لِأَنَّهُ اللهُ نُحِبُّهُ وَنُعَظِّمُهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ إِيمَانِيَّةٌ عَن جَمَالِ اللهِ وَجَلَالِهِ وَاجتِمَاعِ المَحَبَّةِ وَالتَّعظِيمِ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ
الحَمدُ للهِ ذِي الجَلَالِ وَالإِكرَام، وَذِي الطَّولِ وَالآلَاءِ وَالإِنعَام، المَلِكِ الحَقِّ المُبِينِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالجَمَالِ المُطلَقِ فَاستَحَقَّ مِنَ القُلُوبِ غَايَةَ الحُبِّ وَالهَيَام، وَتَوَحَّدَ بِالجَلَالِ وَالكِبرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ فَخَضَعَت لِهَيبَتِهِ الرِّقَابُ وَعَنَت لِقيُّومِيَّتِهِ الوُجُوهُ وَالأَجرَام، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ المُحِبِّينَ المُعَظِّمِينَ لِأَسمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَنَشكُرُهُ شُكرَ الخَاضِعِينَ لِسُلطَانِهِ المَغمُورِينَ بِفَيضِ رَحَمَاتِهِ، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعَرَّفَ إِلَى عِبَادِهِ بِأَسمَاءِ جَمَالِهِ وَعَظَمَةِ جَلَالِهِ فِي سُورَةِ الحَشرِ فَقَالَ وَقَولُهُ الحَقُّ المُبِين: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَعرَفُ الخَلقِ بِرَبِّهِ، وَأَعظَمُهُم لَهُ مَحَبَّةً وَتَوقِيرًا وَخَشيَةً وَإِجلَالًا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِين، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ ثَمَرَةُ مَعرِفَتِهِ، وَبرهَانُ مَحَبَّتِهِ، وَدَلِيلُ تَعظِيمِهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَن؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُون: إِنَّ فِي صَدرِ كُلِّ إِنسَانٍ فَجْوَةً لَا يَسُدُّهَا المَالُ وَلَا الجَاهُ، وَفِي رُوحِهِ ظَمَأً لَا تُروِيهِ شَهَوَاتُ الدُّنيَا وَلَا مَلَذَّاتُهَا، وَفِي قَلبِهِ وَحشَةً وَاضطِرَابًا لَا يَسكُنُ وَلَا يَطمَئِنُّ إِلَّا حِينَ يَعرِفُ رَبَّهُ وَخَالِقَهُ وَمَولَاه، فَيُقبِلُ عَلَيهِ طَائِرًا بِجَنَاحَينِ عَظِيمَينِ هُمَا رُوحُ التَّوحِيدِ وَسِرُّ العُبُودِيَّةِ: جَنَاحُ «الحُبِّ الصَّادِقِ»، وَجَنَاحُ «التَّعظِيمِ الخَاشِعِ»!
نَعَم عِبَادَ اللهِ، إِنَّ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ وَجَوهَرَ الإِسلَامِ يَتَلَخَّصَانِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَهتَزُّ لَهَا أَوتَارُ القُلُوبِ الحَيَّةِ: «لِأَنَّهُ اللهُ.. نُحِبُّهُ وَنُعَظِّمُهُ»!
فَالعِبَادَةُ فِي شَرعِ اللهِ لَيسَت حَرَكَاتٍ جَسَدِيَّةً جَوفَاءَ بِلَا رُوحٍ، وَلَا هِيَ مَحَبَّةٌ بَارِدَةٌ خَالِيَةٌ مِنَ الهَيبَةِ وَالوَقَارِ وَالطَّاعَةِ، وَلَا هِيَ خَوفٌ جَافٌّ مَقطُوعٌ عَنِ الأُنسِ وَالرَّجَاء؛ بَلِ العِبَادَةُ - كَمَا قَرَّرَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وَتِلمِيذُهُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ - هِيَ: «كَمالُ الحُبِّ مَعَ كَمَالِ الذُّلِّ وَالتَّعظِيمِ للهِ رَبِّ العَالَمِين»!
