من مكتبة مِداد الخطيب

تَعِزُّ وَصَبرٌ وَتَعَدُّدُ الثُّغُورِ.. الثَّبَاتُ فِي وَجهِ التَّحَدِّيَاتِ وَمَسؤُولِيَّةُ المُجتَمَعِ فِي صِنَاعَةِ النَّصرِ

مشاركة
تَعِزُّ وَصَبرٌ وَتَعَدُّدُ الثُّغُورِ.. الثَّبَاتُ فِي وَجهِ التَّحَدِّيَاتِ وَمَسؤُولِيَّةُ المُجتَمَعِ فِي صِنَاعَةِ النَّصرِ الحَمدُ للهِ القَوِيِّ المَتِينِ، القَاهِرِ فَوقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ، نَاصِرِ المُستَضعَفِينَ، وَمُثَبِّتِ أَقدَامِ الصَّابِرِينَ المُرَابِطِينَ، وَكَاسِرِ شَوكَةِ البُغَاةِ وَالطُّغَاةِ وَالمُعتَدِينَ، الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الصَّبرَ وَاليَقِينَ مِفتَاحَ النَّصرِ وَالتَّمكِينِ، وَجَعَلَ التَّكَافُلَ وَالوَعيَ وَالثَّبَاتَ سِيَاجًا حَصِينًا لِحِمَايَةِ البِلَادِ وَالعِبَادِ وَالدِّينِ، يَبتَلِي عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ لِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَيَعلَمَ الصَّادِقِينَ مِنَ الكَاذِبِينَ، وَيَتَّخِذَ مِنَ الأَبرَارِ شُهَدَاءَ مَرحُومِينَ، فَسُبحَانَ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، وَإِلَيهِ يُرجَعُ الأَمرُ كُلُّهُ، يُعِزُّ مَن يَشَاءُ بِطَاعَتِهِ وَثَبَاتِهِ، وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ بِبَغيِهِ وَطُغيَانِهِ، يَقولُ الحَقُّ جَلَّ جَلَالُهُ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِهِ، فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، مُخَاطِبًا أَهلَ الإِيمَانِ فِي سَاعَاتِ البَأسِ وَالاِمتِحَانِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾، ثُمَّ يَختِمُ الآيَةَ بِمِفتَاحِ النَّصرِ وَالفَلَاحِ فَيَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ حَقٍّ وَصِدقٍ وَيَقِينٍ، نَعتَصِمُ بِهَا فِي وَجهِ الأَعَاصِيرِ وَالفِتَنِ، وَنَستَمدُّ مِنهَا القُوَّةَ وَالثَّبَاتَ فِي زَمَنِ النَّوَازِلِ وَالمِحَنِ، وَنَعلَمُ عِلمَ اليَقِينِ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت عَلَى أَن يَضُرُّونَا بِشَيءٍ لَم يَضُرُّونَا إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَينَا، وَأَنَّ النَّصرَ مَا هُوَ إِلَّا مِن عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَقُدوَتَنَا وَقَائِدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الصَّابِرِينَ، وَقُدوَةُ المُجَاهِدِينَ المُرَابِطِينَ، الَّذِي حُوصِرَ فِي شِعبِ أَبِي طَالِبٍ ثَلَاثَ سِنِينَ فَمَا لَانَت لَهُ قَنَاةٌ، وَحُوصِرَ فِي يَومِ الأَحزَابِ حِينَ زُلزِلَ المُؤمِنُونَ زِلزَالًا شَدِيدًا، فَقَامَ يَبُثُّ الأَمَلَ وَاليَقِينَ وَالبَشَائِرَ فِي النُّفُوسِ وَهُوَ يَضرِبُ الصَّخرَةَ الصَّمَّاءَ فَتُضِيءُ بُرُوقُ الفَتحِ مِن تَحتِ مِعوَلِهِ الشَّرِيفِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ الَّذِينَ قَامُوا عَلَى ثُغُورِ الإِسلَامِ فَحَفِظُوا الدِّينَ وَحَمَوا حَوزَةَ المُسلِمِينَ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ وَثَبَاتٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ، وَيَا أَبنَاءَ تَعِزَّ الأَبِيَّةِ الصَّامِدَةِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ الحِصنُ الأَعظَمُ الَّذِي تَتَحَطَّمُ عَلَى أَسوَارِهِ سِهَامُ الأَعدَاءِ، وَهِيَ الزَّادُ الأَبقَى الَّذِي يُورِثُ القُلُوبَ سَكِينَةً عِندَ نُزُولِ البَلَاءِ، وَيَفتَحُ لِلمُستَضعَفِينَ أَبوَابَ الفَرَجِ مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۝ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. أَيُّهَا المُرَابِطُونَ فِي تَعِزَّ العِزِّ وَالإِبَاءِ، يَا أَهلَ الجَبَلِ الأَشَمِّ وَالوَادِي الأَبِيِّ وَالمَنَابِرِ الصَّادِعَةِ بِالحَقِّ: إِنَّ مَدِينَتَكُم هَذِهِ، تَعِزَّ العِلمِ وَالفِقهِ وَالسُّنَّةِ وَالكَرَامَةِ، تَكتُبُ اليَومَ بِصَبرِهَا وَثَبَاتِهَا وَتَضحِيَاتِ أَبنَائِهَا فَصلًا مَجِيدًا مِن فُصُولِ الكَرَامَةِ اليَمَنِيَّةِ وَالإِسلَامِيَّةِ، فَلَقَد أَرَادَ لَهَا البُغَاةُ المُعتَدُونَ أَن تَنكَسِرَ فَمَا انكَسَرَت، وَأَرَادُوا لَهَا أَن تَركَعَ لِلكَهنُوتِ وَالخُرَافَةِ فَمَا رَكَعَت إِلَّا للهِ وَحدَهُ، وَحَاصَرُوهَا مِنَ الجِهَاتِ وَأَمطَرُوهَا بِالقَذَائِفِ وَالكُرُوبِ، فَظَلَّت شَامِخَةً شُمُوخَ جَبَلِ صَبِرٍ الَّذِي يَحتَضِنُهَا، عَصِيَّةً عَلَى الاِنكِسَارِ، ثَابِتَةً عَلَى مَبدَئِهَا وَعَقِيدَتِهَا وَهُوِيَّتِهَا! وَلَكِنَّ السُّؤَالَ العَظِيمَ الَّذِي يَجِبُ أَن نَقِفَ أَمَامَهُ اليَومَ بِكُلِّ صِدقٍ وَوَعيٍ وَمَسؤُولِيَّةٍ أَمَامَ اللهِ ثُمَّ أَمَامَ التَّارِيخِ وَالأَجيَالِ: كَيفَ يُصنَعُ النَّصرُ الحَقِيقِيُّ؟ وَمَنِ الَّذِي يَحمِي تَعِزَّ وَيَصُونُ كَرَامَتَهَا وَيَحرُسُ هُوِيَّتَهَا؟ إِنَّ الحَقِيقَةَ الكُبرَى الَّتِي يَجِبُ أَن تَستَقِرَّ فِي وَعيِ كُلِّ فَردٍ مِنَّا هِيَ أَنَّ تَعِزَّ لَا يَحمِيهَا طَرَفٌ وَاحِدٌ بِمُفرَدِهِ، وَلَا تَقُومُ مَعرَكَةُ الدِّفَاعِ عَنهَا عَلَى كَاهِلِ فِئَةٍ وَاحِدَةٍ دُونَ سِوَاهَا؛ بَل يَحمِيهَا بَعدَ حِفظِ اللهِ وَتَوفِيقِهِ وَعيُ مُجتَمَعِهَا بِأَسرِهِ، وَتَمَاسُكُ صَفِّهَا الدَّاخِلِيِّ، وَثَبَاتُ أَبنَائِهَا فِي جَمِيعِ المَيَادِينِ، فَلِكُلِّ فَردٍ مِنَّا ثَغرٌ يُؤَدِّي فِيهِ وَاجِبَهُ، وَالنَّصرُ مِن عِندِ اللهِ وَحدَهُ، وَلَا يَنبَغِي أَبَدًا أَن تَتَحَوَّلَ المِحَنُ وَالشَّدَائِدُ إِلَى أَبوَابٍ لِليَأسِ وَالقُنُوطِ وَالإِرجَافِ! عِبَادَ اللهِ.. لَقَد عَلَّمَنَا الإِسلَامُ فِقهًا عَظِيمًا يُسَمَّى «فِقهَ تَعَدُّدِ الثُّغُورِ وَتَكَامُلِ الأَدوَارِ»؛ فَمَعرَكَةُ الحَقِّ مَعَ البَاطِلِ لَيسَت مَحصُورَةً فِي فُوَّهَةِ البُندُقِيَّةِ وَحدَهَا عَلَى شَرَفِهَا وَعُلُوِّ مَقَامِهَا، بَلِ المُجتَمَعُ المُؤمِنُ الصَّامِدُ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ وَالبُنيَانِ المَرصُوصِ، يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ الصَّفِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ مَيَادِينَ المُدَافَعَةِ فِي ثَلَاثَةِ ثُغُورٍ كُبرَى فَقَالَ: «جَاهِدُوا المُشرِكِينَ بِأَموَالِكُم وَأَنفُسِكُم وَأَلسِنَتِكُم». تَأَمَّلُوا هَذَا التَّكَامُلَ العَجِيبَ: جِهَادٌ بِالنَّفسِ فِي الجَبَهَاتِ وَالمَتَارِسِ، وَجِهَادٌ بِالمَالِ فِي البَذلِ وَالإِنفَاقِ وَالإِسنَادِ وَالتَّكَافُلِ، وَجِهَادٌ بِاللِّسَانِ وَالقَلَمِ وَالكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ وَالوَعيِ البَصِيرِ فِي كَشفِ زَيفِ البَاطِلِ وَتَثبِيتِ الصَّفِّ! وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم يُوصِي بَعضُهُم بَعضًا بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ الذَّهَبِيَّةِ الخَالِدَةِ الَّتِي نَقَلَهَا أَئِمَّةُ السِّيَرِ: «كُلُّكُم عَلَى ثَغرٍ مِن ثُغُورِ الإِسلَامِ، فَاللهَ اللهَ أَن يُؤتَى الإِسلَامُ مِن قِبَلِكُم»! فَالمُرَابِطُ البَطَلُ السَّاهِرُ عَلَى قِمَمِ الجِبَالِ وَفِي خَنَادِقِ الشَّرَفِ عَلَى ثَغرٍ عَظِيمٍ، وَالعَالِمُ وَالخَطِيبُ وَالدَّاعِيَةُ الَّذِي يُبَصِّرُ النَّاسَ بِدِينِهِم وَيَربِطُ قُلُوبَهُم بِرَبِّهِم عَلَى ثَغرٍ، وَالمُعَلِّمُ الأَمِينُ فِي مَدرَسَتِهِ وَجَامِعَتِهِ الَّذِي يَبنِي عُقُولَ الأَجيَالِ وَيَحمِيهَا مِنَ الجَهلِ وَالتَّضلِيلِ عَلَى ثَغرٍ، وَالطَّبِيبُ وَالمُسعِفُ الَّذِي يُدَاوِي الجِراحَ وَيُخَفِّفُ الآلَامَ عَلَى ثَغرٍ، وَالتَّاجِرُ الصَّدُوقُ الَّذِي يَتَّقِي اللهَ فِي أَقوَاتِ النَّاسِ فَلَا يَحتَكِرُ وَلَا يَستَغِلُّ ضِيقَ المَعِيشَةِ عَلَى ثَغرٍ، وَالإِعلَامِيُّ وَالكَاتِبُ وَصَاحِبُ الهَاتِفِ الَّذِي يَحرُسُ الحَقِيقَةَ وَيَئِدُ الشَّائِعَةَ عَلَى ثَغرٍ، وَالأَبُ وَالأُمُّ فِي بَيتِهِمَا وهُمَا يُرَبِّيَانِ الأَبنَاءَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالعِفَّةِ وَالرُّجُولَةِ وَحُبِّ الحَقِّ عَلَى ثَغرٍ! فَإِذَا قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِمَسؤُولِيَّتِهِ فِي مَيدَانِهِ، وَأَدَّى أَمَانَتَهُ بِإِخلَاصٍ وَإِتقَانٍ، تَكَامَلَتِ الحَلَقَاتُ، وَامتَنَعَ الحِصنُ، وَاستَنزَلنَا نَصرَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ وَأَمَّا إِذَا تَخلَّى أَهلُ الدَّاخِلِ عَن ثُغُورِهِم، وَأَلقَوا بِالعِبءِ كُلِّهِ عَلَى ظَهرِ المُرَابِطِ فِي الجَبهَةِ وَحدَهُ، فَإِنَّ الخَلَلَ يَتَسَلَّلُ مِنَ الثُّغُورِ المُهمَلَةِ! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ الصَّابِرُونَ: وَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا نَحتَاجُ إِلَيهِ فِي هَذِهِ المَرحَلَةِ الدَّقِيقَةِ: الثَّبَاتَ الرَّاسِخَ، وَالصَّبرَ الجَمِيلَ فِي مُوَاجَهَةِ القَصفِ وَالحِصَارِ وَالضُّغُوطِ المَعِيشِيَّةِ وَالنَّفسِيَّةِ، وَمُحَاوَلَاتِ العَدُوِّ المُستَمِيتَةِ لِبَثِّ الخَوفِ وَاليَأسِ وَالإِحبَاطِ فِي نُفُوسِ أَبنَاءِ تَعِزَّ! إِنَّ العَدُوَّ حِينَ يَعجِزُ عَن كَسرِ إِرَادَةِ الأَبطَالِ فِي مَيَادِينِ القِتَالِ، يَلجَأُ إِلَى حَربِ الأَعصَابِ، وَقَصفِ الأَحيَاءِ، وَالتَّضيِيقِ فِي الأَرزَاقِ، لِيَقُولَ لِلنَّاسِ: لَا فَائِدَةَ مِن صُمُودِكُم، وَلَا مَخرَجَ مِن ضِيقِكُم! وَلَكِنَّ المُؤمِنَ الَّذِي يَقرَأُ كِتَابَ رَبِّهِ يَعلَمُ أَنَّ هَذِهِ الاِبتِلَاءَاتِ سُنَّةٌ إِلهِيَّةٌ مَاضِيَةٌ لِتَمحيصِ الصَّفِّ وَرَفعِ الدَّرَجَاتِ، وَأَنَّ الظَّلَامَ مَهمَا اشتَدَّ فَهُوَ إِيذَانٌ بِانبِلَاجِ الفَجرِ الصَّادِقِ! اِسمَعُوا إِلَى نِدَاءِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ لِلمُؤمِنِينَ بَعدَ مَا أَصَابَهُم مِنَ الجِرَاحِ وَالقَرحِ فِي غَزوَةِ أُحُدٍ، كَمَا فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ سُبحَانَهُ حِكمَةَ هَذَا الاِبتِلَاءِ فَقَالَ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ۝ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. أَلا مَا أَعظَمَ هَذِهِ الآيَاتِ وَهِيَ تَسكُبُ الطُّمَأنِينَةَ وَاليَقِينَ فِي القُلُوبِ! إِنَّكَ أَنتَ الأَعلَى يَا ابنَ تَعِزَّ بِإِيمَانِكَ وَعَقِيدَتِكَ الصَّافِيَةِ، وَأَنتَ الأَعلَى بِعَدَالَةِ قَضِيَّتِكَ وَدِفَاعِكَ عَن دِينِكَ وَعِرضِكَ وَأَرضِكَ، وَأَنتَ الأَعلَى لِأَنَّكَ تَأوِي إِلَى رُكنٍ شَدِيدٍ هُوَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ! لَقَد مَرَّ بِأَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَيَّامٌ كَانَ الخَوفُ فِيهَا يَبلُغُ القُلُوبَ وَالحَنَاجِرَ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: شَكَونَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُردَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعبَةِ وَقَد لَقِينَا مِنَ المُشرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلنَا: أَلَا تَستَنصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدعُو اللهَ لَنَا؟ فَقَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحمَرٌّ وَجهُهُ، فَقَالَ: «لَقَد كَانَ مَن قَبلَكُم لَيُؤخَذُ الرَّجُلُ فَيُحفَرُ لَهُ فِي الأَرضِ، فَيُجعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالمِنشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُجعَلُ نِصفَينِ، وَيُمشَطُ بِأَمشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحمِهِ وَعَظمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَن دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنعَاءَ إِلَى حَضرَمَوتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُم تَستَعجِلُونَ»! اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا كَيفَ ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المَثَلَ بِأَرضِ اليَمَنِ مِن صَنعَاءَ إِلَى حَضرَمَوتَ فِي تَحقِيقِ الأَمنِ وَالأَمَانِ وَزَوَالِ الطُّغيَانِ وَالبَغيِ وَالعُدوَانِ! فَاللَّيلُ مَهمَا طَالَ فَإِنَّ صُبحَ اللهِ آتٍ، وَالبَاطِلُ مَهمَا انتَفَشَ فَإِنَّهُ زَاهِقٌ، وَفِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ أَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «وَاعلَمْ أَنَّ النَّصرَ مَعَ الصَّبرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَربِ، وَأَنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا». فَأَحسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّكُم، وَاملَؤُوا قُلُوبَكُم ثِقَةً بِنَصرِهِ وَمَعِيَّتِهِ، وَإِيَّاكُم أَن يَتَسَلَّلَ اليَأسُ إِلَى صُدُورِكُم؛ فَإِنَّ اليَأسَ لَا يَبنِي وَطَنًا، وَلَا يَحرُسُ ثَغرًا، وَلَا يَرُدُّ عَدُوًّا، وَلَا يَقنَطُ مِن رَحمَةِ اللهِ وَرَوحِهِ إِلَّا القَومُ الخَاسِرُونَ! إِخوَةَ الإِيمَانِ وَالعَقِيدَةِ: وَإِذَا كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنِ الثَّبَاتِ فِي وَجهِ القَصفِ وَالحِصَارِ العَسكَرِيِّ، فَإِنَّ هُنَاكَ خَطَرًا لَا يَقِلُّ فَتْكًا عَنِ القَذَائِفِ وَالصَّوَارِيخِ؛ بَل هُوَ أَشَدُّ وَأَخطَرُ؛ أَلَا وَهُوَ خَطَرُ الفِكرِ الحُوثِيِّ الإِمَامِيِّ السُّلَالِيِّ الدَّخِيلِ، وَمُمَارَسَاتِهِ التَّجرِيفِيَّةِ الَّتِي تَستَهدِفُ تَعِزَّ وَاليَمَنَ فِي هُوِيَّتِهَا الدِّينِيَّةِ السُّنِّيَّةِ الصَّافِيَةِ وَنَسِيجِهَا الاِجتِمَاعِيِّ الأَصِيلِ! إِنَّ مَعرَكَتَنَا مَعَ هَذَا المَشرُوعِ الحُوثِيِّ الكَهنُوتِيِّ لَيسَت نِزَاعًا سِيَاسِيًّا عَابِرًا عَلَى سُلطَةٍ أَو مَغَانِمَ دُنيَوِيَّةٍ كَمَا يُحَاوِلُ البَعضُ تَصوِيرَهَا؛ بَل هِيَ مَعرَكَةُ وُجُودٍ وَعَقِيدَةٍ وَهُوِيَّةٍ وَكَرَامَةٍ! إِنَّهُ فِكرٌ طَائِفِيٌّ عُنصُرِيٌّ مَسمُومٌ، يَقُومُ عَلَى خُرَافَةِ «الحَقِّ الإِلَهِيِّ» وَ«الاِصطِفَاءِ السُّلَالِيِّ»، فَيَزعُمُ أَنَّ فِئَةً مُعَيَّنَةً خُلِقَت لِتَحكُمَ وَتَتَسَيَّدَ وَتَملِكَ الأَرضَ وَالرِّقَابَ، وَأَنَّ سَائِرَ أَبنَاءِ اليَمَنِ خُلِقُوا لِيَكُونُوا خَدَمًا وَأَتبَاعًا وَوَقُودًا لِحُرُوبِهِمُ العَبَثِيَّةِ، فِي مُصَادَمَةٍ صَرِيحَةٍ لِدِينِ الإِسلَامِ الَّذِي حَطَّمَ أَصنَامَ الكَهنُوتِ وَالطَّبَقِيَّةِ، وَأَعلَنَ فِي كِتَابِ اللهِ الخَالِدِ فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾! لَقَد رَأَينَا عِيَانًا بَيَانًا مَاذَا فَعَلَ هَذَا المَشرُوعُ الحُوثِيُّ فِي المَنَاطِقِ الَّتِي تَسَلَّطَ عَلَيهَا: تَجرِيفٌ لِلمَسَاجِدِ وَدُورِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وَتَحرِيفٌ لِلمَنَاهِجِ التَّعلِيمِيَّةِ لِتَفخِيخِ عُقُولِ الأَطفَالِ بِثَقَافَةِ المَوتِ وَالكَرَاهِيَةِ وَتَقدِيسِ الأَشخَاصِ، وَطَعنٌ سَافِرٌ فِي خَيرِ البَشَرِ بَعدَ الأَنبِيَاءِ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِينَ، وَنَهبٌ لِلأَموَالِ وَالأَوقَافِ وَالمُمتَلَكَاتِ، وَإِذلَالٌ لِلكَرَامَةِ الإِنسَانِيَّةِ، وَتَمزِيقٌ لِأَوَاصِرِ الأُخُوَّةِ وَالجِوَارِ وَالقَبِيلَةِ! وَإِنَّ تَعِزَّ الَّتِي كَانَت عَبرَ القُرُونِ قَلعَةً حَصِينَةً لِلعِلمِ الشَّرعِيِّ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَمَنَارَةً لِلمَدَارِسِ العِلمِيَّةِ وَالفِقهِيَّةِ الَّتِي أَخرَجَتِ العُلَمَاءَ وَالقُضَاةَ وَالدُّعَاةَ وَالأُدَبَاءَ وَالأَحرَارَ، لَتَأبَى كُلَّ الإِبَاءِ أَن تَتَسَلَّلَ إِلَيهَا لَوثَةٌ مِن هَذَا الفِكرِ الدَّخِيلِ، أَو أَن يُفرَضَ عَلَيهَا كَهنُوتُ الدَّجَلِ وَالخُرَافَةِ! وَمِن هُنَا، فَإِنَّ الوَعيَ الفِكرِيَّ وَالتَّحصِينَ العَقَدِيَّ فَرِيضَةٌ شَرعِيَّةٌ وَضَرُورَةٌ حَيَوِيَّةٌ لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنِ الرِّبَاطِ العَسكَرِيِّ؛ فَيَجِبُ عَلَى العُلَمَاءِ وَالخُطَبَاءِ وَالمُعَلِّمِينَ وَالآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَالنُّخَبِ المُثَقَّفَةِ أَن يُحَصِّنُوا عُقُولَ الشَّبَابِ وَالنَّاشِئَةِ بِالعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الصَّافِيَةِ المُستَقَاةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى فَهمِ سَلَفِ الأُمَّةِ، وَأَن يَكشِفُوا لِلأَجيَالِ حَقِيقَةَ هَذَا الفِكرِ الحُوثِيِّ وَانحِرَافَاتِهِ العَقَدِيَّةِ وَالتَّارِيخِيَّةِ وَجَرَائِمِهِ الوَاقِعِيَّةِ؛ حَتَّى يَنشَأَ الجِيلُ وَاعِيًا بِهُوِيَّتِهِ، مُعتَزًّا بِدِينِهِ وَتَارِيخِهِ، عَصِيًّا عَلَى الاِختِرَاقِ وَالتَّضلِيلِ، عَمَلًا بِقَولِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ الأَنعَامِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ لِأَنَّ مَن لَم يَعرِفِ الشَّرَّ وَسبِيلَ المُجرِمِينَ يُوشِكُ أَن يَقَعَ فِي حَبَائِلِهِم مِن حَيثُ لَا يَشعُرُ! نَفَعَنِي اللهُ وَإِيَّاكُم بِهَديِ كِتَابِهِ الكَرِيمِ، وَبِسُنَّةِ نَبِيِّهِ الأَمِينِ، وَأَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلِيِّ الصَّالِحِينَ، وَمُعِزِّ الصَّابِرِينَ المُرَابِطِينَ، وَلَا عُدوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ البَاغِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِلهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الوَعدِ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اِتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن أَعظَمِ وَاجِبَاتِ المُجتَمَعِ فِي تَعِزَّ اليَومَ، وَمِن أَجلِّ صُوَرِ الوَفَاءِ وَالتَّكَامُلِ الَّتِي يَفرِضُهَا عَلَينَا دِينُنَا وَضَمِيرُنَا: مُسَانَدَةَ إِخوَانِنَا وَأَبنَائِنَا المُرَابِطِينَ الأَبطَالِ فِي جَبَهَاتِ العِزِّ وَالشَّرَفِ، وَرِعَايَةَ أُسَرِهِم الكَرِيمَةِ، وَكَفَالَةَ أَيتَامِ الشُّهَدَاءِ، وَمُوَاسَاةَ الجَرحَى وَالمُصَابِينَ، وَرَفعَ مَعنَوِيَّاتِ الرِّجَالِ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ يَبذُلُونَ دِمَاءَهُم وَأَروَاحَهُم وَرَاحَتَهُم لِنَنعَمَ نَحنُ بِالأَمنِ وَالكَرَامَةِ! أُولَئِكَ الأَبطَالُ الَّذِينَ يَفترِشُونَ الصَّخرَ وَالتُّرَابَ، وَيَسهَرُونَ فِي بَردِ الشِّتَاءِ القَارِسِ عَلَى قِمَمِ الجِبَالِ وَفِي بُطُونِ الأَودِيَةِ، وَعُيُونُهُم تَرقُبُ العَدُوَّ لِئلَّا يَغدِرَ بِالأَبرِيَاءِ وَالآمِنِينَ، مَا أَعظَمَ أَجرَهُم عِندَ اللهِ، وَمَا أَرفَعَ مَنزِلَتَهُم فِي مِيزَانِ الشَّرعِ! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رِبَاطُ يَومٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا عَلَيهَا»، وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «عَينَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَينٌ بَكَتْ مِن خَشيَةِ اللهِ، وَعَينٌ بَاتَتْ تَحرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ». فَهَل يَجُوزُ لِمُجتَمَعٍ يَحرُسُهُ هَؤُلَاءِ الأَبطَالُ بِمُهَجِهِم وَدِمَائِهِم أَن يَغفُلَ عَنهُم، أَو يُقَصِّرَ فِي إِسنَادِهِم، أَو يَترُكَ أُسَرَهُم وَأَطفَالَهُم يُعَانُونَ شَظَفَ العَيشِ وَقَسوَةَ الحَاجَةِ؟! اِسمَعُوا إِلَى هَذَا الوَعدِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ فِي الصَّحِيحَينِ عَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَد غَزَا، وَمَن خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهلِهِ بِخَيرٍ فَقَد غَزَا»، وَاحذَرُوا أَشَدَّ الحَذَرِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَن قَعَدَ عَنِ النُّصرَةِ فَلَم يَرابِطْ بِنَفسِهِ وَلَم يُسَانِدْ بِمَالِهِ وَلَم يَرعَ أَهلَ المُرَابِطِينَ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن لَم يَغزُ، أَو يُجَهِّزْ غَازِيًا، أَو يَخلُفْ غَازِيًا فِي أَهلِهِ بِخَيرٍ، أَصَابَهُ اللهُ بِقَارِعَةٍ قَبلَ يَومِ القِيَامَةِ»! فَاللهَ اللهَ فِي المُرَابِطِينَ يَا أَهلَ تَعِزَّ، وَيَا