🕌 شَرَفُ المُؤْمِنِ.. نِدَاءُ السَّحَرِ وَمُجَاهَدَةُ الكَسَلِ
#خطبة_جمعة #قيام_الليل #التهجد #مجاهدة_النفس #الكسل #إيمانيات
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَالنَّوْمَ سُبَاتًا، وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا. الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَسْتَخْلِفُ فِي زَوَايَا اللَّيْلِ عِبَادًا طَهَّرَ قُلُوبَهُمْ، فَأَقَامَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ سَاجِدِينَ وَقَائِمِينَ، يَطْلُبُونَ فَضْلَهُ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يُنَادِي فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ مُتَوَدِّدًا إِلَى عِبَادِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ المُتَهَجِّدِينَ، وَقُدْوَةُ القَائِمِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَحِبَّةُ، تَخَيَّلُوا مَعِي مَشْهَدًا يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.. هُدُوءٌ يَغْمُرُ الشَّوَارِعَ، وَأَضْوَاءٌ تُطْفَأُ فِي البُيُوتِ، وَأَجْسَادٌ تَلْتَحِفُ بِالأَغْطِيَةِ بَحْثًا عَنِ الدِّفْءِ وَالرَّاحَةِ بَعْدَ يَوْمٍ شَاقٍّ. الخَلَائِقُ كُلُّهَا تَغُطُّ فِي سُبَاتٍ عَمِيقٍ، غَارِقَةً فِي أَحْلَامِهَا، أَسِيرَةً لِفِرَاشِهَا. وَفِي خِضَمِّ هَذَا السُّكُونِ العَظِيمِ، يَتَنَزَّلُ المَلِكُ جَلَّ جَلَالُهُ، مَالِكُ المُلْكِ، وَخَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، نُزُولًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، لِيَبْحَثَ عَنِ الصَّادِقِينَ، لِيُنَادِيَ أَصْحَابَ الحَاجَاتِ! فَهَلْ سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا: حِينَ يُنَادِي رَبُّ العَالَمِينَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، أَيْنَ نَكُونُ نَحْنُ؟ وَفِي أَيِّ قَائِمَةٍ نُكْتَبُ؟
عِبَادَ اللَّهِ، نَقِفُ اليَوْمَ مَعَ شَعِيرَةٍ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الدِّينِ، شَعِيرَةٍ هِيَ مِعْيَارُ الصِّدْقِ، وَمِحَكُّ الإِخْلَاصِ، شَعِيرَةِ «قِيَامِ اللَّيْلِ». هَذِهِ العِبَادَةُ الَّتِي مَيَّزَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ المُقَرَّبِينَ، وَجَعَلَهَا شِيَارَهُمْ وَشِعَارَهُمْ. اِسْمَعُوا لِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي إِذَا تَأَمَّلْتُمُوهَا، لَنْ تَبْقَى قُلُوبُكُمْ كَمَا كَانَتْ. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ يَصِفُ خَوَاصَّ عِبَادِهِ المُتَّقِينَ: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة: 16].
تَأَمَّلُوا التَّعْبِيرَ القُرْآنِيَّ البَلِيغَ «تَتَجَافَىٰ»! الجَنْبُ هُنَا يَنْفِرُ مِنَ الفِرَاشِ المَوْثِيرِ، يَرْفُضُ الرَّاحَةَ الَّتِي يَعْشَقُهَا كُلُّ جَسَدٍ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا هُوَ أَعْظَمُ، وَأَلَذُّ، وَأَجْمَلُ! هُنَاكَ لَذَّةُ المُنَاجَاةِ الَّتِي أَيْقَظَتْهُمْ. وَمَاذَا كَانَ جَزَاؤُهُمْ؟ يُجِيبُنَا رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا فِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا مُبَاشَرَةً، وَكَأَنَّهُ يُخَبِّئُ لَهُمُ المُفَاجَأَةَ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]. كَمَا أَخْفَوْا عَمَلَهُمْ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، أَخْفَى اللَّهُ لَهُمْ جَزَاءً لَا تُدْرِكُهُ العُقُولُ، وَلَا تَصِفُهُ العِبَارَاتُ!