وَلِهَذَا خَتَمَ اللهُ سُورَةَ الرَّحمَنِ - الَّتِي عَدَّدَ فِيهَا آيَاتِ عَظَمَتِهِ وَسَوَابِغَ نِعَمِهِ - بِهَذَينِ الوَصفَينِ الجَلِيلَينِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾؛ فَـ«ذُو الجَلَالِ» أَي ذُو العَظَمَةِ وَالكِبرِيَاءِ الَّذِي يُعَظَّمُ وَيُهَابُ وَيُخشَى، وَ«ذُو الإِكرَامِ» أَي ذُو الفَضلِ وَالجُودِ وَالإِحسَانِ الَّذِي يُحَبُّ وَيُرجَى وَيُشكَر!
فَلِمَاذَا نُحِبُّ اللهَ هَذَا الحُبَّ الَّذِي يَغلِبُ كُلَّ حُبٍّ؟ وَلِمَاذَا نُعَظِّمُهُ هَذَا التَّعظِيمَ الَّذِي يَملَأُ الجَوَارِحَ وَالقُلُوب؟ وَكَيفَ نُتَرجِمُ هَذَا الحُبَّ وَالتَّعظِيمَ فِي وَاقِعِ حَيَاتِنَا؟
عِبَادَ اللهِ: أَمَّا الجَنَاحُ الأَوَّلُ فَهُوَ: «لِأَنَّهُ اللهُ.. نُحِبُّهُ!»
نُحِبُّهُ حُبًّا يَجرِي فِي العُرُوقِ مَجرَى الدِّمَاء، حُبًّا يَفُوقُ حُبَّ الأَولَادِ وَالأَموَالِ وَالأَهلِ وَالأَوطَانِ وَالنَّفسِ الَّتِي بَينَ الجَنبَين؛ كَمَا وَصَفَ اللهُ عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾!
فَاسأَلْ قَلبَكَ أَيُّهَا المُؤمِنُ: لِمَاذَا نُحِبُّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ؟
أَوَّلًا: نُحِبُّهُ لِأَنَّهُ اللهُ الخَالِقُ المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ الوَدُودُ!
مَنِ الَّذِي أَوجَدَكَ مِنَ العَدَمِ وَلَم تَكُن شَيئًا مَذكُورًا؟ مَنِ الَّذِي رَعَاكَ فِي ظُلُمَاتِ الأَرحَامِ جَنِينًا ضَعِيفًا لَا تَملِكُ لِنَفسِكَ ضَرًّا وَلَا نَفعًا؟ مَنِ الَّذِي شَقَّ لَكَ سَمعَكَ وَبَصَرَكَ، وَأَنطَقَ لِسَانَكَ، وَأَجرَى النَّفَسَ فِي رِئَتَيكَ، وَأَسْكَنَ النَّبضَ فِي فُؤَادِكَ؟ إِنَّهُ الله!
تَتَوَالَى عَلَيكَ نِعَمُهُ مَعَ كُلِّ طَرفَةِ عَينٍ وَخَفقَةِ قَلبٍ؛ خَيرُهُ إِلَيكَ نَازِلٌ، وَتَقصِيرُكَ إِلَيهِ صَاعِدٌ، يَتَوَدَّدُ إِلَيكَ بِالنِّعَمِ وَهُوَ الغَنِيُّ عَنكَ، وَتَتَبَغَّضُ إِلَيهِ بِالمَعَاصِي وَأَنتَ الفَقِيرُ إِلَيهِ! أَلَم تَسمَعْ قَولَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحلِ: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾؟! فَالنُّفُوسُ مَجبُولَةٌ عَلَى حُبِّ مَن أَحسَنَ إِلَيهَا، وَلا مُحسِنَ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلَّا اللهُ جَلَّ جَلَالُه!
وَثَانِيًا: نُحِبُّهُ لِأَنَّهُ اللهُ الأَرحَمُ بِنَا مِن أُمَّهَاتِنَا وَآبَائِنَا وَأَنفُسِنَا!
تَأَمَّلُوا هَذَا المَشهَدَ النَّبَوِيَّ الَّذِي يَستَدرُّ الدُّمُوعَ مِنَ المَآقِي؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سَبيٌ، فَإِذَا امرَأَةٌ مِنَ السَّبيِ قَد تَحَلَّبَ ثَديُهَا تَسعَى؛ إِذْ وَجَدَت صَبِيًّا فِي السَّبيِ أَخَذَتهُ فَأَلصَقَتهُ بِبَطنِهَا وَأَرضَعَتهُ! فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَتَرَونَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قُلنَا: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَهِيَ تَقدِرُ عَلَى أَن لَا تَطرَحَهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَلَّهُ أَرحَمُ بِعِبَادِهِ مِن هَذِهِ بِوَلَدِهَا»!
