنُوتٌ وَلَا بَابَوِيَّةٌ مَعصُومَةٌ! بَل إِنَّ أَئِمَّةَ العِلمِ أَنفُسَهُم هُم أَوَّلُ مَن قَرَّرَ هَذَا الأَصلَ العَظِيمَ؛ فَقَد قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَتِلمِيذُهُ مُجَاهِدٌ، وَاشْتُهِرَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى قَبرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ أَحَدٍ يُؤخَذُ مِن قَولِهِ وَيُترَكُ، إِلَّا صَاحِبَ هَذَا القَبرِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ». بَلِ اسمَعْ مَاذَا قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ نَفسُهُ الَّذِي تَقُولُ أَنتَ «لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ الشَّافِعِيِّ»! لَقَد ثَبَتَ عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا فِي «حِليَةِ الأَولِيَاءِ» وَ«سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ» أَنَّهُ قَال: «إِذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَهُوَ مَذهَبِي، وَإِذَا رَأَيتُم قَولِي يُخَالِفُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَاضرِبُوا بِقَولِي عَرضَ الحَائِطِ!»، وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «أَجمَعَ المُسلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنِ استَبَانَت لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَم يَكُن لَهُ أَن يَدَعَهَا لِقَولِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ». وَقَالَ مِثلَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالإِمَامُ مَالِكٌ وَالإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُمُ اللهُ جَمِيعًا! فَعُلَمَاءُ الإِسلَامِ الأَئِمَّةُ لَم يَدعُوا النَّاسَ يَومًا إِلَى تَقدِيسِ أَشخَاصِهِم أَو تَقدِيمِ آرَائِهِم عَلَى القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، بَل كَانُوا خُدَّامًا لِلقُرآنِ وَالسُّنَّةِ، يَدُورُونَ مَعَ الدَّلِيلِ حَيثُ دَار! فَفَرْقٌ عَظِيمٌ بَينَ «التَّعَصُّبِ الأَعمَى لِلأَشخَاصِ مَعَ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ» وَهُوَ مَذمُومٌ عِندَ جَمِيعِ الأَئِمَّةِ، وَبَينَ «الِانتِفَاعِ بِعِلمِ الأَئِمَّةِ وَفِقهِهِم وَتَوقِيرِهِم» وَهُوَ وَاجِبٌ شَرعِيٌّ! القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ العَالِمَ المُجتَهِدَ الَّذِي استَفرَغَ وُسعَهُ فِي طَلَبِ الحَقِّ، وَجَمَعَ الأَدِلَّةَ، وَنَظَرَ فِيهَا بِأَدَوَاتِ الِاجتِهَادِ مَعَ تَقوَى اللهِ وَإِخلَاصِ النِّيَّةِ، إِن أَخطَأَ فِي مَسأَلَةٍ فَرعِيَّةٍ لِبَشَرِيَّتِهِ أَو لِعَدَمِ بُلُوغِ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ إِلَيهِ؛ فَإِنَّ خَطَأَهُ هَذَا مَغفُورٌ عِندَ اللهِ، بَل هُوَ مَأجُورٌ عَلَى اجتِهَادِهِ أَجرًا وَاحِدًا! وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ - صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَصَحِيحِ مُسلِمٍ - مِن حَدِيثِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجتَهَدَ ثُمَّ أَخطَأَ فَلَهُ أَجرٌ». أَفَيَجعَلُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِلعَالِمِ المُجتَهِدِ إِذَا أَخطَأَ أَجرًا وَاحِدًا وَتَقدِيرًا لِجهدِهِ، ثُمَّ يَأتِي مُتَطَاوِلٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَتَّخِذُ مِن زَلَّةٍ اجتِهَادِيَّةٍ لِعَالِمٍ ذَرِيعَةً لِإِسقَاطِ العُلَمَاءِ جَمِيعًا وَتَسفِيهِ تَارِيخِ الفِقهِ الإِسلَامِيِّ كُلِّهِ؟! أَيُّ مِيزَانٍ هَذَا؟ أَرَأَيتُم لَو أَنَّ طَبِيبًا جَرَّاحًا مَاهِرًا أَجرَى أَلفَ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ نَاجِحَةٍ أَنقَذَ اللهُ بِهَا حَيَاةَ النَّاسِ، ثُمَّ أَخطَأَ فِي تَشخِيصِ حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ أَيَقُولُ عَاقِلٌ: «أَغلِقُوا كُلِّيَّاتِ الطِّبِّ وَالمُستَشفَيَاتِ، وَلَا تُحَدِّثُونِي عَنِ الأَطِبَّاءِ فَهُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ الأَطِبَّاءِ مُخطِئُونَ، وَلْيُعَالِجْ كُلُّ إِنسَانٍ نَفسَهُ بِنَفسِهِ»؟! لَو قَالَ إِنسَانٌ ذَلِكَ فِي الطِّبِّ أَوِ الهَندَسَةِ لَعَدَّهُ النَّاسُ مَجنُونًا؛ فَكَيَفَ يُقبَلُ هَذَا الهُزَالُ العَقلِيُّ فِي أَشرَفِ العُلُومِ وَهُوَ عِلمُ الوَحيِ وَالشَّرِيعَةِ الَّذِي تَتَوَقَّفُ عَلَيهِ نَجَاةُ العِبَادِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ؟! القَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الخَطَأَ قَد يَقَعُ مِنَ العَالِمِ الفَردِ فِي مَسأَلَةٍ جُزئِيَّةٍ، وَلَكِنَّ عُلَمَاءَ الأُمَّةِ بِمَجمُوعِهِم لَا يُمكِنُ أَن يَجتَمِعُوا عَلَى خَطَإٍ أَو ضَلَالَةٍ أَبَدًا! لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَصَمَ إِجمَاعَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَحَفِظَ بِهِ الدِّينَ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مُتَوَعِّدًا مَن شَاقَّ الرَّسُولَ وَخَرَجَ عَن سَبِيلِ المُؤمِنِينَ وَإِجمَاعِهِم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾. وَقَد رَوَى التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه وَصَحَّحَهُ الأَئِمَّةُ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ اللهَ لَا يَجمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ». فَمَا اتَّفَقَ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحمَدُ وَالبُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الهُدَى مِن أُصُولِ الإِيمَانِ، وَأَركَانِ الإِسلَامِ، وَقَوَاعِدِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَحُجِّيَّةِ السُّنَّةِ، وَفَضَائِلِ الصَّحَابَةِ؛ هُوَ الحَقُّ المَعصُومُ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَن يَخرُجَ عَنهُ قِيدَ أُنمُلَةٍ! القَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: نَسأَلُ هَذَا الَّذِي يَقُولُ «هُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ مُخطِئُونَ»: مَنِ الَّذِي يَملِكُ الأَهلِيَّةَ العِلمِيَّةَ لِيَعرِفَ أَنَّ العَالِمَ الفُلَانِيَّ أَخطَأَ فِي المَسأَلَةِ الفُلَانِيَّةِ؟ أَهُوَ العَامِّيُّ الجَاهِلُ الَّذِي لَا يُفَرِّقُ بَينَ الفَاعِلِ وَالمَفعُولِ، وَلَا بَينَ الصَّحِيحِ وَالمَعلُولِ؟! كَلا وَاللهِ! إِنَّ الَّذِي يَكشِفُ خَطَأَ العَالِمِ إِذَا زَلَّ هُم إِخوَانُهُ مِنَ العُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ بِمِيزَانِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَوَاعِدِ الِاستِدلَالِ الصَّحِيحِ! فَإِذَا غَابَ حَدِيثٌ عَن إِمَامٍ مِنَ الأَئِمَّةِ فِي مَسأَلَةٍ، استَدرَكَهُ عَلَيهِ إِمَامٌ آخَرُ بلَغَهُ الحَدِيثُ وَقَامَت عِندَهُ الحُجَّةُ؛ وَبِذَلِكَ تَكَامَلَ بِنَاءُ العِلمِ الإِسلَامِيِّ عَبرَ القُرُونِ، فَحَفِظَ اللهُ الدِّينَ بِمَجمُوعِ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، لَا بِفَوضَى الجُهَلَاءِ المُتَسَوِّرِينَ عَلَى مَوَائِدِ الوَحيِ بِغَيرِ زَادٍ وَلَا