مَسؤُولِيَّةُ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ تِجَاهَ الأَبنَاءِ فِي عَصرِ الِانفِتَاحِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن أَمَانَةِ التَّربِيَةِ وَحِمَايَةِ النَّاشِئَةِ مِن فِتَنِ الدُّنيَا وَالشَّاشَاتِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ الآبَاءَ وَالأُمَّهَاتِ نِعمَةَ البَنِينَ وَالبَنَاتِ، وَجَعَلَهُم زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا وَقُرَّةَ العُيُونِ وَبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَائتَمَنَ الوَالِدَينِ عَلَى فِطَرِ الأَبنَاءِ النَّقِيَّةِ وَقُلُوبِهِمُ البَيضَاءِ لِيَحفَظُوهَا مِنَ الزَّيغِ وَالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، أَمَرَنَا بِوِقَايَةِ أَنفُسِنَا وَأَهلِينَا نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ، وَحَذَّرَنَا مِن أَن تُلهِيَنَا الأَموَالُ وَالأَولَادُ عَن ذِكرِهِ وَطَاعَتِهِ فَنَخسَرَ التِّجَارَةَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، العَلِيمُ الخَبِيرُ، الرَّقِيبُ البَصِيرُ، الَّذِي سَيُوقِفُ كُلَّ أَبٍ وَكُلَّ أُمٍّ بَينَ يَدَيهِ يَومَ القِيَامَةِ فَيَسأَلُهُم عَن هَذِهِ الرَّعِيَّةِ: أَحَفِظُوا أَم ضَيَّعُوا؟ وَأَصلَحُوا أَم أَفسَدُوا؟ وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، المُعَلِّمُ الأَعظَمُ وَالمُرَبِّي الأَرحَمُ، الَّذِي خَافَ عَلَى أُمَّتِهِ فِتنَةَ انبِسَاطِ الدُّنيَا وَانفِتَاحِ زَهْرَتِهَا أَكثَرَ مِمَّا خَافَ عَلَيهِمُ الفَقرَ وَالفَاقَةَ، وَأَعلَنَ قَاعِدَةَ المَسؤُولِيَّةِ الكُبرَى: «كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠–٧١].
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا الآبَاءُ الكِرَامُ، وَيَا أَيَّتُهَا الأُمَّهَاتُ الفَاضِلَاتُ، وَيَا مَعشَرَ المُسلِمِينَ:
إِنَّنَا نَتَحَدَّثُ اليَومَ عَن أَغلَى مَا نَملِكُ فِي هَذِهِ الدُّنيَا بَعدَ دِينِنَا وَإِيمَانِنَا؛ نَتَحَدَّثُ عَن فَلَذَاتِ أَكبَادِنَا، وَثَمَرَاتِ قُلُوبِنَا، وَنُورِ عُيُونِنَا، وَامتِدَادِ أَعمَارِنَا وَأَعمَالِنَا بَعدَ مَوتِنَا: «أَبنَائِنَا وَبَنَاتِنَا»!
وَلَكِنَّنَا لَا نَتَحَدَّثُ عَنهُم فِي زَمَنٍ عَادِيٍّ هَادِئٍ، بَل نَتَحَدَّثُ عَنهُم فِي زَمَنٍ عَاصِفٍ مَوَّاجٍ لَم يَمرَّ عَلَى الأُسرَةِ المُسلِمَةِ مِثلُهُ فِي التَّارِيخِ؛ زَمَنِ «الِانفِتَاحِ الشَّامِلِ عَلَى الدُّنيَا»، حِينَ سَقَطَتِ الحَوَاجِزُ، وَذَابَتِ المَسَافَاتُ، وَاخْتَرَقَتِ الشَّاشَاتُ وَالشَّبَكَاتُ جُدرَانَ البُيُوتِ وَأَبوَابَ الغُرَفِ المُغلَقَةِ، وَأَصبَحَ أَبنَاؤُنَا وَبَنَاتُنَا فِي مَهبِّ رِيَاحٍ عَاتِيَةٍ مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تَستَهدِفُ العَقِيدَةَ وَالفِطرَةَ، وَالشَّهَوَاتِ الَّتِي تَستَهدِفُ العِفَّةَ وَالأَخلَاقَ، وَالتَّفَاهَاتِ الَّتِي تَسرِقُ العُمُرَ وَالعَقلَ وَالهِمَّةَ!