تُجَّارَهَا وَمُوسِرِيهَا وَمُؤَسَّسَاتِهَا وَأَفرَادَهَا! سَانِدُوهُم بِالمَالِ وَالزَّادِ وَالدَّوَاءِ، وَتَفَقَّدُوا أُسَرَهُم وَأَيتَامَ شُهَدَائِهِم وَجَرحَاهُم، وَشدُّوا مِن أَزرِهِم بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالدَّعوَةِ الصَّالِحَةِ، وَأَشعِرُوهُم أَنَّ المَدِينَةَ كُلَّهَا خَلفَهُم ظَهِيرٌ وَسَنَدٌ وَعَضُدٌ! ثُمَّ اعلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ مِن أَخطَرِ الخَنَاجِرِ الَّتِي تُطعَنُ بِهَا المُجتَمَعَاتُ مِنَ الدَّاخِلِ فِي أَزمِنَةِ الحِصَارِ وَالمُوَاجَهَةِ: خِطَابَ التَّخذِيلِ وَالإِرجَافِ، وَنَشرَ الشَّائِعَاتِ الكَاذِبَةِ، وَتَهوِيلَ قُوَّةِ العَدُوِّ، وَالتَّقلِيلَ مِن تَضحِيَاتِ الأَبطَالِ، وَإِضعَافَ الرُّوحِ المَعنَوِيَّةِ لِلنَّاسِ! لَقَد قَرَنَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى المُرْجِفِينَ بِالمُنَافِقِينَ وَمَرضَى القُلُوبِ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ حِينَ كَانَتِ المَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ مُحَاصَرَةً، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾! أَتَدرُونَ مَن هُوَ المُرْجِفُ عِبَادَ اللهِ؟ قَالَ أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ وَاللُّغَةِ: الإِرجَافُ هُوَ إِثَارَةُ الاِضطِرَابِ وَالزَّلزَلَةِ فِي القُلُوبِ بِالأَخبَارِ الكَاذِبَةِ وَالتَّهوِيلِ وَالتَّيئِيسِ! وَمَا أَكثَرَ مَا يُبتَلَى النَّاسُ اليَومَ عَبرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ وَالمَجَالِسِ بِمَن يَتَلقَّفُ كُلَّ شَائِعَةٍ يَبُثُّهَا إِعلَامُ العَدُوِّ الحُوثِيِّ أَو غُرَفُهُ المُظلِمَةُ، فَيُسَارِعُ إِلَى نَشرِهَا وَتَضخِيمِهَا بِلَا تَثَبُّتٍ وَلَا رَوِيَّةٍ، فَيُصبِحُ -شَعَرَ أَو لَم يَشعُرْ- بُوقًا مَجَّانِيًّا لِلعَدُوِّ يَخدِمُ حَربَهُ النَّفسِيَّةَ وَيَكسِرُ قُلُوبَ الصَّامِدِينَ! وَفِي ذَلِكَ يُحَذِّرُنَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مِن هَذِهِ العَجَلَةِ القَاتِلَةِ فِي إِذَاعَةِ أَخبَارِ الأَمنِ أَوِ الخَوفِ، فَيَقُولُ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۝ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وَحَذَّرَنَا سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ التَّوبَةِ مِنَ الإِصغَاءِ إِلَى المُثَبِّطِينَ وَالمُخَذِّلِينَ الَّذِينَ يَبغُونَ الفِتنَةَ وَتَفكِيكَ الصَّفِّ فَقَالَ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۝ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. إِنَّ النَّقدَ البَنَّاءَ الَّذِي يَسعَى إِلَى إِصلَاحِ الخَلَلِ وَتَقوِيمِ الأَدَاءِ بِحِكمَةٍ وَأَمَانَةٍ وَحِرصٍ عَلَى المَصلَحَةِ العَامَّةِ أَمرٌ مَحمُودٌ وَمَطلُوبٌ، أَمَّا خِطَابُ التَّخذِيلِ وَالتَّيئِيسِ وَالتَّهوِيلِ وَتَعمِيمِ التُّهَمِ وَإِشَاعَةِ الفَوضَى وَكَسرِ المَعنَوِيَّاتِ، فَهُوَ مِعوَلُ هَدمٍ لَا يَستَفِيدُ مِنهُ إِلَّا العَدُوُّ المُتَرَبِّصُ عَلَى أَسوَارِ المَدِينَةِ! فَكُونُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- رِجَالَ مَسؤُولِيَّةٍ وَوَعيٍ، وَأَصحَابَ كَلِمَةٍ صَادِقَةٍ جَامِعَةٍ تَبنِي وَلَا تَهدِمُ، وَتَجمَعُ وَلَا