وَيَمْضِي القُرْآنُ الكَرِيمُ لِيَرْسُمَ صُورَةً أُخْرَى لِهَؤُلَاءِ الأَفْذَاذِ، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18]. لَيْسَ قِيَامُهُمْ مُجَرَّدَ رَكَعَاتٍ بَارِدَةٍ، بَلْ هُوَ قِيَامُ الخَائِفِ المُشْفِقِ الَّذي يَقْضِي لَيْلَهُ سَاجِدًا، ثُمَّ إِذَا جَاءَ السَّحَرُ جَلَسَ يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ وَكَأَنَّهُ كَانَ يَعْصِيهِ! هَذَا هُوَ دَأْبُ عِبَادِ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64]. لَمْ يَقُلْ «يُصَلُّونَ»، بَلْ قَالَ «يَبِيتُونَ»، فَاللَّيْلُ عِنْدَهُمْ مِحْرَابٌ طَوِيلٌ لِعِبَادَةِ المَحْبُوبِ.
وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الآيَاتُ قَدْ بَيَّنَتْ مَقَامَ القَائِمِينَ، فَإِنَّهَا قَدْ فَضَحَتْ حَالَ الغَافِلِينَ، حِينَ عَقَدَ رَبُّنَا مُقَارَنَةً مُذْهِلَةً لَا مَجَالَ فِيهَا لِلشَّكِّ، حَيْثُ يَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]. هَلْ يَسْتَوِي هَذَا الَّذِي تَرَكَ فِرَاشَهُ وَدِفْءَ زَوْجِهِ وَقَامَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، بِمَنْ أَمْضَى لَيْلَهُ فِي سُبَاتٍ عَمِيقٍ، أَوْ فِي لَهْوٍ وَغَفْلَةٍ؟ لَا يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا عِنْدَ اللَّهِ!
وَاسْمَعُوا لِهَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ، فَإِنَّ فِيهِ كَنْزًا يَحُلُّ الكَثِيرَ مِنْ مَشَاكِلِنَا اليَوْمِيَّةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟». سُبْحَانَ اللَّهِ! مَلِكُ المُلُوكِ، وَغَنِيُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، يَتَوَدَّدُ إِلَى عِبَادِهِ الفُقَرَاءِ الْمُحْتَاجِينَ، وَنَحْنُ نَغُطُّ فِي النَّوْمِ! نَشْكُو الفَقْرَ، وَنَشْكُو المَرَضَ، وَنَشْكُو الهُمُومَ، وَنَشْكُو تَأَخُّرَ الفَرَجِ، وَالبَابُ مَفْتُوحٌ كُلَّ لَيْلَةٍ، لَكِنَّنَا لَا نَطْرُقُهُ!
وَقَدْ حَرَّضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ عَلَى هَذِهِ الشَّعِيرَةِ أَيَّمَا تَحْرِيضٍ. حِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُلَقِّنُهُ دُرُوسَ الإِيمَانِ العَظِيمَةِ، بِمَاذَا أَوْصَاهُ؟ قَالَ لَهُ: «يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ المُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (أخرجه الحاكم وحسنه الألباني). الشَّرَفُ.. ذَلِكَ الوِسَامُ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْهُ النَّاسُ فِي المَنَاصِبِ وَالأَمْوَالِ، لَخَّصَهُ جِبْرِيلُ فِي رَكَعَاتٍ يَرْكَعُهَا المُؤْمِنُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ حِينَمَا يَغْفُلُ النَّاسُ. وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ صَلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» (رواه مسلم).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ لَيْسَ نَافِلَةً عَادِيَّةً، بَلْ هُوَ مَصْنَعُ الرِّجَالِ، وَهُوَ السِّرُّ الَّذِي بِهِ تَصْلُحُ النُّفُوسُ وَتَسْتَقِيمُ الأَفْئِدَةُ، لِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِهِ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الدَّعْوَةِ؛ لِيُعِدَّهُ لِلْحِمْلِ الثَّقِيلِ، فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2]، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ العِلَّةَ وَالحِكْمَةَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6]. إِنَّ سَاعَاتِ اللَّيْلِ هِيَ السَّاعَاتُ الَّتِي يَتَوَاطَأُ فِيهَا القَلْبُ مَعَ اللِّسَانِ، فَيَنْصَلِحُ حَالُ العَبْدِ صَلَاحًا لَا يَكُونُ فِي ضَجِيجِ النَّهَارِ وَزِحَامِ الأَعْمَالِ. وَمِنْ هُنَا جَاءَ التَّوْجِيهُ الرَّبَّانِيُّ المُسْتَمِرُّ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79].