قَبلَ أَن نَخُوضَ فِي تَفَاصِيلِ هَذَا الوَاقِعِ، دَعُونَا نَستَمِعُ بِقُلُوبِنَا إِلَى النِّدَاءِ الإِلَهِيِّ الرَّهِيبِ الَّذِي وَجَّهَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى كُلِّ أَبٍ مُؤمِنٍ وَكُلِّ أُمٍّ مُؤمِنَةٍ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ؛ حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ التَّحرِيمِ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا هَذَا الأَمرَ الرَّبَّانِيَّ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾! لَم يَقُلْ سُبحَانَهُ: قُوا أَنفُسَكُم وَحدَكُم وَاترُكُوا أَهلَكُم وَأَولَادَكُم لِأَهوَائِهِم وَشَهَوَاتِهِم! بَل جَعَلَ وِقَايَةَ الأَهلِ وَالأَبنَاءِ مِنَ النَّارِ فَرضًا مُحتَّمًا مَقرُونًا بِوِقَايَةِ النَّفسِ!
كَيَ نَقِي أَهلَنَا وَأَبنَاءَنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: «عَلِّمُوهُم وَأَدِّبُوهُم»! وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «اعمَلُوا بِطَاعَةِ اللهِ، وَاتَّقُوا مَعَاصِيَ اللهِ، وَمُرُوا أَهلِيكُم بِالذِّكرِ يُنجِيكُمُ اللهُ مِنَ النَّارِ»! وَقَالَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَقِي أَنفُسَنَا، فَكَيَ لَنَا بِأَهلِينَا؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «تَنهَونَهُم عَمَّا نَهَاكُمُ اللهُ، وَتَأمُرُونَهُم بِمَا أَمَرَ اللهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وِقَايَةً بَينَهُم وَبَينَ النَّارِ»!
أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ:
إِنَّ الأَبنَاءَ فِي أَعنَاقِنَا أَمَانَةٌ سَنُسأَلُ عَنهَا سُؤَالًا دَقِيقًا عَسِيرًا بَينَ يَدَيِ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ!
استَمِعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهلِ بَيتِهِ وَهُوَ مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالمَرأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهلِ بَيتِ زَوجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسؤُولَةٌ عَنهُم».
وَاستَمِعُوا إِلَى هَذَا الوَعِيدِ النَّبَوِيِّ الَّذِي يَخلَعُ قَلبَ كُلِّ أَبٍ غَافِلٍ عَن بَيتِهِ وَأَبنَائِهِ؛ كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ»! وَفِي رِوَايَةٍ لِلبُخَارِيِّ: «فَلَم يَحُطْهَا بِنُصحِهِ لَم يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ»!
وَرَوَى الإِمَامُ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الكُبرَى بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا استَرعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَم ضَيَّعَ، حَتَّى يَسأَلَ الرَّجُلَ عَن أَهلِ بَيتِهِ»!
قِفُوا طَوِيلًا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- عِندَ قَولِ الإِمَامِ ابنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ النَّفِيسِ «تُحفَةُ المَودُودِ بِأَحكَامِ المَولُودِ» وَهُوَ يَنقُلُ كَلَامَ العُلَمَاءِ فِي هَذِهِ المَسؤُولِيَّةِ العُظمَى؛ حَيثُ قَالَ: «قَالَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ: إِنَّ اللهَ سُبحَانَهُ يَسأَلُ الوَالِدَ عَن وَلَدِهِ يَومَ القِيَامَةِ قَبلَ أَن يَسأَلَ الوَلَدَ عَن وَالِدِهِ! فَمَن أَهمَلَ تَعلِيمَ وَلَدِهِ مَا يَنفَعُهُ وَتَرَكَهُ سُدًى، فَقَد أَسَاءَ إِلَيهِ غَايَةَ الإِسَاءَةِ، وَأَكثَرُ الأَولَادِ إِنَّمَا جَاءَ فَسَادُهُم مِن قِبَلِ الآبَاءِ وَإِهمَالِهِم لَهُم، وَتَركِ تَعلِيمِهِم فَرَائِضَ الدِّينِ وَسُنَنَهُ، فَأَضَاعُوهُم صِغَارًا فَلَم يَنتَفِعُوا بِأَنفُسِهِم وَلَم يَنفَعُوا آبَاءَهُم كِبَارًا، كَمَا عَاتَبَ بَعضُهُم وَلَدَهُ عَلَى العُقُوقِ فَقَالَ: يَا أَبَتِ، إِنَّكَ عَقَقتَنِي صَغِيرًا فَعَقَقتُكَ كَبِيرًا، وَأَضَعتَنِي وَلِيدًا فَأَضَعتُكَ شَيخًا»!
