🕌 وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا... خَسارَةُ الدِّينِ بِكَلِمَة
#خطبة_جمعة #الظلم #الركون_للظالمين #الثبات_على_الحق #مواقف_العلماء #عقيدة
الحمدُ للهِ العَدلِ القائمِ بالقِسط، الجَبَّارِ المُنتَقِمِ الذي لا يَظلِمُ مِثقالَ ذَرَّةٍ، ولا يَضيعُ عندَهُ حَقٌّ لِمَظلوم. الحمدُ لله الذي حَرَّمَ الظُّلمَ على نَفسِه وجَعَلَهُ بينَ عبادِه مُحَرَّمًا، وتَوَعَّدَ الظَّالمينَ وأعوانَهُم والمُصَفِّقينَ لهم بنارٍ تَلَظَّى. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، مَلِكُ المُلوك، ومُذِلُّ الجَبابرةِ، الذي يُملي للظَّالمِ حتى إذا أخَذَهُ لم يُفلِته. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ العادِلينَ وقائدُ المُصلِحينَ، الذي حَذَّرَ أُمَّتَهُ من أبوابِ السَّلاطين ومَزالِقِ النِّفاق، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ في دَفعِ الباطلِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَخَيَّلوا مَعي مَشهَدًا يَتَكَرَّرُ يومَ القيامة... رَجُلٌ يُبعَثُ من قَبره، صامَ نَهارَهُ في الدُّنيا، وقامَ لَيلَه، وقَرَأَ وِردَهُ من القرآنِ، لم يَسرِق مالًا، ولم يَسفِك دَمًا بيَدِه، ولم يَزنِ، ولم يَشرَب خَمرًا. يَقِفُ أمامَ الميزانِ وهو يَظُنُّ أنَّ جِبالَ حَسَناتِه ستُدخِلُهُ من بابِ الرَّيَّان... فإذا بالملائكةِ تَأخُذُ بناصِيَتِهِ إلى نارِ جَهَنَّم!
يَصرُخُ الرَّجُل: يا ربِّ لماذا؟ ما قَتَلتُ! ما سَرَقتُ!
فيُقالُ له: نَعَم، لكنَّكَ وَقَفتَ يَومًا فابتَسَمتَ في وَجهِ ظالم.
أو كَتَبتَ كَلِمةً تُبَرِّرُ فيها بَطشَ مُستَبِد.
أو صَفَّقتَ لِمَن يَسفِكُ دِماءَ الأبرياء.
أو سَكَتَّ حيثُ وَجَبَ النُّطق، ورَكَنتَ إلى الطُّغيانِ طَلَبًا للسَّلامة!
أَيُّها الإخوةُ الأحبَّة، هل سَأَلتُم أنفُسَكم يَومًا: لماذا يَسقُطُ بَعضُ الصَّالحينَ في هذا الفَخِّ العظيم؟ لماذا يَتَوَهَّمُ البَعضُ أنَّ الظُّلمَ مَحصورٌ في القاتِلِ والمُستَبِدِّ وَحدَه، ويَنسى أنَّ دائرةَ الظُّلمِ في شَرعِ اللهِ تَبتَلِعُ كُلَّ مَن أعانَ، وكُلَّ مَن بَرَّر، وكُلَّ مَن سَكَتَ رِضًا، بل وكُلَّ مَن مالَ بقَلبِهِ مَيلًا خَفيًّا نحو الظَّالم؟
اسمعوا لهذه الآيةِ التي لو تَدَبَّرناها لَطَيَّرَت النَّومَ من أعيُنِنا. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى، حاكِمُ السَّماواتِ والأرض، مُحَذِّرًا عبادَهُ المؤمنين في سورةِ هود: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113].