آلَة! فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ، وَيَا شَبَابَ الإِسلَامِ الغَيُورِينَ عَلَى دِينِهِم: اِحذَرُوا كُلَّ الحَذَرِ مِن هَذِهِ الدَّعَوَاتِ المَسمُومَةِ الَّتِي تُرِيدُ أَن تَقطَعَ صِلَتَكُم بِتُرَاثِ أُمَّتِكُم العَظِيمِ وَأَئِمَّتِكُمُ الأَعلَامِ! إِنَّ أَعدَاءَ الإِسلَامِ وَأَدعِيَاءَ الحَدَاثَةِ وَالتَّميِيعِ يَعلَمُونَ يَقِينًا أَنَّهُم لَا يَستَطِيعُونَ أَن يَقُولُوا لِلمُسلِمِ صَرَاحَةً: «اُترُكِ القُرآنَ وَالإِسلَامَ»، لِأَنَّ المُسلِمَ سَيَنفِرُ مِنهُم فِطرِيًّا؛ فَلَجَؤُوا إِلَى خُطَّةٍ خَبِيثَةٍ مَاكِرَةٍ، وَهِيَ أَن يَعزِلُوا المُسلِمَ أَوَّلًا عَن عُلَمَاءِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا الكِبَارِ كَالبُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحمَدَ، بِدَعوَى أَنَّهُم «رِجَالٌ يُخطِئُونَ وَيُصِيبُونَ»، حَتَّى إِذَا صَارَ الشَّابُّ المُسلِمُ وَحِيدًا مَعزُولًا عَن جُذُورِهِ العِلمِيَّةِ وَحُصُونِهِ الفِقهِيَّةِ، جَاؤُوهُ بِتَأوِيلَاتِهِمُ المُنحَرِفَةِ لِلقُرآنِ، وَشَكَّكُوهُ فِي السُّنَّةِ، وَأَحَلُّوا لَهُ الحَرَامَ بِاسمِ «جَوهَرِ الدِّينِ»! وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ صَوَّرَ مَكَانَةَ أَهلِ العِلمِ وَحَاجَةَ النَّاسِ إِلَى نُورِهِم فَقَال: العِلمُ يَرفَعُ بَيتًا لَا عِمَادَ لَهُ ... وَالجَهلُ يَهدِمُ بَيتَ العِزِّ وَالشَّرَفِ لَولَا الهُدَاةُ الأُلَى صَانُوا شَرِيعَتَنَا ... لَتَاهَ فِي ظُلُمَاتِ الرَّأيِ كُلُّ خَلَفِ فَاستَمسِكُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى فَهمِ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا الرَّاسِخِين، وَاعلَمُوا أَنَّ الدِّينَ جَوهَرٌ وَمَخبَرٌ، وَعَقِيدَةٌ وَشَرِيعَةٌ، وَبَاطِنٌ مُخلِصٌ وَظَاهِرٌ مُتَّبِعٌ، وَأَنَّ تَوقِيرَ عُلَمَاءِ الإِسلَامِ وَالدُّعَاءَ لَهُم وَالِانتِفَاعَ بِعُلُومِهِم مِن تَعظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ؛ كَمَا قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي عَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: «وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ، وَمَن بَعدَهُم مِنَ التَّابِعِينَ، أَهلُ الخَيرِ وَالأَثَرِ، وَأَهلُ الفِقهِ وَالنَّظَرِ، لَا يُذكَرُونَ إِلَّا بِالجَمِيلِ، وَمَن ذَكَرَهُم بِسُوءٍ فَهُوَ عَلَى غَيرِ السَّبِيلِ». أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن بَعَثَهُ اللهُ مُعَلِّمًا وَهَادِيًا وَسِرَاجًا مُنِيرًا، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَارحَمِ اللَّهُمَّ أَئِمَّةَ الهُدَى وَمَصَابِيحَ الدُّجَى مِنَ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الفِقهِ وَالحَدِيثِ وَالتَّفسِيرِ الَّذِينَ حَفِظُوا لَنَا دِينَكَ وَبَلَّغُوا سُنَّةَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَاجزِهِم عَنِ الإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزَاء. اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارزُقنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارزُقنَا اجتِنَابَهُ، وَلَا تَجعَلهُ مُلتَبِسًا عَلَينَا فَنَضِلَّ، اللَّهُمَّ فَقِّهنَا فِي الدِّينِ، وَعَلِّمنَا التَّأوِيلَ، وَاحفَظْ قُلُوبَنَا وَعُقُولَنَا مِن شُبُهَاتِ المُبطِلِينَ وَزَيغِ الزَّائِغِينَ، وَاجعَلنَا مِمَّن يَستَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحسَنَهُ، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.