تَفسِيرُ وَتَدَبُّرُ آيَةِ الصَّبرِ مَعَ الصَّالِحِينَ فِي سُورَةِ الكَهفِ: دَرسٌ عِلمِيٌّ وَإِيمَانِيٌّ فِي تَدَبُّرِ قَولِهِ تَعَالَى ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ عَلَى ضَوءِ بَيَانِ السَّلَفِ وَخَوَاطِرِ الشَّيخِ الشَّعرَاوِيِّ
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ تِبيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً وَبُشرَى لِلمُسلِمِين، وَجَعَلَ مِيزَانَ التَّفَاضُلِ بَينَ العِبَادِ هُوَ التَّقوَى وَإِخلَاصُ الوَجهِ لِرَبِّ العَالَمِين، لَا الأَموَالَ الزَّائِلَةَ وَلَا المَظَاهِرَ الخَادِعَةَ وَلَا زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا الفَانِيَة. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَنِ استَمسَكَ بِحَبلِ ذِكرِهِ المَتِين، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَلِيُّ الذَّاكِرِينَ الشَّاكِرِين، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الَّذِي أَمَرَهُ رَبُّهُ أَن يَحبِسَ نَفسَهُ الشَّرِيفَةَ مَعَ الفُقَرَاءِ المُخلِصِينَ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَه، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُحتَفِيًا بِهِم: «الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَن أُمِرتُ أَن أَصبِرَ نَفسِي مَعَهُم»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِين، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا إِخوَةَ الإِيمَانِ وَالقُرآن: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه، وَطِبْتُم وَطَابَ مَجلِسُكُم هَذَا فِي ظِلَالِ كِتَابِ اللهِ العَزِيز.
نَعيشُ فِي هَذَا الدَّرسِ العِلمِيِّ وَالتَّدَبُّرِيِّ مَعَ آيَةٍ عَظِيمَةٍ مِن أَعظَمِ آيَاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي تَصحِيحِ المَوَازِين، وَتَربِيَةِ النَّفسِ عَلَى الصُّحبَةِ الصَّالِحَة، وَتَفكِيكِ أَمرَاضِ الغَفلَةِ وَاتِّبَاعِ الهَوَى؛ إِنَّهَا الآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالعِشرُونَ مِن سُورَةِ الكَهف، قَولُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ هِيَ دُستُورٌ كَامِلٌ لِبِنَاءِ العَلَاقَاتِ الإِنسَانِيَّةِ وَالإِيمَانِيَّة، وَمِسبَارٌ دَقِيقٌ يَكشِفُ لَنَا مَعَ مَن نَجلِس، وَإِلَى مَن نَنظُر، وَمَن نُطِيعُ وَمَن نَعصِي! وَسَنَتَفَيَّأُ ظِلَالَ هَذِهِ الآيَةِ الجَلِيلَةِ عَبرَ خَمسِ مَحَطَّاتٍ تَدَبُّرِيَّةٍ وَبَيَانِيَّة، مُستَضيئِينَ بِمَا صَحَّ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا وَتَفسِيرِ السَّلَفِ لَهَا، وَبِاللَّطَائِفِ البَيَانِيَّةِ وَالإِشَارَاتِ الإِيمَانِيَّةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي أَبدَعَ فِي تَجلِيَتِهَا الشَّيخُ مُحَمَّدٌ مُتَوَلِّي الشَّعرَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي خَوَاطِرِه.
المَحَطَّةُ الأُولَى: مَوقِعُ الآيَةِ فِي سُورَةِ الكَهفِ وَقِصَّةُ نُزُولِهَا العَجِيبَة!