تَأمَّلوا... اللهُ جَلَّ جَلالُهُ لم يَقُل في هذه الآية: "لا تَظلِموا". النَّهيُ عن مُباشرةِ الظُّلمِ جاءَ في آياتٍ أخرى. لكنَّهُ هنا يُحَذِّرُ من شَيءٍ أخفى وأدَقّ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾. وما هو الرُّكون؟ الرُّكونُ في لُغةِ العَرَب — كما يُفَسِّرُه ابنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ وغَيرُهُ من أئمَّةِ التَّفسير — هو المَيلُ اليَسير. مجردُ الميلِ النَّفسيِّ، أو المُداهَنةِ، أو الرِّضا بأفعالِهم، أو السُّكوتِ عن بَقائهم، أو إظهارِ الوُدِّ لهم.
قال الإمامُ القُرطُبيُّ رحمه الله في تفسيرها: "الرُّكونُ: حَقيقةُ المَيلِ والاعتمادِ والسُّكونِ إلى الشَّيء والرِّضا به. فَنَهى اللهُ تعالى عن المَيلِ إلى الظَّلَمَةِ... وهذا يَدُلُّ على هِجرانِ الظَّلَمَةِ والمُبطِلين، وتَركِ مُجالَسَتِهم، وتَركِ الاغتِرارِ بهم".
وجاء عن الحَسَنِ البَصريِّ رحمه الله أنَّهُ قال: "مَن دَعا لِظالمٍ بالبقاء، فقد أحَبَّ أن يُعصى اللهُ في أرضِه".
تَأمَّلوا الميزانَ الرَّبَّاني! مُجرَّدُ المَيلِ إليهم، مُجرَّدُ الرِّضا بمَناصِبهم، مُجرَّدُ الدُّعاءِ لهم بطولِ العُمُر... ما جَزاؤه؟ ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. لم يَقُل "تَدخُلونها" بَل قال "تَمَسَّكُم"، أي أنَّ مُجرَّدَ لَفحَةٍ من النَّارِ ستُصيبُ هذا المائلَ الراضي، فكيفَ بِمَن كانَ سَيفًا في يَدِ الظَّالم؟ وكيف بِمَن كان بُوقًا يُلَمِّعُ باطِلَه؟
أيُّها المؤمنون، إنَّ السُّكوتَ عن الظُّلمِ مُشاركَةٌ فيه، وتَبريرَهُ خِيانَةٌ للدِّين، والوُقوفَ في صَفِّ الظَّالمينَ يَنقُضُ عُرى الإيمانِ عُروَةً عُروَة. ولقد كانَ النَّبيُّ ﷺ أحرَصَ النَّاسِ على تَحذيرِ أُمَّتِهِ من هذا الزَّلَقِ الخَطير. واسمعوا لهذا الحديثِ العظيمِ الذي يَكشِفُ لنا واقِعَ زَمانِنا كأنَّهُ رُسِمَ اليوم.
قال الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ، كما في الحَديثِ الصَّحيحِ الذي رَواهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ عن كَعبِ بن عُجرَة رضي الله عنه: «إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ، مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الْحَوْضَ. وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي
وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الْحَوْضَ».
يا لَعَظَمَةِ هذا التَّحذير! ويا لَشِدَّةِ الحِرمان! ﴿فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ﴾. بَراءَةٌ نَبَويَّةٌ مُطلَقَة. من مَن؟ هل مِن قاتل؟ هل من سارِق؟ لا! البَراءَةُ مِمَّن يَدخُلُ قُصورَ المُستَبِدِّين، ويَجلِسُ في مَجالِسِهم، ويَهُزُّ رأسَهُ مُصَدِّقًا لِكَذِبِهم، ومُبَرِّرًا لقَمعِهم لشُعوبِهم ولِسَفكِهم لدِماءِ الأبرياء. هذا الرَّجُلُ الذي يَتَصَدَّرُ شاشاتِ التِّلفاز، أو يَلبَسُ عِمامَةَ العِلم، ليَقولَ للناسِ عن الظَّالم: "إنَّهُ وَلِيُّ أمرٍ حَكيم"، ويَقولَ عن الشُّعوبِ المَذبوحَة: "إنَّهم خَوارِجُ ومُفتَتِنون"... هذا المُبَرِّرُ قَد حَرَمَ نَفسَهُ من شُربَةِ ماءٍ من يَدِ الحَبيبِ ﷺ يومَ العَطَشِ الأكبر!
