من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

ما بعد الصلاة: ذكر حاضر بدل الانصراف الغافل

مشاركة
🕌 ما بعد الصلاة: ذكر حاضر بدل الانصراف الغافل #خطبة_جمعة #الصلاة #ذكر_الله #الخشوع #العبادة #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الصَّلاةَ راحَةً للمُؤمنين، ومَفزَعًا للمُتَّقين، وعِصمَةً للذَّاكِرين. الحمدُ لله الذي شَرَعَ لِعبادِهِ بعدَ أداءِ الفَرائضِ أذكارًا تَجبُرُ كَسرَها، وتُكَمِّلُ نَقصَها، وتَرفَعُ في الجنَّةِ قَدرَها. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ ذِكرَهُ حياةً للقُلوب، ومَغفرةً للذُّنوب، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أخشَى النَّاسِ للهِ وأكثَرُهُم له ذِكرًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: أيها الإخوة الكرام، ثلاثُ دقائقَ فقط... ثلاثُ دقائقَ تَفصِلُ بين العبدِ وبين أن تُغفَرَ ذُنوبُه ولو كانت مِثلَ زَبَدِ البحر، أو أن يُضْمَنَ له دُخولُ الجنَّةِ فلا يَمنَعهُ منها إلا الموت! كنوزٌ مَنثورةٌ بين أيدينا خمسَ مرَّاتٍ في اليوم، غيرَ أنَّ كثيرًا منَّا يَركُضُ عنها رَكضَ المُوَلِّي، ويَترُكُها وراءَ ظَهرِه في عَجَلةٍ لا تَنتهي. ما هي هذه الدقائق؟ وماذا نَخسَرُ حين نُضَيِّعُها؟ ولماذا تَثقُلُ على قُلوبنا وتَخِفُّ على قُلوبِ الصَّالحين؟ جَوابٌ يَستَحِقُّ أن نَقِفَ عنده اليوم. عبادَ الله، تَخَيَّلوا معي مَشهَدًا يَتَكَرَّرُ في مساجدنا في كلِّ فَريضة: ما إن يَنطِقُ الإمامُ بالتَّسليم، ويَقول: "السلامُ عليكم ورحمةُ الله، السلامُ عليكم ورحمةُ الله"، حتى تَسمَعَ ضَجيجَ الحَرَكة، وتَرى الصُّفوفَ قد تَفَرَّقَت، والأجسادَ قد تَوثَّبَت، والأقدامَ قد تَسابَقَت إلى الأبواب، وكأنَّ قيدًا قد انْفَكَّ، أو سِجنًا قد فُتِح! إلى أين نَركُض؟ وما الذي يَنتَظِرُنا في الخارِج وأَعجَزَنا أن نَنتَظِرَ دقيقتَين أخريَين في ضيافةِ مَلِكِ المُلوك؟ هل سألتَ نفسَكَ يومًا: لماذا تَستَطيلُ الجلوسَ بعد الصلاة، بينما تَستَطيعُ الجلوسَ في مقهًى لساعات، أو أمام شاشةِ هاتفِكَ لأوقاتٍ طِوال دون أن تَشعُرَ بالمَلل؟ إنَّ الصلاةَ — يا عبادَ الله — ليست مُهِمَّةً ثَقيلةً نُسقِطُها عن كواهلنا لنَرتاحَ منها، بل هي لِقاءٌ مع الخالق، ومِعراجٌ للرُّوح. وذِكرُ اللهِ بَعدَها هو الخِتامُ المِسكُ لهذا اللِّقاء. يَقولُ ربُّنا تَباركَ وتعالى آمِرًا عبادَه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]. انظُروا إلى الأمر الرَّباني: المُؤمنُ لا يَنفَصِلُ عن ذِكرِ الله بمجرَّد خُروجه من حَرَمِ العبادة، بل يَتَّصِلُ ذِكرُ ما بعد الصلاةِ بصَلاته، ليَبقى قَلبُه مَوصولًا بالسَّماء. ولعلَّكم تَسألون: لماذا نَستَغفِرُ اللهَ أوَّلَ ما نُسَلِّم؟ أليسَتِ الصلاةُ طاعة؟ فلماذا الاستغفارُ الذي يكونُ عادةً بعد المَعاصي؟ تأمَّلوا هَديَ نَبيِّكم ﷺ، ففي الحديثِ الصحيحِ الذي رواهُ مُسلم، عن ثَوبان رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا...». سُئِلَ الإمامُ الأوزاعيُّ رحمه الله: كيفَ الاستغفار؟ قال: «تَقولُ: أستَغفِرُ الله، أستَغفِرُ الله». نَستَغفِرُ اللهَ يا إخوتي لأنَّنا نَعرِفُ خَلَلَ صَلواتنا! نَستَغفِرُهُ من سَهونا، من شُرودِ أذهاننا، من تَفكيرنا في الدُّنيا ونحنُ بَين يَدَي مَلِكِ الدُّنيا والآخرة. نَستَغفِرُهُ استغفارَ المُقَصِّرِ المُعتَرِفِ بأنَّ عِبادَتَهُ لا تَليقُ بجَلالِ المَعبود. قال شيخُ الإسلام ابنُ تَيميَّة رحمه الله: "الصَّلاةُ طُهرَةٌ للقَلب، والاستغفارُ بَعدَها يَجبُرُ ما كان فيها من نَقصٍ، ويَرُدُّ العَبدَ إلى مَقامِ الافتقارِ إلى الله". وهذا دَأبُ الصَّالحين، كما وَصَفَهم اللهُ في خَلواتهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18]. بَعدَ قيامِ اللَّيلِ المُضني، لا يُعجَبون بأعمالهم، بل يَختِمونها بالاستغفار. واسمَعوا لهذا الفَضلِ العظيمِ الذي نُضَيِّعُه في رَكضِنا وانصِرافنا السَّريع. روى الإمامُ مُسلمٌ في صَحيحِه أنَّ فُقَراءَ المُهاجرين جاؤوا إلى رسولِ الله ﷺ وقُلوبُهم تَحترقُ شَوقًا إلى مُنافسةِ الأغنياءِ في الأجر، فقالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ (أي أصحابُ الأموال) بِالْأُجُورِ! يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ!». تأمَّلوا حُزنَهم! لم يَحزَنوا لأنَّ الأغنياءَ يَأكلونَ أفضَلَ منهُم، بل حَزِنوا لأنَّ الأغنياءَ يَسبِقونَهم إلى الله بالصَّدقة! فماذا أعطاهمُ النَّبيُّ ﷺ ليُعوِّضَهم عن قناطير الذَّهبِ والفِضَّة؟ هل أعطاهُم مالًا؟ لا! بل أعطاهُم كلمات! قال ﷺ: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ؟... تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً». اللهُ أكبر! سُبحانَ اللهِ (33) مرَّة، والحمدُ للهِ (33) مرَّة، واللهُ أكبرُ (33) مرَّة، وتَختِمُ المِئةَ بـ: لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له المُلكُ وله الحَمد وهو على كلِّ شيء قدير. دقيقتانِ فقط، تَجعَلُكَ في مَصافِّ المُتَصَدِّقين بأموالهم، وتَمحو خَطاياكَ وإن كانت مِثلَ زَبَدِ البحر! أيُّ عاقلٍ — بِرَبِّكم — يَعلَمُ بهذا الكَنز، ثم يَقومُ مُسرِعًا لِيَلبَسَ حِذاءه ويُغادِرَ المسجد وكأنَّ نارًا تَشتَعلُ خَلفَه؟ قال الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمه الله في كلامٍ نَفيس: "إنَّ القلبَ لَيَصدَأُ كما يَصدَأُ النُّحاس، وجَلاؤُهُ بالاستغفارِ والذِّكر. فإن تَرَكَهُ صَدِئَ، وإن ذَكَرَهُ جَلا". والقلبُ الذي لا يَتَذَوَّقُ حَلاوةَ البقاءِ في المُصَلَّى للذِّكر، هو قلبٌ قَد غَلَبَ عليه صَدَأُ الدُّنيا، فيَحتاجُ إلى عِلاجٍ عاجل. يَقولُ الحقُّ تَبارَك وتَعالى مُحَذِّرًا: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36]. ومن أعظَمِ ما يُحافِظُ عليه المُؤمنُ بَعدَ صَلاته: آيةُ الكُرسي. وما أدراكَ ما آيةُ الكُرسي! أعظمُ آيةٍ في كِتابِ الله. قال الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ» (رواه النَّسائي وصَحَّحَه الألباني). تَوَقَّفوا هُنا لحظة... اقرَؤوا هذا الحديثَ بقُلوبكم لا بآذانكم. رسولُ الله ﷺ يُخبِرُكَ أنَّ الفاصلَ الوحيدَ بَينَكَ وبينَ الجنَّةِ — إذا قَرأتَ آيةَ الكُرسي بعد صلاتك — هو رُوحُكَ التي بين جَنبَيك. فإذا خَرَجَت، كُنتَ من أهلِ الجنَّة! آيةٌ تَقرَؤها في ثلاثين ثانية، تَجعَلُكَ من أهل الفِردوس. كيف نَسمَحُ لأقدامِنا أن تَخرُجَ من المَسجد قبل أن تَقرَأها ألسِنَتُنا؟ هل نحنُ مُستَغنونَ عن الجنَّة إلى هذا الحَدّ؟ دعونا نَنتَقِل الآنَ 1400 سَنةٍ إلى الأمام، لِنَنظُرَ في حالنا اليوم. بِمُجرَّد أن يُسَلِّمَ الإمام، ماذا يَحدُث؟ تَمُدُّ الأيدي إلى الجُيوب! يُخرِجُ الواحدُ منَّا هاتِفَه قَبلَ أن يُسَبِّحَ اللهَ تَسبيحةً واحدة. نَستَبدِلُ الخُشوعَ بتصفُّحِ رسائلَ لا تَسيلُ لها الدِّماء، ونَستَبدِلُ مَغفرةَ الذُّنوبِ بِمُتابعةِ أخبارٍ لا تُقَدِّمُ ولا تُؤَخِّر. الجِهازُ الصَّغيرُ في جيوبنا سَرَقَ منَّا أعظَمَ الجَوائز، وحَوَّلَ جُلوسَنا في المسجدِ من عِبادَةٍ إلى غَفلة. وقد نَسيَ الغافلُ المُتَعَجِّلُ أنَّه بِمُجرَّد أن يَنتَهي من صَلاته، ويَبقى في مَكانِه الذي صلَّى فيه يذكر الله، فإنَّه يَحظى بِمَجلِسٍ لا يُقَدَّرُ بثَمَن. قال النَّبيُّ ﷺ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» [متفق عليه]. تَخيَّل! ملائكةُ الرَّحمن، المَخلوقاتُ النُّورانيَّةُ المُطَهَّرَةُ التي لا تَعصي الله، تَتَفَرَّغُ لكَ أنت! تَقِفُ تَدعو لكَ باسمك: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه"، وأنتَ تَقطَعُ هذا الدُّعاءَ العظيمَ وتقومُ لتَركُضَ خَلفَ دُنيا لَن تَطير، ولَن تَأخُذَ منها إلا ما قُسِمَ لك! أيُّ حِرمانٍ أشدُّ من هذا؟ عبادَ الله، إنَّ العَلاقةَ باللَّهِ لا تُقاسُ بأداءِ الحَرَكاتِ الظَّاهرة فَحسب، بل تُقاسُ بتَعَلُّقِ القَلب. المُحِبُّ لا يَستَعجِلُ الفِراقَ، والمُشتاقُ لا يُسرِعُ الانصراف. خَطَواتُكَ البَطيئةُ وأنتَ تَخرُجُ من المَسجد، وَجُلوسُكَ الخاشِعُ وأنتَ تَعقِدُ التَّسبيحَ بأنامِلِك، هو إعلانٌ صامِتٌ منك للهِ تعالى أنَّكَ تُحِبُّ الجُلوسَ بَينَ يَدَيه. يقول ربُّنا جلَّ جَلاله في سورة الأحزاب: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]. ويقول سبحانه مبيِّناً أثر الذكر في زوال الهموم والخطايا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]. والذكرُ بعد الصلاةِ من أعظم الحسنات التي تُذْهِب سيئاتِ الغفلةِ المتراكمةِ في يومنا. ولقد أخذَ النَّبيُّ ﷺ يَومًا بِيَدِ مُعاذِ بن جبلٍ رضي الله عنه، وقال له كلمةً تُذيبُ القُلوب: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ». تَخَيَّلوا فَرحةَ مُعاذ بهذه الشَّهادة! ثم ماذا أوصاه بعد هذا الحب؟ هل أوصاهُ بكنوزِ كِسرى وقَيصَر؟ قال له: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (رواه أبو داود). نَعم، أَعِنِّي! لأنَّ الذِّكرَ تَوفيقٌ من الله. فمَن لم يُعِنهُ اللهُ على ذِكرِه، لُجِمَ لسانُه، وشُغِلَ قَلبُه، وطاشَ عقلُه في أوديَةِ الدُّنيا. فيا مَن تَستَثقِلُ الجُلوسَ لدقائقَ بعد صلاتك، وتَظُنُّ أنَّ وقتَكَ أثمنُ من أن يُصرَفَ في التَّسبيح... إنَّ الحياةَ كُلَّها تَركُض، والعُمرَ كُلَّه يَنفَد، ولن يَبقى لك في قَبرك إلا هذه التَّسبيحات، وهذه الخَلَوات. ﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39]، واجعَل نَصيبَكَ من قَولِ الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] مَلموسًا في حَياتك. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه وتوبوا إليه، إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَجزِي الذَّاكرينَ أوفى الجَزاء، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أكرَمُ مَن صَلَّى وسَبَّحَ وذَكَرَ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تسليماً. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبتنا الأولى عن كَنزِ الدَّقائقِ التي تَعقُبُ الصَّلوات، وكيف أنَّنا نُضَيِّعُ مَغفرةَ الذُّنوبِ واستغفارَ الملائكةِ وضَمانَ الجنَّةِ من أجلِ عَجَلَةٍ لا بَرَكةَ فيها، ورَكضٍ خَلفَ دُنيا لا تَنقَضي أشغالُها. والآن، كَيفَ نُحَوِّلُ هذا الكلامَ إلى واقعٍ نَعيشُه بَدءًا من صَلاةِ هذه الجُمعة؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): انْوِ وأنتَ ذاهِبٌ إلى المسجد أنَّكَ لن تَنصَرِفَ بِمُجرَّد التَّسليم. وَطِّن قَلبَكَ على أنَّ الجُلوسَ لِثَلاثِ دَقائقَ بَعد الصَّلاةِ هو جُزءٌ من عَهدِكَ مع الله، وسَتَرى كيفَ يَنزِلُ السَّكينةُ على قلبك بَدلَ القَلَق. الثانية (لِسانيَّة): لا تَقُم من مَكانِكَ أبدًا قبل أن تَقرَأ "آيةَ الكُرسي". إن كنتَ مُستَعجِلًا جِدًّا لِظَرفٍ طارئ، فاقرَأها وأنتَ تَمشي إلى الباب، المُهمُّ ألا تَقطَعَ الحَبلَ الذي بينك وبَينَ الجنَّة. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): اتَّخِذ قَرارًا اليوم: هاتِفُكَ يَبقى في جَيبكَ مُغلَقًا أو صامتًا حتى تَخرُجَ من بَابِ المَسجد. الدُّنيا لن تَنهارَ في هذه الدَّقائقِ الثلاث، لكنَّ دِينَكَ قد يُخدَشُ إذا آثَرتَ رسالةَ إنسانٍ على مُناجاةِ الرَّحمن. الرابعة (اجتماعيَّة): احفَظ حُرمَةَ المُصَلِّين والذَّاكرين. إذا سَلَّمتَ من صَلاتِك، فلا تَلتَفِت لِتَفتَحَ حديثًا جانبيًّا مع جارِكَ في الصَّف، فَتَقطَعَ عليه ذِكرَه وتُشَوِّشَ عليه مُناجاتَه. دَعهُ في ضيافةِ رَبِّه، وتَفَرَّغ أنتَ لِرَبِّك. الخامسة (موضوعيَّة): اعقِد التَّسبيحاتِ (ثلاثًا وثلاثين) بأنامِلِكَ التي سَتَشهَدُ لكَ يومَ القيامة. سَبِّح بِهُدوء، واحمَد بيقين، وكَبِّر بتَعظيم. لا تَجعَلها كَلِماتٍ تَتَطايرُ من اللِّسان بلا مَعنى، بل استَشعِر عِظَمَ مَن تُسَبِّحُه. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمرَ قَصير، وأنَّ الحَسَناتِ غَنائمُ باردةٌ لمَن عَرَفَ كَيفَ يَجمَعُها، وأنَّ الذِّكرَ أيسَرُ العباداتِ مَؤونةً وأعظَمُها أجرًا. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عليه، إمامِ الذَّاكرين وقُدوةِ المُتَّقين، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نبيِّنا مُحمد، وعلى آلهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهرين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهمَّ أعِنَّا على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادَتِك. اللَّهمَّ اجعَلنا من الذَّاكرينَ اللهَ كثيرًا والذَّاكرات، واجعَل قُلوبَنا مُعَلَّقَةً بالمساجد، وألسِنَتَنا رَطبَةً بذِكرِك. اللَّهمَّ طَهِّر قُلوبَنا من النِّفاق، وأعمالَنا من الرِّياء، وألسِنَتَنا من الكَذِب. اللَّهمَّ إنَّا نَعوذُ بك من قَلبٍ لا يَخشَع، وعَينٍ لا تَدمَع، ودُعاءٍ لا يُسمَع. اللَّهمَّ اكتُبنا في هذه السَّاعةِ من عُتَقائك من النَّار، واغفِر لآبائنا وأمَّهاتنا كما رَبَّونا صِغارًا. اللَّهمَّ اربُط على قُلوبِ المُستَضعَفينَ من المُسلمينَ في كلِّ مَكان، وفَرِّج هَمَّ المَهمومين، واكشِف كَربَ المَكروبين، واقضِ الدَّينَ عن المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلمين. عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.