مَركَزِيَّةُ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي بِنَاءِ أُصُولِ الإِيمَانِ: مُحَاضَرَةٌ عِلمِيَّةٌ وَمَنهَجِيَّةٌ فِي ضَوءِ مَحَاوِرِ كِتَابِ «لِمَاذَا هَجَرنَا القُرآنَ فِي بِنَاءِ أُصُولِ الإِيمَانِ؟» لِلبَاحِثِ شَرِيف مُحَمَّد جَابِر
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ الفرقَانَ عَلَى عَبدِهِ لِيَكُونَ لِلعَالَمِينَ نَذِيرًا، وَجَعَلَهُ نُورًا مُبِينًا، وَبُرهَانًا سَاطِعًا، وَحُجَّةً بَالِغَةً، وَشِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَهُدًى وَرَحمَةً لِلمُؤمِنِينَ. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدَ مَنِ استَمسَكَ بِعُروَةِ كِتَابِهِ الوُثقَى، وَاهتَدَى بِبَرَاهِينِهِ السَّاطِعَةِ إِلَى المَثَلِ الأَعلَى، وَعَلِمَ أَنَّ القُرآنَ العَظِيمَ هُوَ المَنبَعُ الأَوَّلُ وَالمُنطَلَقُ الأَصِيلُ لِبِنَاءِ اليَقِينِ وَتَأسِيسِ أُصُولِ الإِيمَانِ وَمُحَاجَّةِ الخَلقِ أَجمَعِينَ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الحَقُّ المُبِينُ، القَائِلُ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وَالقَائِلُ سُبحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، بَعَثَهُ رَبُّهُ بِالقُرآنِ المَجِيدِ فَجَاهَدَ بِهِ الكَافِرِينَ وَالمُعَانِدِينَ جِهَادًا كَبِيرًا، وَرَبَّى بِآيَاتِهِ وَحُجَجِهِ جِيلَ الصَّحَابَةِ الفَرِيدَ فَلَم يَحتَاجُوا فِي تَحصِيلِ اليَقِينِ وَلَا فِي دَعوَةِ الأُمَمِ إِلَى مَنطِقٍ وافِدٍ وَلَا إِلَى فَلْسَفَةٍ دَخِيلَةٍ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ، وَيَا طُلَّابَ العِلمِ وَالبَاحِثِينَ عَنِ الحَقِّ وَاليَقِينِ:
إِنَّنَا نَلتَقِي فِي هَذِهِ المُحَاضَرَةِ العِلمِيَّةِ وَالفِكرِيَّةِ وَالإِيمَانِيَّةِ لِنُعَالِجَ قَضِيَّةً مَنهَجِيَّةً مِن أَخطَرِ القَضَايَا الَّتِي مَسَّتِ العَقلَ المُسلِمَ وَالخِطَابَ العَقَدِيَّ وَالدَّعَوِيَّ عَبرَ التَّارِيخِ وَفِي العَصرِ الحَدِيثِ؛ وَهِيَ قَضِيَّةُ «العَلَاقَةِ بَينَ القُرآنِ الكَرِيمِ وَبَينَ بِنَاءِ أُصُولِ الإِيمَانِ وَمُخَاطَبَةِ غَيرِ المُؤمِنِينَ»!
وَمِحوَرُ مُحَاضَرَتِنَا اليَومَ يَنطَلِقُ مِنَ الإِطَارِ الفِكرِيِّ وَالمَنهَجِيِّ لِكِتَابِ «لِمَاذَا هَجَرنَا القُرآنَ فِي بِنَاءِ أُصُولِ الإِيمَانِ؟» لِلبَاحِثِ شَرِيف مُحَمَّد جَابِر، الصَّادِرِ عَن مَركَزِ غِرَاسٍ لِلإِنتَاجِ الفِكرِيِّ؛ وَمِن تَمَامِ الأَمَانَةِ العِلمِيَّةِ وَالمَنهَجِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ التَّصرِيحُ بِهَا فِي مُستَهَلِّ هَذِهِ المُحَاضَرَةِ أَن نُبَيِّنَ أَنَّ عَرضَنَا لِمَحَاوِرِ هَذَا الكِتَابِ يَعتَمِدُ عَلَى مَا تَحَقَّقنَا مِنهُ بِقِرَاءَةِ مُقَدِّمَةِ المُؤَلِّفِ وَخَاتِمَتِهِ وَالفَهرَسِ التَّفصِيلِيِّ مِن نُسخَةِ النَّاشِرِ، دُونَ ادِّعَاءِ قِرَاءَةِ مَتنِ الكِتَابِ كَامِلًا، وَدُونَ نِسبَةِ أَيِّ اقتِبَاسٍ حَرفِيٍّ أَو رَأيٍ تَفصِيلِيٍّ لِلمُؤَلِّفِ لَم يَرِدْ فِي هَذِهِ الأَقسَامِ المُتَحَقَّقِ مِنهَا؛ مُنطَلِقِينَ مِن تِلكَ المَعَالِمِ المَحوَرِيَّةِ الثَّابِتَةِ لِبَسطِ القَضِيَّةِ وَتَأصِيلِهَا فِي ضَوءِ القُرآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَتُرَاثِ أَئِمَّةِ الهُدَى!
