من مكتبة مِداد الخطيب

مَقَامُ الإِحسَانِ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ: حَقِيقَةُ المُرَاقَبَةِ وَالمُشَاهَدَةِ وَثَمَرَاتُهَا فِي العِبَادَةِ وَالحَيَاةِ

مشاركة
مَقَامُ الإِحسَانِ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ: حَقِيقَةُ المُرَاقَبَةِ وَالمُشَاهَدَةِ وَثَمَرَاتُهَا فِي العِبَادَةِ وَالحَيَاةِ الحَمدُ للهِ الَّذِي هُوَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُحسِنُونْ، العَلِيمِ بِذَاتِ الصُّدُورِ فَلَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ يَعلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعلِنُونْ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى مَا هَدَانَا إِلَيهِ مِن مَعَالِمِ الإِسلَامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحسَانِ المَقرُونِ بِاليَقِينِ المَصُونْ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الحَقُّ الَّذِي لَا يَغفُلُ وَلَا يَنَامُ عَمَّا يَعمَلُ العَامِلُونْ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِمَامُ المُحسِنِينَ وَسَيِّدُ الخَاشِعِينَ وَقُدوَةُ المُخبِتِينْ، عَبَدَ رَبَّهُ بِمَقَامِ المُشَاهَدَةِ وَالمُرَاقَبَةِ حَتَّى جُعِلَت قُرَّةُ عَينِهِ فِي الصَّلَاةِ وَمُنَاجَاةِ رَبِّ العَالَمِينْ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينْ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ الَّذِينَ أَحسَنُوا العَمَلَ فَاستَحَقُّوا الحُسنَى وَالزِّيَادَةَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمْ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينْ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمُرَاقَبَتِهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ وَالإِحسَانَ هُمَا جَنَاحَا الطَّائِرِ السَّائِرِ إِلَى رَبِّهِ، وَبِهِمَا تُنَالُ مَعِيَّةُ اللهِ الخَاصَّةُ وَنُصرَتُهُ وَتَأْيِيدُهُ، كَمَا قَالَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي خِتَامِ سُورَةِ النَّحلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ فِي دَوَاوِينِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ حَدِيثًا عَظِيمًا سَمَّاهُ أَئِمَّةُ الإِسلَامِ «أُمَّ السُّنَّةِ» كَمَا سُمِّيَت سُورَةُ الفَاتِحَةِ «أُمَّ القُرآنِ»؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ أُصُولَ الدِّينِ كُلِّهِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَعقيدتِهِ وَشَرِيعَتِهِ، وَأَخلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ! إِنَّهُ «حَدِيثُ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ» الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ! تَعَالَوا بِنَا يَا عِبَادَ اللهِ نَعِيشُ بَقُلُوبِنَا ذَلِكَ المَشهَدَ النَّبَوِيَّ المَهِيبَ فِي مَسجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ يَقُولُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «بَينَمَا نَحنُ عِندَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَومٍ، إِذ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعرِ، لَا يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَأَسنَدَ رُكبَتَيهِ إِلَى رُكبَتَيهِ، وَوَضَعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ»! ثُمَّ سَأَلَ ذَلِكَ السَّائِلُ الكَرِيمُ عَنِ المَرتَبَةِ الأُولَى مِن مَرَاتِبِ الدِّينِ: «يَا مُحَمَّدُ، أَخبِرنِي