أَوَّلُ مَا يَلفِتُ انتِبَاهَ المُتَدَبِّرِ هُوَ مَوقِعُ هَذِهِ الآيَةِ فِي سِيَاقِ سُورَةِ الكَهف؛ فَقَد جَاءَت هَذِهِ الآيَةُ بَعدَ أَن خَتَمَ اللهُ قِصَّةَ «فِتيَةِ الكَهفِ» الَّذِينَ قَامُوا فِي وَجهِ مَلِكِهِمُ الظَّالِمِ وَمُجتَمَعِهِمُ المَفتُونِ بِزِينَةِ الدُّنيَا فَقَالُوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ [الكهف: ١٤]، وَآثَرُوا خُشُونَةَ الكَهفِ مَعَ الإِيمَانِ وَالصُّحبَةِ الصَّالِحَةِ عَلَى قُصُورِ الشِّركِ وَالغَفلَة! فَنَاسَبَ تَمَامَ المُنَاسَبَةِ أَن يَعقُبَ ذَلِكَ تَوجِيهٌ إِلَهِيٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَلِأُمَّتِهِ مِن بَعدِهِ بِأَن يَلزَمُوا رِفقةَ المُؤمِنِينَ الصَّادِقِينَ وَإِن كَانُوا فُقَرَاءَ لَا يَملِكُونَ مِن حُطَامِ الدُّنيَا شَيئًا!
وَأَمَّا سَبَبُ نُزُولِ الآيَة: فَقَد ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: اطرُد هَؤُلَاءِ لَا يَجتَرِئُونَ عَلَينَا! قَالَ: وَكُنتُ أَنَا وَابنُ مَسعُودٍ وَرَجُلٌ مِن هُذَيلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَستُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفسِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفسَهُ، فَأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]». وَفِي رِوَايَةِ ابنِ مَاجَه وَالطَّبَرِيِّ أَنَّ كُبَرَاءَ قُرَيشٍ وَسَادَةَ المُشرِكِينَ كَعُيَينَةَ بنِ حِصنٍ وَالأَقرَعِ بنِ حَابِسٍ جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَعِندَهُ فُقَرَاءُ الصَّحَابَةِ كَسَلمَانَ وَصُهَيبٍ وَبِلَالٍ وَخَبَّابٍ وَعَمَّارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَعَلَيهِم جِبَابُ الصُّوفِ تَفُوحُ مِنهَا رَائِحَةُ العَرَقِ مِن شِدَّةِ الكَدحِ وَالحَرّ، فَقَالَ أُولَئِكَ المَتَكَبِّرُون: «يَا مُحَمَّد، إِنَّ رِيحَ جِبَابِ هَؤُلَاءِ تُؤذِينَا، وَإِنَّنَا سَادَةُ مُضَرَ وَأَشرَافُهَا؛ فَلَو نَحَّيتَهُم عَنَّا حِينَ نَأتِيكَ وَجَعَلتَ لَنَا مَجلِسًا خَاصًّا لَآمَنَّا بِكَ وَاتَّبَعنَاك!».
وَهُنَا يَقِفُ الشَّيخُ الشَّعرَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَقفَةً بَيَانِيَّةً بَدِيعَةً لِتَنزِيهِ مَقَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَبَيَانِ حِكمَةِ الوَحي، فَيَقُولُ مَا مَعنَاه: لِمَاذَا مَالَ قَلبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَو حَدَّثَ نَفسَهُ بِأَن يَجعَلَ لِهَؤُلَاءِ الكُبَرَاءِ وَقتًا خَاصًّا؟ هَل كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَطمَعُ فِي مَالِهِم أَو جَاهِهِم؟ حَاشَا للهِ! فَقَد عَرَضُوا عَلَيهِ المَالَ وَالمُلكَ فِي بِدَايَةِ الدَّعوَةِ فَرَفَضَهُ وَوَضَعَ الدُّنيَا تَحتَ قَدَمَيه؛ وَإِنَّمَا حَدَّثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَفسَهُ بِذَلِكَ مِن شِدَّةِ حِرصِهِ عَلَى هِدَايَتِهِم وَتَوسِيعِ دَائِرَةِ الإِسلَام، ظَنًّا مِنهُ بِحِسَابِ الأَسبَابِ البَشَرِيَّةِ أَنَّ هَؤُلَاءِ السَّادَةَ إِذَا أَسلَمُوا سَيُسلِمُ بِإِسلَامِهِم أَتبَاعُهُم وَقَبَائِلُهُم، بَينَمَا بِلَالٌ وَصُهَيبٌ وَخَبَّابٌ قَدِ استَقَرَّ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِم فَلَن يَضُرَّهُم أَن يَتَأَخَّرُوا سَاعَة!