تَعَالَوا بِنَا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- نَستَعرِضُ هَذِهِ القَضِيَّةَ الجَلِيلَةَ عَبرَ أَربَعَةِ مَحَاوِرَ رَئِيسَةٍ تُجَلِّي أَبعَادَ المَوضُوعِ وَتَفتَحُ لَنَا آفَاقَ العَودَةِ الصَّادِقَةِ إِلَى بَرَاهِينِ القُرآنِ العَظِيمِ:
المِحوَرُ الأَوَّلُ: تَشخِيصُ الإِشكَالِيَّةِ المَنهَجِيَّةِ الكُبرَى (مَعنَى هَجرِ القُرآنِ فِي بِنَاءِ أُصُولِ الإِيمَانِ وَهَوِيَّةُ الدِّرَاسَةِ)
أَيُّهَا الإِخوَةُ الأَحبَابُ:
حِينَ يَسمَعُ المُسلِمُ كَلِمَةَ «هَجرِ القُرآنِ»، يَنصَرِفُ ذِهنُهُ فِي الغَالِبِ إِلَى هَجرِ تِلَاوَتِهِ بِاللِّسَانِ، أَو هَجرِ حِفظِهِ فِي الصُّدُورِ، أَو هَجرِ الاستِشفَاءِ بِهِ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ مِن صُوَرِ الهَجرِ الَّتِي حَذَّرَ مِنهَا القُرآنُ الكَرِيمُ فِي شَكوَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
وَلَكِنَّ هُنَاكَ نَوعًا آخَرَ مِنَ الهَجرِ هُوَ أَدَقُّ وَأَخفَى وَأَخطَرُ أَثَرًا عَلَى البِنَاءِ العَقَدِيِّ وَالفِكرِيِّ لِلأُمَّةِ؛ وَهُوَ «هَجرُ الِانطِلَاقِ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي بِنَاءِ أُصُولِ الإِيمَانِ الكُبرَى، وَفِي مُخَاطَبَةِ غَيرِ المُؤمِنِينَ وَمُحَاجَّتِهِم»!
وَلِذَلِكَ يُقَدِّمُ البَاحِثُ شَرِيف مُحَمَّد جَابِر فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ هَذَا العَمَلَ بِوَصفِهِ «دِرَاسَةً تَمهِيدِيَّةً تَارِيخِيَّةً نَقدِيَّةً» لِذَلِكَ الاتِّجَاهِ الفِكرِيِّ وَالكَلَامِيِّ الَّذِي رَفَضَ الانطِلَاقَ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي تَأسِيسِ أُصُولِ الإِيمَانِ (كَإِثبَاتِ وُجُودِ اللهِ تَعَالَى، وَتَوحِيدِهِ، وَكَمَالِ صِفَاتِهِ، وَإِثبَاتِ النُّبُوَّةِ وَالبَعثِ)، وَرَفَضَ الِاعتمَادَ عَلَى القُرآنِ فِي مُخَاطَبَةِ غَيرِ المُؤمِنِينَ، مَعَ السَّعيِ إِلَى تَأصِيلِ مَركَزِيَّةِ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي هَذَا البَابِ العَظِيمِ!
وَإِنَّ أَيَّ نَاظِرٍ مُنصِفٍ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يُدرِكُ مِن أَوَّلِ وَهلَةٍ أَنَّ مَوضُوعَ القُرآنِ الأَوَّلَ وَالأَعظَمَ، فِي سُوَرِهِ المَكِّيَّةِ وَالمَدَنِيَّةِ عَلَى السَّوَاءِ، هُوَ «بِنَاءُ أُصُولِ الإِيمَانِ فِي القُلُوبِ وَالعُقُولِ، وَمُحَاجَّةُ المُنكِرِينَ وَالمُشرِكِينَ وَالشَّاكِّينَ بِالبَرَاهِينِ القَاطِعَةِ»!
أَلَيسَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ القَائِلَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]؟
أَلَيسَ المُخَاطَبُونَ الأَوَّلُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي مَكَّةَ كَانُوا مِنَ المُشرِكِينَ المُنكِرِينَ لِلنُّبُوَّةِ وَالبَعثِ؟ وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أَن يُنذِرَهُم وَيُحَاجَّهُم «بِهَذَا القُرآنِ» نَفسِهِ، وَلِكُلِّ مَن بَلَغَهُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ!
وَأَلَيسَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَد أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَطلُبُ المُشرِكُ سَمَاعَ الحُجَّةِ أَن يُسمِعَهُ «كَلَامَ اللهِ» مُبَاشَرَةً فَقَالَ سُبحَانَهُ:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]؟
لَم يَقُلْ سُبحَانَهُ: «حَتَّى يَسمَعَ مُقَدِّمَاتِ المَنطِقِ الأَرِسطِيِّ وَحُدُودَ الجَوَاهِرِ وَالأَعراضِ»، بَل قَالَ: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾! لِأَنَّ كَلَامَ اللهِ يَحمِلُ فِي ذَاتِهِ قُوَّةَ البُرهَانِ العَقلِيِّ، وَسُلطَانَ الإِعجَازِ البَيَانِيِّ، وَنُورَ الجَذبِ الفِطرِيِّ الَّذِي يَفتَحُ أَقفَالَ القُلُوبِ وَالعُقُولِ!
المِحوَرُ الثَّانِي: قِرَاءَةٌ فِي الفَصلِ الأَوَّلِ «كَيَ هَجَرنَا القُرآنَ؟» وَتَفنِيدُ الدَّعَاوَى الثَّلَاثِ الصَّارِفَةِ عَنِ الاستِدلَالِ القُرآنِيِّ
أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ:
لَقَد خَصَّصَ المُؤَلِّفُ الفَصلَ الأَوَّلَ مِن كِتَابِهِ لِلإِجَابَةِ عَن هَذَا السُّؤَالِ التَّارِيخِيِّ وَالمَنهَجِيِّ الكَبِيرِ: «كَيَ هَجَرنَا القُرآنَ؟»؛ فَبَيَّنَ الخَلفِيَّةَ التَّارِيخِيَّةَ الَّتِي أَدَّت إِلَى تَحَوُّلِ بُوصَلَةِ الدَّرسِ العَقَدِيِّ عِندَ كَثِيرٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ عَنِ الانطِلَاقِ المُبَاشِرِ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ، ثُمَّ وَقَفَ عِندَ «ثَلَاثِ دَعَاوَى وَشُبُهَاتٍ رَئِيسَةٍ» قَامَ عَلَيهَا هَذَا الهَجرُ المَنهَجِيُّ لِلقُرآنِ فِي بَابِ أُصُولِ الإِيمَانِ:
أَوَّلًا: الخَلفِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ لِلانحِرَافِ عَنِ المَنهَجِ القُرآنِيِّ:
كَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ القُرُونِ المَفَضَّلَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم يَستَمِدُّونَ أُصُولَ إِيمَانِهِم وَحُجَجَهُم العَقلِيَّةَ وَالشَّرعِيَّةَ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ مُبَاشَرَةً؛ فَلَمَّا تُرجِمَت كُتُبُ الفَلْسَفَةِ اليُونَانِيَّةِ وَالمَنطِقِ الصُّورِيِّ، وَنَشَأَت فِرَقُ عِلمِ الكَلَامِ، تَأَثَّرَت قِطَاعَاتٌ وَاسِعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ بِالمَقُولَاتِ الفَلْسَفِيَّةِ الوَافِدَةِ، فَجَعَلُوا «المُقَدِّمَاتِ الكَلَامِيَّةَ وَالفَلْسَفِيَّةَ المُجَرَّدَةَ» هِيَ الأَصلَ الأَوَّلَ الَّذِي يُبنَى عَلَيهِ الإِيمَانُ، وَجَعَلُوا القُرآنَ الكَرِيمَ تَابِعًا أَو مَحكُومًا بِتِلكَ المُقَدِّمَاتِ!
وَقَد بَلَغَ هَذَا الاتِّجَاهُ ذِروَتَهُ عِندَ المُتَأَخِّرِينَ مِن أَهلِ الكَلَامِ حِينَ صَدَّرُوا كُتُبَ العَقَائِدِ بِمَبَاحِثِ «النَّظَرِ، وَالجَوهَرِ الفَردِ، وَالجِسمِ، وَالعَرَضِ، وَدَلِيلِ الحُدُوثِ المَبْنِيِّ عَلَى تَركُّبِ الأَجسَامِ مِنَ الجَوَاهِرِ وَالأَعراضِ»، حَتَّى تَجِدَ الطَّالِبَ يَقرَأُ عَشَرَاتِ الصَّفَحَاتِ فِي أُصُولِ الإِيمَانِ فَلَا يَكَادُ يَجِدُ فِيهَا آيَةً قُرآنِيَّةً وَاحِدَةً يُنطَلَقُ مِنهَا فِي تَأسِيسِ اليَقِينِ!