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ:
لِمَاذَا تَتَضَاعَفُ مَسؤُولِيَّةُ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ فِي وَقتِنَا الحَالِيِّ أَضعَافًا مُضَاعَفَةً عَمَّا كَانَت عَلَيهِ فِي الأَزمِنَةِ السَّابِقَةِ؟
لِأَنَّنَا نَعِيشُ فِي عَصرِ «الِانفِتَاحِ الطَّاغِي عَلَى الدُّنيَا»! وَهُوَ الخَطَرُ الَّذِي حَذَّرَ مِنهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَمرِو بنِ عَوفٍ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَوَاللهِ مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم، وَلَكِنِّي أَخشَى عَلَيكُم أَن تُبسَطَ عَلَيكُمُ الدُّنيَا كَمَا بُسِطَت عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَتهُم»!
فِي الزَّمَنِ المَاضِي كَانَ الأَبُ إِذَا أَغلَقَ بَابَ دَارِهِ بِاللَّيلِ، اطمَأَنَّ إِلَى أَنَّ أَولَادَهُ فِي مَأمَنٍ عَن فِتَنِ الشَّارِعِ وَرُفَقَاءِ السُّوءِ، وَكَانَ المُجتَمَعُ مِن حَولِهِ يُعِينُهُ عَلَى التَّربِيَةِ؛ فَالجَارُ يُرَبِّي، وَالمُعَلِّمُ يُرَبِّي، وَالمَسجِدُ يُرَبِّي!
أَمَّا اليَومَ؛ فَقَد سَقَطَتِ الأَسوَارُ المَادِّيَّةُ! أَصبَحَ الطِّفلُ وَالشَّابُّ وَالفَتَاةُ يَجلِسُ فِي غُرفَتِهِ بَينَ أَبَوَيهِ، وَفِي يَدِهِ جِهَازٌ صَغِيرٌ يَفتَحُ لَهُ أَبوَابَ الدُّنيَا بِأَسرِهَا بِلاَ حُدُودٍ وَلَا رَقِيبٍ!
مِن خِلَالِ هَذَا الانفِتَاحِ الرَّهِيبِ تَتَدَفَّقُ عَلَى عُقُولِ أَبنَائِنَا وَقُلُوبِهِم أَربَعُ عَوَاصِفَ مُدَمِّرَةٍ:
العَاصِفَةُ الأُولَى: «عَاصِفَةُ الشُّبُهَاتِ الفِكرِيَّةِ وَالعَقَدِيَّةِ»؛ الَّتِي تُشَكِّكُ النَّاشِئَةَ فِي وُجُودِ اللهِ، أَو فِي حِكمَتِهِ وَقَدَرِهِ، أَو فِي حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، أَو تَدعُوهُم إِلَى الإِلحَادِ وَاللَّادِينِيَّةِ وَحُرِّيَّةِ الانسِلَاخِ مِن أَحكَامِ الشَّرعِ تَحتَ شِعَارَاتٍ بَرَّاقَةٍ خَادِعَةٍ!