عبادَ الله، هل تَظُنُّونَ أنَّ الجُنديَّ الذي يَضرِبُ بسَوطِ الظَّالِم، أو المُوَظَّفَ الذي يَكتُبُ مَراسيمَه، مُعفًى من العُقوبةِ بِحُجَّةِ أنَّهُ "عبدٌ مأمور"؟ كَلَّا، وربِّ الكعبة! إنَّ مَنطِقَ "أنا عبدٌ مأمور، أنفِّذُ الأوامرَ فقط" هو مَنطِقٌ فِرعَونيٌّ أسقَطَهُ القرآنُ الكَريمُ قَبلَ أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا.
اسمعوا جَيِّدًا لما يَقولُهُ الحَقُّ تبارك وتعالى عن فِرعَونَ، رأسِ الطُّغيان، وعن وَزيرِهِ هامان، وعن الجُنودِ الذين كانُوا يُنَفِّذُونَ الأوامِر: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: 8]. الجُنودُ ذُكِرُوا بالاسم! الجنديُّ الذي ساقَ بني إسرائيلَ للعَذاب، والذي قَتَلَ الأطفال، لم يَعذِرهُ اللهُ بأنَّهُ كان "يَتَلَقَّى الأوامر".
بل اقرَؤوا هذا المَشهَدَ المُرعِبَ من مَشاهدِ يومِ الحساب، حينَ يُنادي اللهُ تعالى ملائكَتَه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: 22].
قال أميرُ المؤمنينَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه وغيرُه في تفسير ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: أي أشباهَهُم ونُظَراءَهم وأعوانَهم. يُحشَرُ صاحِبُ الرِّبا مع أصحابِ الرِّبا، ويُحشَرُ الظَّالمُ مع أعوانِ الظَّالمين! المُديرُ المُتَعَسِّف، والجُنديُّ الباطِش، والمُحَقِّقُ الذي يَنزِعُ اعترافاتِ المَظلومين، بل والمُخَبِّرُ الذي يَكتُبُ التَّقارير... كُلُّهُم يُحشَرونَ في زُمرَةٍ واحِدَة، يُقَلَّبُونَ في نارِ جَهَنَّم، يَومَ لا يَنفَعُ عُذرٌ ولا نَدَم.
ولِعِلمِ سَلَفِنا الصَّالح — رِضوانُ الله عليهم — بِخُطورةِ الرُّكونِ إلى الظَّالمين، سَطَّرُوا في تاريخِنا صَفحاتٍ من النُّورِ، ووَقَفاتٍ من عِزَّةٍ، تُعَلِّمُ الأجيالَ أنَّ العالِمَ الرَّبَّانيَّ الحقيقيَّ هو الذي يَجعَلُ رَقَبَتَهُ دونَ دِينه، ويَرفُضُ أن يَكونَ مِمسَحَةً لِأحذِيَةِ السَّلاطين.
تَأمَّلوا مَعي مَوقِفَ إمامِ أهلِ المَغرِب والمَشرِق في زَمانِه، الإمامِ العَظيمِ سُفيانَ الثَّوريّ رحمه الله. كان سُفيانُ يَهَرُبُ من سُلطانِ زَمانِهِ لِئَلَّا يُولُّوهُ القَضاء، فيَستَخدِموهُ غِطاءً لِظُلمِهم. وفي يَومٍ من الأيَّام، جاءَهُ رَجُلٌ خَيَّاط (يَخيطُ الثِّياب)، فَقالَ له: يا أبا عبدِ الله، إنِّي رَجُلٌ أَخيطُ ثِيابَ السُّلطانِ (أي السُّلطان الظَّالم)، فهل تَراني من أعوانِ الظَّلَمَة؟
بماذا أجابَهُ سُفيان؟ هل قالَ له: أنتَ مُجَرَّدُ خَيَّاطٍ تَطلُبُ رِزقَك؟
لا! بل نَظَرَ إليهِ سُفيانُ وقال كَلِمَةً تُكتَبُ بماءِ الذَّهَب: «لا! بَل أنتَ من الظَّلَمَةِ أنفُسِهم! إنَّما أعوانُ الظَّلَمَةِ مَن يَبيعُكَ الإبرةَ والخَيط!».
