من مكتبة مِداد الخطيب

خُطُورَةُ هَجرِ القُرآنِ الكَرِيمِ وَأَنوَاعُهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَكوَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن هَجرِ القُرآنِ وَطَرِيقِ العَودَةِ إِلَى كِتَابِ اللهِ

مشاركة
خُطُورَةُ هَجرِ القُرآنِ الكَرِيمِ وَأَنوَاعُهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَكوَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن هَجرِ القُرآنِ وَطَرِيقِ العَودَةِ إِلَى كِتَابِ اللهِ الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ وَلَم يَجعَل لَهُ عِوَجًا، وَجَعَلَهُ نُورًا مُبِينًا وَحَبلًا مَتِينًا وَصِرَاطًا مُستَقِيمًا وَمَنهَجًا، مَن تَمَسَّكَ بِهِ عَزَّ وَاهتَدَى، وَمَن أَعرَضَ عَنهُ وَهَجَرَهُ ضَلَّ وَشَقِيَ وَهَوَى. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَنِ استَنَارَ بِآيَاتِهِ العِظَام، وَأَشكُرُهُ شُكرَ مَن تَدَاوَى بِمَوَاعِظِهِ مِنَ القَسوَةِ وَالأَسقَام، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، تَكَلَّمَ بِالقُرآنِ العَظِيمِ حَقِيقَةً فَأَعجَزَ بِفَصَاحَتِهِ وَبَيَانِهِ جَمِيعَ الأَنَام، وَتَكَفَّلَ بِحِفظِهِ مِنَ التَّحرِيفِ وَالتَّبدِيلِ عَلَى مَرِّ اللَّيَالِي وَالأَيَّام، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الَّذِي كَانَ خُلُقُهُ القُرآن، فَرَتَّلَهُ أَعذَبَ تَرتِيل، وَقَامَ بِهِ فِي جَوفِ اللَّيلِ الطَّوِيل، وَأَقامَ حُدُودَهُ وَحُرُوفَهُ بِأَكمَلِ تَبلِيغٍ وَأَصدَقِ تَأوِيل، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ عَاشُوا بِالقُرآنِ فَسَادُوا الدُّنيَا وَفَازُوا بِالجِنَان، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: أُوصِيكُم وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالِاعتِصَامِ بِكِتَابِهِ المَجِيد، وَالإِقبَالِ عَلَيهِ تِلَاوَةً وَحِفظًا وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا؛ فَإِنَّهُ مَصدَرُ عِزِّنَا وَشَرَفِنَا، وَمِيزَانُ حِسَابِنَا يَومَ نَلقَى رَبَّنَا، كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. أَيُّهَا المُسلِمُون: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ وَصَفَ كِتَابَهُ العَزِيزَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ سَمَّاهُ «رُوحًا» وَسَمَّاهُ «نُورًا»! فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي خِتَامِ سُورَةِ الشُّورَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وَفِي هَذِهِ التَّسمِيَةِ الإِلَهِيَّةِ سِرٌّ عَظِيم: فَالجَسَدُ بِدُونِ الرُّوحِ جُثَّةٌ هَامِدَةٌ لَا حَرَاكَ فِيهَا وَلَا حَيَاة، وَالعَينُ بِدُونِ النُّورِ تَتَخَبَّطُ فِي الظَّلَامِ الدَّامِسِ لَا تُفَرِّقُ بَينَ الطَّرِيقِ وَالهَاوِيَة؛ وَكَذَلِكَ القَلبُ البَشَرِيُّ يَا عِبَادَ الله: إِذَا اتَّصَلَ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ سَرَت فِيهِ الرُّوحُ وَأَشرَقَ فِيهِ النُّور، وَإِذَا انقَطَعَ عَنِ القُرآنِ وَهَجَرَهُ مَاتَت رُوحُهُ وَأَظلَمَت أَرجَاؤُهُ وَإِن كَانَ صَاحِبُهُ يَمشِي بَينَ الأَحيَاء! وَلِعِظَمِ شَأنِ القُرآنِ وَفَدَاحَةِ جُرمِ الإِعرَاضِ عَنه، وَرَدَت فِي سُورَةِ الفُرقَانِ آيَةٌ مَهِيبَةٌ تَرتَعِدُ مِنهَا فَرَائِصُ المُؤمِنِين، وَتَتَصَدَّعُ لِهَولِهَا قُلُوبُ الخَاشِعِين؛ آيَةٌ يُخبِرُ اللهُ فِيهَا عَن شَكوَى يَرفَعُهَا سَيِّدُ الخَلقِ وَأَرحَمُ النَّاسِ بِالنَّاسِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَبِّ العَالَمِين، فَيَقُولُ جَلَّ مِن قَائِل: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]! تَوَقَّفُوا طَوِيلًا يَا عِبَادَ اللهِ أَمَامَ هَذِهِ الآيَة! النَّبِيُّ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَكَا إِلَى اللهِ قَومًا اتَّخَذُوا القُرآنَ مَهجُورًا، فَمَن ذَا الَّذِي يَقُومُ لِغَضَبِ اللهِ إِذَا كَانَ الخَصمُ وَالشَّاكِي هُوَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم؟! وَلَئِن كَانَت هَذِهِ الآيَةُ قَد نَزَلَت فِي أَصلِهَا فِي مُشرِكِي قُرَيشٍ الَّذِينَ أَعرَضُوا عَن سَمَاعِ القُرآنِ وَقَالُوا فِيهِ الأَبَاطِيل، فَإِنَّ أَئِمَّةَ التَّفسِيرِ وَالتَّحقِيقِ -كَالإِمَامِ ابنِ كَثِيرٍ وَالإِمَامِ ابنِ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ- قَرَّرُوا أَنَّ العِبرَةَ بِعُمُومِ اللَّفظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَب، وَأَنَّ كُلَّ مَن نَصَبَ بَينَهُ وَبَينَ القُرآنِ حَاجِزًا مِنَ الهَجرِ وَالجَفَاءِ فِي التِّلَاوَةِ أَوِ التَّدَبُّرِ أَوِ العَمَلِ أَوِ التَّحَاكُمِ فَإِنَّ لَهُ نَصِيبًا مِن هَذَا الوَعِيدِ بِقَدرِ هَجرِه! عِبَادَ الله: يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ «هَجرَ القُرآنِ» يَقتَصِرُ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَط، وَهِيَ تَركُ القِرَاءَةِ فِي المُصحَف! وَهَذَا وَإِن كَانَ نَوعًا خطِيرًا مِنَ الهَجر، إِلَّا أَنَّ الإِمَامَ الرَّبَّانِيَّ ابنَ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ النَّفِيسِ «الفَوَائِد» أَنَّ هَجرَ القُرآنِ الكَرِيمِ خَمسَةُ أَنوَاعٍ يَدخُلُ بَعضُهَا فِي بَعض؛ فَتَعَالَوا نَعرِضْ أَحوَالَنَا وَبُيُوتَنَا اليَومَ عَلَى هَذِهِ الأَنوَاعِ الخَمسَةِ بِصِدقٍ وَإِنصَاف: النَّوعُ الأَوَّلُ: هَجرُ تِلَاوَتِهِ وَالإِصغَاءِ إِلَيهِ وَتَعَهُّدِهِ بِالحِفظِ وَالقِرَاءَة! مَا أَعجَبَ حَالَ كَثِيرٍ مِنَ المُسلِمِينَ فِي زَمَانِنَا هَذَا! يَملِكُ الوَاحِدُ مِنهُم فِي يَدِهِ السَّاعَاتِ الطَّوِيلَةَ كُلَّ يَوم؛ فَيَقضِي ثَلَاثَ سَاعَاتٍ أَو أَربَعًا أَو خَمسًا يَتَنَقَّلُ بَينَ شَاشَاتِ الهَوَاتِف، وَيَقرَأُ آلافَ الأَسطُرِ مِنَ الرَّسَائِلِ وَالتَّعلِيقَاتِ وَالأَخبَارِ التَّافِهَة، وَيُتَابِعُ المَبَارَيَاتِ وَالمُسَلسَلَاتِ دَقِيقَةً بِدَقِيقَة؛ حَتَّى إِذَا قِيلَ لَه: «مَتَى فَتَحتَ المُصحَفَ آخِرَ مَرَّة؟ وَفِي أَيِّ سُورَةٍ وَصَلتَ مِن وِردِك؟» طَأطَأَ رَأسَهُ خَجَلًا؛ لِأَنَّهُ قَد يَمُرُّ عَلَيهِ الأُسبُوعُ وَالشَّهرُ وَالشَّهرَانِ وَلَم يَفتَحِ المُصحَفَ إِلَّا فِي شَهرِ رَمَضَانَ أَو فِي مَجَالِسِ العَزَاء! وَمَصَاحِفُ فَاخِرَةٌ مُزَخرَفَةٌ تُوضَعُ عَلَى الرُّفُوفِ العَالِيَةِ فِي البُيُوتِ أَو فِي مُقَدِّمَةِ السَّيَّارَاتِ لِلتَّبَرُّكِ الشَّكلِيِّ أَوِ الزِّينَة، قَد عَلَاهَا الغُبَارُ يَشكُو إِلَى اللهِ هَجرَ أَصحَابِهَا لَهَا! وَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ؛ فَوَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا». وَأَخرَجَ الإِمَامُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَن قَرَأَ حَرفًا مِن كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا، لَا أَقُولُ آلم حَرفٌ، وَلَكِن أَلِفٌ حَرفٌ، وَلَامٌ حَرفٌ، وَمِيمٌ حَرفٌ». فَأَيُّ غَبْنٍ وَأَيُّ حِرمَانٍ أَعظَمُ مِن أَن يُفرِّطَ المُسلِمُ فِي كُنُوزِ الحَسَنَاتِ وَتَنزُّلِ السَّكِينَةِ وَالمَلَائِكَةِ بِسَبَبِ هَجرِ تِلَاوَةِ كِتَابِ الله؟! النَّوعُ الثَّانِي مِن أَنوَاعِ الهَجر: هَجرُ تَدَبُّرِهِ وَتَفَهُّمِهِ وَمعرِفَةِ مُرَادِ اللهِ مِنه! فَهُنَاكَ مَن يَقرَأُ القُرآنَ بِلِسَانِه، وَلَكِنَّهُ يَقرَؤُهُ قِرَاءَةً سَرِيعَةً لَاهِيَةً كَأَنَّهُ فِي سِبَاقٍ لِإِنهَاءِ الأَجزَاءِ وَالصَّفَحَات! تَمُرُّ بِهِ آيَاتُ الوَعِيدِ وَذِكرُ النَّارِ وَالحِسَابِ فَلَا يَقشَعِرُّ جِلدُهُ وَلَا تَدمَعُ عَينُه، وَتَمُرُّ بِهِ آيَاتُ الوَعدِ وَالجَنَّةِ وَمَغفِرَةِ الرَّحمَنِ فَلَا يَطِيرُ قَلبُهُ شَوقًا إِلَى الله؛ لِأَنَّ لِسَانَهُ يَتَحَرَّكُ فِي المُصحَفِ بَينَمَا قَلبُهُ هَاجِرٌ لِلقُرآنِ سَارِحٌ فِي أَودِيَةِ الدُّنيَا! وَقَد أَنكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الهَجرَ القَلبِيَّ أَشدَّ الإِنكَارِ فَقَال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وَبَيَّنَ أَنَّ الغَايَةَ الكُبرَى مِن إِنزَالِ القُرآنِ هِيَ التَّدَبُّرُ وَالتَّذَكُّرُ فَقَال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. قَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ الله: «نَزَلَ القُرآنُ لِيُتَدَبَّرَ وَيُعمَلَ بِه، فَاتَّخَذَ النَّاسُ تِلَاوَتَهُ عَمَلًا! إِنَّ أَحَدَهُم يَقُول: قَد قَرَأتُ القُرآنَ كُلَّهُ فَمَا أَسقَطتُ مِنهُ حَرفًا، وَقَد وَاللهِ أَسقَطَهُ كُلَّه؛ مَا يُرَى لِلقُرآنِ عَلَيهِ أَثَرٌ فِي خُلُقٍ وَلَا عَمَل!». النَّوعُ الثَّالِثُ: هَجرُ العَمَلِ بِهِ وَالوُقُوفِ عِندَ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيه! وَهَذَا أَخطَرُ أَنوَاعِ الهَجرِ يَا عِبَادَ الله! أَن يَقرَأَ المَرءُ فِي كِتَابِ اللهِ تَحرِيمَ الرِّبَا