ثَانِيًا: تَفنِيدُ الدَّعَاوَى الثَّلَاثِ الَّتِي اتُّخِذَت ذَرِيعَةً لِهَجرِ القُرآنِ فِي تَأسِيسِ أُصُولِ الدِّينِ:
وَفِي الفَصلِ الأَوَّلِ مِنَ الكِتَابِ يَرصُدُ المُؤَلِّفُ ثَلَاثَ دَعَاوَى مَركَزِيَّةً استَنَدَ إِلَيهَا أَصحَابُ هَذَا الاتِّجَاهِ، وَلْنَقِفْ عِندَ كُلِّ دَعوَى مِنهَا لِنَفهَمَهَا وَنُدرِكَ بُطلَانَهَا:
الدَّعوَى الأُولَى: «شُبهَةُ الدَّورِ فِي خِطَابِ غَيرِ المُؤمِنِ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ»:
حَاصِلُ هَذِهِ الشُّبهَةِ أَنَّ بَعضَ النُّظَّارِ وَالمُتَكَلِّمِينَ قَالُوا: «لَا يَجُوزُ أَن نَستَدِلَّ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ فِي إِثبَاتِ وُجُودِ اللهِ أَو إِثبَاتِ النُّبُوَّةِ أَو مَحَاجَّةِ المُلْحِدِ وَالكَافِرِ؛ لِأَنَّ حُجِّيَّةَ القُرآنِ فَرعٌ عَن إِثبَاتِ وُجُودِ اللهِ وَإِثبَاتِ صِدقِ الرَّسُولِ، فَلَوِ استَدلَلنَا بِالقُرآنِ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَصِدقِ الرَّسُولِ لَوَقَعنَا فِي (الدَّورِ المَنطِقِيِّ البَاطِلِ)، وَإِلَّا قَالَ لَنَا الكَافِرُ: أَنَا لَا أُؤمِنُ بِالقُرآنِ أَصلًا فَكَيَ تَحتَجُّونَ عَلَيَّ بِهِ؟!»
وَهَذِهِ الشُّبهَةُ -يَا طُلَّابَ العِلمِ- تَنطَوِي عَلَى مُغَالَطَةٍ عَظِيمَةٍ وَخَلطٍ فَاحِشٍ بَينَ أَمرَينِ فَرَّقَ بَينَهُمَا أَئِمَّةُ التَّحقِيقِ:
— الأَمرُ الأَوَّلُ: الِاستِدلَالُ بِمُجَرَّدِ «الخَبَرِ التَّعَبُّدِيِّ الصِّرفِ» (أَي أَن يُقَالَ لِلمُنكِرِ: هَذَا حَقٌّ لِأَنَّهُ مَكتُوبٌ فِي القُرآنِ فَقَط دُونَ بَيَانِ دَلِيلِهِ).
— وَالأَمرُ الثَّانِي: الِاستِدلَالُ بـ«البَرَاهِينِ العَقلِيَّةِ وَالفِطرِيَّةِ وَالكَونِيَّةِ الَّتِي أَنزَلَهَا اللهُ فِي القُرآنِ وَنَبَّهَ العُقُولَ إِلَيهَا»!
فَالقُرآنُ الكَرِيمُ حِينَ يُخَاطِبُ المُنكِرَ لِلخَالِقِ أَوِ المُنكِرَ لِلبَعثِ أَوِ النُّبُوَّةِ، لَا يَكتَفِي بِدَعوَاهُ، بَل يَعرِضُ عَلَى عَقلِهِ وَفِطرَتِهِ الدَّلِيلَ البُرهَانِيَّ القَاطِعَ الَّذِي لَا يَستَطِيعُ عَقلٌ بَشَرِيٌّ رَدَّهُ سَوَاءٌ آمَنَ صَاحِبُهُ بِالقُرآنِ قَبلَ ذَلِكَ أَم لَم يُؤمِنْ!
مِثَالُ ذَلِكَ: قَولُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الطُّورِ:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥–٣٦]!
هَذَا تَقسِيمٌ عَقلِيٌّ حَاصِرٌ لَا رَابِعَ لَهُ فِي العُقُولِ: أَنتُم يَا بَنِي آدَمَ مَخلُوقُونَ مَوجُودُونَ بَعدَ العَدَمِ؛ فَهَل وُجِدتُم مِن غَيرِ مُوجِدٍ (وَهُوَ مُحَالٌ بِبدَاهَةِ العَقلِ)؟ أَم أَنتُم خَلَقتُم أَنفُسَكُم (وَهُوَ مُحَالٌ لِأَنَّ المَعدُومَ لَا يَخلُقُ شَيئًا)؟ فَتَعَيَّنَ قَطعًا أَنَّ لَكُم خَالِقًا عَظِيمًا هُوَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ!
انظُرُوا مَاذَا فَعَلَت هَذِهِ الآيَةُ القُرآنِيَّةُ البُرهَانِيَّةُ فِي قَلبِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ سَمِعَهَا وَهُوَ يَومَئِذٍ مُشرِكٌ جَاءَ فِي فِدَاءِ أَسرَى بَدرٍ؛ كَمَا رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقرَأُ فِي المَغرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، قَالَ: «كَادَ قَلبِي أَن يَطِيرَ، وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلبِي»!