يا الله! الخَيَّاطُ ظالمٌ بنَفسِه لأنَّهُ كَسا الظَّالمَ ثَوبَ الزِّينَة! فما بالُكم بِمَن يَكسو المُستَبِدَّ ثَوبَ الدِّين؟ بِمَن يُفَصِّلُ لهُ الفَتاوى على مَقاسِ شَهَواتِه؟ بِمَن يَستَخرِجُ لهُ الآياتِ ليُسَوِّغَ قَمعَهُ للأبرياء؟! أَيُّ ظُلمٍ أعظَمُ من هذا؟
واستَحضِرُوا مَعي — يا كرام — ذَلِكَ المَشهَدَ المَهيب، حينَ سِيقَ الإمامُ أحمدُ بنُ حَنبَل رحمه الله إلى السِّجن، وضُرِبَ بالسِّياطِ حتَّى اختَلَطَ لَحمُهُ بدَمِه، لأنَّهُ رَفَضَ أن يُداهِنَ السُّلطانَ في مَسألَةٍ تَمَسُّ العَقيدة. وهو في عَتَمَةِ السِّجن، ومَرارَةِ القَيد، أقبَلَ إليهِ السَّجَّان (حارسُ السِّجن). وهذا السَّجَّانُ رَجُلٌ بسيط، فخافَ على نَفسِه، وسألَ الإمامَ أحمد: يا أبا عبدِ الله، أَتَراني مِن أعوانِ الظَّلَمَة؟ (يعني أنا مُجَرَّدُ حارِسٍ أُغلِقُ الباب).
فرَفَعَ الإمامُ أحمدُ رأسَهُ المُثقَلَ بالألَم، وقال لهُ قولَةَ العالِمِ الرَّبَّانيِّ الصَّارم: «لا! أعوانُ الظَّلَمَةِ مَن يَغسِلُ لكَ ثَوبَك، ويَطبُخُ لكَ طَعامَك، ويَبيعُ لكَ ويَشتَري مِنك! أمَّا أنتَ... فَمِن الظَّلَمَةِ أنفُسِهم!».
هكذا كانَ السَّلَف... صَرامَةٌ في الحَقِّ لا تَعرِفُ التَّنازُل. لا مُجامَلَةَ على حِسابِ الدِّين. لا تَبريرَ للظُّلمِ تَحتَ أيِّ غِطاء.
وخذوا هذا الموقف الثالث العظيم: التابعي الجليل، سعيد بن
جبير، العالم الذي ملأ الأرض علماً، يقف مقيَّداً أمام طاغية زمانه، الحجاج بن يوسف الثقفي. الحجاج الذي سفك دماء الآلاف، يتجبر ويقول لسعيد: "لأُبَدِّلَنَّ اسمك، أنت شقي بن كسير (بدل سعيد بن جبير)!" فيرد العالم بعزة المؤمن: "أمي كانت أعلم باسمي منك".
يغتاظ الحجاج ويقول: "لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحداً من الناس، فاختر لنفسك أي قتلة أقتلك؟"
فيقف سعيد بن جبير وقفة الجبل الشامخ، ولا يرتجف، ولا يطلب الرحمة من المخلوق، ولا يتنازل بكلمة تبرير، بل يقول: "بل اختر لنفسك أنت يا حجاج! فوالله ما تقتلني قتلة في الدنيا، إلا قتلك الله مثلها في الآخرة!".
الله أكبر! هذا هو الاستعلاء الإيماني. حين رأى الموت يتخطفه، لم يركن للظالم قيد أنملة، فذهب سعيد إلى ربه شهيداً حراً، وبقي الحجاج طاغيةً يلعنه التاريخ إلى يوم الدين.