العَاصِفَةُ الثَّانِيَةُ: «عَاصِفَةُ الشَّهَوَاتِ وَالانحِلَالِ وَتَدمِيرِ الفِطرَةِ»؛ حَيثُ تُعرَضُ الفَوَاحِشُ وَالعُرْيُ وَالعَلَاقَاتُ المُحَرَّمَةُ بَل وَالشُّذُوذُ المُدمِّرُ لِلفِطرَةِ البَشَرِيَّةِ فِي الأَفلَامِ وَالمَقَاطِعِ وَالأَلعَابِ الإِلكترُونِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا أَمرٌ طَبِيعِيٌّ مَألُوفٌ!
العَاصِفَةُ الثَّالِثَةُ: «عَاصِفَةُ التَّفَاهَةِ وَالقُدوَاتِ المُزَيَّفَةِ»؛ حِينَ يَصِيرُ التَّافِهُونَ وَالفَارِغُونَ هُمُ النُّجُومَ المَشهُورِينَ الَّذِينَ يَحصُدُونَ المَلَايِينَ، فَيَزهَدُ الشَّابُّ فِي العِلمِ وَالقُرآنِ وَالجِدِّ وَالعَمَلِ، وَيَحلُمُ بِالشُّهرَةِ السَّريعَةِ وَالثَّرَاءِ السَّهلِ!
العَاصِفَةُ الرَّابِعَةُ: «عَاصِفَةُ المَادِّيَّةِ وَالاستِهلَاكِ وَالمُقَارَنَاتِ الكَاذِبَةِ»؛ الَّتِي تَجعَلُ الشَّابَّ أَوِ الفَتَاةَ يَسخَطُ عَلَى رِزقِ اللهِ وَعَلَى عِيشَةِ أَهلِهِ وَيَلهَثُ وَرَاءَ المَظَاهِرِ الزَّائِفَةِ!
وَفِي وَسَطِ هَذَا الطُّوفَانِ كُلِّهِ، يَقَعُ كَثِيرٌ مِنَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ فِي «الوَهمِ الكَبِيرِ»: يَظُنُّ الأَبُ أَنَّهُ إِذَا كَدَّحَ طَوَالَ النَّهَارِ لِيُوَفِّرَ لِأَولَادِهِ أَفضَلَ طَعَامٍ، وَأَفخَرَ لِبَاسٍ، وَأَغلَى هَاتِفٍ، وَأَدخَلَهُم أَرقَى المَدَارِسِ الدُّنيَوِيَّةِ، فَقَد أَدَّى الأَمَانَةَ كَامِلَةً!
يَا عَبدَ اللهِ، هَذِهِ «رِعَايَةُ أَبدَانٍ» وَلَيسَت «تَربِيَةَ إِيمَانٍ وَأَروَاحٍ»! إِذَا كُنتَ تَسأَلُ وَلَدَكَ كُلَّ يَومٍ: «هَل أَكَلتَ؟ هَل شَرِبتَ؟ هَل كَتَبتَ وَاجِبَ المَدرَسَةِ؟ كَم أَخَذتَ فِي امتِحَانِ الدُّنيَا؟»، ثُمَّ تَمرُّ الأَيَّامُ وَالأَسَابِيعُ وَلَا تَسأَلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً: «هَل صَلَّيتَ الفَجرَ؟ مَاذَا قَرَأتَ مِنَ القُرآنِ؟ مَن هُم أَصدِقَاؤُكَ؟ مَاذَا تُشَاهِدُ عَلَى هَاتِفِكَ فِي غُرفَتِكَ؟»، فَأَنتَ وَاللهِ قَد حَفِظتَ جَسَدَهُ الفَانِيَ وَضَيَّعتَ رُوحَهُ وَآخِرَتَهُ البَاقِيَةَ!