لَم يَحتَجْ جُبَيرُ بنُ مُطعِمٍ إِلَى مُقَدِّمَاتٍ كَلَامِيَّةٍ خَارِجَ القُرآنِ، وَلَم يَقُلْ: «هَذَا دَورٌ مَنطِقِيٌّ»؛ بَل صَدَعَ البُرهَانُ القُرآنِيُّ فِطرَتَهُ وَعَقلَهُ فَطَارَ قَلبُهُ إِيمَانًا وَيَقِينًا!
الدَّعوَى الثَّانِيَةُ: «وَصفُ أَدِلَّةِ القُرآنِ فِي أُصُولِ الدِّينِ بِأَنَّهَا خِطَابِيَّةٌ أَو إِجمَالِيَّةٌ»:
وَهَذِهِ الدَّعوَى الثَّانِيَةُ الَّتِي يَستَعرِضُهَا الفَصلُ الأَوَّلُ مِنَ الكِتَابِ تَتَمَثَّلُ فِي زَعمِ الفَلَاسِفَةِ وَمَن تَأَثَّرَ بِهِم مِنَ المُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الأَدِلَّةَ الوَارِدَةَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ هِيَ «أَدِلَّةٌ خِطَابِيَّةٌ وَإِقنَاعِيَّةٌ مُجمَلَةٌ» تُنَاسِبُ عَوَامَّ النَّاسِ وَتُخَاطِبُ العَاطِفَةَ وَالخَيَالَ، أَمَّا «البَرَاهِينُ العَقلِيَّةُ التَّفصِيلِيَّةُ اليَقِينِيَّةُ» فَلَا تُؤخَذُ إِلَّا مِن قِيَاسِ المَنطِقِ وَعِلمِ الكَلَامِ!
وَيَا لَلعَجَبِ! أَيَكُونُ كَلَامُ رَبِّ العَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ العَقلَ البَشَرِيَّ خِطَابِيًّا ظَنِّيًّا قَاصِرًا عَنِ البُرهَانِ، وَيَكُونُ كَلَامُ أَرِسطُو وَأَتبَاعِهِ هُوَ البُرهَانَ اليَقِينِيَّ الكَامِلَ؟!
لَقَد بَيَّنَ أَئِمَّةُ التَّحقِيقِ أَنَّ أَدِلَّةَ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي أُصُولِ الإِيمَانِ جَمَعَت بَينَ أَعلَى دَرَجَاتِ «القُوَّةِ البُرهَانِيَّةِ العَقلِيَّةِ» وَبَينَ أَبلَغِ دَرَجَاتِ «الوُضُوحِ وَالإِيجَازِ وَالتَّأثِيرِ الوِجدَانِيِّ»؛ فَإِذَا أَرَادَ القُرآنُ إِثبَاتَ البَعثِ وَالنُّشُورِ مَثَلًا، لَم يَسُقْ خَطبَةً عَاطِفِيَّةً خَالِيَةً مِنَ الدَّلِيلِ، بَل سَاقَ أَقوَى الأَقيِسَةِ العَقلِيَّةِ البُرهَانِيَّةِ (كَمِثلِ قِيَاسِ الإِعَادَةِ عَلَى البَدءِ الأَوَّلِ، وَقِيَاسِ إِحيَاءِ الأَجسَادِ عَلَى إِحيَاءِ الأَرضِ المَيتَةِ، وَقِيَاسِ الأَصغَرِ وَهُوَ خَلقُ الإِنسَانِ عَلَى الأَكبَرِ وَهُوَ خَلقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ)؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨–٧٩]!
فَهَذَا بُرهَانٌ عَقلِيٌّ يَقِينِيٌّ يَفهَمُهُ الفَيلَسُوفُ وَالعَالِمُ وَالأَعرابِيُّ فِي البَادِيَةِ فِي لَحظَةٍ وَاحِدَةٍ!
الدَّعوَى الثَّالِثَةُ: «القَولُ بِعَدَمِ إِفَادَةِ النُّصُوصِ لِليَقِينِ إِلَّا بِالعَقلِ المُستَقِلِّ»:
وَهِيَ الدَّعوَى الَّتِي قَعَّدَهَا بَعضُ مُتَأَخِّرِي المُتَكَلِّمِينَ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الأَدِلَّةَ السَّمعِيَّةَ وَالنُّصُوصَ القُرآنِيَّةَ لَا تُفِيدُ اليَقِينَ فِي العَقَائِدِ بِنَفسِهَا؛ لِتَوَقُّفِهَا -بِزَعمِهِم- عَلَى عَشرَةِ أُمُورٍ ظَنِّيَّةٍ (كَعَدَمِ المَجَازِ، وَعَدَمِ الاشتِرَاكِ، وَعَدَمِ الإِضمَارِ، وَعَدَمِ المُعَارِضِ العَقلِيِّ)، وَأَنَّ العَقلَ المُستَقِلَّ هُوَ الحَاكِمُ الأَوَّلُ فَإِذَا عَارَضَ النَّصَّ قُدِّمَ العَقلُ وَأُوِّلَ النَّصُّ!