يَا الله! أَبَعدَ هَذِهِ الرَّحمَةِ الوَاسِعَةِ الَّتِي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ لَا يَذُوبُ القَلبُ مَحَبَّةً وَشَوقًا للهِ؟!
وَثَالِثًا: نُحِبُّهُ لِأَنَّهُ اللهُ السِّتِّيرُ الحَلِيمُ التَّوَّابُ، الَّذِي يَستُرُ القَبِيحَ، وَيُظهِرُ الجَمِيلَ، وَيَفرَحُ بِتَوبَةِ عَبدِهِ إِذَا عَادَ إِلَيهِ!
اُنظُرْ إِلَى حَالِكَ مَعَ البَشَرِ، وَحَالِكَ مَعَ رَبِّ البَشَرِ: المَخلُوقُ إِذَا أَخطَأتَ فِي حَقِّهِ مَرَّةً غَضِبَ عَلَيكَ وَهَجَرَكَ وَفَضَحَ سِرَّكَ، وَإِذَا سَأَلتَهُ مَرَّةً أَو مَرَّتَينِ مَلَّكَ وَأَغلَقَ بَابَهُ دُونَكَ!
أَمَّا اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ، فَتَعصِيهِ فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ وَهُوَ يَرَاكَ، فَيَستُرُكَ وَلَا يَفضَحُكَ، وَيُطعِمُكَ وَلَا يَحرِمُكَ، وَيُمهِلُكَ وَلَا يُعَاجِلُكَ بِالعُقُوبَةِ، ثُمَّ يَنزِلُ كُلَّ لَيلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا حِينَ يَبقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَيُنَادِي عِبَادَهُ بِنِدَاءِ الكَرَمِ وَالحَنَان: «مَن يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟ مَن يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ؟»!
بَل إِذَا رَفَعتَ يَدَيكَ إِلَيهِ تَائِبًا مُنكَسِرًا بَعدَ طُولِ شُرُودٍ، فَرِحَ اللهُ بِتَوبَتِكَ أَشدَّ مِن فَرَحِ الفَاقِدِ بِرَاحِلَتِهِ فِي الفَلَاةِ المَهلَكَةِ، وَلَم يَكتَفِ بِمَحوِ سَيِّئَاتِكَ فَحَسب، بَل قَلَبَ سَيِّئَاتِكَ الماضِيَةَ كُلَّهَا إِلَى حَسَنَاتٍ كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الفُرقَان: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾!
وَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيمَا يَروِيهِ عَن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِن ذَكَرَنِي فِي نَفسِهِ ذَكَرتُهُ فِي نَفسِي، وَإِن ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرتُهُ فِي مَلَإٍ خَيرٍ مِنهُم، وَإِن تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبرًا تَقَرَّبتُ إِلَيهِ ذِرَاعًا، وَإِن تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبتُ إِلَيهِ بَاعًا، وَإِن أَتَانِي يَمشِي أَتَيتُهُ هَروَلَةً»!
وَلِذَلِكَ ذَاقَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم حَلَاوَةَ مَحَبَّةِ اللهِ حَتَّى مَلَأَت شَغَافَ قُلُوبِهِم؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنصَارِ كَانَ يَؤُمُّ أَصحَابَهُ فِي مَسجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افتَتَحَ سُورَةً يَقرَأُ بِهَا لَهُم فِي الصَّلَاةِ افتَتَحَ بِـ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حَتَّى يَفرُغَ مِنهَا، ثُمَّ يَقرَأُ سُورَةً أُخرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكعَةٍ! فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَا فُلَانُ، مَا يَحمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكعَةٍ؟»، فَقَالَ الرَّجُلُ بِقَلبٍ يَفِيضُ حُبًّا لِرَبِّهِ: «إِنِّي أُحِبُّهَا يَا رَسُولَ اللهِ؛ لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَن أَقرَأَ بِهَا!» فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدخَلَكَ الجَنَّةَ»، وَفِي الرِّوَايَةِ الأُخرَى: «أَخبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ»!