فَمَا هِيَ الوَاجِبَاتُ العَمَلِيَّةُ الكُبرَى الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَبٍ وَأُمٍّ أَن يَنهَضَا بِهَا فَوْرًا لِإِنقَاذِ الأَبنَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ؟ إِنَّهَا سِتُّ رَكَائِزَ عِظَامٍ:
الرَّكِيزَةُ الأُولَى: بِنَاءُ «المَنَاعَةِ العَقَدِيَّةِ وَالمُرَاقَبَةِ الذَّاتِيَّةِ» فِي قُلُوبِ الأَبنَاءِ:
أَيُّهَا المُرَبُّونَ؛ لَن تَستَطِيعُوا فِي هَذَا العَصرِ أَن تَضَعُوا كَامِيرَا مُرَاقَبَةٍ فَوقَ رَأسِ وَلَدِكُم أَربَعًا وَعِشرِينَ سَاعَةً! الحَلُّ الوَحِيدُ النَّاجِعُ هُوَ أَن تَزرَعُوا فِي قَلبِهِ «مُرَاقَبَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» حَتَّى يَكُونَ هُوَ رَقِيبَ نَفسِهِ إِذَا خَلَا بِشَاشَتِهِ وَغَابَ عَن أَعيُنِكُم!
انظُرُوا إِلَى مَنهَجِ لُقمَانَ الحَكِيمِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ كَيَ بَدَأَ مَعَ ابنِهِ بِالتَّوحِيدِ ثُمَّ بِغَرسِ عَقِيدَةِ المُرَاقَبَةِ الإِلَهِيَّةِ الدَّقِيقَةِ فَقَالَ:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]،
ثُمَّ قَالَ لَهُ:
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]!
وَانظُرُوا كَيَ رَبَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الغُلَامَ النَّاشِئَ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَهُوَ رَدِيفُهُ عَلَى الدَّابَّةِ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ وَصَحَّحَهُ الأَئِمَّةُ فَقَالَ لَهُ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احفَظِ اللهَ يَحفَظْكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللهَ، وَإِذَا استَعَنتَ فَاستَعِنْ بِاللهِ، وَاعلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت عَلَى أَن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لَم يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»!
عَرِّفُوا أَبنَاءَكُم بِاللهِ؛ حَبِّبُوا إِلَيهِم رَبَّهُم بِذِكرِ نِعَمِهِ وَرَحمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، وَاملَؤُوا قُلُوبَهُم بِتَعظِيمِهِ وَالحَيَاءِ مِن نَظَرِهِ!
الرَّكِيزَةُ الثَّانِيَةُ: إِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَرَبطُ الأَبنَاءِ بِالمَسجِدِ وَحَلَقَاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ:
الصَّلَاةُ هِيَ الحَبلُ المَتِينُ الَّذِي إِذَا تَمَسَّكَ بِهِ الشَّابُّ أَوِ الفَتَاةُ عَصَمَهُ اللهُ مِنَ الضَّيَاعِ وَالفَوَاحِشِ! قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
لَم يَقُلْ: «وَاصبِرْ عَلَيهَا» فَقَط، بَل قَالَ: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ بِزِيَادَةِ الطَّاءِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قِمَّةِ الصَّبرِ وَالمُجَاهَدَةِ وَعَدَمِ المَلَلِ مِن إِيقَاظِ الأَبنَاءِ وَمُتَابَعَتِهِم فِي الصَّلَوَاتِ الخَمسِ!
كَم مِن أَبٍ يَغضَبُ غَضَبًا شَدِيدًا إِذَا تَأَخَّرَ وَلَدُهُ خَمسَ دَقَائِقَ عَن حَافِلَةِ المَدرَسَةِ صَبَاحًا، وَلَكِنَّهُ يَخرُجُ إِلَى صَلَاةِ الفَجرِ وَيَترُكُ أَولَادَهُ البَالِغِينَ نَائِمِينَ تَحتَ الأَغطِيَةِ لَا يُوقِظُهُم لِصَلَاةِ الفَجرِ بِحُجَّةِ أَنَّهُم سَهِرُوا أَو أَنَّهُ يُشفِقُ عَلَيهِم مِنَ التَّعَبِ! أَيُّ شَفَقَةٍ هَذِهِ الَّتِي تَرحَمُ جَسَدَهُ مِن بَردِ المَاءِ فِي الدُّنيَا وَتَترُكُهُ لِحَرِّ النَّارِ فِي الآخِرَةِ؟!