فَنَزَلَ الوَحيُ الإِلَهِيُّ الحَاسِمُ لِيُعَلِّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَيُعَلِّمَ الدُّعَاةَ وَالأُمَّةَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ قَانُونَ السَّمَاءِ الَّذِي لَا يَتَبَدَّل: إِنَّ الإِسلَامَ عَزِيزٌ بِنَفسِهِ لَا يَعِزُّ بِأَهلِ الكِبرِ وَالغَفلَة، وَإِنَّ قَلبَ مُؤمِنٍ فَقِيرٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ وَجهَ اللهِ أَغلَى عِندَ اللهِ مِن مِلءِ الأَرضِ مِن أَهلِ الدُّنيَا المَتَكَبِّرِين!
المَحَطَّةُ الثَّانِيَةُ: أَسرَارُ البَيَانِ فِي قَولِهِ تَعَالَى ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾!
تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- دِقَّةَ التَّعبِيرِ القُرآنِيِّ فِي قَولِه: «وَاصبِر نَفسَكَ»!
يُنبِّهُ الشَّيخُ الشَّعرَاوِيُّ وَأَئِمَّةُ التَّفسِيرِ إِلَى لَطِيفَةٍ لُغَوِيَّةٍ عَجِيبَةٍ هُنَا: الفِعلُ «صَبَرَ» فِي العَرَبِيَّةِ يَأتِي لَازِمًا فَتَقُول: «صَبَرَ فُلَانٌ عَلَى البَلَاء»، وَيَأتِي مُتَعَدِّيًا بِنَفسِهِ فَتَقُول: «صَبَرَ فُلَانٌ نَفسَهُ»، وَمَعنَى «صَبَرَ نَفسَهُ»: أَي حَبَسَهَا وَأَلزَمَهَا وَثَبَّتَهَا وَعَقَلَهَا كَمَا تُعقَلُ الرَّاحِلَةُ حَتَّى لَا تَشْرُد!
وَلَكِنْ لِمَاذَا يَحتَاجُ الجُلُوسُ مَعَ الصَّالِحِينَ الذَّاكِرِينَ إِلَى «صَبرِ النَّفسِ وَحَبسِهَا»؟!
يُجِيبُ الشَّيخُ الشَّعرَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بِتَحلِيلٍ نَفسِيٍّ عَمِيق: لِأَنَّ النَّفسَ البَشَرِيَّةَ بِفِطرَتِهَا الطِّينِيَّةِ تَمِيلُ إِلَى الأَضوَاءِ وَالمَظَاهِرِ وَالأَبْهَةِ وَالمَجَالِسِ الفَاخِرَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ وَالجَاهُ وَالمُتعَةُ العَاجِلَة، بَينَمَا مَجَالِسُ الفُقَرَاءِ الذَّاكِرِينَ مَجَالِسُ تَوَاضُعٍ وَزُهدٍ وَمُحَاسَبَةٍ لِلنَّفسِ وَانكِسَارٍ بَينَ يَدَيِ الله؛ فَالنَّفسُ تَحتَاجُ إِلَى مُجَاهَدَةٍ وَصَبرٍ وَتَروِيضٍ فِي البِدَايَةِ حَتَّى تَألَفَ هَذِهِ المَجَالِسَ الطَّاهِرَةَ وَتَذُوقَ حَلَاوَتَهَا!