وَلَا رَيبَ أَنَّ هَذِهِ القَاعِدَةَ البَاطِلَةَ تَهدِمُ حِكمَةَ إِرسَالِ الرُّسُلِ وَإِنزَالِ الكُتُبِ مِن أَسَاسِهَا؛ إِذ كَيَ يَصِفُ اللهُ كِتَابَهُ بِأَنَّهُ ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وَبِأَنَّهُ ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، ثُمَّ يُقَالُ إِنَّ نُصُوصَهُ فِي أَعظَمِ مَطَالِبِ الدِّينِ وَهِيَ أُصُولُ الإِيمَانِ لَا تُفِيدُ اليَقِينَ بِنَفسِهَا؟! بَل إِنَّ الصَّرِيحَ مِنَ العَقلِ الفِطرِيِّ السَّلِيمِ لَا يُعَارِضُ الصَّحِيحَ مِنَ النَّقلِ الإِلَهِيِّ أَبَدًا، بَل يَشهَدُ لَهُ وَيُعَاضِدُهُ!
المِحوَرُ الثَّالِثُ: قِرَاءَةٌ فِي الفَصلِ الثَّانِي «العَودَةُ إِلَى القُرآنِ» وَجُهُودُ العُلَمَاءِ القُدَامَى وَالمُعَاصِرِينَ فِي نُصرَةِ المَنهَجِ القُرآنِيِّ
أَيُّهَا الإِخوَةُ الكِرَامُ:
إِذَا كَانَ الفَصلُ الأَوَّلُ مِنَ الكِتَابِ قَد شَخَّصَ الدَّاءَ وَفَنَّدَ شُبُهَاتِ الهَجرِ، فَإِنَّ الفَصلَ الثَّانِيَ -الَّذِي جَاءَ بِعُنوَانِ «العَودَةُ إِلَى القُرآنِ»- يَستَعرِضُ الجُهُودَ العِلمِيَّةَ المُبَارَكَةَ لِلعُلَمَاءِ القُدَامَى وَالمُعَاصِرِينَ الَّذِينَ تَصَدَّوا لِهَذَا الانحِرَافِ المَنهَجِيِّ، وَدَعَوا إِلَى الانطِلَاقِ مِنَ الوَحيِ، وَدَافَعُوا عَن كِفَايَةِ البَرَاهِينِ القُرآنِيَّةِ وَحُجِّيَّتِهَا العَقلِيَّةِ وَالفِطرِيَّةِ!
فَلَم تَخلُ الأُمَّةُ الإِسلَامِيَّةُ فِي أَيِّ عَصرٍ مِن عُصُورِهَا مِن أَئِمَّةٍ رَبَّانِيِّينَ وَمُجَدِّدِينَ صَادِعِينَ بِالحَقِّ رَفَعُوا لِوَاءَ «العَودَةِ إِلَى القُرآنِ فِي بِنَاءِ أُصُولِ الإِيمَانِ»:
١. فَفِي صَدرِ الإِسلَامِ وَعَصرِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ الكِبَارِ -كَالأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وَالبُخَارِيِّ وَالدَّارِمِيِّ وَابنِ قُتَيبَةَ رَحِمَهُمُ اللهُ- كَانَ الإِجمَاعُ مَنعَقِدًا عَلَى ذَمِّ الكَلَامِ المَذمُومِ الَّذِي يُعرِضُ عَنِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَى أَنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ فِيهِ الغُنيَةُ وَالكِفَايَةُ وَالبُرهَانُ التَّامُّ فِي مَعرِفَةِ اللهِ وَإِثبَاتِ صِفَاتِهِ وَأُصُولِ الإِيمَانِ بِهِ!