خُذْ بِيَدِ وَلَدِكَ إِلَى المَسجِدِ، وَاربِطْهُ بِحَلقَةِ تَحفِيظِ القُرآنِ الكَرِيمِ؛ فَإِنَّ القَلبَ الَّذِي يَعمُرُهُ القُرآنُ فِي الصِّغَرِ لَا تَقتَلِعُهُ عَوَاصِفُ الفِتَنِ فِي الكِبَرِ!
الرَّكِيزَةُ الثَّالِثَةُ: القُربُ العَاطِفِيُّ، وَالحِوَارُ الدَّافِئُ، وَمُصَاحَبَةُ الأَبنَاءِ قَبلَ أَن يَخطِفَهُمُ الغُرَبَاءُ:
اسْمَعُوهَا مِنِّي صَرِيحَةً يَا مَعشَرَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ: «الإِنسَانُ كَائِنٌ عَاطِفِيٌّ لَا يَقبَلُ الفَرَاغَ؛ فَإِذَا لَم يَجِدِ الِابنُ أَوِ البِنتُ الحُبَّ وَالحَنَانَ وَالإِصغَاءَ وَالتَّقدِيرَ فِي حِضنِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، بَحَثَ عَنهُ خَارِجَ البَيتِ وَخَلفَ الشَّاشَاتِ عِندَ الذِّئَابِ وَالمُفترِسِينَ»!
لَا تَكُنْ فِي بَيتِكَ كَالسَّجَّانِ العَبُوسِ الَّذِي لَا يَعرِفُ إِلَّا الصُّرَاخَ وَالتَّوبِيخَ وَالأَوَامِرَ الجَافَّةَ، أَو كَالضَّيفِ الغَرِيبِ الَّذِي يَدخُلُ البَيتَ مَشغُولًا بِهَاتِفِهِ لَا يُجَالِسُ أَولَادَهُ وَلَا يُضَاحِكُهُم وَلَا يَسمَعُ هُمُومَهُم!
انظُرُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَحملُ الأُمَّةَ كُلَّهَا عَلَى عَاتِقِهِ، كَيَ كَانَ يُقَبِّلُ الحَسَنَ وَالحُسَينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا؛ فَلَمَّا قَالَ الأَقرَعُ بنُ حَابِسٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلتُ مِنهُم أَحَدًا! نَظَرَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «مَن لَا يَرحَمُ لَا يُرحَمُ»!
وَانظُرُوا كَيَ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَت عَلَيهِ ابنَتُهُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا -كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا- قَامَ إِلَيهَا، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، فَقَبَّلَهَا، وَأَجلَسَهَا فِي مَجلِسِهِ!
ضُمُّوا أَبنَاءَكُم وَبَنَاتِكُم إِلَى صُدُورِكُم، أَشبِعُوهُم بِكَلِمَاتِ المَحَبَّةِ وَالمَدحِ وَالثَّنَاءِ، افتَحُوا مَعَهُم بَابَ الحِوَارِ الهَادِئِ حَتَّى إِذَا عَرَضَت لِأَحَدِهِم شُبهَةٌ أَو مُشكِلَةٌ أَو زَلَّةٌ جَاءَ إِلَيكَ أَنتَ يَستَشِيرُكَ وَيَستَعِينُ بِكَ بَدَلًا مِن أَن يَخَافَ مِنكَ فَيَلجَأَ إِلَى أَعدَاءِ الدِّينِ وَالأَخلَاقِ!
أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، حَافِظِ الذُّرِّيَّاتِ بِصَلَاحِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَمُجِيبِ دَعَوَاتِ المُضطَرِّينَ فِي الخَلَوَاتِ وَالجَلَوَاتِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهَديِهِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَلْنَستَكمِلِ الرَّكَائِزَ الثَّلَاثَ البَاقِيَةَ الَّتِي تَكتَمِلُ بِهَا مَنظُومَةُ حِمَايَةِ الأَبنَاءِ فِي عَصرِ الانفِتَاحِ عَلَى الدُّنيَا:
الرَّكِيزَةُ الرَّابِعَةُ: القُدوَةُ الصَّالِحَةُ دَاخِلَ البَيتِ، وَتَقوَى اللهِ، وَإِطَابَةُ المَطعَمِ الحَلَالِ:
أَيُّهَا الأَبُ الكَرِيمُ، وَأَيَّتُهَا الأُمُّ الفَاضِلَةُ: اعلَمَا أَنَّ الأَبنَاءَ يَتَعَلَّمُونَ بِأَعيُنِهِم قَبلَ أَن يَتَعَلَّمُوا بِآذَانِهِم! فَإِذَا رَأَى الطِّفلُ أَبَاهُ يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَيَصدُقُ فِي حَدِيثِهِ، وَيَبَرُّ وَالِدَيهِ، وَيَغُضُّ بَصَرَهُ، وَيُكرِمُ زَوجَتَهُ، وَرَأَى أُمَّهُ مُحتَشِمَةً عَفِيفَةً ذَاكِرَةً للهِ قَانِتَةً، تَشَرَّبَ الصَّلَاحَ وَالاستِقَامَةَ مِن غَيرِ خُطَبٍ طَوِيلَةٍ! أَمَّا إِذَا كَانَ الأَبُ يَنهَى وَلَدَهُ عَنِ الكَذِبِ وَهُوَ يَكذِبُ أَمَامَهُ، أَو يَنهَاهُ عَن إِدمَانِ الهَاتِفِ وَهُوَ لَا يَرفَعُ رَأسَهُ عَن شَاشَتِهِ، فَكَيَ يَستَقِيمُ الظِّلُّ وَالعُودُ أَعوَجُ؟!
وَاعلَمُوا أَنَّ تَقوَى الوَالِدَينِ وَصَلَاحَهُمَا وَطِيبَ كَسبِهِمَا الحَلَالِ هُوَ أَعظَمُ حِصنٍ يَحفَظُ اللهُ بِهِ الأَبنَاءَ فِي حَيَاةِ الوَالِدَينِ وَبَعدَ مَمَاتِهِمَا! تَذَكَّرُوا قِصَّةَ الغُلَامَينِ اليَتِيمَينِ فِي سُورَةِ الكَهفِ كَيَ سَخَّرَ اللهُ لَهُمَا نَبِيَّهُ مُوسَى وَالعَبدَ الصَّالِحَ الخَضِرَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ لِيَبنِيَا جِدَارَهُمَا وَيَحفَظَا كَنزَهُمَا؛ وَمَا السَّبَبُ؟ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَتْ أُمُّهُمَا —قِرَاءَةُ الجُمهُورِ المتَوَاتِرَةُ—: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]!
قَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللهُ لِوَلَدِهِ: «يَا بُنَيَّ، لَأَزِيدَنَّ فِي صَلَاتِي مِن أَجلِكَ، رَجَاءَ أَن أُحفَظَ فِيكَ»، ثُمَّ تَلَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾!
الرَّكِيزَةُ الخَامِسَةُ: اليَقَظَةُ التَّربَوِيَّةُ الرَّقَمِيَّةُ، وَتَخَيُّرُ الصُّحبَةِ، وَمَلءُ أَوقَاتِ الفَرَاغِ بِالنَّافِعِ:
مِنَ الخِيَانَةِ لِلأَمَانَةِ فِي هَذَا العَصرِ أَن يُعطَى الطِّفلُ الصَّغِيرُ أَوِ المُرَاهِقُ جِهَازًا مَفتُوحًا عَلَى كُلِّ مَوَاقِعِ الدُّنيَا وَيُترَكَ بِهِ فِي غُرفَةٍ مُغلَقَةٍ طَوَالَ اللَّيلِ بِلَا ضَوَابِطَ وَلَا مُتَابَعَةٍ!