أيها الإخوة، لعل قائلاً منكم يقول في نفسه الآن: "هذه مواقف تاريخية عظيمة، ورجال من الرعيل الأول، والزمن اليوم غير الزمن، والمغريات أكبر، والضغوط أشد".
فأقول لكم: وربِّ الكعبة، إن أمتنا ولّادة لا تعقر، وإن في زماننا المعاصر، وفي أيامنا هذه التي نعيشها، رجالاً باعوا الدنيا ليحفظوا دينهم ودين الأمة، ووقفوا وقفاتٍ توازي وقفات السلف الصالح، ورفضوا الركون للظالمين بأثمان باهظة جداً.
تأملوا في واقعنا المعاصر... حين أرادت أنظمة الاستبداد أن تسفك دماء الأبرياء، وتستبيح الحرمات، وتُطبِّع علاقاتها مع أعداء الأمة، وتُفرط في مسرى رسول الله ﷺ.. بحثت عن "عماء السلاطين" ليُوقّعوا لها فتاوى التبرير. فوجدوا طائفة من المنتسبين للعلم ممن باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، فبرروا الخيانة، وأفتوا بسفك الدم الحرام، وقالوا عن المظلومين المدافعين عن أرضهم إنهم "متهورون ومفسدون"!
ولكن، في المقابل... وقف علماء ربانيون معاصرون، ودعاة صادقون، وقفة عز لا نظير لها. عُرضت عليهم المناصب، والوزارات، والقنوات الفضائية، والملايين، مقابل "كلمة واحدة" تُبرر للظالم ظلمه، أو تُدين المقاومة والمستضعفين في غزة وفلسطين وغيرها من بلاد المسلمين.
فماذا فعلوا؟ رفضوا الانحناء إلا لله!
اختاروا زنازين السجون المظلمة، والعزل الانفرادي، وغياهب المعتقلات، والمنافي الباردة... اختاروا هذا كله على أن يجلسوا تحت أضواء قصور الظالمين.
فكم من عالم جليل يقبع اليوم خلف القضبان، وكم من داعية حُرم من أهله ووطنه، لا لشيء... لا لجريمة ارتكبها... إلا لأنه قرأ قول الله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فاستجاب! رفض أن يبيع فتوى تبيح دم مسلم، ورفض أن يكون بوقاً يزين الخيانة. هؤلاء هم "أحمد بن حنبل" في زماننا! هؤلاء هم تيجان الرؤوس ومصابيح الأمة الدجى!
يا عباد الله، إن الركون للظالمين في زماننا هذا لم يعد مقتصراً على الجلوس في مجالسهم فقط. بل ظهر "الركون الخفي" — وهو الأخطر!
الركون الخفي اليوم يتم عبر شاشة صغيرة في جيبك!
عندما ترى مقطعاً يُلمّع صورة مستبد قتل شعبه، فتضع له إعجاباً (Like) — فهذا ركون للظالم!
عندما تقرأ خبراً عن إبادة إخوانك المستضعفين في غزة أو غيرها، فتكتب تعليقاً تلوم فيه الضحية، وتتهم المقاومين بالتهور، وتبرر للقاتل جريمته — فهذا ركون للظالم!
عندما تقوم بعمل "إعادة نشر" لشيخ من شيوخ السلطان وهو يبرر سجن المصلحين — فهذا ركون للظالم!
ماذا لو سألك الله يوم القيامة عن "إعجاب" وضعته لظالم؟ أو عن "كلمة" طعنت بها في ظهر مظلوم؟
قال النبي ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رواه البخاري].
فيا من تحبون النجاة، احفظوا ألسنتكم، وطهروا قلوبكم من كل ذرة ميل أو إعجاب بطاغية أو متجبر. فإن الظلم ظلمات، وإن الظالمين إلى زوال، وإن الله يمهل ولا يهمل.
