من مكتبة مِداد الخطيب

🕌 غشاوةُ الوَهم... حينَ يُصبِحُ الذَّنبُ إنجازًا

مشاركة
🕌 غشاوةُ الوَهم... حينَ يُصبِحُ الذَّنبُ إنجازًا #خطبة_جمعة #الاعتياد_على_المعصية #تزيين_العمل #الشباب #التوبة #القلوب الحمدُ للهِ الذي نَوَّرَ بَصائِرَ المؤمنينَ فأبصَروا الحقَّ حقًّا، وأعمى قُلوبَ المُتكَبِّرينَ فرَأوا باطِلَهُم صَوابًا، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الوَحيَ ميزانًا لا يَطيش، والفِطرَةَ نُورًا لا يَنطَفِئ إلَّا بالذُّنوب، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أصدَقُ مَن نَصَح، وأرحَمُ مَن وَجَّه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا رَجلًا يَمشي نَحوَ حافَّةِ الهاوية، وكلَّما اقتَرَبَ من السُّقوطِ ظَنَّ أنَّهُ يَرتَقي في دَرَجاتِ المَجد! يَرتَكِبُ الخَطيئَةَ فيَحتَفِلُ بها، ويُعصى اللهُ أمامَهُ فيُدافِعُ عن العاصي ويُهاجِمُ النَّاصِح. ما الذي أصابَ عَينَيه؟ وكيفَ انقَلَبَت مَوازينُ قَلبِه حتى صارَ يَرى الظَّلامَ نُورًا والقُبحَ جَمالًا؟ مَرَضٌ خَفيٌّ، إذا تَسَلَّلَ إلى قَلبِ الشَّابِ أهلكَهُ وهو يَضحَك. فما هو هذا المَرَض؟ وكيفَ نَنجو منهُ قَبلَ فَواتِ الأوان؟ أيها الإخوةُ الأحبَّة، يا مَعاشِرَ الشَّبابِ خاصَّة: إنَّ أخطَرَ حالةٍ يُمكِنُ أن يَصِلَ إليها الإنسانُ ليست أن يَقَعَ في المعصية؛ فكُلُّنا ذَوو خَطَأ، وكلُّ ابنِ آدَمَ خَطَّاء. ولكنَّ الكارثةَ الكُبرى، والمُصيبَةَ العُظمى، أن يَفعَلَ العَبدُ المعصيَةَ، ثُمَّ يَنظُرَ إليها فيَراها حَسَنةً وإنجازًا وتَحَرُّرًا! اسمعوا إلى هذا التَّشخيصِ القُرآنيِّ المُرعِب، حيثُ يَقولُ ربُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8]. تَأمَّلوا معي هذه الآيَةَ جيِّدًا. لم يَقُلِ اللهُ: "أفَمَن عَمِلَ السُّوء"، بل قال: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾. هُناكَ "تَزيين" يَحدُث. هُناكَ غِشاوَةٌ تُوضَعُ على العَين، ومَكياجٌ يُوضَعُ على وَجهِ الخَطيئَةِ لتَبدوَ جَميلةً في عَينِ فاعِلِها. ومَن الذي يُزَيِّن؟ إنَّهُ الشَّيطانُ الذي تَوَعَّدَ بَني آدَمَ فقال: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 39]. يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "ومِن عُقوبَةِ الذَّنبِ أن يُعمِيَ بَصيرَةَ القَلب، ويَطمِسَ نُورَه، ويَسُدَّ طُرُقَ العِلمِ عليهِ، فَيَرى الحَسَنَ قَبيحًا، والقَبيحَ حَسَنًا، وهذهِ مِن أعظَمِ عُقوباتِ الذُّنوب". يا شَبابَ الإسلام، إنَّ الشَّيطانَ لا يَأتيكَ ليَقولَ لكَ: "تَعالَ لتَكفُر"، ولا يَقولُ لكَ: "تَعالَ لتُغضِبَ الله". بل يَأتيكَ من بابِ المُصطَلَحاتِ البَرَّاقة. يُسَمِّي التَّبَرُّجَ والاختِلاطَ المُحَرَّمَ "انفِتاحًا وتَحَرُّرًا"، ويُسَمِّي العَلاقاتِ المُحَرَّمَةَ "حُبًّا وبَحثًا عن الذَّات"، ويُسَمِّي التَّفاهَةَ وتَضييعَ الأوقاتِ "صِناعَةَ مُحتَوى وتَرفيهًا"، ويُسَمِّي الشُّذوذَ وانتِكاسَ الفِطرَةِ "حُقوقًا وحُرِّيَّةً شَخصيَّة". يُغَيِّرُ الغِلافَ ليُسَمِّمَ القَلب. ولذلك نَبَّهَنا القُرآنُ إلى هؤلاءِ المَخدوعينَ فقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]. ألا تَتَفَكَّرونَ في كَلِمَة ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾؟ إنَّهُ الخِداعُ الذَّاتيُّ حينَ يَصِلُ إلى مُنتَهاه. كيفَ يَصِلُ الشَّابُّ إلى هذهِ المَرحَلَة؟ هل يَستَيقِظُ يَومًا فيَجِدُ نَفسَهُ يُدافِعُ عنِ الحَرام؟ لا والله! إنَّهُ "الاعتِياد". الخَطوَةُ الأُولى ذَنبٌ مَصحوبٌ بِخَجَل. الخَطوَةُ الثَّانيةُ ذَنبٌ مَصحوبٌ بتَبرير. الخَطوَةُ الثَّالثةُ ذَنبٌ بِلا إحساس. الخَطوَةُ الرَّابعةُ: الدِّفاعُ عن الذَّنبِ وتَخطيءُ مَن يَنصَح! واسمَعوا لهذا التَّحليلِ النَّبَويِّ الدَّقيق، يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «تُعرَضُ الفِتَنُ علَى القُلُوبِ كالحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قَلبٍ أُشرِبَها نُكِتَ فيهِ نُكتَةٌ سَوداءُ، وأيُّ قَلبٍ أنكَرَها نُكِتَ فيهِ نُكتَةٌ بَيضاءُ... حتى يَصيرَ أسهَكَ مَربادًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا (أي مائلًا مَقلوبًا)، لا يَعرفُ مَعروفًا ولا يُنكِرُ مُنكَرًا إلَّا ما أُشرِبَ مِن هَواهُ» (رواه مسلم). تَأمَّلوا التَّشبيه العَجيب! القَلبُ يُصبِحُ مِثلَ الكَأسِ المَقلوبَة (الكُوز مُجَخِّيًا). صُبَّ فيها ماءَ النَّصيحَةِ ما شِئت.. لن تَستَقبِلَ قَطرَةً واحِدَة! لأنَّ القَلبَ مَقلوب، والمَوازينَ مَعكوسَة. هل سَألتَ نَفسَكَ يَومًا: كم مَرَّةً ارتَجَفَ قَلبُكَ وشَعَرتَ بالغَثَيانِ أوَّلَ مَرَّةٍ رَأيتَ فيها مَقطَعًا لا يَليقُ على هاتِفِك؟ ثُمَّ ماذا حَدَثَ بَعدَ شَهر؟ أصبَحتَ تَتَجاوَزُ العَشَراتِ مِنَ المَقاطِعِ المُحَرَّمَةِ دونَ أن يَرفَّ لكَ جَفن! ألَيسَ كَذلِك؟ ما الذي تَغَيَّر؟ هل تَحَلَّلَ الحَرام؟ لا! بلِ القَلبُ هو الذي تَغَلَّفَ بالرَّان. يَقولُ تَعالى: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]. والاعتِيادُ يُطفِئُ حَساسيَّةَ القَلبِ تِجاهَ المَعصيَة. وهُنا نَصِلُ إلى المَرحَلَةِ الأخطَر.. اللَّحظَة التي يَنتَقِلُ فيها العَبدُ مِن صِفَةِ "العاصي المُستَغفِر" إلى صِفَةِ "العاصي المُكابِر". مِن عَجائِبِ زَمانِنا — وخاصَّةً في مَواقِعِ التَّواصُلِ الاجتِماعيِّ — أن تَرى الشَّابَّ أوِ الفَتاةَ يَفعَلُ المُنكَرَ والمُجاهَرَةَ بالمعصيَة، فإن دَخَلَ ناصِحٌ مُشفِقٌ لِيَنصَحَهُ بِرِفقٍ، رَأيتَ الكارِثَة! لا يَكتَفي الشَّابُّ برَفضِ النَّصيحَة، بل تَجِدُهُ يَهجُمُ هو وأصدِقاؤُهُ والمُتَابِعونَ على النَّاصِح، يَسخَرونَ مِنه، ويَصِفونَهُ بالتَّشَدُّدِ والرَّجعيَّة وتَقييدِ الحُرِّيَّات! يَقولونَ له: "دَعِ الخَلقَ للخالِق"، "الدِّينُ يُسر"، "نَحنُ في القَرنِ الحادي والعِشرين". يُلَوُّونَ عُنُقَ النُّصوصِ لِيُبَرِّروا انحِرافَهُم. عن مِثلِ هذا التَّكَبُّرِ قالَ القُرآنُ صَراحَةً: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 206]. أخَذَتهُ العِزَّةُ بِالإثم! يَغضَبُ لنَفسِهِ ولا يَغضَبُ لِرَبِّه! يَقولُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه: "إنَّ مِن أكبَرِ الذَّنبِ عِندَ اللهِ أن يَقولَ الرَّجُلُ لأخيهِ: اتَّقِ الله، فيَقول: عَلَيكَ بِنَفسِك، أنتَ تَأمُرُني؟!". كيفَ نَرضى أن نَجعَلَ نُصوصَ الشَّريعَةِ طِينةً نُشَكِّلُها لِتُناسِبَ أهواءَنا؟ ألا نَعلَمُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (رواه مسلم)؟ وبَطَرُ الحقِّ أي: رَفْضُهُ ودَفعُهُ في وَجهِ مَن جاءَ بهِ لأنَّهُ لا يُوافِقُ هَوى النَّفس. واسمَعوا لِهذا القَولِ العَظيمِ مِنَ الإمامِ الحَسَنِ البَصريِّ رَحِمَهُ الله، حينَ يَصِفُ هذا الانقِلابَ في المَفاهيم، يَقول: "واللهِ ما زالوا يَعمَلونَ بالخَطايا حتى هانَت عليهم، فلَو كانَت ذُنوبُهُم في قُلوبِهِم أثقَلَ مِنَ الجِبالِ لاتَّعَظوا، ولكنَّها صارَت كَذُبابٍ وَقَعَ على أنفِ أحَدِهِم فَطار". وهذا مِصداقُ قولِ الصَّحابيِّ الجَليلِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعود: «إنَّ المُؤمِنَ يَرى ذُنوبَهُ كأنَّهُ قاعِدٌ تَحتَ جَبَلٍ يَخافُ أن يَقَعَ عليه، وإنَّ الفاجِرَ يَرى ذُنوبَهُ كذُبابٍ مَرَّ على أنفِهِ فقالَ بِهِ هكَذا» (رواه البخاري). أيها المسلمون، لِنَنتَقِل معًا في صَفَحاتِ القُرآنِ الكَريم، لِنَرى النِّهايَةَ المَأساويَّةَ لِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا. مَن هو زَعيمُ هذا المَسلَك؟ مَن هو الشَّخصيَّةُ التي ضَرَبَ اللهُ بها المَثَلَ في اقتِناعِهِ بكارِثَتِه؟ إنَّهُ فِرعَون. فِرعَونُ الذي ذَبَّحَ الأطفال، واستَعبَدَ النَّاس، وادَّعى الأُلوهيَّة.. هل تَظُنُّونَ أنَّهُ كانَ يَقِفُ أمامَ شَعبِهِ ليَقول: "أنا رَجُلٌ مُفسِدٌ شِرِّير"؟ أبدًا! بل كانَ مُقتَنِعًا تَمامًا أنَّهُ قِمَّةُ الإصلاح! اسمعوا ماذا قالَ فِرعَونُ لقَومِهِ وهو يُحَرِّضُهُم على قَتلِ مُوسى عليه السَّلام: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26]. يا لَلعَجَب! فِرعَونُ يَخافُ مِنَ الفَساد؟! نَعَم، لأنَّ المِعيارَ في قَلبِهِ قدِ انقَلَب. صَدَّقَ كِذبَتَهُ، واعتَقَدَ أنَّ ذَبْحَهُ للبَشَرِ نِظامٌ، وأنَّ دَعوَةَ مُوسى للحَقِّ فَوضى وتَخَلُّف. لِذلِكَ قالَ اللهُ عنه: ﴿وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر: 37]. وعلى النَّقيضِ تَمامًا مِن هذهِ الحالَةِ الفِرعَونيَّةِ المُظلِمَة، انظُروا إلى حالَةِ الصَّفاءِ البَشَريِّ عِندَ جِيلِ الصَّحابَةِ رِضوانُ اللهِ عليهم. كانوا يَصنَعونَ العَجائِبَ مِنَ البِرِّ والقيامِ والجِهاد، ومع ذلك.. كانوا يَتَّهِمونَ أنفُسَهُم بالنِّفاق! تَأمَّلوا مَوقِفَ حَنظَلَةَ رَضيَ اللهُ عنه. شَابٌّ مِن صَحابَةِ رَسولِ الله، يَخرُجُ يَومًا يَبكي في طُرُقاتِ المَدينة ويُنادي: "نافَقَ حَنظَلَة! نافَقَ حَنظَلَة!". فَيَلقاهُ أبوبَكرٍ الصِّدِّيق فيَقول: وما ذاك؟ يَقولُ حَنظَلَة: نَكونُ عِندَ رَسولِ اللهِ ﷺ يُذَكِّرُنا بالنَّارِ والجَنَّةِ حتى كأنَّا رَأيَ عَين، فإذا خَرَجنا مِن عِندِهِ عافَسنا الأزواجَ والأولادَ والضَّيْعات (أي انشَغَلنا بالحَياة)، نَسينا كَثيرًا! فَيَقولُ أبو بَكر: واللهِ إنَّا لَنَلقى مِثلَ هذا! فَيَذهَبانِ للنَّبيِّ ﷺ يَسألانِه.. فَيُطَمئِنُهُما النَّبيُّ ﷺ ويَقول: «يا حَنظَلَة، ساعَةً وساعَة». تَأمَّلوا هَذا المِيزان! حَنظَلَةُ يَفعَلُ الخَيرَ، ويَخافُ أن يَكونَ مُنافِقًا لأنَّهُ انشَغَلَ بأهلِهِ قَليلًا. وشَبابُنا اليَومَ يَفعَلونَ الموبِقات، ويُجاهِرونَ بالكَباتِر، ويَقولونَ: "نَحنُ طَيِّبون، وقُلوبُنا بيضاء، والدِّينُ ليسَ في المَظاهِر"! الصحابةُ كانوا يَرونَ إحسانَهُم تَقصيرًا، واليَومَ بَعضُنا يَرى عِصيانَهُ إنجازًا! فأيُّ فَجوةٍ بينَ القَلبَين؟ أيها الشَّابُ الكَريم، أيَّتُها الأختُ الفاضِلَة: ما هو الحَل؟ كيفَ نُمَزِّقُ هذهِ الغِشاوةَ قَبلَ أن نَجِدَ أنفُسَنا في قَعرِ جَهَنَّمَ ونَحنُ نَظُنُّ أنَّنا نُحسِنُ صُنعًا؟ الحَلُّ يَبْدأُ بِعَمَليَّةٍ قاسِيَةٍ جِدًّا اسمها: "المُحاسَبَةُ الصَّادِقَة". أن تَخلوَ بِنَفسِكَ، وتَضَعَها أمامَ مِرآةِ القُرآنِ والسُّنَّةِ بِتَجَرُّد. قال تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]. وقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه: "حاسِبوا أنفُسَكُم قَبلَ أن تُحاسَبوا، وَزِنوا أنفُسَكُم قَبلَ أن تُوزَنوا". هل أفعالُكَ تُوافِقُ شَرعَ الله؟ أم أنَّكَ تُفَصِّلُ دينًا على مَقاسِ هَواك؟ ثانيًا: اِبحَث عنِ الصُّحبَةِ التي تُزعِجُك! نَعَم، الصُّحبَةُ التي تُوَقِّظُكَ وتَنصَحُك وتُصارِحُكَ بِعُيوبِك. الصَّديقُ الذي لا يُجامِلُكَ في دِينِ الله. الصَّديقُ الذي يَشُدُّكَ مِن يَدِكَ إذا رآكَ تَقَع، لا الصَّديقُ الذي يُصَفِّقُ لَكَ وأنتَ تَهوي. قالَ تَعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]. أيها الإخوَةُ الأحبَّة، إنَّ عُمرَكُم أقصرُ مِن أن يُقضى في أوهامِ الشَّيطان. والمَوتُ يَأتِي بَغتَة، ولا وَقتَ لِلعِنادِ مَعَ الله. مَن نَصَحَكَ فإنَّما يُنقِذُ نَفسَهُ ويُنقِذُك، فلا تَكُن خَصمًا لِمَن يُريدُ لَكَ الجَنَّة. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أمَّا بعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن غِشاوَةِ التَّزيين، وكيفَ يَنقَلِبُ القَلبُ بسبَبِ اعتِيادِ الذُّنوبِ حتى يَرى الحَرامَ حَلالًا ويَستَهينَ بالكَبيَرة، ووَقَفنا عندَ مُصيبَةِ الرَّدِّ على النَّاصِحينَ ومُهاجَمَتِهِم بِدافعِ الكِبر، وكيفَ أنَّ هذا العِنادَ هو سُنَّةُ المَغرورينَ كفِرعَون، بَينَما التَّواضُعُ والمُحاسَبَةُ سُنَّةُ المُؤمِنين. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إِلى مَواقِفَ عَمَليَّةٍ تَحمي قُلوبَنا مِنَ الرَّان؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): ادعُ اللهَ دائِمًا في سُجودِكَ بِهذا الدُّعاءِ المأثورِ عَنِ السَّلَف: "اللَّهمَّ أَرِنا الحَقَّ حَقًّا وارزُقنا اتِّباعَه، وأَرِنا الباطِلَ باطِلًا وارزُقنا اجتِنابَه". هذا الدُّعاءُ هُوَ المِظلَّةُ التي تَحميكَ مِن عَمى البَصيرَةِ وتَزيينِ السُّوء. الثانية (لِسانيَّة): إذا نَصَحَكَ شَخصٌ في الواقِعِ أو على مَواقِعِ التَّواصُل، وعَرَفتَ أنَّهُ مُحِقٌّ رَغمَ أنَّ كَلامَهُ جَرَحَ كِبرِياءَك، فَقُل لَهُ بِلِسانِكَ فورًا: "جَزاكَ اللهُ خَيرًا، أسأَلُ اللهَ أن يَهديَني". هذهِ الكَلِمَةُ تُحَطِّمُ صَنَمَ (العِزَّةِ بِالإثم) في داخِلِك. الثالثة (عَمَليَّة): حَدِّد ذَنبًا واحِدًا تَعرِفُ يَقينًا أنَّكَ تَفعَلُهُ كُلَّ يَومٍ (نَظَرٌ مُحَرَّم، سَماعٌ مُحَرَّم، كَلِمَةٌ سَيِّئَة)، وكُنتَ دائِمًا تُبَرِّرُهُ لِنَفسِك. ابتَدِئ مِنَ اليَوم، مِن هَذِهِ اللَّيلَة، بِتَركِهِ أو مُجاهَدَةِ نَفسِكَ فيه، اعتِرافًا للهِ بِعُبوديَّتِك. الرابعة (اجتماعيَّة): أَلْغِ مُتابَعَةَ مَن يُزَيِّنُ لَكَ الحَرامَ على هاتِفِك. كُلُّ حِسابٍ يُهَوِّنُ عَلَيكَ المَعصيَة، أو يَجعَلُ التَّفاهَةَ بُطولَة، قُم بِحَذفِهِ اليَوم. بيئَتُكَ الرَّقميَّةُ هي مَجلِسُكَ الذي يُصيغُ عَقلَك، فاحرِص عَلى نَقائِه. الخامسة (موضوعيَّة): اجعَل لِنَفسِكَ وِردًا مِنَ القُرآنِ بتَدَبُّر، ولو آيَتَينِ كُلَّ يَوم. القُرآنُ اسْمُهُ (الفُرقان)، لأنَّهُ يُفَرِّقُ بينَ الوَهمِ والحَقيقَة. ومَن لازَمَ الفُرقانَ، لَم يَستَطِعِ الشَّيطانُ أن يُزَيِّنَ لَهُ سُوءَ عَمَلِه. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عليه، اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إِلى يَومِ الدِّين. اللَّهمَّ إنَّا نَسأَلُكَ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ أن تُثَبِّتَ قُلوبَنا على دينِك. اللَّهمَّ أَرِنا الحَقَّ حَقًّا وارزُقنا اتِّباعَه، وأَرِنا الباطِلَ باطِلًا وارزُقنا اجتِنابَه، ولا تَجعَلهُ مُلتَبِسًا عَلَينا فَنَضِلّ. اللَّهمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن عَمى البَصائِر، ونَعوذُ بِكَ أن نُزَيِّنَ لأنفُسِنا المَعاصي، أو أن تُؤخَذَ قُلوبُنا بِالعِزَّةِ بِالإثم. اللَّهمَّ احفَظ شَبابَ المُسلمينَ وبَناتِهِم مِن فِتَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَوات، واجعَلهُم هُداةً مُهتَدين، لا ضالِّينَ ولا مُضِلِّين. اللَّهمَّ ارزُقنا القَبولَ لِلنَّصيحَة، والتَّواضُعَ لِلحَقِّ، والانكِسارَ بَينَ يَدَيك. اللَّهمَّ رُدَّنا إِلَيكَ رَدًّا جَميلًا، واجعَلنا مِمَّن يَستَمِعونَ القَولَ فَيَتَّبِعونَ أحسَنَه. اللَّهمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمومينَ، ونَفِّس كَربَ المَكروبينَ، وانصُرِ المُستَضعَفينَ مِنَ المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، يا رَبَّ العالَمين. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.