من مكتبة مِداد الخطيب

أبوابُ الشَّيطان... حينَ تَسقُطُ الحُصونُ أمامَ الشَّهوَة

مشاركة
🕌 أبوابُ الشَّيطان... حينَ تَسقُطُ الحُصونُ أمامَ الشَّهوَة #خطبة_جمعة #الشهوة #غض_البصر #خطوات_الشيطان #الشباب #تزكية_النفس #رقائق الحمدُ للهِ الذي زَيَّنَ في قلوبِ المؤمنينَ الإيمانَ وكَرَّهَ إليهمُ الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ غَضَّ البَصَرِ طَهارةً للقُلوب، ومُخالَفةَ الهَوى مِفتاحًا لدُخولِ الجنَّة، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورَسولُه، إمامُ المُتَّقين، وقُدوَةُ المُتَعَفِّفين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بَعد: تَخيَّلوا معي قَلعةً مَنيعةً، أَسوارُها عالِيةٌ تَناطِحُ السَّحاب، وجُنودُها على أُهبَةِ الاستعداد، أُنفِقَ في بِنائها سُنونٌ طِوال. ثمَّ في ليلةٍ مَشؤومةٍ، تَسقُطُ هذه القَلعةُ العظيمةُ دونَ قِتالٍ ودونَ مَدافِع. كيف؟ لأنَّ حارسًا غافلًا في الدَّاخل فَتَحَ للعدُوِّ بابًا صَغيرًا في الخَفاء. هذا البابُ الصَّغيرُ — يا كرام — هو «الشَّهوَة»، وهذه القَلعةُ هي قَلبُك! اليومَ، سَنَقِفُ أمامَ أخطَرِ أبوابِ الشَّيطان، الباب الذي أَسقَطَ عُبَّادًا وزُهَّادًا، وسَنَعرِفُ كيفَ نُغلِقُه قَبلَ أن نُختَطَف، فاستَعيروا لي قُلوبَكم. أَيُّها الإخوَةُ الكِرام، هل سَأَلتُم أَنفُسَكم يومًا: لماذا نَضعُفُ فَجأةً؟ لماذا يَبني أَحَدُنا إيمانَهُ بصيامٍ وقيامٍ ودموعٍ في المَحاريب، ثمَّ في لَحظةِ خَلوةٍ يَنهارُ كلُّ شيءٍ أمامَ مَقطَعٍ في شاشة، أو نَظرةٍ عابِرة، أو مَوقِفِ فِتنة؟ الجوابُ ليسَ مُعَقَّدًا. الجوابُ أنَّ الشَّيطانَ لا يَدعوكَ إلى النَّارِ مُباشَرةً — فهوَ أَخبَثُ من ذلك — بل يَلُفُّ لكَ جَمرَ النَّارِ في غِلافٍ منَ اللَّذَّةِ المُؤَقَّتة. اسمعوا إلى هذا التَّشخيصِ النَّبويِّ العَميق، حيثُ يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ» (رواهُ مُسلم). تأمَّلوا كَلِمةَ «حُفَّت». النَّارُ مُحاطَةٌ بسِياجٍ منَ اللَّذَّاتِ السَّريعة. الطَّريقُ إليها مُعَبَّدٌ ومُزَيَّنٌ بما تَشتَهيهِ النَّفسُ وتَميلُ إليهِ الغَرائز. بَينما الجَنَّةُ طريقُها يَحتاجُ إلى مَشَقَّةٍ، وإلى كَبحِ النَّفسِ، وإلى مَنعِ العَينِ عمَّا تُريد. ولأنَّ اللهَ خَلَقَنا ويَعلَمُ ضَعفَنا، فقد كَشَفَ لنا خُطَّةَ العَدوِّ مِن أوَّلِ خُطوة. يَقولُ ربُّنا جَلَّ وعَلا: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]. هذا هوَ الهَدَفُ المُعلَن. الذينَ يَتَّبِعونَ الشَّهوات، ومِن خَلفِهم إبليس، لا يُريدونَ لكَ مُجَرَّدَ الخَطأ، بل يُريدونَ «مَيلًا عَظيمًا».. انحِرافًا كامِلًا يُخرِجُكَ من دائرةِ الضِّياءِ إلى وَحلِ الظُّلمات. عبادَ الله، الشَّيطانُ عالِمٌ نَفسيٌّ خَبير. هو يَعلَمُ أنَّه لو طَلَبَ منكَ الفاحِشةَ الصَّريحةَ في أَوَّلِ مَرَّة، لَانتَفَضَ إيمانُكَ وصَرَخَ قلبُك: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾. لِذلك هو لا يَبدأُ من هُنا، بل يَتَّبِعُ استراتيجيَّةً سمَّاها القُرآنُ «الخُطُوات». قال تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النور: 21]. ما هي أُولى هذه الخُطُوات؟ إنَّها «النَّظرة». النَّظرةُ هي بريدُ الزِّنا، وهي البابُ الأوسَعُ للشَّهوة. ولذلك رُويَ في الأثَر: «النَّظرةُ سَهمٌ مَسمومٌ مِن سِهامِ إبليسَ». وتَأمَّلوا وَصفَها بالسَّهمِ المَسموم! السَّهمُ قد يَجرحُ، لكنَّ السُّمَّ يَسري في الدَّمِ ليَقتُلَ الجَسَدَ كُلَّه. هكذا النَّظرةُ الحَرام، تَقَعُ على العَين، لكنَّ سُمَّها يَسري في أروِقَةِ القَلبِ فيُظلِمُهُ، ويُورِثُهُ قَسوةً ووَحشة. انظُروا إلى حالِنا اليوم! في هذا العَصر — عصرِ الهَواتفِ الذَّكيَّةِ والشَّاشاتِ — صارَتِ الفِتنةُ في جَيبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَّا. شابٌّ يَجلِسُ في غُرفتِهِ، أُغلِقَت أبوابُها، وأُطفِئَت أنوارُها. لا يراهُ أبٌ، ولا تُراقِبُهُ أُمٌّ. يَتَصَفَّحُ هاتِفَه، فتَقفِزُ أمامَهُ صُورةٌ مُحَرَّمة، أو مَقطَعٌ يُثيرُ الغَرائز. هذه هيَ الَّلحظةُ الفاصِلة. هنا المِحرابُ الحَقيقيُّ للإيمان. في هذهِ الَّلحظةِ المَخفيَّة، أينَ أنتَ مِن قولِ اللهِ تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]. لِماذا قالَ: ﴿أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾؟ لأنَّ غَضَّ البَصَرِ طَهارة. القَلبُ الذي يَتَرَبَّى على غَضِّ البَصَر، هو قَلبٌ يَتَنَفَّسُ هَواءً نَقيًّا، بَينما القَلبُ الذي يُسَرِّحُ طَرفَهُ في الحَرام، يَختَنِقُ بدُخانِ الشَّهوة.
يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم — رَحِمَهُ الله — كَلِمةً تَهُزُّ العُقول: «عُشَّاقُ الشَّهَواتِ في نارٍ قَبلَ نارِ الآخِرة... نارُ الحَسَراتِ والغَمِّ والهُموم». لأنَّ الشَّهوةَ — يا إخوَتي — مِثلُ ماءِ البَحر، كُلَّما شَرِبتَ مِنهُ ازددتَ عَطَشًا، ولا يَرويكَ أبدًا، بَل يُهلكُك. ودَعوني أَنتَقِل بكُم الآن آلافَ السِّنينَ إلى الوَراء. إلى مَشهَدٍ صَوَّرَهُ القُرآنُ، ليَبقى مِقياسًا للطَّهارةِ إلى يَومِ الدِّين. تَخَيَّلوا المَشهَد: شابٌّ في رَيعانِ فُتُوَّتِه. جَميلٌ جَمالًا يَخطَفُ الأبصار. غَريبٌ عن بَلَدِهِ، لا أقرِباءَ يَخافُ فَضيحَتَهُ بَينهم. عَبدٌ مَملوكٌ يُطيعُ أوامِرَ سَيِّدَتِه. والمَرأةُ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمال، وهيَ الَّتي بادَرَت وطَلَبَت. بل وأَعظَمُ مِن ذلك: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾. لم يَبقَ مَنفَذٌ للرُّؤية. الضَّماناتُ كامِلة، والفِتنةُ مُهيَّأة. إنَّه يُوسُفُ عليهِ السَّلام! ماذا صَنَع؟ هل بَرَّرَ لنَفسِهِ كما نُبَرِّر؟ هل قال: أنا شابٌّ وهذا طَبعي؟ هل قال: هي الَّتي أجبَرَتنِي؟ كَلَّا... بَل دَوَّت مِنهُ كَلِمةٌ زَلزَلَت جُدرانَ القَصر، وحَفِظَها القُرآنُ كأَعظَمِ مَوقِفٍ لِلعِفَّة: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: 23]. مَعاذَ الله! كَلِمَتانِ أَنقَذَت نَبيًّا من وحلِ الخَطيئة. كَلِمَتانِ قَلَبَت مَوازينَ القُوَّة؛ فالمَرأةُ العَزيزةُ في قَصرِها صارَت ذَليلةً لِشَهوَتِها، والعَبدُ المَملوكُ صارَ عَزيزًا بِطاعَتِه. ولذلك، كانَ جَزاءُ هذا الشَّابِّ العَفيفِ أنَّهُ في ظِلِّ عَرشِ الرَّحمنِ يومَ القِيامة. أَلَم يَقُلِ النَّبيُّ ﷺ في حَديثِ السَّبعةِ الَّذينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّه: «...وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» (مُتَّفقٌ عليه). والسُّؤالُ الآن، ونَحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ فُتِحَت فيهِ أبوابُ الشَّهواتِ على مِصراعَيها: كَيفَ نُقاوِم؟ كيفَ نَستَحضِرُ «مَعاذَ الله» في زِحامِ المُغريات؟ يا عبادَ الله، لا يَسقُطُ الإنْسانُ في وَحلِ الشَّهوةِ إلَّا إذا كانَ قَلبُهُ فارِغًا. يَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّة — رَحِمَهُ الله — جُملَةً كالميزان: «العَبدُ إن لَم يَعبُدِ اللهَ، عَبَدَ هَواهُ». القَلبُ وِعاء، إن لَم تَملَأهُ بحُبِّ اللهِ، والشَّوقِ إلى لِقائِه، واللَّذَّةِ بمُناجاتِه — امْتَلأَ بحُبِّ الصُّوَر، واللَّهاثِ خَلفَ النَّزوات. واسمَعوا لِهذا المَوقِفِ النَّبويِّ العَجيب، لِتَعرِفوا أنَّ الدِّينَ لم يَتَجاهَل نَزَعاتِ الشَّبابِ ولم يُصادِرها، بَل عالَجَها برَحمةٍ وحِكمَة. جاءَ شابٌّ فائرُ الدَّمِ إلى النَّبيِّ ﷺ في المَسجِد. مَجلِسٌ مَليءٌ بالصَّحابة. وقَفَ الشَّابُّ وقالَ كَلِمةً تَصعَقُ الآذان: «يا رَسولَ الله، ائذَن لي