لَكِنَّ هُنَاكَ عَدُوًّا يَقِفُ لَنَا بِالمِرْصَادِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، عَدُوًّا يَعْلَمُ قِيمَةَ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ، فَشَمَّرَ لِيَمْنَعَنَا مِنْهَا بِكُلِّ طَرِيقَةٍ. إِنَّهُ الشَّيْطَانُ، وَإِنَّهُ الكَسَلُ الَّذِي يَضْرِبُ أَطْنَابَهُ عَلَى النُّفُوسِ! اِسْمَعُوا إِلَى التَّصْوِيرِ النَّبَوِيِّ العَجِيبِ لِهَذِهِ المَعْرَكَةِ اللَّيْلِيَّةِ الَّتِي تُخَاضُ عَلَى فِرَاشِكَ كُلَّ يَوْمٍ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ! فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ».
عِبَادَ اللَّهِ.. هَذِهِ المَعْرَكَةُ الصَّامِتَةُ هِيَ الَّتِي تُحَدِّدُ مَزَاجَكَ فِي اليَوْمِ التَّالِي! مَنْ لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ وَيُقَاوِمْ ذَلِكَ الشَّيْطَانَ الَّذِي يُهَدْهِدُهُ، سَيُصْبِحُ مُثْقَلًا بِالكَسَلِ وَالخُمُولِ. وَلِذَلِكَ حِينَمَا عَرَفَ السَّلَفُ الصَّالِحُ حَقِيقَةَ هَذِهِ المَعْرَكَةِ، كَابَدُوهَا حَتَّى اِنْتَصَرُوا فِيهَا، وَحَتَّى تَحَوَّلَتْ مِنْ مَشَقَّةٍ إِلَى لَذَّةٍ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا.
انْظُرُوا إِلَى حَالِنَا اليَوْمَ! الوَاحِدُ مِنَّا قَدْ يَسْهَرُ حَتَّى قُبَيْلَ الفَجْرِ يَقْلِبُ شَاشَةَ هَاتِفِهِ، يُتَابِعُ مَقَاطِعَ لَا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ، وَرُبَّمَا ضَحِكَ، وَتَفَاعَلَ، وَمَضَتْ عَلَيْهِ السَّاعَاتُ وَكَأَنَّهَا دَقَائِقُ. فَلِمَاذَا يَا تُرَى حِينَمَا نَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ نَشْعُرُ بِالوَقْتِ بَطِيئًا مُتْثَاقِلًا؟ لِمَاذَا يَسْتَخِفُّ بِنَا اللَّهْوُ وَيَثْقُلُ عَلَيْنَا القِيَامُ؟ إِنَّ ذَلِكَ وَاللَّهِ هُوَ الحِرْمَانُ!
قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنِّي أَبِيتُ مُعَافًى، وَأُحِبُّ قِيَامَ اللَّيْلِ، وَأُعِدُّ طَهُورِي، فَمَا بَالِي لَا أَقُومُ؟ فَأَجَابَهُ بِكَلِمَةٍ تَقْسِمُ الظَّهْرَ، فَقَالَ لَهُ: «قَيَّدَتْكَ ذُنُوبُكَ»! نَعَمْ.. الذُّنُوبُ فِي النَّهَارِ هِيَ الأَغْلَالُ الَّتِي تَمْنَعُ الرُّوحَ مِنَ التَّحْلِيقِ بِاللَّيْلِ. وَسُئِلَ الحَسَنُ أَيْضًا: مَا بَالُ المُتَهَجِّدِينَ بِاللَّيْلِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وُجُوهًا؟ قَالَ: «لِأَنَّهُمْ خَلَوْا بِالرَّحْمَنِ، فَأَلْبَسَهُمْ نُورًا مِنْ نُورِهِ».
وَقَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ كَلِمَةً كَتَبَهَا بِمَاءِ العَيْنِ، قَالَ: «إِذَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَصِيَامِ النَّهَارِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَحْرُومٌ، كَبَّلَتْكَ خَطِيئَتُكَ». فَمَنْ عَجَزَ عَنْ مُنَاجَاةِ مَوْلَاهُ، فَلْيَبْكِ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي لَمْ يُرِدْ وُقُوفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَيَذْكُرُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا المَعْنَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ هُوَ جَنَّةُ الدُّنْيَا، وَأَنَّ المَحَبَّةَ للهِ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِاللُّجُوءِ إِلَيْهِ حِينَمَا يَنَامُ العُشَّاقُ عَنْ مَعْشُوقِيهِمْ، فَالمُؤْمِنُ الحَقُّ يَرَى أَنَّ أَجْمَلَ لَحَظَاتِ عُمُرِهِ هِيَ الَّتِي يَنْفَرِدُ فِيهَا بِمَالِكِ قَلْبِهِ سُبْحَانَهُ.