ثُمَّ يَتَعَامَلَ بِالرِّبَا، وَيَقرَأَ تَحرِيمَ الغِيبَةِ وَالبُهتَانِ وَأَكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ ثُمَّ يَرتَعَ فِي أَعرَاضِ النَّاسِ وَأَموَالِهِم، وَيَقرَأَ الأَمرَ بِبرِّ الوَالِدَينِ وَصِلَةِ الأَرحَامِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ ثُمَّ يَعُقَّ وَالِدَيهِ وَيَقطَعَ رَحِمَهُ وَيُضَيِّعَ صَلَاتَه! أَتَدرُونَ مَاذَا يَكُونُ القُرآنُ لِهَذَا الصِّنفِ يَومَ القِيَامَة؟ لَقَد لَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ جَامِعَةٍ رَوَاهَا الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي مَالِكٍ الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: «وَالقُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَو عَلَيكَ»! فَإِمَّا أَن يَكُونَ القُرآنُ شَافِعًا لَكَ وَقَائِدًا إِلَى الجَنَّةِ إِن عَمِلتَ بِه، وَإِمَّا أَن يَكُونَ خَصمًا وَحُجَّةً دَامِغَةً عَلَيكَ تَسُوقُكَ إِلَى النَّارِ إِن خَالَفْتَ أَمرَه! قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنه: «أُنزِلَ القُرآنُ لِيَعمَلُوا بِه، فَاتَّخَذُوا دِرَاسَتَهُ عَمَلًا؛ إِنَّ أَحَدَكُم لَيَقرَأُ القُرآنَ مِن فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يُسقِطُ مِنهُ حَرفًا وَقَد أَسقَطَ العَمَلَ بِه!». وَكَانَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم إِذَا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَشرَ آيَاتٍ لَم يَتَجَاوَزُوهَا إِلَى غَيرِهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنَ العِلمِ وَالعَمَل؛ قَالُوا: «فَتَعَلَّمنَا القُرآنَ وَالعِلمَ وَالعَمَلَ جَمِيعًا»! النَّوعُ الرَّابِعُ وَالخَامِسُ: هَجرُ التَّحَاكُمِ إِلَيهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِه، وَهَجرُ الِاستِشفَاءِ بِهِ فِي أَمرَاضِ القُلُوبِ وَالأَبدَان! فَمَنِ التَمَسَ الهُدَى فِي غَيرِ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَضَلَّهُ الله، وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكرِ اللهِ وَشَرِيعَتِهِ ضَاقَت عَلَيهِ دُنيَاهُ وَآخِرَتُه، كَمَا أَعلَنَ اللهُ تَعَالَى قَانُونَهُ الَّذِي لَا يَتَبَدَّلُ فِي سُورَةِ طه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٤]! انظُرُوا يَا عِبَادَ اللهِ كَيفَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَعِيشُونَ مَعَ القُرآنِ عِيشَةَ المُحِبِّ الوَالِهِ الَّذِي لَا يَصبِرُ عَن كَلَامِ مَحبُوبِه: كَانَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُول: «لَو طَهُرَت قُلُوبُكُم مَا شَبِعتُم مِن كَلَامِ رَبِّكُم، وَإِنِّي لَأَكرَهُ أَن يَأتِيَ عَلَيَّ يَومٌ لَا أَنظُرُ فِيهِ فِي المُصحَفِ»، حَتَّى استُشهِدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَالمُصحَفُ مَفتُوحٌ بَينَ يَدَيهِ فَسَقَطَت أَوَّلُ قَطرَةٍ مِن دَمِهِ الطَّاهِرِ عَلَى قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]! وَكَانَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُول: «مَن أَحَبَّ أَن يَعلَمَ أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ فَلْيَنظُر: فَإِن كَانَ يُحِبُّ القُرآنَ فَهُوَ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَه!». وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِل: يَا هَاجِرًا لِكِتَابِ اللهِ فِي غَسَقٍ ... هَلَّا رَجَعتَ إِلَى نُورِ الهُدَى السَّامِي فِيهِ الشِّفَاءُ لِقَلبٍ بَاتَ مُنكَسِرًا ... وَفِيهِ مَنهَلُ أَروَاحٍ وَأَفْهَامِ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيه، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيه، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُه، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهَديِهِ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: إِنَّ لِهَجرِ القُرآنِ الكَرِيمِ عَوَاقِبَ وَخِيمَةً فِي الدُّنيَا قَبلَ الآخِرَة؛ فَمَا قَسَتِ القُلُوب، وَلَا جَفَّتِ المَدَامِع، وَلَا انتَشَرَ القَلَقُ وَالضِّيقُ وَالاكتِئَابُ فِي الصُّدُور، وَلَا تَسَلَّطَتِ الشَّيَاطِينُ وَالأَعدَاءُ عَلَى الأُمَّة، إِلَّا يَومَ هَجَرَ النَّاسُ كِتَابَ رَبِّهِم، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]! وَقَد ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ اللهَ يَرفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»! فَالأُمَّةُ وَالأَفرَادُ يَرتَفِعُونَ بِقَدرِ تَمَسُّكِهِم بِالقُرآن، وَيَهبِطُونَ وَيَذِلُّونَ بِقَدرِ هَجرِهِم لَه! أَمَّا مَن صَاحَبَ القُرآنَ فِي دُنيَاهُ تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا، فَأَبشِرْ ثُمَّ أَبشِرْ بِمَا يَنتَظِرُكَ مِنَ الكَرَامَةِ عِندَ المَوتِ وَفِي القَبرِ وَيَومَ القِيَامَة: حِينَ يَتَخَلَّى عَنكَ الأَهلُ وَالمَالُ وَالأَصحَاب، يَأتِي القُرآنُ لِيُحَامِيَ عَنكَ وَيَشفَعَ لَكَ عِندَ رَبِّ الأَربَاب؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «اقرَؤُوا القُرآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصحَابِهِ»! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «يُقَالُ لِصَاحِبِ القُرآنِ: اقرَأ وَارتَقِ وَرَتِّل كَمَا كُنتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنيَا، فَإِنَّ مَنزِلَتَكَ عِندَ آخِرِ آيَةٍ تَقرَؤُهَا»! تَأَمَّلُوا قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «يُقَالُ لِصَاحِبِ القُرآنِ»؛ لَم يَقُل لِمُجَرَّدِ القَارِئِ العَابِر، بَل قَالَ «لِصَاحِبِ القُرآنِ» أَيِ المُلَازِمِ لَهُ تِلَاوَةً وَحِفظًا وَعَمَلًا كَمَا يُلَازِمُ الصَّاحِبُ صَاحِبَه! فَتَعَالَوا بِنَا يَا عِبَادَ اللهِ نَخرُجْ مِن صَلَاةِ الجُمُعَةِ اليَومَ بِأَربَعِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ نَكسِرُ بِهَا جِدَارَ الهَجرِ وَنُجدِّدُ بِهَا العَهدَ مَعَ كِتَابِ الله: الوَصِيَّةُ الأُولَى: اجعَل لِنَفسِكَ وِردًا يَومِيًّا ثَابِتًا مِنَ المُصحَفِ الشَّرِيفِ لَا تَتَنَازَلُ عَنهُ مَهمَا كَانَت مَشَاغِلُك؛ جُزءًا كُلَّ يَومٍ لِتَختِمَ فِي الشَّهرِ مَرَّة، أَو حِزبًا، أَو عَلَى الأَقَلِّ صَفَحَاتٍ مَعدُودَةً عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ مَفرُوضَة؛ وَاجعَلْ وِردَكَ مِنَ المُصحَفِ أَسبَقَ كُلَّ يَومٍ مِن فَتْحِ هَاتِفِكَ وَتَصَفُّحِ رَسَائِلِك! الوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: اقرَأْ قِرَاءَةَ المُتَدَبِّرِ المُتَفَهِّم، وَاجعَل فِي بَيتِكَ تَفسِيرًا مُختَصَرًا مُيَسَّرًا تَرجِعُ إِلَيهِ إِذَا أَشكَلَت عَلَيكَ كَلِمَةٌ أَو آيَة، وَاسأَلْ نَفسَكَ عِندَ كُلِّ آيَة: «مَاذَا يُرِيدُ اللهُ مِنِّي فِي هَذِهِ الآيَة؟». الوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: أَحيُوا بُيُوتَكُم بِتِلَاوَةِ القُرآن، وَادفَعُوا بِأَولَادِكُم وَبَنَاتِكُم إِلَى حَلَقَاتِ تَحفِيظِ القُرآنِ فِي المَسَاجِد؛ فَإِنَّ البَيتَ الَّذِي يُتلَى فِيهِ القُرآنُ يَتَّسِعُ عَلَى أَهلِه، وَتَحضُرُهُ المَلَائِكَة، وَتَهجُرُهُ الشَّيَاطِين، وَيَكثُرُ خَيرُه! الوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: تَرجِمُوا آيَاتِ القُرآنِ إِلَى أَخلَاقٍ وَمُعَامَلَاتٍ صَادِقَةٍ فِي أَسوَاقِكُم وَبُيُوتِكُم، لِنَكُونَ بِحَقٍّ مِن أَهلِ القُرآنِ الَّذِينَ هُم أَهلُ اللهِ وَخَاصَّتُه! ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى مَن أُنزِلَ عَلَيهِ الفُرقَانُ هُدًى وَرَحمَةً لِلعَالَمِين، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُمُ الكَرِيمُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّين؛ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجِلَاءَ أَحزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا وَغُمُومِنَا، وَسَائِقَنَا وَدَلِيلَنَا إِلَيكَ وَإِلَى جَنَّاتِكَ جَنَّاتِ النَّعِيم! اللَّهُمَّ نَعُوذُ بِكَ مِن هَجرِ القُرآنِ وَالجَفَاءِ عَنه، وَاجعَلنَا مِمَّن يَقرَؤُهُ فَيَرقَى، وَلَا تَجعَلنَا مِمَّن يَقرَؤُهُ فَيَشقَى! اللَّهُمَّ ذَكِّرنَا مِنهُ مَا نَسِينَا، وَعَلِّمنَا مِنهُ مَا جَهِلنَا، وَارزُقنَا تِلَاوَتَهُ وَتَدَبُّرَهُ وَالعَمَلَ بِهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَأَطرَافَ النَّهَارِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يُرضِيكَ عَنَّا، وَاجعَلهُ حُجَّةً لَنَا لَا حُجَّةً عَلَينَا يَا رَبَّ العَالَمِين! اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِين، وَرُدَّ المُسلِمِينَ إِلَى كِتَابِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَدًّا جَمِيلًا، وَاحفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.