بالزِّنا!». تَخَيَّلوا! يَطلُبُ الإذنَ بالزِّنا من نَبيِّ الأمَّة! هَمَّ الصَّحابةُ بهِ ليَزجُروه، لكنَّ الطَّبيبَ الأعظَمَ ﷺ قال: «ادنُ». أَدناهُ مِنه، وقَرَّبَهُ إلَيه. لم يُعَنِّفه، لَم يَطرُده، لَم يَفضَحه. قالَ لَهُ ﷺ، مُخاطِبًا عَقلَه: «أَتُحِبُّهُ لأُمِّك؟». قال: لا وَاللهِ جَعَلَني اللهُ فِداءَك. قال: «ولا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهاتِهِم». ثمَّ قال: «أَفَتُحِبُّهُ لابنَتِك؟... لأُختِك؟... لعَمَّتِك؟... لخالَتِك؟». وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَقولُ الشَّاب: لا وَاللهِ جَعَلَني اللهُ فِداءَك. ثمَّ ماذا صَنَعَ النَّبيُّ ﷺ؟ هنا العلاجُ الحَقيقي. وَضَعَ يَدَهُ الشَّريفةَ الطَّاهرةَ على صَدرِ الشَّاب، ودَعا لَهُ بثَلاثِ كَلِمات: «اللَّهُمَّ اغفِرْ ذَنبَهُ، وَطَهِّرْ قَلبَهُ، وَحَصِّنْ فَرجَهُ». قالَ الشَّابُّ بَعدَها: فلَم يَكُن شَيءٌ أَبغَضَ إلَيَّ مِنَ الزِّنا. (رواهُ أحمَدُ وصَحَّحَهُ الألباني). يا مَن تُصارِعُ الشَّهوة! يا مَن تَتَعَبُ في الخَلَوات... ألا تَحتاجُ إلى هذا الدُّعاء؟ ألا تَحتاجُ أن تَرفَعَ يَدَيكَ اللَّيلةَ وتَقول: يا رَبّ، طَهِّر قَلبي، وحَصِّن فَرجي، واعصِمني مِن فِتَنِ هذا الزَّمان؟ واللهِ إنَّ الصِّدقَ في هذا الدُّعاءِ مِفتاحٌ لا يُخَيِّبُ صاحِبَه أبدًا. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن تَرَكَ شيئًا للهِ، عَوَّضَهُ اللهُ حَلاوَةً يَجِدُها في قَلبِه، ونُورًا في وَجهِه، وفِراسَةً في عَقله. فلا تَبيعوا نَعيمَ الأبَد، بِلَذَّةِ دَقائقَ تُورِثُ الحَسرةَ والنَّدَم. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، يُحِبُّ التَّوَّابينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أرسَلَهُ اللهُ رَحمةً للعالَمين وطَهارةً للمُؤمنين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بَعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عنِ القَلعةِ وكيفَ تَسقُطُ مِن بابِ الشَّهوة، ووَقَفنا مَع قُوَّةِ يُوسُفَ حينَ اعتَصَمَ بـ«مَعاذَ الله»، وتَأمَّلنا رَحمةَ النَّبيِّ ﷺ بالشَّابِّ الَّذي جاءَهُ يَستَأذِنُ في الحَرام. والآن، إخوَتي، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَمِّ الَّذي سَيُحَدِّدُ مَصيرَنا بَعدَ أن نَخرُجَ مِن مَسجِدِنا هذا: كَيفَ نُحَصِّنُ هذهِ القَلعةَ عَمَليًّا في حَياتِنا اليَوميَّة المَليئَةِ بالفِتَن؟ أُوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري، فاكتُبوها في صُدورِكم: الأُولى (قَلبيَّة): اللُّجوءُ الصَّادِقُ والدُّعاء. كلُّنا ضُعَفاء، ولا يَعصِمُنا إلَّا الله. فاجعَل في سُجودِكَ دائمًا دُعاءَ النَّبيِّ ﷺ الَّذي كانَ يُلازِمُه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى». مَن سَألَ العَفافَ بصِدق، حَصَّنَهُ اللهُ مِنَ الزَّلَل. الثَّانية (لِسانيَّة): الاستِغفارُ الفَوريُّ عِندَ الزَّلَّة. إن وَقَعَت عَينُكَ على حَرامٍ صُدفةً، أو قادَتكَ نَفسُكَ لِنَظرة، فلا تَتَمادَ. اقطَعِ الحَبلَ فجأةً، وقُل بِلِسانِكَ وقَلبِك: «أستَغفِرُ الله». الشَّيطانُ يُريدُكَ أن تَستَسلِمَ بَعدَ الخَطأِ الأوَّل، والاستِغفارُ يَكسِرُ خُطَّتَه في المَهد، ويَمحو النُّكتَةَ السَّوداءَ مِن قلبِك. الثَّالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): غَضُّ البَصَرِ وضَبطُ الهاتِف. الشَّاشةُ هي السَّاحةُ الأَخطَرُ اليَوم. قُم اللَّيلةَ بخُطوةٍ عَمَليَّة: أَلغِ مُتابَعةَ كُلِّ حِسابٍ يُثيرُ غَرائِزَك أو يَتَساهَلُ في العُري. اجعَل هاتِفَكَ نَظيفًا، ولا تَختَلِ بهِ في أوقاتِ الضَّعفِ والفَراغ. تَذَكَّر قولَ الحَبيبِ ﷺ: «يا عَلِيُّ، لا تُتبِعِ النَّظرَةَ النَّظرَةَ، فإنَّ لكَ الأولى ولَيسَت لكَ الآخِرة» (رواهُ أبو داود). الرَّابِعة (اجتِماعيَّة): الصُّحبَةُ الصَّالِحة. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «المَرءُ على دين خَليلِه». لا تَجلِس مَع مَن يُطَبِّعُ المَعصِيَة، أو يُسَهِّلُ الحَرام، أو يَتَباهى بالعَلاقاتِ المُحَرَّمة. صاحِب مَن إذا رأيتَهُ ذَكَّرَكَ بالله، وإذا خَلَوتَ مَعَهُ استَحْيَيتَ من المَعصية. الخامِسة (مَوضوعيَّة): المَسارَعةُ إلى العَفاف. لِلشَّبابِ أقول، كَما وَجَّهَكُم نَبيُّكم ﷺ: «يا مَعشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ... وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (مُتَّفقٌ عليه). مَن قَدَرَ على الزَّواجِ فلا يُؤَجِّل، ومَن لَم يَقدِر فليَملَأ وَقتَهُ بالعملِ الرِّياضيِّ والنَّشاطِ النَّافعِ والصِّيام، فإنَّ الفَراغَ مَقتَلَةُ الشَّباب. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ الجَنَّةَ غالية، وأنَّ الحُورَ العِين لا يُنَلنَ بالاستِسلامِ للشَّهوات في طِينِ الدُّنيا، بل بمُجاهَدةِ النَّفسِ وكَبحِ الهَوى. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ الهُدى والتُّقى والعَفافَ والغِنى. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا، وحَصِّن فُروجَنا، واغفِر ذُنوبَنا، واستُر عُيوبَنا. اللَّهُمَّ مَنِ ابتُليَ منَّا بشَهوَةٍ تَغلِبُه، فأعِنهُ عليها، واملَأ قَلبَهُ بمَحَبَّتِكَ وخَشيَتِكَ حتى لا يَرى فيها لَذَّة، واجعَل لَذَّتَهُ في طاعَتِك ومُناجاتِك. اللَّهُمَّ احفَظ شَبابَنا وفَتَياتِنا مِن الفِتَن، ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن، واجعَلهُم أُمَناءَ على أعراضِهِم وأديانِهِم. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا خَلا بكَ في ظُلمَةِ اللَّيلِ استَحيا من مَعصيَتِك، وبَكى مِن خَشيَتِك. اللَّهُمَّ انصُر المُستَضعَفينَ منَ المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، واربُط على قُلوبِهِم، واحقِن دِماءَهُم، وعَلِّك برايةِ العَدلِ والحَقِّ يا قَويُّ يا عَزيز. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكرُب، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.