ضَعُوا فِي بُيُوتِكُم قَوَانِينَ حَكِيمَةً حَازِمَةً وَرَحِيمَةً: أَوقَاتٌ مُحَدَّدَةٌ لِلأَجهِزَةِ، مَنعُ الخَلوَةِ بِالشَّاشَاتِ فِي غُرَفِ النَّومِ لَيلًا، تَفعِيلُ بَرَامِجِ الحِمَايَةِ الأَبَوِيَّةِ، التَّعَرُّفُ عَلَى أَصدِقَاءِ الأَبنَاءِ فِي الوَاقِعِ وَفِي العَالَمِ الرَّقَمِيِّ، وَالأَهَمُّ مِن ذَلِكَ: «مَلءُ الفَرَاغِ بِالبَدِيلِ النَّافِعِ المُمتِعِ» مِنَ الرِّيَاضَةِ البَدَنِيَّةِ، وَالقِرَاءَةِ، وَالمَهَارَاتِ العَمَلِيَّةِ، وَالنُّزهَاتِ الأُسرِيَّةِ، وَالخِدمَةِ الاجتِمَاعِيَّةِ؛ حَتَّى لَا يَبقَى الفَرَاغُ مَيدَانًا يَصطَادُ فِيهِ الشَّيطَانُ أَبنَاءَنَا!
الرَّكِيزَةُ السَّادِسَةُ: سِلَاحُ الدُّعَاءِ الصَّادِقِ لِلأَبنَاءِ، وَالحَذَرُ الشَّدِيدُ مِنَ الدُّعَاءِ عَلَيهِم عِندَ الغَضَبِ:
أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ: مَهمَا بَذَلنَا مِنَ الأَسبَابِ، فَالقلُوبُ بِيَدِ اللهِ وَحدَهُ هُوَ الهَادِي وَهُوَ الحَافِظُ! وَلِذَلِكَ كَانَ دَأبُ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الإِلحَاحَ عَلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ لِذُرِّيَّاتِهِم؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى عَن عِبَادِ الرَّحمَنِ:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
وَإِيَّاكُم ثُمَّ إِيَّاكُم -يَا آبَاءُ وَيَا أُمَّهَاتُ- أَن تَدعُوا عَلَى أَولَادِكُم بِالهَلَاكِ أَوِ اللَّعنِ أَوِ الفَسَادِ فِي سَاعَةِ الغَضَبِ! استَمِعُوا إِلَى تَحذِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدعُوا عَلَى أَنفُسِكُم، وَلَا تَدعُوا عَلَى أَولَادِكُم، وَلَا تَدعُوا عَلَى أَموَالِكُم، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَستَجِيبُ لَكُم»! بَل عَوِّدُوا أَلسِنَتَكُم حَتَّى عِندَ الغَضَبِ أَن تَقُولُوا لِأَولَادِكُم: «أَصلَحَكَ اللهُ، هَدَاكَ اللهُ، جَعَلَكَ اللهُ قُرَّةَ عَينٍ لِلإِسلَامِ وَالمُسلِمِينَ»!
وَتَذَكَّرُوا دَائِمًا أَنَّ الوَلَدَ الصَّالِحَ هُوَ أَعظَمُ استِثمَارٍ لَكُم بَعدَ مَوتِكُم حِينَ تَنقَطِعُ الأَعمَالُ فِي ظُلمَةِ القُبُورِ؛ كَمَا رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انقَطَعَ عَنهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلمٍ يُنتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَهُ»!
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى الهَادِي البَشِيرِ وَالسِّرَاجِ المُنِيرِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلْنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا.
اللَّهُمَّ أَصلِحْ لَنَا نِيَّاتِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَاحفَظْ أَبنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا وَشَبَابَ المُسلِمِينَ مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، وَحَبِّبْ إِلَيهِمُ الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِهِم، وَكَرِّهْ إِلَيهِمُ الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، وَاجعَلْهُم هُدَاةً مُهتَدِينَ غَيرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى أَدَاءِ أَمَانَتِهِم وَحُسنِ تَربِيَتِهِم عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاجعَلْ بُيُوتَنَا بُيُوتَ نُورٍ وَطَاعَةٍ وَسَكِينَةٍ وَقُرآنٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
مَسؤُولِيَّةُ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ تِجَاهَ الأَبنَاءِ فِي عَصرِ الِانفِتَاحِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَن أَمَانَةِ التَّربِيَةِ وَحِمَايَةِ النَّاشِئَةِ مِن فِتَنِ الدُّنيَا وَالشَّاشَاتِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.