تُفَرِّقُ، وَتُثَبِّتُ وَلَا تُخَذِّلُ، وَلْيَستَحضِرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيرًا أَو لِيَصمُتْ»، وَقَد أَحسَنَ الشَّاعِرُ الحَكِيمُ حِينَ قَالَ مُوَجِّهًا أَهلَ الحَقِّ وَالثَّبَاتِ: تَأَبَّى الرِّمَاحُ إِذَا اجتَمَعنَ تَكَسُّرًا ... وَإِذَا افتَرَقنَ تَكَسَّرَت آحَادَا فَاصبِرْ عَلَى مَضَضِ الكُرُوبِ فَإِنَّمَا ... بِالصَّبرِ يَبلُغُ ذُو اليَقِينِ مُرَادَا فَيَا أَبنَاءَ تَعِزَّ الأَبرَارَ: شُدُّوا أَيدِيَكُم بِحَبلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَتَرَفَّعُوا عَنِ الخِلَافَاتِ الضَّيِّقَةِ وَالمُشَاحَنَاتِ الجَانِبِيَّةِ الَّتِي تُوهِنُ القُوَّةَ وَتُذهِبُ الرِّيحَ، وَتَذَكَّرُوا دَائِمًا قَولَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنفَالِ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۝ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وَلْيَقُمْ كُلُّ فَردٍ مِنَّا عَلَى ثَغرِهِ بِأَمَانَةٍ وَإِخلَاصٍ، وَلْنَثِقْ بِمَوعُودِ اللهِ الَّذِي لَا يُخلِفُ المِيعَادَ؛ فَإِنَّ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ، وَإِنَّ نَصرَ اللهِ قَرِيبٌ! هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالمَلحَمَةِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ فَقَالَ جَلَّ مِن قَائِلٍ عَلِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللَّهُمَّ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، يَا نَاصِرَ المُستَضعَفِينَ، وَيَا غِيَاثَ المَكرُوبِينَ، احفَظْ تَعِزَّ وَأَهلَهَا بِحِفظِكَ التَّامِّ، وَاحرُسهَا بِعَينِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَاكنُفهَا بِرُكنِكَ الَّذِي لَا يُرَامُ. اللَّهُمَّ كُنْ لِإِخوَانِنَا وَأَبنَائِنَا المُرَابِطِينَ فِي جَبَهَاتِ تَعِزَّ وَفِي كُلِّ ثَغرٍ مِن ثُغُورِ الحَقِّ مُؤَيِّدًا وَنَصِيرًا، وَمُعِينًا وَظَهِيرًا، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقدَامَهُم، وَاربِطْ عَلَى قُلُوبِهِم، وَسَدِّدْ رَميَهُم، وَوَحِّدْ صَفَّهُم، وَاجمَعْ كَلِمَتَهُم عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى، وَتَقَبَّلْ شُهَدَاءَهُم فِي عِلِّيِّينَ، وَاشفِ جَرحَاهُم، وَفُكَّ أَسرَاهُم، وَاخلُفهُم فِي أَهلِيهِم وَذَرَارِيهِم بِخَيرٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِالبُغَاةِ الحُوثِيِّينَ المُعتَدِينَ الَّذِينَ طَغَوا فِي البِلَادِ فَأَكثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ، اللَّهُمَّ رُدَّ كَيدَهُم فِي نُحُورِهِم، وَفَرِّقْ جَمعَهُم، وَشَتِّتْ شَملَهُم، وَاكسِرْ شَوكَتَهُم، وَأَبطِلْ مَكرَهُم، وَطَهِّرْ تَعِزَّ وَاليَمَنَ كُلَّهُ مِن فِكرِهِم وَبَغيِهِم وَعُدوَانِهِم يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ. اللَّهُمَّ أَصلِحْ أَحوَالَ أَهلِ تَعِزَّ وَاليَمَنِ وَسَائِرِ بِلَادِ المُسلِمِينَ، وَوَسِّعْ أَرزَاقَهُم، وَفَرِّجْ كُرُوبَهُم، وَأَبدِلهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا، وَمِن بَعدِ ضِيقِهِم فَرَجًا وَسَعَةً وَعِزًّا وَتَمكِينًا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۝ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.