٢. بَل حَتَّى كَثِيرٌ مِن كِبَارِ نُظَّارِ المُتَكَلِّمِينَ وَالفَلَاسِفَةِ أَنفُسِهِم، لَمَّا جَرَّبُوا طُرُقَ الكَلَامِ وَالفَلْسَفَةِ وَرَأَوا مَا فِيهَا مِنَ الحَيرَةِ وَالتَّنَاقُضِ وَالتَّعقِيدِ، رَجَعُوا فِي أَوَاخِرِ أَعمَارِهِم إِلَى مَنهَجِ القُرآنِ الكَرِيمِ وَأَعلَنُوا نَدَمَهُم عَلَى مَا ضَيَّعُوا مِن أَعمَارِهِم فِي غَيرِهِ؛ كَإِمَامِ الحَرَمَينِ الجُوَينِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ الغَزَالِيِّ، وَفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ الَّذِي سَطَّرَ فِي وَصِيَّتِهِ وَأَوَاخِرِ كُتُبِهِ اعتِرَافَهُ الشَّهِيرَ: «لَقَد تَأَمَّلتُ الطُّرُقَ الكَلَامِيَّةَ وَالمَنَاهِجَ الفَلْسَفِيَّةَ فَمَا رَأَيتُهَا تَشفِي عَلِيلًا وَلَا تَروِي غَلِيلًا، وَرَأَيتُ أَقرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ القُرآنِ»! وَكَالفَيلَسُوفِ القَاضِي ابنِ رُشدٍ الحَفِيدِ الَّذِي أَثبَتَ فِي كِتَابِهِ «الكَشفُ عَن مَنَاهِجِ الأَدِلَّةِ فِي عَقَائِدِ المِلَّةِ» أَنَّ طَرِيقَةَ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي الِاستِدلَالِ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَوحدَانِيَّتِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ البُرهَانِيَّةُ الحَكِيمَةُ الَّتِي تَجمَعُ بَينَ إِقنَاعِ الجُمهُورِ وَإِشبَاعِ العُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ!
٣. ثُمَّ جَاءَتِ المَدرَسَةُ التَّجدِيدِيَّةُ الكُبرَى عَلَى يَدِ شَيخِ الإِسلَامِ ابنِ تَيمِيَّةَ وَتِلمِيذِهِ الإِمَامِ ابنِ القَيِّمِ، وَمَن سَارَ عَلَى نَهجِهِمَا كَالإِمَامِ ابنِ الوَزِيرِ الصَّنعَانِيِّ فِي «إِيثَارِ الحَقِّ عَلَى الخَلقِ» وَغَيرِهِم رَحِمَهُمُ اللهُ؛ فَفَكَّكُوا أُصُولَ المَنطِقِ اليُونَانِيِّ وَالقَانُونِ الكَلَامِيِّ، وَبَرْهَنُوا فِي مُصَنَّفَاتٍ خَالِدَةٍ عَلَى أَنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ لَم يَقتَصِرْ عَلَى مُجَرَّدِ الخَبَرِ الصَّادِقِ، بَل ضَرَبَ الأَمثَالَ العَقلِيَّةَ وَالأَقيِسَةَ البُرهَانِيَّةَ الَّتِي تَهدِي العُقُولَ وَتَشفِي الصُّدُورَ!
٤. وَفِي العَصرِ الحَدِيثِ، تَوَاصَلَت جُهُودُ العُلَمَاءِ وَالبَاحِثِينَ وَالمُصلِحِينَ الدَّاعِينَ إِلَى تَحرِيرِ الدَّرسِ العَقَدِيِّ مِنَ الجُمُودِ عَلَى المُقَدِّمَاتِ الكَلَامِيَّةِ القَدِيمَةِ، وَالعَودَةِ إِلَى تَأسِيسِ الإِيمَانِ وَمُوَاجَهَةِ مَوجَاتِ الإِلحَادِ وَالتَّشكِيكِ المُعَاصِرَةِ مِن خِلَالِ البَرَاهِينِ القُرآنِيَّةِ الحَيَّةِ!
المِحوَرُ الرَّابِعُ: رِسَالَةُ الخَاتِمَةِ وَالوَاجِبُ العَمَلِيُّ (تَدَبُّرُ طُرُقِ القُرآنِ فِي الهِدَايَةِ بَدَلَ الاقتِصَارِ عَلَى التَّوظِيفِ الشَّكلِيِّ لِلآيَاتِ)
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ، وَيَا طُلَّابَ العِلمِ وَالدُّعَاةَ إِلَى اللهِ:
نَختِمُ هَذِهِ المُحَاضَرَةَ بِالوَقفَةِ المَنهَجِيَّةِ البَالِغَةِ الأَهَمِّيَّةِ الَّتِي أَكَّدَ عَلَيهَا المُؤَلِّفُ فِي خَاتِمَةِ كِتَابِهِ؛ وَهِيَ التَّفرِيقُ الدَّقِيقُ بَينَ مَسلَكَينِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي بَابِ العَقِيدَةِ وَالفِكرِ:
— المَسلَكُ الأَوَّلُ القَاصِرُ: أَن يَبنِيَ البَاحِثُ أَوِ المُتَكَلِّمُ آرَاءَهُ وَقَوَاعِدَهُ وَطُرُقَ استِدلَالِهِ مِن خَارِجِ القُرآنِ الكَرِيمِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَأتِيَ إِلَى القُرآنِ فِي النِّهَايَةِ لِيَبحَثَ عَن آيَاتٍ يُوَظِّفُهَا تَوظِيفًا شَكلِيًّا أَو تَكمِيلِيًّا لِتَأيِيدِ آرَائِهِ السَّابِقَةِ!