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَن يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَن يُحِبَّ المَرءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَن يَكرَهَ أَن يَعُودَ فِي الكُفرِ كَمَا يَكرَهُ أَن يُقذَفَ فِي النَّارِ».
إِخوَةَ الإِيمَان: وَأَمَّا الجَنَاحُ الثَّانِي الَّذِي لَا يَستَقِيمُ حُبُّ اللهِ إِلَّا بِهِ فَهُوَ: «لِأَنَّهُ اللهُ.. نُعَظِّمُهُ!»
فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ قَد يَدَّعِي مَحَبَّةَ اللهِ بِلِسَانِهِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا خَلَا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكَهَا، وَإِذَا سَمِعَ أَمرَ اللهِ تَهَاوَنَ بِهِ؛ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِضَعفِ تَعظِيمِ اللهِ وَتَوقِيرِهِ فِي قَلبِهِ؛ كَمَا عَاتَبَ اللهُ الخَلقَ فِي سُورَةِ نُوحٍ فَقَالَ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾؛ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَي مَا لَكُم لَا تُعَظِّمُونَ اللهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ، وَلَا تَعرِفُونَ للهِ حَقَّ قَدرِهِ؟!
فَاسأَلْ نَفسَكَ أَيُّهَا العَبدُ الضَّعِيفُ: مَن هُوَ اللهُ الَّذِي نُعَظِّمُهُ وَنَخشَاهُ؟
إِنَّهُ اللهُ العَظِيمُ الجَبَّارُ القَهَّارُ، الَّذِي خَضَعَت لِعَظَمَتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبعُ وَالأَرَضُونَ السَّبعُ وَمَن فِيهِنَّ؛ تَأَمَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ العظِيمَةَ فِي خِتَامِ سُورَةِ الزُّمَرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾!
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: جَاءَ حَبرٌ مِنَ الأَحبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلَائِقِ عَلَى إِصبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ! فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ تَصدِيقًا لِقَولِ الحَبرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾!
وَصحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبعَ وَالأَرَضِينَ السَّبعَ بِالنِّسبَةِ إِلَى كُرسِيِّ الرَّحمَنِ مَا هُنَّ إِلَّا كَحَلقَةٍ مَلقَاةٍ فِي أَرضٍ فَلَاةٍ، وَإِنَّ فَضلَ العَرشِ عَلَى الكُرسِيِّ كَفَضلِ تِلكَ الفَلَاةِ عَلَى تِلكَ الحَلقَةِ، وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَوقَ عَرشِهِ لَا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِن أَعمَالِكُم!
نُعَظِّمُهُ لِأَنَّهُ اللهُ القَيُّومُ الَّذِي لَا يَغفُلُ وَلَا يَنَامُ؛ فَقَد أَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِخَمسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنبَغِي لَهُ أَن يَنَامَ، يَخفِضُ القِسطَ وَيَرفَعُهُ، يُرفَعُ إِلَيهِ عَمَلُ اللَّيلِ قَبلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبلَ عَمَلِ اللَّيلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَو كَشَفَهُ لَأَحرَقَت سُبُحَاتُ وَجهِهِ مَا انتَهَى إِلَيهِ بَصَرُهُ مِن خَلقِهِ»!
وَنُعَظِّمُهُ لِأَنَّهُ اللهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ الَّذِي يَسمَعُ دَبِيبَ النَّملَةِ السَّودَاءِ عَلَى الصَّخرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيلَةِ الظَّلمَاءِ، وَيَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ؛ كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَنعَامِ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾!
وَانظُرُوا كَيفَ كَانَ تَعظِيمُ اللهِ فِي قَلبِ سَيِّدِ الخَلقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابِهِ الكِرَام؛ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ سُمِعَ لِصَدرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرجَلِ - أَي غَلَيَانِ القِدرِ - مِنَ البُكَاءِ وَالخَشيَةِ وَالتَّعظِيمِ لِرَبِّهِ! وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيمًا أَو رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجهِهِ، فَيُقبِلُ وَيُدبِرُ خَوفًا مِن عَذَابِ اللهِ وَإِجلَالًا لِسُلطَانِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا!
