🕌 الصلاة... حبلُ اللهِ المَمدودُ ومَلاذُ القُلوبِ المُتعَبَة
#خطبة_جمعة #الصلاة #فضل_الصلاة #الخشوع #العبادة #رقائق #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الصَّلاةَ عِمادًا للدِّين، ومَلاذًا للمُتعبين، ونُورًا في قلوبِ المُؤمنين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، فَرَضَها خَمسًا في اليَومِ واللَّيلةِ لِيَغسِلَ بها خَطايانا، ويَرفَعَ بها دَرَجاتنا، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورَسولُه، إمامُ الخاشِعين، وقُدوةُ المُصَلِّين، الذي جُعِلَت قُرَّةُ عَينِهِ في الصَّلاة، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد:
أيُّها الإخوة، عَجَبًا لإنسانٍ تَخنُقُه هُمومُ الدُّنيا، وتَتكالَبُ عليهِ الأحزان، وتَأسِرُهُ الدُّيون والمَخاوِف، وعِلاجُهُ مَوضوعٌ بينَ يَدَيهِ خَمسَ مرَّاتٍ في اليومِ واللَّيلة، ثمَّ هو يَبحثُ عن السَّكينةِ في غيرِ مَظانِّها! كأنَّنا عَطشى وفي عُقرِ دارِنا نَهرٌ عَذبٌ جارٍ، لكنَّنا نَأبى أن نَشرَب، ونَذهَب لنَلتَمِس الرِّيَّ من سَرابٍ خادع. إنَّها الصَّلاة، حَبلُ اللهِ الممدود، والسِّرُّ الأعظمُ الذي يَربِطُ ضَعفَ المَخلوقِ بقُوَّةِ الخالِق.
عبادَ الله، هل سألتُم أنفُسَكم يومًا: لماذا كانت الصَّلاةُ هي الفَريضةَ الوحيدةَ التي لم تُفرَض على الأرض؟ الزَّكاةُ فُرِضَت في الأرض، الصِّيامُ فُرِضَ في الأرض، الحَجُّ فُرِضَ في الأرض. أمَّا الصَّلاة... فقد استَدعى اللهُ جلَّ جَلالُهُ نبيَّهُ ومُصطفاهُ في رِحلةِ الإسراءِ والمِعراج، شَقَّ لهُ السَّماواتِ السَّبع، حتى بَلَغَ سِدرةَ المُنتَهى، وهُناك، في مَقامٍ لم يَبلُغهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبيٌّ مُرسَل، فَرَضَ اللهُ عليهِ الصَّلاة.
لماذا؟ لأنَّ اللهَ تباركَ وتعالى يُريدُ أن يُخبِرَنا أنَّ هذهِ الفَريضةَ ليست مُجرَّدَ طُقوسٍ وحَرَكات، بل هي عُروجٌ رُوحيٌّ يَوميٌّ للمُؤمن. إذا ضاقَت بكَ الأرضُ بما رَحُبَت، فاقصِد السَّماء. يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى مُبيِّنًا ثَمَرةَ هذا الاتِّصال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]. الفَلاحُ كُلُّهُ، والنَّجاةُ كُلُّها، مَربوطةٌ بهذا الخُشوعِ وهذا الوُقوف.
تأمَّلوا معي حَديثَ الصَّادقِ المَصدوقِ ﷺ وهو يَضربُ لنا مَثَلًا حِسِّيًّا لا نَنساهُ أبدًا. يقولُ رسولُ الله ﷺ: «أرأيتُم لو أنَّ نَهرًا بِبابِ أحَدِكم يَغتَسِلُ مِنهُ كُلَّ يَومٍ خَمسَ مرَّات، هل يَبقى مِن دَرَنِهِ شيء؟» قالوا: لا يَبقى مِن دَرَنِهِ شيء. قال: «فذلك مَثَلُ الصَّلَواتِ الخَمس، يَسحو اللهُ بِهِنَّ الخَطايا» (متفق عليه).