— وَالمَسلَكُ الثَّانِي الرَّبَّانِيُّ الأَصِيلُ (وَهُوَ الَّذِي تَدعُو إِلَيهِ خَاتِمَةُ الكِتَابِ): أَن نَجعَلَ القُرآنَ الكَرِيمَ هُوَ «المُنطَلَقَ وَالأَسَاسَ وَالمُعَلِّمَ الأَوَّلَ»؛ فَنُقبِلَ عَلَى كِتَابِ اللهِ بِتَدَبُّرٍ عَمِيقٍ لِنَكتَشِفَ «طُرُقَ القُرآنِ نَفسِهِ فِي هِدَايَةِ الإِنسَانِ، وَبِنَاءِ أُصُولِ الإِيمَانِ، وَمُخَاطَبَةِ النَّفسِ البَشَرِيَّةِ بِعَقلِهَا وَفِطرَتِهَا وَوِجدَانِهَا»!
تَأَمَّلُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- الفَرقَ الهَائِلَ بَينَ الطَّرِيقَتَينِ:
حِينَ تَنطَلِقُ مِن طَرِيقَةِ القُرآنِ فِي هِدَايَةِ الإِنسَانِ، تَجِدُ الدَّلِيلَ القُرآنِيَّ يَربِطُ بَينَ إِثبَاتِ وُجُودِ الخَالِقِ وَبَينَ مَحَبَّتِهِ وَشُكرِهِ وَتَعظِيمِهِ وَإِفرَادِهِ بِالعِبَادَةِ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ يَبعَثُ الحَيَاةَ فِي القَلبِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَوَّلِ نِدَاءٍ عَامٍّ لِلبَشَرِيَّةِ جَمعَاءَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١–٢٢].
انظُرُوا كَيَ جَمَعَت هَذِهِ الآيَةُ الوَاحِدَةُ بَينَ خِطَابِ النَّاسِ كَافَّةً، وَبُرهَانِ الخَلقِ وَالإِيجَادِ، وَبُرهَانِ الإِنعَامِ وَالإِتقَانِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرضِ، وَإِبطَالِ الشِّركِ بِشَهَادَةِ الفِطرَةِ وَالعِلمِ الدَّاخِلِيِّ ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وَالثَّمَرَةِ التَّزكَوِيَّةِ العُظمَى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾!
فَيَا أَيُّهَا العُلَمَاءُ وَالدُّعَاةُ، وَيَا أَيُّهَا المُربُّونَ وَالشَّبَابُ:
لِنَعُدْ جَمِيعًا عَودَةً صَادِقَةً وَاعِيَةً إِلَى القُرآنِ العَظِيمِ؛ لِنَجعَلْهُ مَدرَسَتَنَا الأُولَى فِي بِنَاءِ عَقَائِدِنَا، وَتَحصِينِ قُلُوبِ أَبنَائِنَا، وَمُحَاوَرَةِ الشَّاكِّينَ وَالحَائِرِينَ فِي عَصرِنَا! لِنَتَدَبَّرْ آيَاتِهِ البَيِّنَاتِ كَمَا أَمَرَنَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِقَولِهِ:
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]،
وَلْنَثِقْ بِأَنَّ القُرآنَ الَّذِي فَتَحَ قُلُوبَ العَرَبِ وَالعَجَمِ فِي القَرنِ الأَوَّلِ هُوَ الكَفِيلُ بِفَتحِ قُلُوبِ البَشَرِيَّةِ وَإِحيَاءِ يَقِينِ الأُمَّةِ فِي كُلِّ عَصرٍ وَأَوَانٍ!
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، اجعَلِ القُرآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجَلَاءَ أَحزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا وَغُمُومِنَا، وَقَائِدَنَا وَدَلِيلَنَا إِلَى رِضوَانِكَ وَجَنَّاتِكَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مِنَ القُرآنِ مَا جَهِلنَا، وَذَكِّرْنَا مِنهُ مَا نَسِينَا، وَارزُقْنَا تِلَاوَتَهُ وَتَدَبُّرَهُ وَالعَمَلَ بِهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَأَطرَافَ النَّهَارِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يُرضِيكَ عَنَّا.
اللَّهُمَّ املَأْ قُلُوبَنَا وَقُلُوبَ شَبَابِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَبَردِ اليَقِينِ، وَثَبِّتْنَا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ، وَاصرِفْ عَنَّا زَيغَ القُلُوبِ وَفِتَنَ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
من مكتبة مِداد الخطيب
مَركَزِيَّةُ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي بِنَاءِ أُصُولِ الإِيمَانِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.