من مكتبة مِداد الخطيب

صَلَاةُ الفَجرِ وَمَكَانَتُهَا العَظِيمَةُ فِي الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ بَلِيغَةٌ وَمُؤَثِّرَةٌ فِي التَّرغِيبِ فِي شُهُودِ الفَجرِ وَقِصَصِ السَّلَفِ وَعِبَرِهَا

مشاركة
صَلَاةُ الفَجرِ وَمَكَانَتُهَا العَظِيمَةُ فِي الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ بَلِيغَةٌ وَمُؤَثِّرَةٌ فِي التَّرغِيبِ فِي شُهُودِ الفَجرِ وَقِصَصِ السَّلَفِ وَعِبَرِهَا الحَمدُ للهِ فَالِقِ الإِصبَاح، وَجَاعِلِ اللَّيلِ سَكَنًا وَالنَّهَارِ مَعَاشًا وَكِفَاح، المَلِكِ القُدُّوسِ السَّلَامِ الَّذِي أَقسَمَ بِالفَجرِ فِي مُحكَمِ الكِتَابِ، وَجَعَلَ صَلَاةَ الصُّبحِ مِيزَانًا لِصِدقِ الإِيمَانِ وَفَصلًا بَينَ أَهلِ الإِخلَاصِ وَأَهلِ الِارتِيَاب، وَمِفتَاحًا لِلنُّورِ التَّامِّ وَالبَرَكَةِ وَالفَلَاح، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن هَجَرَ لَذِيذَ المَنَامِ شَوقًا إِلَى مُنَاجَاةِ المَلِكِ العَلَّام، وَنَستَغفِرُهُ استِغفَارَ مَن خَشِيَ فَوَاتَ القَبُولِ وَسُوءَ الخِتَام، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَرَعَ لِعِبَادِهِ خَمسَ صَلَوَاتٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ، وَخَصَّ صَلَاةَ الفَجرِ بِمَشهَدٍ مَلَائِكِيٍّ مَهِيبٍ تَشهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ وَقَولُهُ الحَقُّ المُبِين: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي كَانَت قُرَّةُ عَينِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَشَّرَ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَومَ لِقَاءِ اللهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ كَانُوا رُهبَانًا بِاللَّيلِ فُرسَانًا بِالنَّهَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعظِيمِ شَعَائِرِهِ، وَالمحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمسِ حَيثُ يُنَادَى بِهِنَّ فِي بُيُوتِ اللهِ؛ فَهِيَ عَمُودُ الدِّينِ، وَعَهدُ الإِيمَانِ المَتِين، وَأَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيهِ العَبدُ يَومَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِين، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ آمِرًا عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُون: فِي كُلِّ لَيلَةٍ، حِينَ يَهدَأُ الكَونُ، وَتَسكُنُ الأَصوَاتُ، وَتُغلَقُ الأَبوَابُ، وَيَغرَقُ الغَافِلُونَ فِي سُبَاتِهِمُ العَمِيقِ تَحتَ الدِّثَارِ الوَثِير، يَنشَقُّ سِترُ الظَّلَامِ عَن خَيطِ الفَجرِ الصَّادِقِ، وَيَرتَفِعُ فِي آفاقِ السَّمَاءِ نِدَاءٌ خَالِدٌ يَصدَعُ القُلُوبَ الحَيَّةَ وَيُوقِظُ الأَروَاحَ المُشتَاقَة: «اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَر.. حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاح.. الصَّلَاةُ خَيرٌ مِنَ النَّوم، الصَّلَاةُ خَيرٌ مِنَ النَّوم»! فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الفَاصِلَةِ يَنقَسِمُ النَّاسُ إِلَى فَرِيقَينِ اثنَين: فَرِيقٌ سَمِعَ نِدَاءَ المَلِكِ الأَعلَى، فَعَلِمَ أَنَّ اللهَ أَكبَرُ مِنَ النَّومِ، وَأَكبَرُ مِنَ الدِّفءِ وَالفِرَاشِ، وَأَكبَرُ مِنَ الدُّنيَا بِأَسرِهَا، فَنَفَضَ عَن جَفنَيهِ غُبَارَ الكَسَلِ، وَقَامَ يَتَوَضَّأُ فِي بَردِ السَّحَرِ، وَمَشَى بِخُطًى خَاشِعَةٍ فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ إِلَى بَيتِ اللهِ، يُلَبِّي دَعوَةَ رَبِّهِ وَمَولَاه! وَفَرِيقٌ آخَرُ سَمِعَ النِّدَاءَ أَو ضَبَطَ سَاعَتَهُ عَلَى مَوعِدِ دُنيَاهُ دُونَ مَوعِدِ صَلَاتِهِ، فَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَآثَرَ الرَّاحَةَ الفَانِيَةَ عَلَى الغَنِيمَةِ البَاقِيَةِ، فَلَم يَستَيقِظْ إِلَّا بَعدَ أَن طَلَعَتِ الشَّمسُ، وَطُوِيَت صُحُفُ المَلَائِكَةِ، وَقُسِمَتِ الأَرزَاقُ وَالبَرَكَات، وَفَاتَهُ مَوكِبُ السَّابِقِينَ المُقَرَّبِين! فَمَا هِيَ حَقِيقَةُ هَذِهِ الصَّلَاةِ العَظِيمَةِ؟ وَلِمَاذَا أَولَاهَا الإِسلَامُ هَذِهِ المَكَانَةَ السَّامِيَةَ الَّتِي لَا تُدَانِيهَا مَكَانَة؟ وَمَاذَا يَربَحُ مَن شَهِدَهَا، وَمَاذَا يَخسَرُ مَن ضَيَّعَهَا وَنَامَ عَنهَا؟ عِبَادَ اللهِ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَكشِفُ لَنَا عَظَمَةَ صَلَاةِ الفَجرِ فِي دِينِ اللهِ أَنَّ الحَقَّ سُبحَانَهُ سَمَّاهَا فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ «قُرآنَ الفَجرِ»، وَأَخبَرَ أَنَّهَا مَشهُودَةٌ يَشهَدُهَا المَلَأُ الأَعلَى مِن مَلَائِكَةِ الرَّحمَن؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم مَلَائِكَةٌ بِاللَّيلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجرِ وَصَلَاةِ العَصرِ، ثُمَّ يَعرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُم فَيَسأَلُهُم رَبُّهُم - وَهُوَ أَعلَمُ بِهِم -: كَيفَ تَرَكتُم عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكنَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ، وَأَتَينَاهُم وَهُم يُصَلُّونَ». تَخَيَّلُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - هَذَا المَشهَدَ الجَلِيلَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ فَجْرَ كُلِّ يَوم! وَفدُ مَلَائِكَةِ اللَّيلِ يُسَلِّمُ الأَمَانَةَ لِوَفدِ مَلَائِكَةِ النَّهَارِ فِي مَسَاجِدِ اللهِ عِندَ صَلَاةِ الفَجرِ، وَيُرفَعُ اسمُكَ أَيُّهَا المُصَلِّي فِي ذَلِكَ الدِّيوَانِ السَّمَاوِيِّ أَمَامَ رَبِّ العَالَمِين، فَتَشهَدُ لَكَ المَلَائِكَةُ شَهَادَةً تُكتَبُ بِنُورٍ: «يَا رَبَّنَا، أَتَينَا عَبدَكَ فُلَانًا وَهُوَ يُصَلِّي، وَتَرَكنَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي»! بِاللهِ عَلَيكُم، أَيُّ شَرَفٍ أَعظَمُ مِن أَن يُذكَرَ اسمُكَ كُلَّ صَبَاحٍ فِي المَلَإِ الأَعلَى بَينَ يَدَيِ اللهِ جَلَّ جَلَالُه؟ وَأَيُّ غَبْنٍ وَحِرمَانٍ أَشدُّ مِن أَن تُرفَعَ صَحَائِفُ أَهلِ حَيِّكَ وَجِيرَانِكَ وَقَد كُتِبُوا فِي دِيوَانِ المصلِّينَ القَانِتِين، وَاسمُكَ غَائِبٌ عَنِ القَائِمَةِ لِأَنَّكَ كُنتَ غَارِقًا فِي النَّومِ عَن نِدَاءِ رَبِّ العَالَمِين؟! إِخوَةَ الإِيمَان: وَلَوِ اجتَمَعَ عُقَلَاءُ الدُّنيَا لِيُحصُوا الكُنُوزَ وَالجَوَائِزَ الرَّبَّانِيَّةَ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ لِمَن حَافَظَ عَلَى صَلَاةِ الفَجرِ، لَوَقَفُوا خَاشِعِينَ أَمَامَ كَرَمِ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ الخَيَال؛ فَتَأَمَّلُوا مَعِي سَبْعَ جَوَائِزَ نَبَوِيَّةٍ عُظمَى يَفُوزُ بِهَا مَن شَهِدَ صَلَاةَ الفَجرِ فِي كُلِّ يَوم: فَالجَائِزَةُ الأُولَى: الدُّخُولُ فِي ذِمَّةِ اللهِ وَحِمَايَتِهِ وَأَمَانِهِ طَوَالَ يَومِكَ! فَقَد رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن جُندُبِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن صَلَّى الصُّبحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلَا يَطلُبَنَّكُمُ اللهُ مِن ذِمَّتِهِ بِشَيءٍ فَيُدرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ». أَتَدرُونَ مَا مَعنَى أَن تَكُونَ «فِي ذِمَّةِ اللهِ»؟ أَي فِي عَهدِهِ وَحِفظِهِ وَكَلَاءَتِهِ وَضَمَانِهِ فِي دِينِكَ وَدُنيَاكَ، وَنَفسِكَ وَأَهلِكَ وَمَالِكَ! يَخرُجُ النَّاسُ إِلَى الشَّوَارِعِ وَالأَعمَالِ خَائِفِينَ مِنَ الحَوَادِثِ وَالفِتَنِ وَالشُّرُورِ، وَيَخرُجُ مُصَلِّي الفَجرِ مِن بَابِ المَسجِدِ وَعَلَى جَبِينِهِ وِسَامُ الحِمَايَةِ المَلَكِيَّةِ مِن مَلِكِ المُلُوكِ جَلَّ جَلَالُه! وَالجَائِزَةُ الثَّانِيَةُ: أَجرُ قِيَامِ اللَّيلِ كُلِّهِ مِن أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ! فَكَم مِن مُؤمِنٍ يَتَمَنَّى أَن يَقُومَ اللَّيلَ كُلَّهُ قَانِتًا سَاجِدًا وَلَكِن يَغلِبُهُ التَّعَبُ وَالضعفُ؛ فَفَتَحَ اللهُ لَهُ بَابًا عَظِيمًا يُدرِكُ بِهِ أَجرَ قِيَامِ اللَّيلِ كَامِلًا؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَن صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصفَ اللَّيلِ، وَمَن صَلَّى الصُّبحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيلَ كُلَّهُ»! وَالجَائِزَةُ الثَّالِثَةُ: غَنِيمَةٌ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا مِنَ القُصُورِ وَالذَّهَبِ وَالأَموَال! فَقَد رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَكعَتَا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنيَا جَمِيعًا»! فَإِذَا كَانَت سُنَّةُ الفَجرِ القَبلِيَّةُ - وَهِيَ رَكعَتَانِ خَفِيفَتَانِ نَافِلَةٌ - خَيرًا مِنَ الدُّنيَا بِمُلُوكِهَا وَكُنُوزِهَا وَأَنهَارِهَا وَقُصُورِهَا مِن يَومِ خَلَقَها اللهُ إِلَى يَومِ تَفنَى، فَبِاللهِ عَلَيكُم كَيفَ بِفَرِيضَةِ الفَجرِ نَفسِهَا فِي جَمَاعَةِ المُسلِمِين؟! وَالجَائِزَةُ الرَّابِعَةُ: النُّورُ التَّامُّ يَومَ القِيَامَةِ عِندَ ظُلمَةِ الصِّرَاطِ! فِي ذَلِكَ اليَومِ الرَّهِيبِ حِينَ تُطفَأُ الأَنوَارُ، وَتُقسَمُ الأَضوَاءُ عَلَى قَدرِ الأَعمَالِ، يَأتِي أَهلُ الفَجرِ وَالنُّورُ يَسعَى بَينَ أَيدِيهِم وَبِأَيمَانِهِم؛ فَقَد رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن بُرَيدَةَ الأَسلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَشِّرِ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَومَ القِيَامَةِ». فَكُلُّ خُطوَةٍ مَشَيتَهَا فِي ظَلَامِ الفَجرِ تَصيرُ لَكَ شَمسًا وَسِرَاجًا مُنِيرًا عَلَى الصِّرَاطِ يَومَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُفَرِّطُونَ كَمَا حَكَى اللهُ عَنهُم فِي سُورَةِ الحَدِيد: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾! وَالجَائِزَةُ الخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ: النَّجَاةُ المُحَقَّقَةُ مِنَ النَّارِ، وَدُخُولُ الجَنَّةِ دَارِ القَرَار! فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن صَلَّى البَردَينِ دَخَلَ الجَنَّةَ» وَالبَردَانِ هُمَا الفَجرُ وَالعَصرُ! وَرَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن عُمَارَةَ بنِ رُوَيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَن يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا» يَعنِي الفَجرَ وَالعَصر! وَأَمَّا الجَائِزَةُ السَّابِعَةُ فَهِيَ تَاجُ الجَوَائِزِ وَغَايَةُ مُنَى العَارِفِين: الفَوزُ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجهِ اللهِ الكَرِيمِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيم! فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ فَقَالَ: «إِنَّكُم سَتَرَونَ رَبَّكُم كَمَا تَرَونَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤيَتِهِ، فَإِنِ استَطَعتُم أَن لَا تُغلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبلَ غُرُوبِهَا فَافعَلُوا»، ثُمَّ قَرَأَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ ق: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. قَالَ أَهلُ العِلمِ: وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ مَن جَاهَدَ نَفسَهُ فِي الدُّنيَا فَفَتَحَ عَينَيهِ فِي وَقتِ السَّحَرِ وَالفَجرِ طَاعَةً للهِ، كَافَأَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ بِأَن يَفتَحَ عَينَيهِ فِي الجَنَّةِ عَلَى رُؤيَةِ وَجهِهِ الكَرِيمِ بِكَرَّةً وَعَشِيًّا، وَالجَزَاءُ مِن جِنسِ العَمَل! عِبَادَ اللهِ: وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ التَّثَاقُلَ عَن صَلَاةِ الفَجرِ وَتَضيِيعَهَا خَطَرٌ عَظِيمٌ وَدَاءٌ وَبِيل؛ إِذْ جَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المِقيَاسَ الفَاصِلَ بَينَ الإِيمَانِ الصَّادِقِ وَبَينَ النِّفَاق؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَثقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ وَصَلَاةُ الفَجرِ، وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوهُمَا وَلَو حَبوًا». وَلِذَلِكَ كَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَزِنُونَ إِيمَانَ الرَّجُلِ وَأَمَانَتَهُ بِشُهُودِهِ صَلَاةَ الفَجر؛ فَقَد رَوَى ابنُ أَبِي شَيبَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا إِذَا فَقَدنَا الرَّجُلَ فِي الفَجرِ وَالعِشَاءِ أَسَأنَا بِهِ الظَّنَّ»! وَمَن نَامَ عَن صَلَاةِ الفَجرِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ مُتَعَمِّدًا مُتَهَاوِنًا، فَقَد ظَفِرَ بِهِ الشَّيطَانُ وَأَذَلَّهُ؛ فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: ذُكِرَ عِندَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ نَامَ لَيلَةً حَتَّى أَصبَحَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيطَانُ فِي أُذُنَيهِ»! وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَعقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أَحَدِكُم إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضرِبُ كُلَّ عُقدَةٍ: عَلَيكَ لَيلٌ طَوِيلٌ فَارقُد! فَإِنِ استَيقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انحَلَّت عُقدَةٌ، فَإِن تَوَضَّأَ انحَلَّت عُقدَةٌ، فَإِن صَلَّى انحَلَّت عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفسِ، وَإِلَّا أَصبَحَ خَبِيثَ النَّفسِ كَسلَانَ». إِخوَةَ الإِسلَام: تَعَالَوا نُقَلِّبْ صَفَحَاتِ التَّارِيخِ المَجِيدِ لِنَرَى قِصَصًا وَعِبَرًا تَهَزُّ القُلُوبَ عَن حَالِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ مَعَ صَلَاةِ الفَجرِ، وَكَيفَ كَانَت عِندَهُم أَغلَى مِنَ الرُّوحِ وَالدَّم: فَالقِصَّةُ الأُولَى: قِصَّةُ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ فَقَدَ سُلَيمَانَ بنَ أَبِي حَثمَةَ، وَحِينَ طُعِنَ فِي مِحرَابِ الفَجر! فَقَد رَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّإِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَدَ الصَّحَابِيَّ سُلَيمَانَ بنَ أَبِي حَثمَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبحِ، فَغَدَا عُمَرُ إِلَى السُّوقِ وَمَسكَنُ سُلَيمَانَ بَينَ السُّوقِ وَالمَسجِدِ النَّبَوِيِّ، فَمَرَّ عَلَى الشِّفَاءِ أُمِّ سُلَيمَانَ فَقَالَ لَهَا: «لَم أَرَ سُلَيمَانَ فِي الصُّبحِ!»، فَقَالَت: إِنَّهُ بَاتَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ فَغَلَبَتهُ عَينَاهُ! فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَتَهُ الخَالِدَة: «لَأَن أَشهَدَ صَلَاةَ الصُّبحِ فِي الجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن أَقُومَ لَيلَةً»! وَانظُرُوا إِلَى عُمَرَ نَفسِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَومَ طَعَنَهُ أَبُو لُؤلُؤَةَ المَجُوسِيُّ بِخِنجَرٍ مَسمُومٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الفَجرِ؛ حُمِلَ الفَارُوقُ إِلَى بَيتِهِ وَدِمَاؤُهُ تَنزِفُ وَهُوَ يُغشَى عَلَيهِ مَرَّةً بَعدَ مَرَّة، فَلَمَّا أَرَادُوا إِيقَاظَهُ قَالُوا: لَا يُوقِظُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ! فَقَالُوا: الصَّلَاةَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِين! فَفَتَحَ عَينَيهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفسِهِ وَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟ ها اللهِ إِذًا، لَا حَظَّ فِي الإِسلَامِ لِمَن تَرَكَ الصَّلَاةَ»، فَصَلَّى الفَجرَ وَجُرحُهُ يَثعَبُ دَمًا! فَيَا مَن يَنَامُ عَن صَلَاةِ الفَجرِ وَهُوَ صَحِيحٌ مُعَافًى آمِنٌ فِي سِربِهِ: أَينَ أَنتَ مِن عُمَرَ الَّذِي صَلَّاهَا وَأَحشَاؤُهُ مَطعُونَةٌ وَدِمَاؤُهُ تَسِيل؟! وَالقِصَّةُ الثَّانِيَةُ: قِصَّةُ الصَّحَابِيِّ الضَّرِيرِ ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ! فَقَد رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى المَسجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «هَل تَسمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَم، قَالَ: «فَأَجِبْ»! اللهُ أَكبَر! رَجُلٌ ضَرِيرٌ أَعمَى، لَا قَائِدَ لَهُ، وَالمَدِينَةُ يَومَئِذٍ لَا كَهرَبَاءَ فِي شَوَارِعِهَا وَلَا أَرصِفَةَ مُمَهَّدَةً، وَمَعَ ذَلِكَ يُقَالُ لَهُ: «هَل تَسمَعُ النِّدَاءَ؟ فَأَجِبْ»! فَمَا عُذرُ مَن أَعطَاهُ اللهُ البَصَرَ الحَدِيدَ، وَالعَافِيَةَ التَّامَّةَ، وَالمَسجِدُ عَلَى بُعدِ خُطُوَاتٍ مِن بَيتِهِ، وَمُكَبِّرَاتُ الصَّوتِ تَصدَحُ فِي أُذُنَيهِ، ثُمَّ لَا يُجِيبُ دَاعِيَ الله؟! وَالقِصَّةُ الثَّالِثَةُ: هِمَمُ التَّابِعِينَ العِظَامِ مَعَ صَلَاةِ الفَجرِ! فهَذَا سَيِّدُ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ كَمَا فِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ وَسِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ: «مَا فَاتَتنِي التَّكبِيرَةُ الأُولَى مُنذُ خَمسِينَ سَنَةً، وَمَا نَظَرتُ فِي قَفَا رَجُلٍ فِي الصَّلَاةِ مُنذُ خَمسِينَ سَنَةً»! خَمسُونَ عَامًا كَامِلَةً لَم يَتَأَخَّرْ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ وَلَا عَن تَكبِيرَةِ الإِحرَامِ، بَل مَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ إِلَّا وَسَعِيدٌ فِي المَسجِدِ يَنتَظِرُ الصَّلَاة! وَهَذَا الزَّاهِدُ العَابِدُ الرَّبِيعُ بنُ خُثَيمٍ رَحِمَهُ اللهُ أَصَابَهُ الفَالِجُ - وَهُوَ الشَّلَلُ النِّصفِيُّ - فَكَانَ يُحمَلُ إِلَى صَلَاةِ الفَجرِ يَتَوَكَّأُ عَلَى رَجُلَينِ وَرِجلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرضِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا يَزِيدَ، لَقَد رُخِّصَ لَكَ لَو صَلَّيتَ فِي بَيتِكَ! فَقَالَ وَدُمُوعُهُ تَنحَدِرُ: «إِنَّهُ كَمَا تَقُولُونَ، وَلَكِنِّي أَسمَعُ المُنَادِيَ يُنَادِي: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاح؛ فَمَن سَمِعَهُمَا فَلْيُجِبْ وَلَو زَحفًا وَلَو حَبوًا»! بارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ الَّذِي أَحيَا بِذِكرِهِ وَطَاعَتِهِ قُلُوبَ العَارِفِين، وَجَعَلَ البُكُورَ وَالسَّحَرَ مَوسِمًا لِلبَرَكَاتِ وَالرَّحَمَاتِ وَالفَتحِ المُبِين، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِين، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ المُتَّقِينَ وَقُدوَةُ القَانِتِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: إِنَّ لِصَلَاةِ الفَجرِ سِرًّا عَجِيبًا فِي بَرَكَةِ الرِّزقِ، وَانشِرَاحِ الصَّدرِ، وَتَيسِيرِ الأُمُورِ، وَعِزَّةِ الأُمَّةِ وَنَصرِهَا؛ فَقَد دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ عَن صَخرٍ الغَامِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا». وَانظُرْ إِلَى واقعِنَا المُعَاصِرِ اليَومَ لِتَرَى الفَرقَ البَيِّنَ بَينَ بَيتَينِ: بَيتٌ يَستَيقِظُ أَهلُهُ عِندَ الفَجرِ فَيَتَوَضَّؤُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَقرَؤُونَ أَذكَارَ الصَّبَاحِ، فَتَنزِلُ عَلَيهِمُ السَّكِينَةُ، وَيُبَارَكُ لَهُم فِي أَوقَاتِهِم وَأَرزَاقِهِم وَأَولَادِهِم؛ وَبَيتٌ آخَرُ يَسهَرُ أَهلُهُ طَوَالَ اللَّيلِ عَلَى الهَوَاتِفِ وَالشَّاشَاتِ وَاللَّغوِ، حَتَّى إِذَا أَذَّنَ الفَجرُ خَلَدُوا إِلَى النَّومِ، فَيَستَيقِظُونَ عِندَ الظَّهِيرَةِ مُنقَبِضِي الصُّدُورِ، مُتَعَكِّرِي الأَمزِجَةِ، مَمحُوقِي البَرَكَةِ فِي الوَقتِ وَالمَال؛ وَصَدَقَ اللهُ العَظِيمُ حِينَ قَالَ فِي سُورَةِ مَريَم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾! وَحَتَّى نَنتَصِرَ عَلَى النَّفسِ وَالشَّيطَانِ، وَنَلتَحِقَ بِرَكبِ أَهلِ الفَجرِ الأَبرَارِ، فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٌ نَافِعَةٌ تُعِينُ المُؤمِنَ عَلَى الِاستِيقَاظِ لِصَلَاةِ الفَجرِ فِي وَقتِهَا وَجَمَاعَتِهَا: الوَصِيَّةُ الأُولَى: صِدقُ العَزمِ مَعَ اللهِ وَالِافتِقَارُ إِلَيهِ بِالدُّعَاءِ قَبلَ النَّومِ: فَمَن نَامَ وَفِي قَلبِهِ هَمٌّ صَادِقٌ وَحُرقَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلقِيَامِ لِصَلَاةِ الفَجرِ كَحُرقَتِهِ لِلحَاقِ بِطَائِرَةِ السَّفَرِ أَوِ امتِحَانِ المَدرَسَةِ أَو مَوعِدِ الوَظِيفَةِ، أَيقَظَهُ اللهُ وَأَعَانَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ يَعلَمُ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ! الوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: التَّبكِيرُ فِي النَّومِ وَقَطعُ دَابِرِ السَّهَرِ المُهلِكِ بَعدَ العِشَاءِ: فَإِنَّ أَعظَمَ قَاطِعٍ لِشَبَابِنَا وَأُسَرِنَا اليَومَ عَن صَلَاةِ الفَجرِ هُوَ السَّهَرُ الطَّوِيلُ أَمَامَ الهَوَاتِفِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ وَالمُبَارَيَاتِ؛ وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي بَرزَةَ الأَسلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكرَهُ النَّومَ قَبلَ العِشَاءِ وَالحَدِيثَ بَعدَهَا». الوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: النَّومُ عَلَى وُضُوءٍ وَطَهَارَةٍ، وَالمُحَافَظَةُ عَلَى أَذكَارِ النَّومِ وَآيَةِ الكُرسِيِّ: فَإِنَّ مَن بَاتَ طَاهِرًا ذَاكِرًا للهِ، بَاتَ فِي شِعَارِهِ مَلَكٌ يَحفَظُهُ وَيَطرُدُ عَنهُ عُقَدَ الشَّيطَانِ وَكَسلَهُ، وَيُوقِظُهُ نَشِيطًا عِندَ نِدَاءِ الفَجر. الوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: هَجرُ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي بِالنَّهَارِ، وَعَدَمُ إِثقَالِ المَعِدَةِ بِالطَّعَامِ عِندَ المَنَامِ: فَإِنَّ الذُّنُوبَ قُيُودٌ وَأَغلَالٌ تَحرِمُ العَبدَ لَذَّةَ الطَّاعَةِ؛ قَالَ رَجُلٌ لِلحَسَنِ البَصرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنِّي أَبِيتُ مُعَافًى وَأُحِبُّ قِيَامَ اللَّيلِ وَالفَجرِ، وَأُعِدُّ طَهُورِي، فَمَا بَالِي لَا أَقُوم؟ فَقَالَ الحَسَنُ: «ذُنُوبُكَ قَيَّدَتكَ»! الوَصِيَّةُ الخَامِسَةُ: الأَخذُ بِالأَسبَابِ الحِسِّيَّةِ وَالتَّوَاصِي الأُسَرِيُّ وَالصُّحبَةُ الصَّالِحَةُ: فَاضبِطِ المُنَبِّهَ وَضَعهُ بَعِيدًا عَن فِرَاشِكَ حَتَّى تَضطَرَّ لِلنُّهُوضِ لإِطفَائِهِ، وَأَوصِ صَدِيقَكَ الصَّالِحَ أَن يَتَّصِلَ بِكَ، وَأَيقِظْ أَهلَكَ وَأَولَادَكَ بِرِفقٍ وَحَنَانٍ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ طَه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ هَتَفَ بِأَهلِ الفَجرِ وَأَيقَظَ الغَافِلِين: يَا رَاقدَ اللَّيلِ كَم تَرقُدْ ... قُمْ يَا حَبِيبِي قَد دَنَا المَوعِدْ وَخُذْ مِنَ اللَّيلِ وَأَوقَاتِهِ ... وِردًا إِذَا مَا هَجَعَ الرُّقَّدْ مَن نَامَ حَتَّى يَنقَضِي لَيلُهُ ... لَم يَبلُغِ المَنزِلَ أَو يَجهَدْ هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى السِّرَاجِ المُنِيرِ وَالهَادِي البَشِيرِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ فِي سُورَةِ الأَحزَاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ اجعَلنَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِنَ المُقِيمِينَ الصَّلَاةَ، رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، وَاجعَلْ قُرَّةَ أَعيُنِنَا فِي الصَّلَاةِ، وَاكتُبنَا فِي دِيوَانِ أَهلِ الفَجرِ الَّذِينَ تَشهَدُ لَهُم مَلَائِكَتُكَ الكِرَامُ كُلَّ صَبَاحٍ يَا رَبَّ العَالَمِين. اللَّهُمَّ أَيقِظْ قُلُوبَنَا مِن غَفلَتِهَا، وَحُلَّ عَنَّا عُقَدَ الشَّيطَانِ وَكَسلِ النُّفُوسِ، وَبَشِّرنَا بِالنُّورِ التَّامِّ يَومَ القِيَامَةِ، وَمَتِّعنَا بِالنَّظَرِ إِلَى وَجهِكَ الكَرِيمِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين. اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِنَا فِي بُكُورِهَا، وَاحفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَمَكرُوهٍ، وَفرِّجْ كَربَ المَكرُوبِينَ، وَانصُرِ المُستَضعَفِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيز. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.