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَزِنُونَ الذُّنُوبَ بِمِيزَانِ عَظَمَةِ الخَالِقِ لَا بِحَجمِ الذَّنبِ فِي عَينِ المَخلُوق؛ قَالَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «إِنَّكُم لَتَعمَلُونَ أَعمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعيُنِكُم مِنَ الشَّعَرِ، إِن كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِنَ المُوبِقَاتِ»! وَقَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ بِلَالُ بنُ سَعدٍ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ: «لَا تَنظُرْ إِلَى صِغَرِ الخَطِيئَةِ، وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَن عَصَيتَ»!
وَانظُرُوا كَيفَ رَفَعَ اللهُ شَأنَ الإِمَامِ الزَّاهِدِ بِشرِ بنِ الحَارِثِ الحَافِي رَحِمَهُ اللهُ بِسَبَبِ تَعظِيمِهِ لِاسمِ اللهِ؛ فَقَد ذَكَرَ أَهلُ السِّيَرِ أَنَّ سَبَبَ تَوبَتِهِ وَإِقبَالِهِ عَلَى اللهِ أَنَّهُ وَجَدَ فِي الطَّرِيقِ رُقعَةً فِيهَا «اسمُ اللهِ» مَطرُوحَةً عَلَى الأَرضِ قَد وَطِئَتهَا الأَقدَامُ، فَرَفَعَهَا وَمَسَحَهَا، وَاشترَى بِدِرهَمٍ كَانَ مَعَهُ عِطرًا وَمِسكًا فَطَيَّبَ بِهِ الرُّقعَةَ وَوَضَعَهَا فِي مَكَانٍ رَفِيعٍ تَعظِيمًا لِاسمِ اللهِ! فَنُودِيَ فِي مَنَامِهِ تِلكَ اللَّيلَةَ: «يَا بِشرُ بنَ الحَارِثِ، رَفَعتَ اسمَنَا عَنِ الطَّرِيقِ وَطَيَّبتَهُ، لَأَرفَعَنَّ ذِكرَكَ وَلَأُطَيِّبَنَّ اسمَكَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ»، فَصَارَ إِمَامًا يُقتَدَى بِهِ فِي الآفَاق!
بارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ الَّذِي امْتَحَنَ قُلُوبَ عِبَادِهِ بِالاتِّبَاعِ وَتَعظِيمِ الشَّعَائِرِ وَالحُرُمَات، وَجَعَلَ صِدقَ المَحَبَّةِ وَالتَّعظِيمِ مِرقَاةً إِلَى رَفِيعِ الدَّرَجَاتِ وَسَكِينَةِ الحَيَاةِ وَالمَمَات، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ رَبُّ الأَرضِ وَالسَّمَاوَات، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ السَّادَاتِ الثِّقَات.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: إِنَّ قَولَنَا «لِأَنَّهُ اللهُ نُحِبُّهُ وَنُعَظِّمُهُ» لَيسَ دَعوَى تُقَالُ بِاللِّسَانِ دُونَ بُرهَانٍ مِنَ الجَنَانِ وَالأَركَان!
لَقَد ادَّعَى أَقوَامٌ أَنَّهُم يُحِبُّونَ اللهَ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى آيَةَ الِاختِبَارِ وَالِامتِحَانِ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾! قَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «زَعَمَ قَومٌ أَنَّهُم يُحِبُّونَ اللهَ، فَابتَلَاهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ»! فَلَيسَ الشَّأنُ أَن تُحِبَّ فَحَسب، بَلِ الشَّأنُ الأَعظَمُ أَن يُحِبَّكَ اللهُ؛ وَلَا تَنَالُ مَحَبَّةَ اللهِ إِلَّا بِاتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَتَعظِيمِ شَرعِهِ!
وَمِن هُنَا عِبَادَ اللهِ، فَهَذِهِ خَمسُ عَلَامَاتٍ وَوَصَايَا عَمَلِيَّةٍ نَصدُقُ بِهَا فِي شِعَارِنَا «لِأَنَّهُ اللهُ نُحِبُّهُ وَنُعَظِّمُهُ»:
أَوَّلًا: تَعظِيمُ أَمرِ اللهِ وَنَهيِهِ، وَتَقدِيمُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ عَلَى مَا تَهوَاهُ النُّفُوسُ:
فَإِذَا تَعَارَضَ أَمرُ اللهِ مَعَ شَهوَتِكَ أَو مَصلَحَتِكَ أَو عَادَةِ النَّاسِ، قَدَّمتَ أَمرَ اللهِ فَوْرًا وَقُلتَ بِلِسَانِ الحَالِ وَالمَقَالِ: «تَرَكتُ هَذَا لِأَنَّهُ اللهُ!»؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾.
