من مكتبة مِداد الخطيب

مَوعِظَةٌ مُؤَثِّرَةٌ عَنِ المَوتِ وَالقَبرِ تُقَالُ عِندَ الدَّفنِ: يَا إِخوَانِي لِمِثلِ هَذَا فَأَعِدُّوا

مشاركة
مَوعِظَةٌ مُؤَثِّرَةٌ عَنِ المَوتِ وَالقَبرِ تُقَالُ عِندَ الدَّفنِ: يَا إِخوَانِي لِمِثلِ هَذَا فَأَعِدُّوا الحَمدُ للهِ الحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، القَاهِرِ فَوقَ عِبَادِهِ بِالفَنَاءِ وَالمَوتِ، المُتَفَرِّدِ بِالبَقَاءِ وَالعِزَّةِ وَالجَبَرُوتِ، كَتَبَ المَوتَ عَلَى جَمِيعِ الخَلَائِقِ فَسَوَّى فِيهِ بَينَ المُلُوكِ وَالمَمَالِيكِ، وَالأَغنِيَاءِ وَالصَّعَالِيكِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَدَّخِرُهَا لِوَحدَةِ القُبُورِ، وَظُلمَةِ اللُّحُودِ، وَهَولِ يَومِ البَعثِ وَالنُّشُورِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي وَقَفَ عَلَى شَفِيرِ القَبرِ فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى بِدُمُوعِهِ شَفَقَةً عَلَى أُمَّتِهِ وَتَذكِيرًا لَهَا بِمَصِيرِهَا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين، أَمَّا بَعد: فَيَا أَيُّهَا المُشَيِّعُونَ الكِرَامُ، يَا مَن وَقَفتُمُ السَّاعَةَ عَلَى شَفِيرِ هَذِهِ الحُفرَةِ الضَّيِّقَةِ، قِفُوا هُنَيهَةً وَأَنصِتُوا بِقُلُوبِكُم قَبلَ آذَانِكُم؛ فَإِنَّكُم تَقِفُونَ الآنَ عَلَى الفَاصِلِ الحَقِيقِيِّ بَينَ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَتُشَاهِدُونَ بِأَعيُنِكُم أَصدَقَ مَوعِظَةٍ صَامِتَةٍ تَهدِمُ أَوهَامَ الغَفلَةِ وَطُولِ الأَمَل! لَقَد جَلَسَ نَبِيُّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَومًا عَلَى شَفِيرِ قَبرٍ كَمَا تَقِفُونَ الآنَ -كَمَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ ابنِ مَاجَه وَمُسنَدِ أَحمَدَ مِن حَدِيثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ- فَبَكَى صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ التَفَتَ إِلَى أَصحَابِهِ قَائِلًا: «يَا إِخوَانِي، لِمِثلِ هَذَا فَأَعِدُّوا»! انظُرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- إِلَى هَذَا القَبرِ الَّذِي نُهِيلُ عَلَيهِ التُّرَابَ بِأَيدِينَا؛ هَاهُوَ أَخُونَا قَد خَلَعَ ثِيَابَ الدُّنيَا وَزِينَتَهَا، وَارتَدَى كَفَنًا أَبيَضَ لَا جُيُوبَ فِيهِ لِدِرهَمٍ وَلَا دِينَارٍ، وَخَرَجَ مِن سَعَةِ الدُّورِ وَالقُصُورِ إِلَى ضِيقِ اللُّحُودِ وَالقُبُورِ، وَفَارَقَ الأَهلَ وَالأَحبَابَ وَالأَولَادَ، لِيَبيتَ اللَّيلَةَ أَوَّلَ لَيلَةٍ لَهُ تَحتَ أَطبَاقِ التُّرَابِ وَحِيدًا فَرِيدًا! صَدَقَ رَبُّنَا العَظِيمُ إِذْ يَقُولُ فِي مُحكَمِ سُورَةِ آلِ عِمرَان: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. وَصَدَقَ نَبِيُّنَا الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حِينَ لَخَّصَ لَنَا حَقِيقَةَ هَذِهِ اللَّحظَةِ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَتبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرجِعُ اثنَانِ وَيَبقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتبَعُهُ أَهلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرجِعُ أَهلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبقَى عَمَلُهُ»! يَا عِبَادَ الله: إِنَّنَا بَعدَ دَقَائِقَ مَعدُودَةٍ سَنَنفُضُ أَيدِيَنَا مِن غُبَارِ هَذَا القَبرِ، وَسَيَرجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِلَى بَيتِهِ وَفِرَاشِهِ وَتِجَارَتِهِ وَدُنيَاهُ، وَيَبقَى صَاحِبُ هَذَا القَبرِ مُرتَهَنًا بِعَمَلِهِ؛ صَلَاتُهُ عِندَ رَأسِهِ، وَصِيَامُهُ عَن يَمِينِهِ، وَزَكَاتُهُ وَصَدَقَاتُهُ عَن شِمَالِهِ، وَبِرُّهُ وَإِحسَانُهُ إِلَى النَّاسِ عِندَ رِجلَيهِ! وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ، لَو أَذِنَ اللهُ لِأَهلِ هَذِهِ القُبُورِ أَن يَنطِقُوا لَنَادَونَا بِأَعلَى أَصوَاتِهِم: يَا أَهلَ الدُّنيَا! إِنَّمَا الدُّنيَا سَاعَةٌ فَاغتَنِمُوهَا، وَإِنَّ الرَّكعَتَينِ الخَفِيفَتَينِ فِي جَوفِ اللَّيلِ، وَالتَّسبِيحَةَ الوَاحِدَةَ فِي صَحِيفَةِ أَحدِكُم، أَحَبُّ إِلَينَا اليَومَ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا! أَمَا تَسمَعُونَ قَولَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ المُؤمِنُون وَهُوَ يَصِفُ حَسرَةَ المُفَرِّطِينَ عِندَ مُعَايَنَةِ المَوت: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؟! أَيُّهَا الإِخوَةُ الأَحيَاء: إِنَّ أَخطَرَ مَا يُصِيبُ القُلُوبَ أَن نَحمِلَ الجَنَائِزَ عَلَى أَكتَافِنَا، وَنُنزِلَ المَوتَى بِأَيدِينَا فِي اللُّحُودِ، وَنَحنُ نَظُنُّ أَنَّ المَوتَ إِنَّمَا كُتِبَ عَلَى غَيرِنَا! وَنَنسَى أَنَّنَا نَحنُ الجَنَائِزُ المُؤَجَّلَةُ، وَأَنَّ مَن حَمَلَ اليَومَ سَيُحمَلُ غَدًا، وَمَن دَفَنَ اليَومَ سَيُدفَنُ غَدًا، وَمَن بَكَى اليَومَ سَيُبكَى عَلَيهِ غَدًا! كَانَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ -كَمَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ- إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذكَرُ الجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبكِي، وَتَبكِي مِن هَذَا؟! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ القَبرَ أَوَّلُ مَنزِلٍ مِن مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَإِن نَجَا مِنهُ فَمَا بَعدَهُ أَيسَرُ مِنهُ، وَإِن لَم يَنجُ مِنهُ فَمَا بَعدَهُ أَشَدُّ مِنهُ»! فَيَا مَن ضَيَّعَ الصَّلَوَاتِ وَاتَّبَعَ الشَّهَوَاتِ، وَيَا مَن أَكَلَ الحَرَامَ وَظَلَمَ العِبَادَ وَقَطَعَ الأَرحَامَ: هَذِهِ هِيَ الحُفرَةُ الَّتِي سَتَنزِلُ فِيهَا وَحدَكَ! فَبِأَيِّ وَجهٍ تَلقَى اللهَ؟ وَبِأَيِّ لِسَانٍ تُجِيبُ المَلَكَينِ إِذَا أَقعَدَاكَ وَقَالَا لَكَ: مَن رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَن نَبِيُّكَ؟ إِنَّ التَّثبِيتَ هُنَاكَ لَا يَكُونُ بِفَصَاحَةِ اللِّسَانِ، وَلَا بِكَثرَةِ الأَموَالِ وَالأَتبَاعِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِالإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ فِي الدُّنيَا؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ إِبرَاهِيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. فَاللهَ اللهَ فِي التَّوبَةِ النَّصُوحِ قَبلَ أَن تَقُولَ نَفسٌ يَا حَسرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ! رُدُّوا المَظَالِمَ إِلَى أَهلِهَا، وَحَافِظُوا عَلَى صَلَوَاتِكُم، وَأَصلِحُوا سَرَائِرَكُم، وَتَزَوَّدُوا لِهَذِهِ الحُفرَةِ المُظلِمَةِ بِنُورِ الطَّاعَةِ وَالقُرآنِ؛ وَصدقَ الشَّاعِرُ الوَاعِظُ إِذْ يَقُول: وَلَو أَنَّا إِذَا مِتنَا تُرِكنَا ... لَكَانَ المَوتُ رَاحَةَ كُلِّ حَيِّ وَلَكِنَّا إِذَا مِتنَا بُعِثنَا ... وَنُسأَلُ بَعدَهُ عَن كُلِّ شَيِّ ثُمَّ اعلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ أَعظَمَ حَقٍّ لِأَخِيكُمُ المَدفُونِ عَلَيكُم فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الرَّهِيبَةِ هُوَ مَا أَمَرَكُم بِهِ نَبِيُّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَقَد رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَرَغَ مِن دَفنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيهِ فَقَالَ: «استَغفِرُوا لِأَخِيكُم، وَسَلُوا لَهُ التَّثبِيتَ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسأَلُ»! فَأَخلِصُوا الدُّعَاءَ لِأَخِيكُمُ السَّاعَةَ بَينَ يَدَي أَرحَمِ الرَّاحِمِينَ: اللَّهُمَّ اغفِرْ لِعَبدِكَ هَذَا وَارحَمهُ، وَعَافِهِ وَاعفُ عَنهُ، وَأَكرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدخَلَهُ، وَاغسِلهُ بِالمَاءِ وَالثَّلجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَد نَزَلَ بِكَ وَأَنتَ خَيرُ مَنزُولٍ بِهِ، وَأَصبَحَ فَقِيرًا إِلَى رَحمَتِكَ وَأَنتَ غَنِيٌّ عَن عَذَابِهِ؛ اللَّهُمَّ ثَبِّتهُ بِالقَولِ الثَّابِتِ عِندَ السُّؤَالِ، وَآنسْ وَحشَتَهُ، وَارحَمْ غُربَتَهُ، وَأَنِرْ لَهُ فِي قَبرِهِ، وَافسَحْ لَهُ فِيهِ مَدَّ بَصَرِهِ، وَاجعَلْ قَبرَهُ رَوضَةً مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَلَا تَجعَلهُ حُفرَةً مِن حُفَرِ النَّارِ. اللَّهُمَّ اربِطْ عَلَى قُلُوبِ أَهلِهِ وَذَوِيهِ، وَأَفرِغْ عَلَيهِم صَبرًا جَمِيلًا، وَاخلُفهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِرِينَ، وَاغفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَلَا تَفتِنَّا بَعدَهُ، وَلَا تَحرِمنَا أَجرَهُ، وَأَحسِنْ خِتَامَنَا إِذَا صِرنَا إِلَى مَا صَارَ إِلَيهِ، وَارزُقنَا تَوبَةً صَادِقَةً نَصُوحًا قَبلَ المَوتِ، وَشَهَادَةً بِالتَّوحِيدِ عِندَ المَوتِ، وَنَجَاةً وَنَعِيمًا بَعدَ المَوتِ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.