من مكتبة مِداد الخطيب

شَرَفُ العَمَلِ وَقِيمَةُ الإِنتَاجِ فِي الإِسلَامِ: بِنَاءُ الحَضَارَةِ وَعِفَّةُ النَّفسِ وَعِمَارَةُ الأَرضِ

مشاركة
شَرَفُ العَمَلِ وَقِيمَةُ الإِنتَاجِ فِي الإِسلَامِ: بِنَاءُ الحَضَارَةِ وَعِفَّةُ النَّفسِ وَعِمَارَةُ الأَرضِ الحَمدُ للهِ الَّذِي ذَلَّلَ الأَرضَ لِعِبَادِهِ وَأَمَرَهُم بِالسَّعيِ فِي مَنَاكِبِهَا وَالِابتِغَاءِ مِن فَضلِهِ العَظِيمْ، وَجَعَلَ العَمَلَ الصَّالِحَ وَالكَسبَ الطَّيِّبَ وَالإِنتَاجَ النَّافِعَ قِوَامَ الدُّنيَا وَالدِّينِ القَوِيمْ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى مَا سَخَّرَ لَنَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ مِن آيَاتِ جُودِهِ العَمِيمْ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الحَكِيمْ، لَا يُضِيعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمْ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ذُو الخُلُقِ العَظِيمْ، كَانَ أَنشَطَ النَّاسِ عَمَلًا، وَأَعفَّهُم يَدًا، وَأَبَرَّهُم كَسبًا، يُشَارِكُ أَصحَابَهُ فِي بِنَاءِ المَسجِدِ وَحَفرِ الخَندَقِ، وَيَرفَعُ قِيمَةَ اليَدِ العَامِلَةِ المُنتِجَةِ إِلَى مَقامِ الجِهَادِ وَالتَّكرِيمْ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَينَ إِتقَانِ العِبَادَةِ فِي المِحرَابِ وَرِيَادَةِ الإِنتَاجِ وَالعَطَاءِ فِي مَيَادِينِ الحَيَاةِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ الرُّوحُ السَّارِيَةُ فِي كُلِّ عَمَلٍ نَافِعٍ، وَهِيَ المِيزَانُ الَّذِي يَرفَعُ الكَسبَ الدُّنيَوِيَّ إِلَى دَرَجَةِ القُربَةِ الإِيمَانِيَّةِ وَالطَّاعَةِ الزَّاكِيَةِ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۝ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لِمَاذَا خَلَقَنَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى هَذِهِ الأَرضِ؟ وَمَا هِيَ الوَظِيفَةُ الكُبرَى الَّتِي أَنَاطَهَا اللهُ بِالإِنسَانِ مُنذُ أَن أَهبَطَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَيهَا؟ إِنَّ الإِسلَامَ يَا عِبَادَ اللهِ دِينُ الحَيَاةِ الفَاعِلَةِ، وَالحَرَكَةِ الدَّائِبَةِ، وَالعَمَلِ المُثمِرِ، وَالإِنتَاجِ المُتَجَدِّدِ؛ لَم يَأتِ الإِسلَامُ لِيَصنَعَ مِن أَتبَاعِهِ رُهبَانًا مُنعَزِلِينَ فِي الصَّوَامِعِ وَالكُهُوفِ يَعِيشُونَ عَالَةً عَلَى كَدِّ غَيرِهِم، وَلَا كُسَالَى مُتَوَاكِلِينَ يَجلِسُونَ عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقَاتِ يَنتَظِرُونَ الصَّدَقَاتِ وَالمَعُونَاتِ! بَل جَاءَ الإِسلَامُ لِيَربِطَ بَينَ «عِبَادَةِ اللهِ وَتَوحِيدِهِ» وَبَينَ «عِمَارَةِ الأَرضِ وَإِنتَاجِ الخَيرِ فِيهَا» رِباطًا لَا يَنفَصِمُ أَبَدًا؛ كَمَا قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَالِحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾! قَالَ المُفَسِّرُونَ وَالفُقَهَاءُ: «وَاستَعمَرَكُم فِيهَا» أَي جَعَلَكُم عُمَّارَهَا وَطَلَبَ مِنكُم عِمَارَتَهَا بِالزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَالبِنَاءِ وَاستِخرَاجِ كُنُوزِهَا وَمَعَادِنِهَا وَإِقَامَةِ العَدلِ وَالصَّلَاحِ فِي أَرجَائِهَا! تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ كَيفَ جَعَلَ القُرآنُ الكَرِيمُ الانطِلَاقَ إِلَى العَمَلِ وَالإِنتَاجِ يَعقُبُ الصَّلَاةَ مُبَاشَرَةً دُونَ فَاصِلٍ مِن كَسَلٍ أَو خُمُولٍ! فَفِي سُورَةِ الجُمُعَةِ، بَعدَ أَن أَمَرَ اللهُ المُؤمِنِينَ بِالسَّعيِ إِلَى ذِكرِ اللهِ وَتَركِ البَيعِ عِندَ النِّدَاءِ، قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾! فَسَمَّى العَمَلَ وَالإِنتَاجَ وَالكَسبَ الحَلَالَ «ابتِغَاءً مِن فَضلِ اللهِ»! وَفِي سُورَةِ المُلكِ يُذكِّرُنَا اللهُ بِتَسخِيرِ الأَرضِ لَنَا لِنَمشِيَ فِي جِبَالِهَا وَأَودِيَتِهَا وَسُهُولِهَا وَبِحَارِهَا عَامِلِينَ مُنتِجِينَ، فَيَقُولُ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ۝ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. بَلِ انظُرُوا إِلَى هَذَا التَّشْرِيفِ الإِلَهِيِّ العَظِيمِ فِي خَاتِمَةِ سُورَةِ المُزَّمِّلِ، حَيثُ قَرَنَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الضَّارِبِينَ فِي الأَرضِ لِلعَمَلِ وَالإِنتَاجِ وَالتِّجَارَةِ بِالمُجَاهِدِينَ المُرَابِطِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى ۝ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۝ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾! قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ وَسُفيَانُ الثَّورِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «أَيُّ رَجُلٍ جَلَبَ شَيئًا إِلَى مَدِينَةٍ مِن مَدَائِنِ المُسلِمِينَ صَابِرًا مُحتَسِبًا، فَبَاعَهُ بِسِعرِ يَومِهِ، كَانَ عِندَ اللهِ بِمَنزِلَةِ الشُّهَدَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ»! أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: مَنِ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ العَمَلَ اليَدَوِيَّ أَوِ الحِرفِيَّ أَوِ المِهَنِيَّ يَنقُصُ مِن قَدرِ الإِنسَانِ أَو يَغُضُّ مِن شَرَفِهِ؟ لَو كَانَ فِي العَمَلِ اليَدَوِيِّ وَالكَدحِ الإِنتَاجِيِّ أَدنَى مَنقَصَةٍ لَمَا اختَارَهُ اللهُ لِأَشرَفِ خَلقِهِ وَأَكرَمِ بَرِيَّتِهِ وَهُمُ الأَنبِيَاءُ وَالمُرسَلُونَ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ! لَقَد كَانَ أَنبِيَاءُ اللهِ جَمِيعًا عُمَّالًا مُنتِجِينَ يَأكُلُونَ مِن عَرَقِ جِبَاهِهِم وَكَسبِ أَيدِيهِم: كَانَ أَبُونَا آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ حَرَّاثًا يَزرَعُ الأَرضَ وَيَحصُدُهَا، وَكَانَ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ نَجَّارًا مَاهِرًا يَصنَعُ السَّفِينَةَ العِملَاقَةَ بِيَدَيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، وَكَانَ إِدرِيسُ عَلَيهِ السَّلَامُ خَيَّاطًا، وَكَانَ الخَلِيلُ إِبرَاهِيمُ وَوَلَدُهُ إِسمَاعِيلُ عَلَيهِمَا السَّلَامُ بَنَّاءَينِ يَرفَعَانِ القَوَاعِدَ مِنَ البَيتِ وَيَنقُلَانِ الحِجَارَةَ عَلَى أَكتَافِهِمَا، وَكَانَ كَلِيمُ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَجِيرًا يَرعَى الغَنَمَ لِشَيخِ مَديَنَ عَشرَ سِنِينَ بِقُوَّةٍ وَأَمَانَةٍ، وَكَانَ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ نَجَّارًا كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا»! وَانظُرُوا إِلَى نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ؛ آتَاهُ اللهُ المُلكَ العَظِيمَ وَالخِلَافَةَ فِي الأَرضِ وَالنُّبُوَّةَ وَالجُنُودَ، وَمَعَ ذَلِكَ أَبَى أَن يَأكُلَ درهمًا وَاحِدًا مِن بَيتِ مَالِ الدَّولَةِ، بَل كَانَ يَشتَغِلُ فِي