يا لَعَظَمةِ هذا الدِّين! ويا لَرَحمةِ هذا الرَّبِّ الكَريم! تَخرُجُ إلى السُّوق، تَنظُرُ نَظرةً لا تَحِلّ، تَسمَعُ كَلمةً لا تَجوز، تَغتابُ، تَغضَب، فَتَتَسَخُ رُوحُك... ثمَّ يُنادي المُنادي: "اللهُ أكبر، حيَّ على الصَّلاة"، فَتَقِفُ بينَ يَدَيِ الرَّحمن، فَتَتَساقَطُ ذُنوبُكَ معَ كُلِّ رُكوعٍ وسُجود، وتَخرُجُ مِن صَلاتِكَ كَيَومِ وَلَدَتكَ أمُّك. فكيفَ نُفَرِّطُ في هذا المِغتَسَلِ الرَّبَّاني؟
ولكن، لِنَكُن صادِقينَ معَ أنفُسِنا اليوم. ما الفَرقُ بَينَ مَن يُصَلِّي خَمسَ مرَّاتٍ بِجَسَدِهِ وقَلبُهُ غافِلٌ ساهٍ يَتَجَوَّلُ في الأسواقِ وهُمومِ العَمَل، وبَينَ مَن يُصَلِّي مرَّةً واحدةً بِحُضورِ قَلبٍ كامِل؟
إنَّ كَثيرًا مِنَّا اليومَ لا يُصَلِّي، بل يُؤَدِّي حَرَكاتٍ رياضيَّةً مُفَرَّغَةً مِن رُوحِها. نَقِفُ في الصَّفّ، نُكَبِّر، وقَبلَ أن نَقولَ "الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين"، تَنطَلِقُ عُقولُنا في مَشارِيعِ الدُّنيا، نَتَذَكَّرُ ما نَسينا، ونُخَطِّطُ لِما سَنَفعَل. حتَّى إذا سَلَّمَ الإمام، خَرَجنا مِن المَسجِدِ وهُمومُنا هيَ هي، وذُنوبُنا هيَ هي! لماذا؟ لأنَّ اللهَ جلَّ في عُلاه يَقُول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. الصَّلاةُ لإقامَةِ الذِّكر، فإذا غابَ الذِّكرُ وحَضَرَ الغُفول، فَقَدتِ الصَّلاةُ رُوحَها.
قال الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ في وَصفٍ دَقيقٍ لِهذا المَعنى: "والصَّلاةُ مَجلَبَةٌ للرِّزق، حافِظَةٌ للصِّحَّة، دافِعَةٌ للأذى... وقُرَّةُ العَينِ في الصَّلاةِ لا تَحصُلُ إلَّا لِمَن أقبَلَ بقَلبِهِ على الله، وتَفَرَّغَ لِمُناجاتِه".
واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ العَجيب، لِرَجُلٍ عَرَفَ كَيفَ يُصَلِّي. سُئِلَ حاتِمٌ الأصَمُّ، أحَدُ عُلماءِ السَّلَفِ الصَّالح، كيفَ تُصَلِّي؟ فبِماذا أجاب؟ هل قال: أقرأُ كذا وأركَعُ كذا؟
لا، بل أعطى وَصفَةً تَهزُّ الجِبال. قال: "إذا حانَتِ الصَّلاة، أسبَغتُ الوُضوء، وأتَيتُ المَوضِعَ الذي أُريدُ الصَّلاةَ فيه، فأقعُدُ فيهِ حتَّى تَجتَمِعَ جَوارِحي... ثم أقومُ إلى صَلاتي، وأجعَلُ الكَعبَةَ بينَ حاجِبَيّ، والصِّراطَ تَحتَ قَدَمَيّ، والجَنَّةَ عَن يَميني، والنَّارَ عَن شِمالي، ومَلَكَ المَوتِ وَرائي، وأظُنُّها آخِرَ صَلاتي، ثم أقومُ بَينَ الرَّجاءِ والخَوف، وأُكَبِّرُ تَكبيرًا بِتَحقيق، وأقرأُ قِراءةً بِتَرتيل، وأركَعُ رُكوعًا بِتَواضُع، وأسجُدُ سُجودًا بِتَخَشُّع... ثم أُتبِعُها الإخلاص، ثم لا أدري بَعدَ ذلك: أَقُبِلَت مِنِّي أم رُدَّت عَلَيّ!".