عَنِ الإِسلَامِ»، فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِأَركَانِ الإِسلَامِ الخَمسَةِ الظَّاهِرَةِ؛ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ المَرتَبَةِ الثَّانِيَةِ: «فَأَخبِرنِي عَنِ الإِيمَانِ»، فَأَجَابَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِأَركَانِ الإِيمَانِ السِّتَّةِ البَاطِنَةِ فِي القَلبِ؛ ثُمَّ ارتَقَى السُّؤَالُ إِلَى الذُّروَةِ العُليَا، وَالقِمَّةِ السَّامِقَةِ، وَالغَايَةِ الَّتِي مِن أَجلِهَا شُرِعَتِ الشَّرَائِعُ وَفُرِضَتِ الفَرَائِضُ، فَقَالَ: «فَأَخبِرنِي عَنِ الإِحسَانِ؟»! فَجَاءَ الجَوَابُ النَّبَوِيُّ المُعجِزُ فِي كَلِمَاتٍ مَعدُودَاتٍ لَو وُزِنَت بِمُجَلَّدَاتِ الحُكَمَاءِ لَرَجَحَت بِهَا؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»! وَقَالَ فِي خِتَامِ الحَدِيثِ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَإِنَّهُ جِبرِيلُ أَتَاكُم يُعَلِّمُكُم دِينَكُم»! اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ اللهِ! تَأَمَّلُوا هَذَا البِنَاءَ الهَندَسِيَّ الرَّبَّانِيَّ لِلدِّينِ: الدِّينُ ثَلَاثُ دَوَائِرَ مُتَدَاخِلَةٍ يَعلُو بَعضُهَا بَعضًا: دَائِرَةُ «الإِسلَامِ» وَهِيَ استِسلَامُ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ بِالأَعمَالِ، وَفَوقَهَا دَائِرَةُ «الإِيمَانِ» وَهِيَ تَصدِيقُ القَلبِ البَاطِنِ وَيَقِينُهُ بِالغَيبِ، وَفِي قَلبِ هَاتَينِ الدَّائِرَتَينِ وَذُروَتِهِمَا تَقَعُ دَائِرَةُ «الإِحسَانِ»! فَالإِحسَانُ هُوَ رُوحُ الإِسلَامِ وَسِرُّ الإِيمَانِ؛ فَجَسَدٌ يُصَلِّي وَيَصُومُ بِلَا إِيمَانٍ هُوَ جَسَدُ مُنَافِقٍ، وَإِيمَانٌ بِلَا إِحسَانٍ وَلَا مُرَاقَبَةٍ هُوَ إِيمَانٌ ضَعِيفٌ تَعصِفُ بِهِ الشَّهَوَاتُ وَالشُّبُهَاتُ؛ أَمَّا إِذَا دَخَلَ العَبدُ فِي مَقَامِ «الإِحسَانِ»، فَقَدِ اجتَمَعَ لَهُ صَلَاحُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، وَإِخلَاصُ القَلبِ وَإِتقَانُ العَمَلِ! وَقَد جَمَعَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَينَ الإِسلَامِ وَالإِحسَانِ فِي قَولِهِ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وَقَالَ فِي سُورَةِ لُقمَانَ: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾! فَمَا هِيَ حَقِيقَةُ هَذَا الإِحسَانِ الَّذِي فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِقَولِهِ: «أَن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»؟ لَقَد بَيَّنَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ كَالحَافِظِ ابنِ رَجَبٍ الحَنبَلِيِّ وَالإِمَامِ ابنِ القَيِّمِ وَالنَّوَوِيِّ رَحِمَهُمُ اللهُ أَنَّ الإِحسَانَ فِي هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَلَى مَرتَبَتَينِ عَظِيمَتَينِ، يتَفَاوَتُ فِيهِمَا الصِّدِّيقُونَ وَالسَّالِكُونَ: المَرتَبَةُ الأُولَى وَهِيَ الأَعلَى وَالأَكمَلُ: «مَقَامُ المُشَاهَدَةِ وَالحُضُورِ»، وَهِيَ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»! وَمَعنَاهَا يَا عِبَادَ اللهِ: أَن يَقوَى نُورُ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ وَالمَعرِفَةِ بِأَسمَاءِ اللهِ الحُسنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى فِي قَلبِ العَبدِ، حَتَّى يَصِيرَ الغَيبُ عِندَهُ كَأَنَّهُ شَهَادَةٌ وَعِيَانٌ! نَحنُ لَا نَرَى اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِأَبصَارِنَا فِي الدُّنيَا كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «اعلَمُوا أَنَّكُم لَن تَرَوا رَبَّكُم حَتَّى تَمُوتُوا»، وَلَكِنَّ البَصِيرَةَ الإِيمَانِيَّةَ فِي قَلبِ المُحسِنِ تَشهَدُ عَظَمَةَ اللهِ، وَجَلَالَهُ، وَجَمَالَهُ، وَقُربَهُ، وَاستِوَاءَهُ عَلَى عَرشِهِ، وَسَمعَهُ وَبَصَرَهُ، حَتَّى يَقِفَ فِي صَلَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَكَأَنَّهُ يُشَاهِدُ رَبَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَامَهُ! سَأَلَكَ بِاللهِ أَيُّهَا المُسلِمُ: لَو أَنَّكَ تُصَلِّي رَكعَتَينِ وَأَنتَ تَستَحضِرُ فِي قَلبِكَ أَنَّكَ وَاقِفٌ بَينَ يَدَي مَلِكِ المُلُوكِ وَجَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، هَل يُمكِنُ أَن يَسرَحَ قَلبُكَ فِي أَودِيَةِ الدُّنيَا؟ هَل يُمكِنُ أَن تَنقُرَ صَلَاتَكَ نَقرَ الغُرَابِ؟ هَل يُمكِنُ أَن تَلتَفِتَ يَمِينًا أَو شِمَالًا أَو تَعبَثَ بِثَوبِكَ وَلِحيَتِكَ؟ كَلَّا وَاللهِ! بَل سَيَمتَلِئُ قَلبُكَ هَيبَةً، وَإِجلَالًا، وَحَيَاءً، وَمَحَبَّةً، وَأُنسًا بِاللهِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ المُؤمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ»! وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ۝ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ۝ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾! وَأَمَّا المَرتَبَةُ الثَّانِيَةُ مِن مَرتَبَتَيِ الإِحسَانِ: فَهِيَ «مَقَامُ المُرَاقَبَةِ وَالإِخلَاصِ»، وَهِيَ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»! فَإِذَا شَقَّ عَلَى نَفسِكَ أَن تَرتَقِيَ إِلَى مَقَامِ المُشَاهَدَةِ كَأَنَّكَ تَرَى اللهَ، فَانهَضْ بِقَلبِكَ إِلَى مَقَامِ المُرَاقَبَةِ اليَقِينِيَّةِ فَتَعلَمَ عِلمَ يَقِينٍ لَا يَعتَرِيهِ شَكٌّ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَرَاكَ حَيثُمَا كُنتَ! يَرَاكَ فِي المسجِدِ وَفِي السُّوقِ، يَرَاكَ فِي الجَلوَةِ بَينَ النَّاسِ وَفِي الخَلوَةِ إِذَا أَغلَقتَ الأَبوَابَ وَأَسدَلتَ السَّتَائِرَ! يَسمَعُ هَمسَ شَفَتَيكَ، وَيَعلَمُ خَائِنَةَ عَينَيكَ، وَيَحصِي خَطَرَاتِ فُؤَادِكَ! اقرَؤُوا قَولَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ يُونُسَ: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۝ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، وَاقرَؤُوا قَولَهُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ غَافِرٍ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾! قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ جَالِسًا مَعَ القَومِ، فَتَمُرُّ المَرأَةُ فَيُريهِم أَنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ إِلَيهَا، فَإِذَا نَظَرُوا غَضَّ بَصَرَهُ؛ وَقَدِ اطَّلَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِن قَلبِهِ أَنَّهُ وَدَّ لَو نَظَرَ إِلَى عَورَتِهَا»! يَا عِبَادَ اللهِ: مَا الَّذِي يَجرُؤُ بِالعَبدِ عَلَى المَعصِيَةِ وَأَكلِ الحَرَامِ وَانتِهَاكِ الحُرُمَاتِ فِي الخَلَوَاتِ؟ إِنَّهُ غِيَابُ مَقَامِ الإِحسَانِ وَضعفُ استِحضَارِ «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»! حَذَّرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن هَذَا الدَّاءِ القَاتِلِ فِي الحَدِيثِ الرَّهِيبِ الَّذِي رَوَاهُ ابنُ مَاجَه وَالرُّويَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَأَعلَمَنَّ أَقوَامًا مِن أُمَّتِي يَأتُونَ يَومَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنثُورًا!»