وَلَطِيفَةٌ أُخرَى يَذكُرُهَا الشَّعرَاوِيُّ رَحِمَهُ الله: إِذَا كَانَ اللهُ تَعَالَى يَقولُ لِسَيِّدِ الخَلقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -وَهُوَ صَاحِبُ النَّفسِ الزَّكِيَّةِ المُطمَئِنَّةِ الَّتِي لَا تَمِيلُ إِلَى الدُّنيَا أَصلًا-: «وَاصبِر نَفسَكَ»، فَكَيفَ بِنُفُوسِنَا نَحنُ الضَّعِيفَةِ الَّتِي تَتَخَطَّفُهَا الشَّهَوَاتُ وَالمَطَامِع؟! إِنَّ الخِطَابَ وُجِّهَ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ تَشرِيعًا وَتَأدِيبًا لِلأُمَّةِ كُلِّهَا حَتَّى لَا يَستَنكِفَ غَنِيٌّ وَلَا ذُو جَاهٍ عَن مُجَالَسَةِ الفُقَرَاءِ الصَّالِحِين!
ثُمَّ انظُرُوا إِلَى صِفَةِ هَؤُلَاءِ الأَولِيَاءِ الَّذِينَ أَمَرَ اللهُ بِمُلَازَمَتِهِم: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾!
الدُّعَاءُ هُنَا يَشمَلُ دُعَاءَ العِبَادَةِ مِن صَلَاةٍ وَتَسبِيحٍ وَتِلَاوَةٍ وَذِكر، وَدُعَاءَ المَسأَلَةِ وَالتَّضَرُّع!
وَلِمَاذَا خَصَّ اللهُ «الغَدَاةَ وَالعَشِيَّ»؟ الغَدَاةُ هِيَ أَوَّلُ النَّهَارِ مَا بَينَ صَلَاةِ الفَجرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمس، وَالعَشِيُّ هُوَ آخِرُ النَّهَارِ مِن بَعدِ العَصرِ إِلَى الغُرُوب؛ وَيَذكُرُ الشَّيخُ الشَّعرَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ الغَدَاةَ هِيَ لَحظَةُ اليَقَظَةِ مِنَ المَوتَةِ الصُّغرَى (النَّومِ) وَاستِقبَالِ حَرَكَةِ الحَيَاة، وَالعَشِيَّ هُوَ لَحظَةُ خِتَامِ السَّعيِ اليَومِيِّ وَالإِقبَالِ عَلَى سُكُونِ اللَّيل؛ فَمَن وَصَلَ طَرَفَيِ النَّهَارِ بِذِكرِ اللهِ وَدُعَائِه، فَإِنَّ نَهَارَهُ كُلَّهُ يَكُونُ مَحفُوظًا فِي كَنَفِ اللهِ وَطَاعَتِه!
وَأَمَّا سِرُّ عَظَمَتِهِم وَتَاجُ كَرَامَتِهِم فَهُوَ فِي هَذِهِ الكَلِمَتَين: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾!
يَقُولُ الشَّيخُ الشَّعرَاوِيُّ رَحِمَهُ الله: «انظُر إِلَى طَهَارَةِ القَصدِ وَسُمُوِّ الغَايَة! إِنَّهُم لَا يَدعُونَ اللهَ طَمَعًا فِي دُنيَا يُصِيبُونَهَا، وَلَا رِيَاءً لِلنَّاسِ لِيُقَالَ عَنهُم زُهَّادٌ أَو عُبَّاد، بَل هُم لَا يُرِيدُونَ بِعِبَادَتِهِم إِلَّا ذَاتَ اللهِ وَوَجهَهُ الكَرِيمَ وَرِضوَانَهُ الأَكبَر! وَمَن أَرَادَ وَجهَ اللهِ كَفَاهُ اللهُ كُلَّ مَا سِوَاه!».
المَحَطَّةُ الثَّالِثَةُ: دِقَّةُ النَّهيِ فِي قَولِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾!
بَعدَ أَن أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِحَبسِ نَفسِهِ مَعَهُم، أَتبَعَ ذَلِكَ بِنَهيٍ بَالِغِ الدِّقَّةِ وَالرِّقَّةِ فَقَال: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾!
مَا مَعنَى «وَلَا تَعدُ عَينَاكَ عَنهُم»؟ يُقَالُ فِي اللُّغَة: «عَدَت عَينِي عَن فُلَانٍ إِلَى غَيرِهِ» أَي تَجَاوَزَتهُ وَتَخَطَّتهُ وَانصَرَفَت عَنهُ لِتَنظُرَ إِلَى سِوَاه!
يَا لِعَظَمَةِ الأَدَبِ القُرآنِيِّ الَّذِي يَجلِيهِ الشَّيخُ الشَّعرَاوِيُّ وَأَهلُ التَّفسِيرِ فِي هَذَا المَوضِع! لَم يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: «وَلَا تَترُكْهُم بِجَسَدِكَ» فَحَسب؛ لِأَنَّهُ قَد يَجلِسُ الرَّجُلُ مَعَ الفُقَرَاءِ بِجَسَدِهِ امتِثَالًا لِلأَمر، وَلَكِنَّ عَينَيهِ زَائِغَتَانِ تَتَطَلَّعَانِ مِنَ النَّافِذَةِ أَوِ البَابِ إِلَى مَوَاكِبِ الأَغنِيَاءِ وَالأَشرَافِ وَأَصحَابِ الثِّيَابِ الفَاخِرَة! فَنَهَى اللهُ حَتَّى عَن مُجَرَّدِ التِفَاتِ العَينِ عَنِ الفَقِيرِ الصَّالِحِ أَثنَاءَ الجُلُوسِ مَعَه؛ جَبرًا لِخَاطِرِ المُؤمِنِ الفَقِير، وَحِفظًا لِكَرامَتِهِ مِن أَن يَشعُرَ بِأَنَّ جَلِيسَهُ مُنشَغِلُ العَينِ وَالقَلبِ عَنهُ بِأَهلِ الدُّنيَا!
وَتَأَمَّلُوا تَسمِيَةَ اللهِ لِمَا عِندَ أُولَئِكَ المَتَكَبِّرِينَ بِأَنَّهُ ﴿زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾!
يَقُولُ الشَّعرَاوِيُّ رَحِمَهُ الله: «انظُر كَيفَ زَهَّدَنَا اللهُ فِيهَا بِثَلَاثِ كَلِمَات: فَهِيَ أَوَّلًا (دُنيَا) مِنَ الدُّنُوِّ أَوِ الدَّنَاءَةِ أَي قَرِيبَةٌ زَائِلَةٌ دَنِيئَةٌ لَيسَت هِيَ الحَيَاةَ العُليَا البَاقِيَة، وَهِيَ ثَانِيًا (حَيَاةٌ دُنيَا) تَنقَضِي بِانقِضَاءِ الأَنفَاس، وَمَا يَملِكُهُ هَؤُلَاءِ المَغرُورُونَ لَيسَ حَتَّى جَوهَرَ الحَيَاةِ بَل هُوَ (زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنيَا) أَي قِشرَةٌ وَطِلَاءٌ خَارِجِيٌّ خَادِعٌ يَزُولُ عَن قَرِيب! أَفَيَترُكُ العَاقِلُ مَن يُرِيدُ وَجهَ اللهِ البَاقِيَ مِن أَجلِ قِشرَةٍ زَائِلَةٍ فِي حَيَاةٍ فَانِيَة؟!».