اللهُ أكبر! أيُّ صَلاةٍ هذهِ التي يُصَلِّيها هذا الرَّجُل؟ صَلاةُ مُوَدِّعٍ يَشعُرُ أنَّ مَلَكَ المَوتِ يَنتَظِرُ تَسليمَتَه ليَقبِضَ رُوحَه. باللهِ عليكُم، هل قُمنا مَرَّةً واحِدةً في عُمُرِنا بينَ يَدَيِ اللهِ بهذا الشُّعور؟ هل استَحضَرنا أنَّ هذهِ السَّجدةَ قَد تكونُ آخِرَ عَهدِنا بالدُّنيا؟
يا مَعاشِرَ المُصَلِّين، إنَّ مِن أخطَرِ أَمراضِ هذا العَصر — عَصرِ الهَواتِفِ المُتَحَرِّكَةِ والشَّاشاتِ السَّريعَة — أنَّنا فَقَدنا القُدرَةَ على التَّمَهُّل. نَسمَعُ رَنينَ الهاتِفِ فَنَهُبُّ مُسرِعينَ لِنَرُدَّ على مَخلوقٍ ضَعيف، ونَسمَعُ نِداءَ "حيَّ على الصَّلاة... حيَّ على الفَلاح" فَنَتَثاقَل، ونَقول: "الوَقتُ مُتَّسِع، سَأُصَلِّي بَعدَ قَليل".
هذا التَّأخير، وهذا التَّفريط، ليسَ أمرًا هَيِّنًا. يَقولُ اللهُ سُبحانَهُ مُحَذِّرًا: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. أتَدرونَ ما إضاعَةُ الصَّلاةِ هنا؟ قال عَبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما: "ليسَ مَعنى أضاعوها تَرَكوها بالكُلِّيَّة، ولكن أخَّروها عَن وَقتِها". تَأخيرُ الصَّلاةِ عن وقتِها عَمْدًا بِسَبَبِ نَومةٍ أو لِقاءِ عَمَلٍ أو مُشاهَدَةِ شاشَة، يُدخِلُ العَبدَ في وَعيدِ "الغيّ"، وهو وادٍ في جَهَنَّمَ بَعيدُ القَعر، خَبيثُ الطَّعم.
فيا مَن تُؤَخِّرُ صَلاةَ الفَجرِ إلى ما بَعدَ طُلوعِ الشَّمس لِتَلحَقَ بِعَمَلك! كيفَ تَرجو التَّوفيقَ في عَمَلٍ بَدَأتَهُ بِمَعصيَةِ مَن يَملِكُ رِزقَك؟ ويا مَن تَجمَعُ الظُّهرَ والعَصرَ بلا عُذرٍ شَرعيّ، اسمَع لِقَولِ الحَسَنِ البَصريِّ رَحِمَهُ الله، حينَ قال كَلِمَةً تَقطَعُ القُلوب: "يا ابنَ آدَم، أيُّ شيءٍ يَعِزُّ عَليكَ مِن دينِكَ إذا هانَت عَليكَ صَلاتُك؟ وأنتَ أوَّلُ ما تُسألُ عنهُ يومَ القيامَةِ صَلاتُك".
وتأمَّلوا معي هَذا المَشهَدَ الدَّرامِيَّ المَهيب. رَسولُكُم وحَبيبُكُم مُحمَّدٌ ﷺ، في سَكَراتِ المَوت، والحُمَّى تَشتَدُّ عليه، وصَدرُهُ يَئِنُّ، ورُوحُهُ الطَّاهِرَةُ تَتَهَيَّأُ لِمُفارَقَةِ الدُّنيا. في تلكَ اللَّحظةِ الحَرِجَة، التي يَنسى فيها الإنسانُ كُلَّ شيءٍ إلَّا أهَمَّ شَيء، ماذا كانَت آخِرُ وَصيَّةٍ نَطَقَ بها؟ هل قال: افتَحوا البُلدان؟ هل قال: اجمَعوا الأموال؟ لا! بَل كانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيهِ ويَقولُ بِصَوتٍ مُتَهَدِّج: «الصَّلاةَ الصَّلاة، وما مَلَكَت أيمانُكُم» (رواه أحمد).