، قَالَ ثَوبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفهُم لَنَا، جَلِّهِم لَنَا، أَن لَا نَكُونَ مِنهُم وَنَحنُ لَا نَعلَمُ! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّهُم إِخوَانُكُم وَمِن جِلدَتِكُم، وَيَأخُذُونَ مِنَ اللَّيلِ كَمَا تَأخُذُونَ، وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا»! لَمَّا غَابَ عَن قُلُوبِهِم مَقَامُ الإِحسَانِ، جَعَلُوا اللهَ أَهوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيهِم؛ فَرَاقَبُوا أَعيُنَ الخَلقِ فِي العَلَانِيَةِ، وَاستَهَانُوا بِنَظَرِ الخَالِقِ فِي الخَلوَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾! وَانظُرُوا فِي المُقَابِلِ كَيفَ أَثمَرَ مَقَامُ الإِحسَانِ «فَإِنَّهُ يَرَاكَ» فِي قُلُوبِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ رَوَائِعَ تَبقَى خَالِدَةً عَلَى جَبِينِ الدَّهرِ: تَأَمَّلُوا القِصَّةَ الأُولَى المَوثَّقَةَ فِي سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ وَصِفَةِ الصَّفوَةِ: خَرَجَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي بَعضِ نَوَاحِي المَدِينَةِ وَمَعَهُ أَصحَابٌ لَهُ، فَوَضَعُوا سُفرَةً لَهُم يَأكُلُونَ، فَمَرَّ بِهِم رَاعِي غَنَمٍ شَابٌّ فِي الصَّحرَاءِ، فَدَعَاهُ ابنُ عُمَرَ لِيَأكُلَ مَعَهُم، فَقَالَ الرَّاعِي: «إِنِّي صَائِمٌ!»، فَتَعَجَّبَ ابنُ عُمَرَ مِن صِيَامِهِ فِي ذَلِكَ اليَومِ الشَّدِيدِ الحَرِّ وَهُوَ يَرعَى الغَنَمَ بَينَ الجِبَالِ، فَأَرَادَ أَن يَختَبِرَ صِدقَ إِحسَانِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ للهِ فَقَالَ لَهُ: «تَبِيعُنَا شَاةً مِن غَنَمِكَ هَذِهِ فَنُعطِيكَ ثَمَنَهَا وَنُعطِيكَ مِن لَحمِهَا مَا تُفطِرُ عَلَيهِ؟»، قَالَ الرَّاعِي: «إِنَّهَا لَيسَت لِي، إِنَّهَا لِسَيِّدِي وَأَنَا مَملُوكٌ!»، فَقَالَ لَهُ ابنُ عُمَرَ مُمْتَحِنًا: «وَمَا عَسَى سَيِّدُكَ فَاعِلًا إِذَا قُلتَ لَهُ: أَكَلَهَا الذِّئبُ؟»! فَانتَفَضَ الرَّاعِي المُؤمِنُ، وَرَفَعَ إِصبَعَهُ وَبَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَوَلَّى عَنِ ابنِ عُمَرَ وَهُوَ يَصرُخُ بِتِلكَ الكَلِمَةِ العَظِيمَةِ: «فَأَينَ اللهُ؟ فَأَينَ اللهُ؟»! فَبَكَى عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، وَجَعَلَ يُرَدِّدُ كَلِمَةَ الرَّاعِي: «فَأَينَ اللهُ!»، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ بَعَثَ إِلَى سَيِّدِ الرَّاعِي فَاشتَرَى مِنهُ الرَّاعِيَ وَالغَنَمَ جَمِيعًا، فَأَعتَقَ الرَّاعِيَ لِوَجهِ اللهِ، وَوَهَبَ لَهُ الغَنَمَ كُلَّهَا وَقَالَ لَهُ: «أَعتَقَتكَ هَذِهِ الكَلِمَةُ فِي الدُّنيَا، وَأَرجُو اللهَ أَن تُعتِقَكَ فِي الآخِرَةِ»! وَتَأَمَّلُوا القِصَّةَ الثَّانِيَةَ المَشهُورَةَ فِي تَارِيخِ الإِسلَامِ: حِينَ كَانَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَعُسُّ فِي المَدِينَةِ لَيلًا، فَأَعيَا فَاتَّكَأَ إِلَى جِدَارِ بَيتٍ فِي جَوفِ اللَّيلِ، فَسَمِعَ امرَأَةً تَقُولُ لِابنَتِهَا: «يَا بُنَيَّةُ، قُومِي إِلَى ذَلِكَ اللَّبَنِ فَامْزُجِيهِ بِالمَاءِ!»، فَقَالَتِ الفَتَاةُ المُؤمِنَةُ: «يَا أُمَّتَاه، أَوَمَا عَلِمتِ مَا كَانَ مِن عَزمَةِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ اليَومَ؟ إِنَّهُ أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى أَلَّا يُشَابَ اللَّبَنُ بِالمَاءِ!»، فَقَالَتِ الأُمُّ: «يَا بُنَيَّةُ، قُومِي فَامْزُجِيهِ، فَإِنَّكِ فِي مَوضِعٍ لَا يَرَاكِ فِيهِ عُمَرُ وَلَا مُنَادِي عُمَرَ!»؛ فَقَالَتِ الفَتَاةُ الَّتِي تَرَبَّت عَلَى مَقَامِ الإِحسَانِ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ: «يَا أُمَّتَاه، وَاللهِ مَا كُنتُ لِأُطِيعَهُ فِي المَلَأِ وَأَعصِيَهُ فِي الخَلَاءِ! إِن كَانَ عُمَرُ لَا يَرَانَا فَإِنَّ رَبَّ عُمَرَ يَرَانَا!»؛ فَسَمِعَهَا عُمَرُ فَأَعجَبَهُ وَرَعُهَا وَإِحسَانُهَا، فَزَوَّجَهَا وَلَدَهُ عَاصِمَ بنَ عُمَرَ، فَأَنجَبَت أُمَّ عَاصِمٍ الَّتِي صَارَت أُمًّا لِلخَلِيفَةِ العَادِلِ الخَامِسِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ! وَلَا يَقتَصِرُ مَقَامُ الإِحسَانِ يَا عِبَادَ اللهِ عَلَى عِبَادَةِ الخَالِقِ وَحدَهَا، بَل يَمتَدُّ نُورُهُ لِيَشمَلَ «الإِحسَانَ إِلَى الخَلقِ وَإِتقَانَ كُلِّ شَيءٍ فِي الحَيَاةِ»! قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ القَصَصِ: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، وَقَالَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَأَحْسِنُوا ۝ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن شَدَّادِ بنِ أَوسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: ثِنتَانِ حَفِظتُهُمَا عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ؛ فَإِذَا قَتَلتُم فَأَحسِنُوا القِتلَةَ، وَإِذَا ذَبَحتُم فَأَحسِنُوا الذِّبحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُم شَفرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»! تَأَمَّلُوا عَظَمَةَ هَذَا العمومِ النَّبَوِيِّ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ»! حَتَّى البَهِيمَةُ عِندَ ذَبحِهَا أَوجَبَ الإِسلَامُ الإِحسَانَ إِلَيهَا! فَكَيَّفَ بِالإِحسَانِ إِلَى الوَالِدَينِ اللذينِ قَرَنَ اللهُ حَقَّهُمَا بِتَوحِيدِهِ فَقَالَ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؟ وَكَيفَ بِالإِحسَانِ إِلَى الزَّوجَةِ وَالأَولَادِ وَالجِيرَانِ وَالأَيتَامِ وَالفُقَرَاءِ وَالعُمَّالِ؟ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ قَد أَعَدَّ لِأَهلِ مَقَامِ الإِحسَانِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ جَزَاءً عَظِيمًا يَتَنَاسَبُ مَعَ كَمَالِ مَقَامِهِم؛ وَمِن أَعظَمِ ذَلِكَ الجَزَاءِ مَا بَشَّرَ اللهُ بِهِ فِي سُورَةِ يُونُسَ حَيثُ قَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ۝ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۝ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾! أَتَدرُونَ يَا عِبَادَ اللهِ مَا هِيَ «الحُسنَى» وَمَا هِيَ «الزِّيَادَةُ» الَّتِي خُصَّ بِهَا المُحسِنُونَ؟ فَسَّرَهَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ صُهَيبٍ الرُّومِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا دَخَلَ أَهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيئًا أَزِيدُكُم؟ فَيَقُولُونَ: أَلَم تُبَيِّض وُجُوهَنَا؟ أَلَم تُدخِلنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعطُوا شَيئًا أَحَبَّ إِلَيهِم مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِم عَزَّ وَجَلَّ»، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾! يَا لَهُ مِن جَزَاءٍ عَظِيمٍ وَمُنَاسَبَةٍ بَدِيعَةٍ! لَمَّا عَبَدُوا اللهَ فِي الدُّنيَا بِمَقَامِ الإِحسَانِ «كَأَنَّهُم يَرَونَهُ» بِقُلُوبِهِم وَبَصَائِرِهِم، كَافَأَهُمُ اللهُ فِي الآخِرَةِ بِأَن كَشَفَ لَهُمُ الحِجَابَ فَرَأَوا وَجهَهُ الكَرِيمَ عِيَانًا بِأَبصَارِهِم فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ؛ ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾! قَالَ الحَارِثُ المُحَاسِبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «المُرَاقَبَةُ عِلمُ القَلبِ بِقُربِ الرَّبِّ»، وَقَالَ الجُنَيدُ رَحِمَهُ اللهُ: «مَن تَحَقَّقَ فِي المُرَاقَبَةِ خَافَ عَلَى فَوَاتِ حَظِّهِ مِن رَبِّهِ لَحظَةً»، وَقِيلَ لِبَعضِ السَّلَفِ: بِمَ يُستَعَانُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ وَحِفظِ الجَوَارِحِ؟ قَالَ: «بِعِلمِكَ أَنَّ نَظَرَ اللهِ إِلَيكَ أَسبَقُ مِن نَظَرِكَ إِلَى مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيكَ»! فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: كَيفَ نُترجِمُ «الإِحسَانَ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ» إِلَى وَاقِعٍ عَمَلِيٍّ فِي حَيَاتِنَا اليَومِيَّةِ المُعَاصِرَةِ؟ أَوَّلًا: أَحسِنُوا فِي صَلَاتِكُم؛ إِذَا قُمتُم إِلَى الصَّلَاةِ فَاخلَعُوا هُمُومَ الدُّنيَا خَلفَ ظُهُورِكُم، وَقِفُوا بَينَ يَدَيِ اللهِ وُقُوفَ مَن يَرَى جَلَالَ رَبِّهِ وَيَسمَعُ خِطَابَهُ فِي كُلِّ آيَةٍ يَتلُوهَا. ثَانِيًا: أَحسِنُوا فِي خَلَوَاتِكُم وَخَلفَ شَاشَاتِ هَوَاتِفِكُم؛ فَكَم مِن إِنسَانٍ فِي زَمَانِنَا يَختَلِي بِهَاتِفِهِ فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ وَقَد غَابَت عَنهُ أَعيُنُ البَشَرِ! تَذَكَّرْ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ قَولَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»! فَإِنَّ الكَامِيرَاتِ البَشَرِيَّةَ قَد تَغفُلُ أَو تُعطَّلُ، وَلَكِنَّ عَينَ اللهِ الحَيِّ القَيُّومِ لَا تَغفُلُ وَلَا تَنَامُ! ثَالِثًا: أَحسِنُوا فِي مُعَامَلَاتِكُم وَوَظَائِفِكُم وَبُيُوتِكُم؛ فَالمُحسِنُ لَا يَغُشُّ وَلَو غَابَ المُدِيرُ وَالمُرَاقِبُ، وَلَا يَظلِمُ زَوجَتَهُ أَو شَرِيكَهُ أَو جَارَهُ؛ لِأَنَّ رَقِيبَهُ هُوَ اللهُ جلَّ جَلَالُهُ. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ يَعِظُ القُلُوبَ بِمُرَاقَبَةِ عَلَّامِ الغُيُوبِ: إِذَا مَا خَلَوتَ الدَّهرَ يَومًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوتُ، وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ وَلَا تَحسَبَنَّ اللهَ يَغفُلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخفَى عَلَيهِ يَغِيبُ! هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ ارزُقنَا مَقَامَ الإِحسَانِ وَاليَقِينِ، وَاجعَلنَا مِمَّن يَعبُدُكَ كَأَنَّهُ يَرَاكَ، وَاملَأ قُلُوبَنَا بِخَشيَتِكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَالقَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى، وَنسأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجهِكَ الكَرِيمِ، وَالشَّوقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتنَةٍ مُضِلَّةٍ. اللَّهُمَّ زَيِّنَا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجعَلنَا هُدَاةً مُهتَدِينَ، وَاجعَلنَا مِن عِبَادِكَ المُحسِنِينَ الفَائِزِينَ بِالحُسنَى وَالزِّيَادَةِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۝ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.