وَمَا ذَلِكَ كُلُّهُ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِلَّا اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ الَّذِي رَسَمَ لَنَا أَعْظَمَ صُورَةٍ لِمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ. تُرْوَى لَنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا المَشْهَدَ الدَّامِعَ فِي حُجْرَتِهَا الصَّغِيرَةِ.. رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، وَيُطِيلُ القِيَامَ، حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ! تَشَقَّقَتْ قَدَمَا النَّبِيِّ المَغْفُورِ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ طُولِ الوُقُوفِ. فَتَقُولُ لَهُ عَائِشَةُ بِإِشْفَاقٍ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَيُجِيبُهَا بِجَوَابِ المُحِبِّ الَّذِي لَا يَشْبَعُ مِنْ قُرْبِ حَبِيبِهِ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!» (متفق عليه). إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ خَوْفًا مِنَ النَّارِ فَحَسْبُ، بَلْ قَامَ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ، وَحُبًّا لِلْمُنْعِمِ جَلَّ جَلَالُهُ.
وَتَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ الَّتِي حَدَثَتْ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، حِينَ كَانَ شَابًّا صَغِيرًا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ، وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ! فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ (أَيْ لَا تَخَفْ). فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ أُخْتِي، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَاذَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ؟ هَلْ نَصَحَهُ بِالتَّصَدُّقِ؟ هَلْ أَمَرَهُ بِصِيَامٍ طَوِيلٍ؟ لَقَدْ أَعْطَاهُ العِلَاجَ المُبَاشِرَ لِلنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، فَقَالَ ﷺ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ!» (متفق عليه). فَمَاذَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ بَعْدَ تِلْكَ النَّصِيحَةِ؟ قَالَ نَافِعٌ: «فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا». بِمُجَرَّدِ أَنْ سَمِعَ التَّوْجِيهَ، انْتَهَى الكَسَلُ، وَتَلَاشَى النَّوْمُ، وَأَصْبَحَ رَاهِبًا مِنْ رُهْبَانِ اللَّيْلِ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مَنْ طَلَبَ العَظَائِمَ جَافَى المَضَاجِعَ، وَإِنَّ الَّذِي يَنَامُ اللَّيْلَ كُلَّهُ سَيَبْكِي فِي النَّهَارِ حِينَ يَرَى أَقْرَانَهُ قَدْ سَبَقُوهُ فِي مَنَازِلِ الآخِرَةِ. لَا تَسْتَسْلِمُوا لِلْخُمُولِ، وَلَا تَدَعُوا الشَّيْطَانَ يَغْلِبْكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيَعْقِدَ عَلَيْهَا عُقَدَ الحِرْمَانِ. اِسْتَعِينُوا بِاللَّهِ، وَانْفُضُوا عَنْكُمْ غُبَارَ الدَّعَةِ، فَاللَّيْلُ يَمْضِي سَرِيعًا، وَالنَّوْمُ سَيُدْرِكُنَا كَثِيرًا فِي قُبُورِنَا، فَاجْعَلُوا مِنْ أَوْقَاتِكُمْ سَهْمًا للهِ، تَقُومُونَ فِيهِ صُفُوفًا، تَبْكُونَ عَلَى خَطَايَاكُمْ، وَتَسْأَلُونَهُ رِضْوَانَهُ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
---
🔷 الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى عَنْ شَرَفِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَلَذَّةِ المُنَاجَاةِ فِي وَقْتِ السَّحَرِ، وَوَقَفْنَا عَلَى النِّدَاءِ الرَّبَّانِيِّ الجَلِيلِ حِينَ يَنْزِلُ الرَّحْمَنُ لِيُعْطِيَ السَّائِلِينَ، وَاسْتَمَعْنَا لِوَصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَرْكِ الكَسَلِ وَالخُمُولِ وَمُجَاهَدَةِ عُقَدِ الشَّيْطَانِ. وَالآنَ، إِخْوَتِي الكِرَامَ، نَحْنُ أَمَامَ السُّؤَالِ الأَهَمِّ: كَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذَا الشَّوْقَ إِلَى حَقِيقَةٍ عَامِلَةٍ؟ وَكَيْفَ نَقْهَرُ وِسَادَتَنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَمَا بَعْدَهَا؟
أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ تُغَادِرُوا مُصَلَّاكُمْ:
الأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): طَهِّرْ قَلْبَكَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي قَبْلَ أَنْ تَنَامَ، وَاعْقِدْ نِيَّةً صَادِقَةً جَازِمَةً أَنَّكَ تُرِيدُ اللِّقَاءَ بِرَبِّكَ اللَّيْلَةَ؛ فَمَنْ نَامَ عَلَى تَوْبَةٍ وَصِدْقٍ، أَيْقَظَهُ اللَّهُ وَلَوْ نَامَتْ عَيْنَاهُ.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): عَوِّدْ لِسَانَكَ عَلَى الاسْتِغْفَارِ وَالأَذْكَارِ قُبَيْلَ النَّوْمِ، وَإِذَا تَقَلَّبْتَ فِي اللَّيْلِ فَاجْعَلْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَنْطِقُ بِهَا «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، فَإِنَّهَا مِفْتَاحٌ سِحْرِيٌّ لِنَشَاطِ الرُّوحِ وَطَرْدِ الخُمُولِ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ): خُذْ بِالأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ اليَوْمَ؛ اضْبِطْ مُنَبِّهَكَ عَلَى وَقْتِ السَّحَرِ (قَبْلَ الفَجْرِ بِنِصْفِ سَاعَةٍ فَقَطْ)، وَتَجَنَّبِ السَّهَرَ عَلَى الهَوَاتِفِ بِلَا فَائِدَةٍ، فَإِنَّ جَسَدَكَ أََمَانَةٌ وَالسَّهَرُ يُتْعِبُهُ فَيَمْنَعُكَ مِنْ حَقِّ رَبِّكَ.
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): أَيْقِظْ زَوْجَتَكَ وَأَهْلَ بَيْتِكَ بِرِفْقٍ، وَتَعَاوَنُوا عَلَى هَذِهِ الطَّاعَةِ. رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ فَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا؛ فَالطَّاعَةُ الجَمَاعِيَّةُ فِي البَيْتِ تَطْرُدُ الشَّيَاطِينَ وَتَجْلِبُ المَوَدَّةَ.
الخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): لَا تُثْقِلْ عَلَى نَفْسِكَ فِي البِدَايَةِ فَتَنْقَطِعَ؛ بَلِ ابْدَأِ اللَّيْلَةَ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ تُنَاجِي بِهِمَا رَبَّكَ وَتَشْكُو فِيهِمَا حَالكَ، فَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاجْعَلُوا هَذِهِ الدُّنْيَا قَنْطَرَةً إِلَى الآخِرَةِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ المِرْقَاةُ الَّتِي تَرْفَعُكُم عَنْ سَفَاسِفِ الأُمُورِ إِلَى مَعَالِيهَا.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ المُبَارَكَةِ أَنْ تُوقِظَ قُلُوبَنَا مِنْ رَقْدَةِ الغَافِلِينَ، وَأَنْ تَجْعَلَنَا مِنَ القَائِمِينَ السَّاجِدِينَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ المُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى أَنْفُسِنَا، وَاطْرُدْ عَنَّا دَاءَ الكَسَلِ وَالخُمُولِ وَتَسْوِيفِ الأَعْمَالِ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا مُنَاجَاتَكَ، وَارْزُقْنَا لَذَّةَ الخَلْوَةِ بِكَ حِينَ يَنَامُ النَّاسُ. اللَّهُمَّ طَهِّرْ أَعْيُنَنَا وَقُلُوبَنَا حَتَّى تَسْتَحِقَّ النَّظَرَ إِلَى نُورِ طَاعَتِكَ، وَاجْعَلْ قِيَامَنَا كَفَّارَةً لِذُنُوبِنَا، وَشِفَاءً لِأَمْرَاضِنَا، وَنُورًا فِي قُبُورِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ المُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَانْصُرِ المُسْتَضْعَفِينَ وَفَرِّجْ هَمَّ المَهْمُومِينَ.
عِبَادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الخَطِيبُ الكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجُ ذَكَاءٍ اِصْطِنَاعِيٍّ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. المِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.