يُوَدِّعُ النَّبيُّ ﷺ الدُّنيا وهو مَهمومٌ بِصَلاتِنا! يَخافُ عَلَينا أن نُضَيِّعَها، يَخافُ عَلَينا أن نَترُكَ الحَبلَ الذي يَربِطُنا برَبِّنا. فأيُّ عُذرٍ لِمَن يَترُكُها بَعدَ أن سَمِعَ هذهِ الوَصیَّةَ المُخَضَّبةَ بأنفاسِ المَوت؟
إخواني في الله، الصَّلاةُ لَيست حِملًا نَتَخَلَّصُ مِنه، لَيست فَريضَةً نَقولُ "أرِحنا مِنها". لَقَد كانَ قُدوَتُكُم ﷺ إذا حَزَبَهُ أمرٌ — أيِ اشتَدَّ عليهِ وهَمَّه — فَزِعَ إلى الصَّلاة، وكانَ يُنادي مُؤَذِّنَهُ قائِلًا: «يا بِلال، أقِمِ الصَّلاة، أَرِحنا بها» (رواه أبو داود). هل تَذَوَّقتُم مَعنى "أَرِحنا بها"؟ الصَّلاةُ هيَ الرَّاحَة، هيَ الابتِعادُ المَحمودُ عَن ضَجيجِ البَشَر، والوُقوفُ في حَضرَةِ الخالِقِ الذي لا يَرُدُّ سائِلًا.
يَقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. نَعَم، هي كَبيرةٌ وثَقيلَةٌ على قَلبِ المِنافق، ثَقيلَةٌ على مَن تَعَلَّقَ قَلبُهُ بالدُّنيا، لكنَّها بَردٌ وسَلامٌ وراحَةٌ ويَقينٌ للقلوبِ الخاشعة، التي تَعرِفُ مَن تُناجي.
فيا مَن ضَيَّعتَ الصَّلاة... ويا مَن ثَقُلَت عَلَيك... ويا مَن تُنادي بِتَوفيقِ اللهِ وأنتَ تارِكٌ لِحَقِّه: إنَّ العَهدَ الذي بَينَنا وبَينَهُم الصَّلاة، فَمَن تَرَكَها فَقَد كَفَر. لا حَظَّ في الإسلامِ لِمَن تَرَكَ الصَّلاة. فَتُب إلى الله، وعُد إلى سَجَّادَتِك، فإنَّ المَوتَ لا يَستَأذِنُ شابًّا ولا شَيخًا، والقَبرَ لا يَرحَمُ تارِكًا.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الصَّلاةَ نورًا وبُرهانًا، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن مَكانَةِ الصَّلاةِ وعَظَمَتِها، ووَقَفنا معَ خُضوعِ حاتِمٍ الأصَمِّ فيها، وتَدَبَّرنا كيفَ كانَت الصَّلاةُ آخِرَ وَصيَّةٍ نَطَقَ بها نَبيُّنا ﷺ قَبلَ مَوته، وكَيفَ أنَّ ضَياعَها هو ضَياعٌ لِلدِّينِ كُلِّه. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهم، السُّؤالِ الذي سَيُحَدِّدُ إن كانَت هذهِ الخُطبَةُ قَد أثمَرَت في قُلوبِنا أم مَرَّت عابِرة: كيفَ نُصلِحُ صَلَواتِنا في واقِعنا اليَوميّ؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري هذا، خَذوها مَنهَجَ حياة:
الأولى (قَلبيَّة): قَبلَ أن تَرفَعَ يَدَيكَ وتَقولَ "اللهُ أكبر"، قِف ثَلاثَ ثَوانٍ فَقط. خُذ نَفَسًا عَميقًا، واستَحضِر في قَلبِكَ نِيَّةَ أنَّكَ الآنَ قاطَعتَ الدُّنيا بأسْرِها لِتَقِفَ أمامَ المَلِكِ الحَقّ. هذا الاستِحضارُ القَلبيُّ السَّريع سيَكسِرُ حِدَّةَ التَّفكيرِ في مَشاغِل الدُّنيا قَبلَ الدُّخولِ في الصَّلاة.