نسأل الله العلي القدير أن يطهر قلوبنا من النفاق، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ لله حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين وحجة على السالكين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمّا بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن الخطر العظيم للركون إلى الظالمين، ووقفنا مع آية سورة هود التي توعدت المائلين للظلمة بلفحات النار. وتدبرنا كيف سطر السلف الصالح — كسعيد بن جبير وسفيان الثوري والإمام أحمد — أروع أمثلة الثبات. ورأينا كيف امتد هذا الثبات لرجال من زماننا، اختاروا عتمة السجون على التبرير للمستبدين والسكوت عن دماء
الأبرياء.
والآن، أيها الأخوة، بقي السؤال العملي الأهم: نحن — عامة المسلمين — كيف نحمي أنفسنا من هذا الزلق الخطر في حياتنا اليومية؟
أوصيكم بخمسٍ قبل أن أنزل من منبري، خذوها معكم وعضوا عليها بالنواجذ:
الأولى (قلبية): نقِّ قلبك من أي ذرة حب أو إعجاب أو ميل لظالم، كائناً من كان! حتى لو كان قريباً لك، وحتى لو بسط لك من العطايا. عوّد قلبك أن يبغض الظلم وأهله في الله، فإن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله. قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف: 28].
الثانية (لسانية): طهّر لسانك وقلمك (وحساباتك على وسائل التواصل) من مدح أي مستبد أو تلميع صورته. احذر أن تكون بوقاً مجانياً للظلمة، تدافع عن سياساتهم وتُهاجم المظلومين. لا تكتب حرفاً تبرر فيه سفك دم أو سجن بريء، فإن الدواوين تُسجل، والملائكة تحصي.
الثالثة (عملية): انصر المظلومين والمستضعفين بكل ما تملك من جهد. انصر إخوانك في غزة، في السودان، في سجون الظلمة، بالدعاء في جوف الليل، بنشر مظلوميتهم، بالمقاطعة لأعدائهم. فقد قال نبيكم ﷺ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا... تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ (أي تمنعه من الظلم)» [رواه البخاري]. لا تقف موقف المتفرج العاجز.
الرابعة (اجتماعية): رُبّوا أبناءكم في البيوت على العزة والكرامة وحب العدل ورفض الطغيان. علموهم قصص الأنبياء في مواجهة الفراعنة، وقصص الصحابة في الثبات. لا تربوهم على الجبن والذلة والاستكانة والخوف من المخلوقين! علموهم أن الرزق والأجل بيد الله وحده، ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.
الخامسة (موضوعية): احذروا من أخذ دينكم وعقيدتكم عن "علماء السلاطين" ودعاة التبرير الذين يلوون أعناق النصوص لترضي هوى الحاكم المتغلب! دينكم لحمكم ودمكم، فخذوه عن العلماء الربانيين الأحرار، الذين لا يخشون في الله لومة لائم، حتى وإن غُيِّبوا في السجون. قال محمد بن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم".
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي الحصن المنيع الذي يعصمكم من النفاق والمداهنة والركون لأهل الباطل.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، القائل: "من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا"، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم إنا نعوذ بك أن نَظْلِم أو نُظْلَم، أو نَجْهَل أو يُجْهَل علينا.
اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأعمالنا من الرياء.
اللهم لا تجعلنا ظهيراً للمجرمين، ولا أعواناً للظالمين، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.
اللهم اربط على قلوب المستضعفين من المؤمنين في غزة وفلسطين والسودان وفي كل بقعة يُراق فيها دم حرام.
اللهم انصرهم نصراً مؤزراً، واجبر كسرهم، واطعم جائعهم، وآمن خائفهم، وسدد رميهم.
اللهم عليك بالظالمين والمستبدين وقتلة الأطفال والنساء، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم فُك قيد أسرانا وأسرى المسلمين، اللهم فُك قيد العلماء المخلصين، والدعاة الصادقين، وردهم إلى أهلهم ومنابرهم سالمين غانمين يا رب العالمين.
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وتوفنا وأنت راض عنا غير غضبان.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.