من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

تكبيرة الإحرام: ماذا نترك وراءنا حين نقول الله أكبر؟

مشاركة
🕌 تَكبيرَةُ الإحرام... ماذا نَترُكُ وَراءَنا حِينَ نَقولُ: اللهُ أكبَر؟ #خطبة_جمعة #الصلاة #الخشوع #تكبيرة_الإحرام #تعظيم_الله #وقوف_بين_يدي_الله #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الصَّلاةَ قُرَّةَ عُيونِ المُوَحِّدين، ومَلاذَ الخائِفين، ومِعراجَ أرواحِ المُؤمِنين إلى رَبِّ العالَمين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، اللهُ أكبَرُ كَبيراً، يَرفَعُ مَن سَجَدَ لَهُ مَقاماً، ويَشحَنُ بِذِكرِهِ قُلوباً عِظاماً. وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسولُه، إمامُ الخاشِعين، وقُدوَةُ المُصَلِّين، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وبَارَكَ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجْمَعين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بَعدُ: تَرفَعُ يَدَيكَ خَمسَ مَرَّاتٍ في اليَومِ واللَّيلَة، وتَقولُ كَلِمَةً واحِدَةً تَنقُلُكَ مِن عالَمِ الأرضِ إلى عالَمِ السَّماء. لَكِن.. هَل سَأَلتَ نَفسَكَ يَوماً: لِماذا شَرَعَ اللهُ أن نَبدَأَ صَلاتَنا بِـ "اللهُ أكبر" وَلَيسَ بِـ "سُبحان الله" أو "الحَمد لله"؟ وماذا يَعني أن تَرفَعَ يَدَيكَ حَذوَ مَنكِبَيك قَبلَ أن تَقولَها؟ سِرٌّ عَظيمٌ لَو أدرَكناه، لَتَغَيَّرَت صَلاتُنا وإلى الأبَد. فما هُوَ هذا السِّر؟ بَعدَ قَليل. يا عِبادَ الله، يَقِفُ أحَدُنا في صَفِّ الصَّلاة، يَنظُرُ أمامَهُ، ثُمَّ يَرفَعُ يَدَيهِ ويَقول: "اللهُ أكبَر". كَلِمَةٌ نُكَرِّرُها في صَلَواتِنا المَفروضَةِ أربَعاً وتِسعينَ مَرَّةً كُلَّ يَوم. نَقولُها بألسِنَتِنا، ولَكِنْ كَم مَرَّةً قالَتها قُلوبُنا؟ هَذِهِ الكَلِمَةُ لَيسَت مُجَرَّدَ إذنٍ بالدُّخولِ في الصَّلاة، بَل هيَ إعلانُ حَربٍ عَلى كُلِّ ما يُشتِّتُ القَلب. حِينَ تَقولُ "اللهُ أكبَر"، فأنتَ تُعلِنُها صَريحَةً: اللهُ أكبَرُ مِن هُمومي، اللهُ أكبَرُ مِن تِجارَتي، اللهُ أكبَرُ مِن مَشاكِلي، اللهُ أكبَرُ مِن كُلِّ صَغيرٍ وكَبيرٍ تَرَكتُهُ خَلفَ بابِ المَسجِد. يَقُولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: 3]. لَم يَقُل سُبحانَهُ كَبِّرِ الله، بَل قَدَّمَ المَفعولَ بِهِ لِيُفيدَ الحَصرَ والاختِصاص؛ أي: لا تُعَظِّمْ أحَداً في قَلبِكَ كَتَعظيمِكَ لِرَبِّك. ولَعَلَّكُم تَسأَلون: لِماذا سُمِّيَت هَذِهِ التَّكبيرَةُ الأُولى بِتَكبيرَةِ "الإحرام"؟ يُجيبُنا الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ الذي رَواهُ أبو داوُد، حَيثُ يَقول: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ». تَأَمَّلوا كَلِمَةَ "تَحريمُها"! إنَّكَ حِينَ تُكَبِّر، تُصبِحُ مُحرِماً؛ يَحرُمُ عَلَيكَ ما كانَ مُباحاً قَبلَ لَحظَة. يَحرُمُ عَلَيكَ الطَّعامُ، ويَحرُمُ عَلَيكَ الكَلامُ مع النَّاس، وتَحرُمُ عَلَيكَ الحَرَكَةُ والالتِفات. لَقَد دَخَلتَ حِمى مَلِكِ المُلوك، وفي حَضرَةِ المَلِك، تَنقَطِعُ الصِّلاتُ بِكُلِّ ما سِواه. واسمَعوا لِهذا، فقد قَرَّرَ الإمامُ أبو حامِدٍ الغَزالِيُّ مَعنىً يَهزُّ القُلوبَ في سِرِّ رَفعِ اليَدَينِ عِندَ التَّكبير، فقال: "إذا رَفَعتَ يَدَيكَ فَلتَكُن إشارَةً إلى طَرحِ الدُّنيا وما فيها وَراءَ ظَهرِك، وتَقبَل بِكُلِّيَّتِكَ عَلى رَبِّك". أرَأَيتُم المَشهَد؟ كَأنَّكَ تَحْمِلُ الدُّنيا بِهُمومِها وأموالِها وشَواغِلِها بِيَدَيك، ثُمَّ تَرمي بِها وراءَ ظَهرِك، وتَقولُ: يا رَبّ، جِئتُكَ خَالِياً إلَّا مِن فَقري إلَيك. اللهُ أكبَر! أيُّها المُسلِمون، لَقَد كانَ سَلَفُنا الصَّالِحُ يَعرِفونَ وَزنَ هَذِهِ الكَلِمَة، فَكانَت أبدانُهُم تَرتَجِفُ قَبلَ أن يَنطِقوا بِها. رُويَ عَن أميرِ المُؤمِنينَ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أنَّهُ كانَ إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ يَتَزَلزَلُ ويَتَلَوَّنُ وَجهُهُ، فَقيلَ لَهُ: ما لَكَ يا أميرَ المُؤمِنين؟ فَيَقول: "جاءَ وَقتُ أمانَةٍ عَرَضَها اللهُ عَلى السَّماواتِ والأرضِ والجِبالِ فَأَبَينَ أن يَحمِلنَها وأشفَقنَ مِنها، وحَمَلتُها أنا!". يَتَغَيَّرُ لَونُهُ لِأَنَّهُ يَعلَمُ أنَّهُ بَعدَ لَحظاتٍ سَيَقِفُ بَينَ يَدَيِ الجَبَّارِ جَلَّ جَلالُه. ومِن العَجائِبِ التي نُقِلَت إلَينا، ما وَقَعَ لِلإمامِ مُسلِمِ بنِ يَسارٍ رَحِمَهُ الله، وقَد كانَ مِن ساداتِ التَّابِعين. كانَ إذا دَخَلَ في الصَّلاةِ انقَطَعَ عَن الدُّنيا تَماماً، حَتَّى إنَّ أهلَ بَيتِهِ كانوا يَتَحَدَّثونَ ويَضحَكونَ عِندَهُ وهوَ يُصَلِّي لا يَسمَعُهُم. وفي أحَدِ الأيَّام، وَقَعَ حَريقٌ في جُزءٍ مِن المَسجِدِ الذي يُصَلِّي فِيه، وانهارَت بَعضُ الأعْمِدَة، وتَجَمَّعَ النَّاسُ وأخمَدوا النَّار، وكُلُّ هَذا ومُسلِمُ بنُ يَسارٍ قائِمٌ يُصَلِّي! فَلَمَّا انتَهى وسَلَّم، رَأى النَّاسَ والآثار، فَقَال: "ما هَذا؟". قالوا: ألَم تَشعُر بِما حَدَث؟ قال: "وَاللهِ ما شَعَرتُ بِشَيء!". كيفَ يَشعُرُ بِالنَّارِ مَن وَقَفَ قَلبُهُ بَينَ يَدَي رَبِّ النَّارِ والجَنَّة؟ كيفَ يَسمَعُ ضَجيجَ النَّاسِ مَن يُناجي مَلِكَ النَّاس؟ لَقَد قالَ "اللهُ أكبَر" بِقَلبِهِ قَبلَ لِسانِه. ولْنَتَأَمَّل مَعاً واقِعَنا اليَوم. نَقولُ بِألسِنَتِنا "اللهُ أكبَر"، ولَكِنَّ واقِعَ بَعضِنا يَقولُ بِصَمت: "هاتِفي أكبَر، رِسالَتي أكبَر، صَفقَتي أكبَر، هَمِّي أكبَر". يَقِفُ الشَّابُّ أو الرَّجُلُ مُكَبِّراً، وما إن يَدخُلَ في الصَّلاةِ حَتَّى يَفتَحَ الشَّيطانُ لَهُ مَلَفَّاتِ الدُّنيا التي كانَ قَد نَسيَها. يَتَذَكَّرُ مَفاتيحَهُ الضَّائِعَة، ويَنسِجُ رُدوداً لِخُصومِه، ويَحسِبُ أرباحَهُ في تِجارَتِه، وربَّما اهتَزَّ هاتِفُهُ في جَيبِه بِنَغمَةِ رِسالَة، فَيَطيرُ قَلبُهُ مَعَها، ولا يَبقى في المَسجِدِ إلَّا جَسَدُه! قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ في الحَديثِ الذي رَواهُ أبو داوُد: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَنصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا». يا لَها مِن حَسرَة! تَقِفُ مَعَ النَّاسِ في نَفسِ الصَّف، تُصَلِّي نَفسَ الدَّقائِق، وراءَ نَفسِ الإمام، ولَكِنَّ جَارَكَ يُرفَعُ لَهُ ثَوابُ صَلاتِهِ كامِلاً كَالجَبَل، وأنتَ لا يُرفَعُ لَكَ إلَّا عُشرُها.. ولِماذا؟ لِأَنَّهُ كَبَّرَ تَكبيرَةً حَقيقيَّةً طَرَحَ بِها الدُّنيا، وكَبَّرتَ أنتَ تَكبيرَةً جَمَعتَ بِها الدُّنيا إلى صَدرِك. هَل سَأَلتَ نَفسَكَ يَوماً: كَيفَ أصِلُ إلى هَذا الخُشوع؟ كَيفَ أجعَلُ تَكبيرَتي كَتَكبيرَةِ أولئِكَ الأكابِر؟ دَعوني أسوقُ لَكُم مَشهَداً يَرسِمُهُ لَنا واحِدٌ مِن أئِمَّةِ السَّلَف، وهوَ حاتِمٌ الأصَمُّ رَحِمَهُ الله. سَأَلَهُ عِصامُ بنُ يوسُفَ يَوماً: كَيفَ تُصَلِّي يا حاتِم؟ واسمَعوا إلى هَذا الجَوابِ الذي يُخالِطُ شَغافَ القَلب. قالَ حاتِم: "إذا حَانَتِ الصَّلاة، أسبَغتُ الوُضوء، وأتَيتُ المَوضِعَ الذي أريدُ الصَّلاةَ فِيه، فأقعُدُ فِيهِ حَتَّى تَجتَمِعَ جَوارِحي، ثُمَّ أقومُ فَأُكَبِّر.. وأجعَلُ الكَعبَةَ بَينَ حاجِبَي، والمَقامَ أمامي، والجَنَّةَ عَن يَميني، والنَّارَ عَن شِمالي، ومَلَكَ المَوتِ وَرائي.. وأَظُنُّها آخِرَ صَلاتي، ثُمَّ أُكَبِّرُ تَكبيراً بِتَحقيق، وأقرَأُ قِراءَةً بِتَرتيل، وأركَعُ رُكوعاً بِتَواضُع، وأسجُدُ سُجوداً بِتَخَشُّع، وأُتبِعُها الإخلاص، ثُمَّ لا أدري بَعدَ ذَلِكَ أَقُبِلَت مِنِّي أم رُدَّت!". سُبحانَ الله! أيُّ استِحصارٍ هَذا؟ وأيُّ مَشهَدٍ تِلفازِيٍّ حَيٍّ يَرسِمُهُ الرَّجُلُ في خَيالِهِ قَبلَ كُلِّ صَلاة؟ مَن صَلَّى بِهَذا الشُّعور، هَل سَيَشتَغِلُ قَلبُهُ بِرِسالَةِ هاتِف، أو بِمَوعِدِ بَيعٍ وشِراء؟ يَقولُ رَبُّنا جَلَّ وعَلا واصِفاً هَذا النَّوعَ مِن العِباد: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 46]. هُم يوقِنونَ أنَّ كُلَّ صَلاةٍ هِيَ لِقاء، ولِذا خَشَعوا. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ الصَّلاةَ أمانَة، وأنَّ الوُقوفَ بَينَ يَدَيِ اللهِ في الدُّنيا هُوَ مُقَدِّمَةٌ لِلوُقوفِ بَينَ يَدَيهِ في الآخِرَة. لَقَد ذَكَرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ مَعنىً لَو كُتِبَ بِماءِ الذَّهَبِ لَكانَ قَليلاً، حَيثُ قال: "لِلعَبدِ بَينَ يَدَيِ اللهِ مَوقِفان: مَوقِفٌ بَينَ يَدَيهِ في الصَّلاة، ومَوقِفٌ بَينَ يَدَيهِ يَومَ لِقائِهِ. فَمَن قامَ بِحَقِّ المَوقِفِ الأوَّل، هانَ عَلَيهِ المَوقِفُ الآخَر، ومَن استَهانَ بِهَذا المَوقِف، شُدِّدَ عَلَيهِ المَوقِفُ الآخَر". وَيُصَدِّقُهُ كَلامُ الحَقِّ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. الصَّلاةُ لِلذِّكرِ، لا لِلغَفلَة. الصَّلاةُ لِلحُضورِ، لا لِلغِياب. يا مَن تَسمَعُني الآن، اسأَل نَفسَك بِمُنتَهى الصِّدق: أيُّ عَمَلَينِ فيكَ أكثَر.. الصَّلَواتُ الخاشِعَة، أمِ الصَّلَواتُ السَّاهِيَة؟ إذا كانَ اللهُ تَعالى قَد قالَ في كِتابِه: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5].. وَهُم مُصَلُّون! يُؤَدُّونَها لَكِنَّهُم يَسهونَ عَن مَقاصِدِها ويُؤَخِّرونَها عَن وَقتِها، فَما بالُنا نَحنُ نَسرِقُ مِن صَلاتِنا سَرقاً؟ يَقولُ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيح: «أسوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الذي يَسرِقُ مِن صَلاتِه». ألا وإنَّ التَّكبيرَةَ الأُولى هيَ البَوَّابَة. مَن أحكَمَ إغلاقَ البابِ خَلفَهُ، لَم تَدخُل عَلَيهِ لُصوصُ الغَفلَة. يَقولُ الحَقُّ تَعالى مُبيِّناً ثَمَرَةَ هَذِهِ الصَّلاةِ الحَقيقيَّة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]. ذِكرُ اللهِ في الصَّلاةِ أكبَرُ مِن كُلِّ شَيء، والصَّلاةُ التي لا تَنهى صاحِبَها عَن الحَرامِ بَعدَ أن يُسَلِّم، هيَ صَلاةٌ لَم يَدخُلها صاحِبُها مُنذُ التَّكبيرَة! تَأمَّلوا مَعي هَذِهِ المُفارَقَة: حينَ يَنادي المُنادي لِصَلاةِ الجُمُعَة، يَقولُ اللهُ لَنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]. أمَرَنا بِتَركِ البَيعِ والشِّراءِ بَل وكُلِّ مَشاغِلِ الدُّنيا خَلفَ ظُهورِنا. ثُمَّ إذا انتَهَتِ الصَّلاة؟ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]. لِكُلِّ مَقامٍ مَقال، ولِكُلِّ وَقتٍ عَمَل. الدُّنيا لَها وَقتُها المَشروع، أمَّا في دَقائِقِ الصَّلاةِ.. فَلا بَيعَ إلَّا مَعَ الله، ولا تِجارَةَ إلَّا مَعَ الله. واللهِ يا إخوَتي، لَو نَظَرنا إلى الصَّلاةِ عَلى أنَّها طَوقُ نَجاةٍ يُخرِجُنا مِن بَحرِ الدُّنيا الهائِجِ المَليءِ بِالهُمومِ والغُموم، لَفَرِحنا بِها كَما كانَ يَفرَحُ النَّبيُّ ﷺ حِينَ يَقول: «يا بِلال، أقِمِ الصَّلاة، أرِحنا بِها». نَعَم.. أرِحنا بِها، لَيسَ "أرِحنا مِنها"! الفَرقُ بَينَ المُصَلِّي المُحِبِّ والمُصَلِّي المُثقَل، هوَ أنَّ الأوَّلَ يَهرُبُ "إلى" الصَّلاة، والثَّاني يَهرُبُ "مِن" الصَّلاة! فَيا مَن أثقَلَتهُ الهُموم، ويا مَن كَبَّلَتهُ الدُّيون، ويا مَن تَكالَبَت عَلَيهِ الأحزان.. دَواؤُكَ بَينَ يَدَيك، في رَكعَتَينِ تُكَبِّرُ فِيهِما يَقِيناً بِأنَّ الذي تَقِفُ بَينَ يَدَيهِ أكبَرُ مِن كُلِّ مَخاوِفِك، وأكبَرُ مِن كُلِّ أمراضِك، وأكبَرُ مِن كُلِّ أعدائِك. ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: 96]. الدُّنيا زائِلَة، والسَّجدَةُ الخاشِعَةُ باقِيَة. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، المُطَّلِعُ عَلى السَّرائِر، الخَبيرُ بِما في الضَّمائِر. وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، أخشى النَّاسِ لِرَبِّه وأتقاهُم لَه، صلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن سِرِّ تَكبيرَةِ الإحرام، وكَيفَ أنَّها إعلانٌ شُجاعٌ بِرَميِ الدُّنيا وَراءَ الظُّهور، ووَقَفنا مَعَ أحوالِ السَّلَفِ العَجيبَةِ في الخُشوع، ورَأَينا بِمَشاعِرِنا كَيفَ تَسرِقُنا هُمومُ الدُّنيا وهَواتِفُنا مِن بَينِ يَدَي رَبِّنا. والآن، ونَحنُ نَستَعِدُّ لِلصَّلاةِ بَعدَ قَليل، السُّؤالُ الأكثَرُ إلحاحاً: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ في صَلَواتِنا الخَمس؟ كَيفَ لا تَكونُ هَذِهِ الخُطبَةُ مُجَرَّدَ كَلِماتٍ نَتَأَثَّرُ بِها ثُمَّ نَنساها عِندَ عَتَبَةِ المَسجِد؟ لِذا، وأنا لا أُطيلُ عَلَيكُم، أُوصيكُم وأُوصي نَفسي المُقَصِّرَةَ بِخَمسِ خُطُواتٍ عَمَلِيَّةٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأُولى (قَلبِيَّة): هَيِّئ قَلبَكَ قَبلَ أن تُكَبِّر، بَدءاً مِنَ الوُضوء. لا تَجعَل وُضوءَكَ مُجَرَّدَ غَسلِ أطراف، بَل نوِّ أن تَغسِلَ ذُنوبَك. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَن تَوَضَّأَ فَأَحسَنَ الوُضوءَ خَرَجَت خَطاياهُ مِن جَسَدِه». استَحضِر في قَلبِكَ وأنتَ تَمشي إلى السَّجَّادَةِ أنَّكَ ذاهِبٌ لِلِقاءِ رَبِّ العالَمين. مَن جاءَ قَلبُهُ قَبلَ بَدَنِه، خَشَع. الثَّانِيَة (لِسانِيَّة): عِندَما تَنطِقُ بِـ "اللهُ أكبَر"، لا تَخطَفها خَطفاً كَما يَفعَلُ المَستَعجِلون. انطِقها بِتَمَهُّل، تَذَوَّق حُروفَها، استَشعِر وَزنَها في لِسانِك، لِتَعلَمَ أنَّ مَن تَدخُلُ في ضِيافَتِهِ أعظَمُ وأكبَرُ مِن أيِّ شَيءٍ يَشغَلُك. الِلسانُ الذي يَذكُرُ اللهَ بِبُطء، يَقودُ القَلبَ إلى الخُشوع. الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة): ضَع هاتِفَكَ عَلى الوَضعِ الصَّامِت، بَل أبعِدهُ عَن مُصَلَّاك إن كُنتَ في البَيت. إشعاراتُ الجَوَّالِ هيَ قُطَّاعُ طُرُقِ الخُشوعِ في هَذا العَصر. كَيفَ تَقِفُ لِمُناجاةِ مَلِكِ المُلوك، وتَسمَحُ لِرِسالَةِ بَشَرٍ أن تَقطَعَ هَذا الاتِّصال؟ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): لا تَدخُلِ الصَّلاةَ وفي قَلبِكَ خُصومَةٌ أو غَضَبٌ عَلى أحَد. إن كُنتَ غاضِباً، أو تَحْمِلُ ضَغينَةً في بَيتِك، فاعفُ وسامِح قَبلَ أن تُكَبِّر. القَلبُ المَشحونُ بِالعَداواتِ لا مَكانَ فِيهِ لِسَكينَةِ الصَّلاة. نَقِّ قَلبَكَ لِلخالِق، بِالعَفوِ عَن المَخلوق. الخامِسَة (مَوضوعِيَّة): صَلِّ كُلَّ صَلاةٍ وكَأنَّها آخِرُ صَلاةٍ في عُمُرِك. وهَذِهِ لَيسَت وَصِيَّتي، بَل وَصِيَّةُ حَبيبِكُم ﷺ حينَ قال: «إذا قُمتَ في صَلاتِكَ فَصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّع». تَخَيَّل لَو نَزَلَ بِكَ مَلَكُ المَوتِ بَعدَ هَذِهِ الصَّلاة، كَيفَ سَتَكونُ رَكعَتُكَ الآن؟ هَذا هُوَ السِّرُّ الذي يَصنَعُ العَجائِب. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وحافِظوا عَلى صَلَواتِكُم، فَإنَّها رَأسُ مالِكُم، وآخِرُ ما أوصى بِهِ نَبِيُّكُم ﷺ قَبلَ لِحاقِهِ بِالرَّفيقِ الأعلَى حِينَ قال: «الصَّلاةَ الصَّلاة، وما مَلَكَت أيمانُكُم». ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلاةِ عَلَيه، فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى نَبِيِّنا وعَبدِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. 🤲 الدعاء اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا كَبَّروا لِلصَّلاةِ خَشَعَت قُلوبُهُم، وذَلَّت لِعَظَمَتِكَ جَوارِحُهُم. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ النِّفاق، وأعمالَنا مِنَ الرِّياء، وطَهِّر صَلَواتِنا مِنَ الغَفلَةِ والسَّهو. اللَّهُمَّ ارزُقنا قُرَّةَ العَينِ في الصَّلاة، واجعَلها راحَةً لِنُفوسِنا، ونوراً في قُبورِنا، وشَفيعاً لَنا يَومَ نَلقاك. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِمَّن حَظُّهُم مِن صَلاتِهِم التَّعَبُ والنَّصَب، وارزُقنا الإخلاصَ في الأقوالِ والأعمال. اللَّهُمَّ اغفِر لَنا ذُنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، وتَجاوَز عَن سَيِّئاتِنا وتَقصيرِنا في حَقِّك. اللَّهُمَّ احفَظِ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، واربُط عَلى قُلوبِ المُستَضعَفين والمَظلومين، واجعَل لَهُم مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجاً. اللَّهُمَّ حَبِّب إلَينا الإيمانَ وزَيِّنهُ في قُلوبِنا، وكَرِّه إلَينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان، واجعَلنا مِن الرَّاشِدين. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.