الثانية (لِسانيَّة): إذا سَمِعتَ النِّداء، فَأوقِف حَديثَكَ، ورَدِّد مَعَ المُؤَذِّن. فإنَّ اللِّسانَ الذي يَلهَجُ بِتَكبيرِ اللهِ مَع النِّداء، سيُعانُ على التَّكبيرِ في الصَّلاة. ولا تَنهَض مِن مَكانِ صَلاتِكَ قَبلَ أن تَستَغفِرَ اللهَ ثَلاثًا، تَجبرُ بِها نَقصَ الخُشوعِ في صَلاتِك.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): اضبِط مُنَبِّهَك لِصَلاةِ الفَجر، بَل واجعَل هاتِفَكَ بَعيدًا عَن سَريرِكَ لِتُجبَرَ على القِيام. صَلاةُ الفَجرِ في وَقتِها هيَ المِعيارُ الحَقيقيُّ لِصِدقِك. قال ﷺ: «مَن صَلَّى الصُّبحَ فهو في ذِمَّةِ الله» (رواه مسلم). فكيفَ تَرضى أن تَخرُجَ مِن ذِمَّةِ اللهِ وتَرعايتِه بِسَبَبِ نَومَة؟
الرابعة (اجتماعيَّة): لا تَكُن أنانيًّا في إيمانِك. مُر أهلَ بَيتِكَ بالصَّلاة، لا تَملَّ ولا تَكِلّ. يَقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: 132]. حاسِب أبناءَكَ على الصَّلاةِ أشدَّ مِمَّا تُحاسِبُهُم على الدِّراسَة، فالشَّهادَةُ تَنفَعُ في الدُّنيا، والصَّلاةُ تَنفَعُ في الدُّنيا ويَومَ الحِساب.
الخامسة (موضوعيَّة): عاهِد نفسَكَ مِن اليَوم أَلَّا تُؤَخِّرَ صَلاةً عَن وَقتِها مَهما كانَ الثَّمَن. اجتِماعُ العَمَل، الطَّريقُ المُزدَحِم، المَوعِدُ المُهِم... كُلُّها تَنتَظِر. اللهُ أكبرُ مِن كُلِّ مَوعِد، ومَن آثَرَ اللهَ آثَرَهُ اللهُ ويَسَّرَ لَهُ كُلَّ أمرٍ عَسير.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ اللهِ في صَلَواتِكُم، فإنَّ التَّقوى هي التي تَحمِلُكُم على المُواظَبَةِ والخُشوع، وبِها تُقبَلُ الأعمال.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُم اللهُ بالصَّلاةِ عليه، فَقَال في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن مُقيمي الصَّلاة، اللَّهُمَّ رَبَّنا اجعَلني مُقيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتي رَبَّنا وتَقَبَّل دُعاء.
اللَّهُمَّ ارزُقنا فيها الخُشوعَ والخُضوع، والذُّلَّ والانكِسارَ بَينَ يَدَيك.
اللَّهُمَّ لا تَحرِمنا لَذَّةَ مُناجاتِك، ولا تَبتَلِنا بقَسوَةِ القُلوبِ، ولا بغَفلَةِ النُّفوس.
اللَّهُمَّ تُب على مَن فَرَّطَ في صَلاتِه، اللَّهُمَّ رُدَّ تارِكي الصَّلاةِ إليكَ رَدًّا جَميلًا، وافتَح مَغالِقَ قُلوبِهِم لِنُورِ طاعَتِك.
اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بكَ مِن صَلاةٍ لا تَنفَع، ومِن قَلبٍ لا يَخشَع، ومِن عَينٍ لا تَدمَع.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ عامَّة، واجعَلنا في كُلِّ أرضٍ آمِنينَ مُطمَئِنِّين، وارحَم مَوتانا، واشفِ مَرضانا، واقضِ دُيونَنا، واغفِر خَطايانا يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
الصلاة... حبلُ اللهِ المَمدودُ ومَلاذُ القُلوبِ المُتعَبَة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.