صِنَاعَةِ الحَدِيدِ وَالدُّرُوعِ الحَربِيَّةِ بِمِعَايِيرِ الجَودَةِ الفَائِقَةِ، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنهُ فِي سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ۝ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ المِقدَامِ بنِ مَعدِي كَرِبَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيرًا مِن أَن يَأكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ يَأكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ»! وَأَمَّا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَد رَعَى الغَنَمَ فِي مَطلَعِ شَبَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فِي التِّجَارَةِ أَمِينًا صَادِقًا، وَقَالَ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ»، فَقَالَ أَصحَابُهُ: وَأَنتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «نَعَم، كُنتُ أَرعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهلِ مَكَّةَ»! وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي بَيتِهِ يَخصِفُ نَعلَهُ، وَيَرقَعُ ثَوبَهُ، وَيَحلُبُ شَاتَهُ، وَيَكُونُ فِي مِهنَةِ أَهلِهِ، وَيَومَ بِنَاءِ المَسجِدِ النَّبَوِيِّ وَيَومَ حَفرِ الخَندَقِ كَانَ يَحمِلُ التُّرَابَ وَالصُّخُورَ حَتَّى وَارَى الغُبَارُ بَيَاضَ بَطنِهِ الشَّرِيفِ! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِن أَعظَمِ مَقَاصِدِ العَمَلِ وَالإِنتَاجِ فِي الإِسلَامِ: «صِيَانَةَ كَرَامَةِ الإِنسَانِ، وَتَحقِيقَ عِفَّةِ النَّفسِ وَاليَدِ، وَمُحَارَبَةَ البَطَالَةِ وَالتَّسَوُّلِ وَالكَسَلِ»! فَإِنَّ اليَدَ العَامِلَةَ المُنتِجَةَ يَدٌ عُليَا كَرِيمَةٌ مُعطِيَةٌ، وَاليَدَ العَاطِلَةَ المُتَسَوِّلَةَ يَدٌ سُفلَى ذَلِيلَةٌ؛ وَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَنِ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَأَن يَأخُذَ أَحَدُكُم حَبلَهُ فَيَأتِيَ بِحُزمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجهَهُ، خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَسأَلَ النَّاسَ أَعطَوهُ أَو مَنَعُوهُ»! وَاستَمِعُوا إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ النَّبَوِيَّةِ العَمَلِيَّةِ المَوثَّقَةِ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لِتَرَوا كَيفَ عَالَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُشكِلَةَ البَطَالَةِ وَالفَقرِ بِالتَّحوِيلِ الفَورِيِّ مِنَ «الاستِجدَاءِ» إِلَى «العَمَلِ وَالإِنتَاجِ»: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ قَوِيُّ البِنيَةِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَسأَلُهُ صَدَقَةً، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا فِي بَيتِكَ شَيءٌ؟»، قَالَ: بَلَى؛ حِلسٌ أَي كِسَاءٌ خَشِنٌ نَلبَسُ بَعضَهُ وَنَبسُطُ بَعضَهُ، وَقَعبٌ أَي إِنَاءٌ نَشرَبُ فِيهِ المَاءَ! قَالَ: «ائتِنِي بِهِمَا»، فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ لِأَصحَابِهِ: «مَن يَشتَرِي هَذَينِ؟»، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرهَمٍ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن يَزِيدُ عَلَى دِرهَمٍ؟» مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرهَمَينِ، فَأَعطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرهَمَينِ فَأَعطَاهُمَا الأَنصَارِيَّ وَقَالَ: «اشتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانبِذهُ إِلَى أَهلِكَ، وَاشتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا أَي حَدِيدَةَ فَأْسٍ فَائتِنِي بِهِ»! فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «اذهَب فَاحتَطِب وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا»! فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ بَعدَ أُسبُوعَينِ وَقَد أَصَابَ عَشرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشتَرَى بِبَعضِهَا ثَوبًا وَبِبَعضِهَا طَعَامًا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا خَيرٌ لَكَ مِن أَن تَجِيءَ المَسأَلَةُ نُكتَةً فِي وَجهِكَ يَومَ القِيَامَةِ»! وَمِن هَذِهِ المَدرَسَةِ النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ تَخَرَّجَ جِيلُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، الَّذِينَ جَعَلُوا مِنَ العَمَلِ وَالإِنتَاجِ مَيدَانًا لِعِزَّةِ الأُمَّةِ وَنُصرَةِ الدِّينِ: تَأَمَّلُوا قِصَّةَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: قَدِمَ المَدِينَةَ مُهَاجِرًا قَد تَرَكَ مَالَهُ كُلَّهُ فِي مَكَّةَ، فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَهُ وَبَينَ سَعدِ بنِ الرَّبِيعِ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَعَرَضَ عَلَيهِ سَعدٌ شَطرَ مَالِهِ وَأَحَدَ بُستَانَيهِ بِلَا تَعَبٍ وَلَا عَنَاءٍ؛ فَمَاذَا قَالَ النَّفسُ الأَبِيَّةُ المُنتِجَةُ؟ قَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ كلمتَهُ الخَالِدَةَ الَّتِي يَجِبُ أَن تَكُونَ شِعَارَ كُلِّ شَابٍّ مُسلِمٍ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ»! فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَينُقَاعَ، فَذَهَبَ فَبَاعَ وَاشتَرَى فِي الأَقِطِ وَالسَّمنِ، فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّامٌ قَلَائِلُ حَتَّى استَغنَى وَتَزَوَّجَ، ثُمَّ بَارَكَ اللهُ فِي تِجَارَتِهِ وَإِنتَاجِهِ حَتَّى كَانَ يُجهِّزُ الجُيُوشَ بِمِئَاتِ الإِبِلِ وَالخُيُولِ، وَتَصَدَّقَ يَومًا بَقَافِلَةٍ كَامِلَةٍ قِوَامُهَا سَبعُمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحمَالِهَا وَأَقتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللهِ! وَانظُرُوا إِلَى فِقهِ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي تَعظِيمِ شَرَفِ العَمَلِ وَمُحَارَبَةِ الكَسَلِ؛ فَقَد كَانَ يَقُولُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَا يَقعُدَنَّ أَحَدُكُم عَن طَلَبِ الرِّزقِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ ارزُقنِي، وَقَد عَلِمَ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُمطِرُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً»! وَكَانَ إِذَا رَأَى فَتًى ذَا هَيئَةٍ وَجمَالٍ أَعجَبَهُ حَالُهُ سَأَلَ عَنهُ: «هَل لَهُ حِرفَةٌ؟ فَإِن قَالُوا: لَا حِرفَةَ لَهُ، قَالَ: سَقَطَ مِن عَينِي»! وَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَكْسَبَةٌ فِيهَا بَعضُ الدَّنَاءَةِ خَيرٌ مِن مَسأَلَةِ النَّاسِ»! وَقَالَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنِّي لَأَمقُتُ الرَّجُلَ أَن أَرَاهُ فَارِغًا لَيسَ فِي شَيءٍ مِن عَمَلِ الدُّنيَا وَلَا عَمَلِ الآخِرَةِ»! وَقَالَ أَيُّوبُ السِّختِيَانِيُّ لِتَلَامِيذِهِ: «الزَمُوا السُّوقَ؛ فَإِنَّ فِيهِ غِنًى عَنِ النَّاسِ وَصَلَاحًا لِلدِّينِ»! بَل إِنَّ الإِسلَامَ يَا عِبَادَ اللهِ قَد بَلَغَ فِي تَقدِيسِ قِيمَةِ الإِنتَاجِ وَالإِعمَارِ مَبلَغًا لَم تَبلُغهُ أَيُّ فَلْسَفَةٍ أَو حَضَارَةٍ فِي تَارِيخِ البَشَرِ؛ حَتَّى أَمَرَ المُسلِمَ بِالِاستِمرَارِ فِي الإِنتَاجِ وَغَرسِ الفَسِيلَةِ وَلَو رَأَى السَّاعَةَ تَقُومُ أَمَامَ عَينَيهِ! فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَالأَدَبِ المُفرَدِ لِلبُخَارِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُم فَسِيلَةٌ، فَإِنِ استَطَاعَ أَن لَا يَقُومَ حَتَّى يَغرِسَهَا فَلْيَغرِسْهَا»! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسٍ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِن مُسلِمٍ يَغرِسُ غَرسًا، أَو يَزرَعُ زَرعًا، فَيَأكُلُ مِنهُ طَيرٌ أَو إِنسَانٌ أَو بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ»! فَأَيُّ تَحفِيزٍ عَلَى الإِنتَاجِ الزِّرَاعِيِّ وَالصِّنَاعِيِّ وَالاقتِصَادِيِّ أَعظَمُ مِن أَن يَتحَوَّلَ كُلُّ مَنتُوجٍ يَنتَفِعُ بِهِ الخَلقُ إِلَى صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ فِي مِيزَانِ المُنتِجِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ؟ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ الإِنتَاجَ الَّذِي يَبنِي الأُمَمَ وَيُرضِي الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُومُ فِي شَرِيعَةِ الإِسلَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَركَانٍ لَا يَصحُّ بِدُونِهَا: «صِحَّةِ النِّيَّةِ، وَأَمَانَةِ الأَدَاءِ، وَإِتقَانِ الصَّنعَةِ»! أَمَّا صِحَّةُ النِّيَّةِ: فَهِيَ الكِيميَاءُ الإِيمَانِيَّةُ الَّتِي تُحَوِّلُ عَمَلَ الطَّبِيبِ فِي عِيَادَتِهِ، وَالمُهَندِسِ فِي مَوقِعِهِ، وَالمُعَلِّمِ فِي مَدرَسَتِهِ، وَالفَلَّاحِ فِي حَقلِهِ، وَالصَّانِعِ فِي مَصنَعِهِ، وَالتَّاجِرِ فِي مَتجَرِهِ، وَالأُمِّ فِي مَطبَخِهَا وَبَيتِهَا، مِن عَادَةٍ يَومِيَّةٍ إِلَى عِبَادَةٍ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللهِ! رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مَعَاجِمِهِ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ عَن كَعبِ بنِ عُجرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَرَأَى أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ فِي البُكُورِ إِلَى عَمَلِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَو كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِن كَانَ خَرَجَ يَسعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِن كَانَ خَرَجَ يَسعَى عَلَى أَبَوَينِ شَيخَينِ كَبِيرَينِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِن كَانَ خَرَجَ يَسعَى عَلَى نَفسِهِ يَعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِن كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيطَانِ»! وَأَمَّا القُوَّةُ وَالأَمَانَةُ وَإِتقَانُ الإِنتَاجِ: فَقَد جَمَعَهَا القُرآنُ الكَرِيمُ فِي سُورَةِ القَصَصِ فِي كَلِمَتَينِ اثنَتَينِ حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾! القُوَّةُ وَالكَفَاءَةُ وَالخِبرَةُ مَعَ الأَمَانَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَمُرَاقَبَةِ اللهِ! وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الكَهفِ: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، وَفِي مُسنَدِ أَبِي يَعلَى وَشُعَبِ الإِيمَانِ لِلبَيهَقِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلًا أَن يُتقِنَهُ»! فَالمُسلِمُ الصَّادِقُ لَا يَغُشُّ فِي صِنَاعَتِهِ، وَلَا يُطفِّفُ فِي كَيلِهِ وَمِيزَانِهِ، وَلَا يَخُونُ فِي سَاعَاتِ دَوَامِهِ وَوَظِيفَتِهِ، وَلَا يَأكُلُ عَرَقَ الأَجِيرِ وَالعَامِلِ الَّذِي يَعمَلُ تَحتَ يَدِهِ؛ فَقَد حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن ظُلمِ العُمَّالِ فَقَالَ فِيمَا يَروِيهِ عَن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصمُهُم يَومَ القِيَامَةِ... وَرَجُلٌ استَأجَرَ أَجِيرًا فَاستَوفَى مِنهُ وَلَم يُعطِ أَجرَهُ»! أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: إِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يُؤلِمُ القَلبَ فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ أَن تَتحَوَّلَ كَثِيرٌ مِن مُجتَمَعَاتِنَا الإِسلَامِيَّةِ مَعَ مَا حَبَاهَا اللهُ مِن ثَرَوَاتٍ وَعُقُولٍ وَسَوَاعِدَ شَابَّةٍ إِلَى أَسوَاقٍ استِهلَاكِيَّةٍ تَستَورِدُ إِبرَتَهَا وَدَوَاءَهَا وَقَمحَهَا وَسِلَاحَهَا وَتِقنِيَّتَهَا مِنَ الشَّرقِ وَالغَربِ، بَعدَ أَن كَانَت حَوَاضِرُ الإِسلَامِ قُرُونًا طَوِيلَةً هِيَ مَصنَعَ العَالَمِ الأَوَّلَ وَمَنَارَةَ العِلمِ وَالإِبدَاعِ وَالاكتِفَاءِ الذَّاتِيِّ! لَن تَعُودَ لِأُمَّتِنَا عِزَّتُهَا وَسِيَادَتُهَا حَتَّى نُعِيدَ الاعتِبَارَ لِقِيمَةِ الإِنتَاجِ وَالعَمَلِ الجَادِّ؛ فَيَفتَخِرَ الشَّابُّ بِحِرفَتِهِ وَصَنعَتِهِ وَمَزرَعَتِهِ وَمُختَبَرِهِ، وَيَتَنَافَسَ أَهلُ الأَموَالِ فِي إِنشَاءِ المَصَانِعِ وَالمَزَارِعِ وَالمَشَارِيعِ المُنتِجَةِ الَّتِي تُشَغِّلُ الشَّبَابَ وَتُغنِي الأُمَّةَ عَن مَدِّ اليَدِ لِأَعدَائِهَا. وَللهِ دَرُّ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ قَالَ يَحُثُّ عَلَى السَّعيِ وَالكَسبِ وَنَبذِ الخُمُولِ: إِنِّي رَأَيتُ وُقُوفَ المَاءِ يُفسِدُهُ ... إِنْ سَاحَ طَابَ وَإِنْ لَم يَجرِ لَم يَطِبِ وَالأُسدُ لَولَا فِرَاقُ الأَرضِ مَا افتَرَسَت ... وَالسَّهمُ لَولَا فِرَاقُ القَوسِ لَم يُصِبِ وَالتِّبرُ كَالتُّربِ مُلقًى فِي أَمَاكِنِهِ ... وَالعُودُ فِي أَرضِهِ نَوعٌ مِنَ الحَطَبِ! هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجزِ وَالكَسَلِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبنِ وَالبُخلِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِن غَلَبَةِ الدَّينِ وَقَهرِ الرِّجَالِ. اللَّهُمَّ اكفِنَا بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ، وَأَغنِنَا بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ. اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي أَرزَاقِنَا وَأَعمَالِنَا وَأَوقَاتِنَا وَأَبدَانِنَا، وَافْتَح لِشَبَابِنَا وَأُمَّتِنَا أَبوَابَ الرِّزقِ الحَلَالِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ وَالإِنتَاجِ النَّافِعِ، وَاجعَل بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ قَوِيَّةً عَزِيزَةً مُستَغنِيَةً بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۝ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.