ثَانِيًا: تَعظِيمُ شَعَائِرِ اللهِ؛ وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الصَّلَاةُ وَالقُرآنُ وَالمَسَاجِدُ:
فَمَن أَحَبَّ اللهَ وَعَظَّمَهُ أَقبَلَ عَلَى الصَّلَاةِ بِخُشُوعٍ وَحُضُورِ قَلبٍ، وَتَأَدَّبَ مَعَ كَلَامِ اللهِ تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
ثَالِثًا: التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ بِالفَرَائِضِ ثُمَّ الِاستِكثَارُ مِنَ النَّوَافِلِ:
فَبِذَلِكَ يَرتَقِي العَبدُ إِلَى مَنزِلَةِ المَحبوبيَّةِ العُظمَى؛ كَمَا فِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ العَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَن عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَد آذَنتُهُ بِالحَربِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبتُهُ كُنتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبطِشُ بِهَا، وَرِجلَهُ الَّتِي يَمشِي بِهَا، وَإِن سَأَلَنِي لَأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ استَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»!
رَابِعًا: مُرَاقَبَةُ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ وَالحَيَاءُ مِن نَظَرِهِ عِندَ غِيَابِ أَعيُنِ الرُّقَبَاءِ:
فَإِذَا خَلَوتَ بِنَفسِكَ أَو مَعَ هَاتِفِكَ فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ وَدَعَتكَ النَّفسُ إِلَى نَظرَةٍ مُحَرَّمَةٍ أَو مَعصِيَةٍ خَفِيَّةٍ، فَتَذَكَّرْ عَظَمَةَ اللهِ وَقُلْ لِنَفسِكَ: لَا أَجعَلُ اللهَ أَهوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيَّ!
خَامِسًا: إِدمَانُ ذِكرِ اللهِ وَتَدَبُّرُ أَسمَائِهِ الحُسنَى وَغَرسُ حُبِّهِ وَتَعظِيمِهِ فِي قُلُوبِ أَبنَائِنَا:
حَتَّى يَنشَأَ الجِيلُ وَهُوَ يَترُكُ الحَرَامَ وَيَفعَلُ الوَاجِبَ لَا خَوفًا مِن عَصَا الرَّقِيبِ، بَل حُبًّا وَتَعظِيمًا لِلسَّمِيعِ القَرِيب!
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ نَطَقَ بِلِسَانِ المَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ وَالانقِيَادِ لِرَبِّ العَالَمِين:
تَعصِي الإِلَهَ وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا مَحَالٌ فِي القِيَاسِ بَدِيعُ
لَو كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعتَهُ ... إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ
فِي كُلِّ يَومٍ يَبتَدِيكَ بِنِعمَةٍ ... مِنهُ وَأَنتَ لِشُكرِ ذَاكَ مُضِيعُ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالهُدَى، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ فِي سُورَةِ الأَحزَاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَن يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنَا حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَينَا مِن أَنفُسِنَا وَأَهلِينَا وَأَموَالِنَا وَمِنَ المَاءِ البَارِدِ عَلَى الظَّمَإِ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَام.
اللَّهُمَّ املَأْ قُلُوبَنَا بِمَعرِفَتِكَ وَمَحَبَّتِكَ وَتَعظِيمِكَ وَهَيبَتِكَ، وَاجعَلنَا مِمَّن يُعَظِّمُ شَعَائِرَكَ وَيَقِفُ عِندَ حُدُودِكَ وَحُرُمَاتِكَ فِي السِّرِّ وَالعَلَن، وَارزُقنَا لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجهِكَ الكَرِيمِ وَالشَّوقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتنَةٍ مُضِلَّة.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَاحفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَمَكرُوهٍ، وَفرِّجْ كَربَ المَكرُوبِينَ، وَاغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ الأَحيَاءِ مِنهُم وَالمَيِّتِين.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
لِأَنَّهُ اللهُ نُحِبُّهُ وَنُعَظِّمُهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ إِيمَانِيَّةٌ عَن جَمَالِ اللهِ وَجَلَالِهِ وَاجتِمَاعِ المَحَبَّةِ وَالتَّعظِيمِ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.