وَهَذَا يُذَكِّرُنَا بِالحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَجُلًا مِن أَشرَافِ النَّاسِ وَأَغنِيَائِهِم مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِرجُلٍ جَالِسٍ عِندَه: «مَا رَأيُكَ فِي هَذَا؟» قَالَ: رَجُلٌ مِن أَشرَافِ النَّاس، هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِن خَطَبَ أَن يُنكَح، وَإِن شَفَعَ أَن يُشَفَّع! فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ مِن فُقَرَاءِ المُسلِمِين، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «مَا رَأيُكَ فِي هَذَا؟» قَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَذَا رَجُلٌ مِن فُقَرَاءِ المُسلِمِين، هَذَا حَرِيٌّ إِن خَطَبَ أَن لَا يُنكَح، وَإِن شَفَعَ أَن لَا يُشَفَّع، وَإِن قَالَ أَن لَا يُسمَعَ لِقَولِه! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الكَلِمَةَ الَّتِي تَهدِمُ مَوَازِينَ المَادِّيِّين: «هَذَا خَيرٌ مِن مِلءِ الأَرضِ مِثلَ هَذَا»!
المَحَطَّةُ الرَّابِعَةُ: التَّسلْسُلُ العَجِيبُ لِأَمرَاضِ القُلُوبِ فِي قَولِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾!
وَهُنَا نَصِلُ إِلَى ذُروَةِ الإِعجَازِ البَيَانِيِّ وَالتَّشخِيصِ القُرآنِيِّ لِحَالِ المَحرُومِين!
لَقَد حَذَّرَ اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَحَذَّرَ كُلَّ مُؤمِنٍ مِن طَاعَةِ صِنفٍ مِنَ النَّاسِ تَجتَمِعُ فِيهِ ثَلَاثُ صِفَاتٍ مُتَرَتِّبَةٍ بَعضُهَا عَلَى بَعضٍ تَرَتُّبَ النَّتِيجَةِ عَلَى المَقَدِّمَة:
الصِّفَةُ الأُولَى (البِدَايَةُ وَالجَذرُ): ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾!
يَسأَلُ الشَّيخُ الشَّعرَاوِيُّ رَحِمَهُ الله: لِمَاذَا قَالَ اللهُ «أَغفَلنَا قَلبَهُ» فَنَسَبَ الإِغفَالَ إِلَى ذَاتِهِ العَلِيَّة؟ وَهَل يَظلِمُ اللهُ أَحَدًا فَيَجعَلُهُ غَافِلًا ابتِدَاءً؟
فَيُجِيبُ رَحِمَهُ الله: حَاشَا لله! وَإِنَّمَا سُنَّةُ اللهِ فِي خَلقِهِ أَنَّهُ يَعرِضُ الهُدَى وَالنُّورَ عَلَى الجَمِيع؛ فَمَن أَقبَلَ عَلَى اللهِ زَادَهُ اللهُ هُدًى، وَمَن أَعرَضَ بِاختِيَارِهِ عَن ذِكرِ اللهِ وَتَعَامَى عَن آيَاتِه، عَاقَبَهُ اللهُ بِأَن طَبَعَ عَلَى قَلبِهِ بِالغَفلَة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]!
وَلَاحِظُوا دِقَّةَ الآيَة: قَالَ «أَغفَلنَا قَلبَهُ عَن ذِكرِنَا» وَلَم يَقُل «أَغفَلنَا لِسَانَهُ»! لِأَنَّ العِبرَةَ فِي الذِّكرِ هِيَ يَقَظَةُ القَلبِ وَحُضُورُ عَظَمَةِ اللهِ فِيه؛ فَقَد يَكُونُ الرَّجُلُ ذَربَ اللِّسَانِ يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ الدِّينِ أَو يَقرَأُ بِلِسَانِه، وَلَكِنَّ قَلبَهُ غَافِلٌ خَرِبٌ خَالٍ مِن خَشيَةِ اللهِ وَمُرَاقَبَتِه!
ثُمَّ مَاذَا يَحدُثُ فَوْرًا إِذَا غَفَلَ القَلبُ عَن ذِكرِ الله؟ تَأتِي الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ الحَتمِيَّة: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾!
يَقُولُ الشَّيخُ الشَّعرَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَجلِيَةِ هَذِهِ القَاعِدَة: «إِنَّ القَلبَ البَشَرِيَّ لَا يَقبَلُ الفَرَاغَ أَبَدًا؛ فَهُوَ إِمَّا مَعمُورٌ بِذِكرِ اللهِ يَحكُمُهُ شَرعُ الله، وَإِمَّا خَالٍ مِن ذِكرِ اللهِ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيهِ فَوْرًا الهَوَى وَالشَّهوَة! فَمَن نَسِيَ اللهَ صَارَ عَبدًا لِهَوَاهُ يَقُودُهُ حَيثُ شَاء!». وَالهَوَى سُمِّيَ هَوًى لِأَنَّهُ يَهوِي بِصَاحِبِهِ مِن عَليَاءِ الكَرَامَةِ الإِنسَانِيَّةِ إِلَى هَاوِيَةِ الشَّهَوَاتِ البَهِيمِيَّة!
ثُمَّ مَاذَا تَكُونُ النَّتِيجَةُ الثَّالِثَةُ لِمَن غَفَلَ قَلبُهُ عَن ذِكرِ اللهِ فَقَادَهُ هَوَاه؟ قَالَ سُبحَانَه: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾!
كَلِمَةُ «فُرُطًا» كَلِمَةٌ قُرآنِيَّةٌ مُعجِزَةٌ تَرسُمُ صُورَةً حِسِّيَّةً بَاهِرَة؛ فَمِن أَينَ جَاءَت كَلِمَةُ «فُرُطًا»؟
يَشرَحُهَا الشَّيخُ الشَّعرَاوِيُّ وَأَئِمَّةُ اللُّغَةِ بِمَعنَيَينِ مُتَلَازِمَين:
الأَوَّلُ: مِن قَولِ العَرَبِ «انفَرَطَ العِقدُ»! تَخَيَّل عِقدًا مِنَ اللُّؤلُؤِ يَجمَعُ حَبَّاتِهِ خَيطٌ مَتِينٌ يُمسِكُهَا فِي نِظَامٍ بَدِيع؛ فَإِذَا انقَطَعَ ذَلِكَ الخَيطُ انفَرَطَت حَبَّاتُ العِقدِ وَتَبَعثَرَت فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ عَلَى الأَرضِ فَلَا يَجمَعُهَا نِظَامٌ وَلَا يَضبِطُهَا قَانُون! وَذِكرُ اللهِ وَشَرعُهُ هُوَ الخَيطُ النَّاظِمُ لِحَيَاةِ الإِنسَان؛ فَإِذَا قَطَعَ الإِنسَانُ حَبلَ الذِّكرِ وَاتَّبَعَ هَوَاه، انفَرَطَ أَمرُ حَيَاتِهِ كُلُّه: فَتَبَعثَرَت أَوقَاتُه، وَضَاعَت أَخلَاقُه، وَفسَدَت أُسرَتُه، وَتَشَتَّتَ فِكرُه، وَصَارَ يَتَخَبَّطُ فِي الفَوضَى بِلَا مَبدَأٍ وَلَا غَايَة!
وَالثَّانِي: مِن «الفُرُوطِ وَالإِفرَاطِ وَالتَّفرِيطِ»؛ أَي صَارَ أَمرُهُ كُلُّهُ مُجَاوِزًا لِلحَدِّ فِي الطُّغيَان، ضَائِعًا فَائِتًا خَاسِرًا لِدُنيَاهُ وَآخِرَتِه!
المَحَطَّةُ الخَامِسَةُ: كَيفَ طَبَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَة، وَكَيفَ نُطبِّقُهَا نَحنُ فِي حَيَاتِنَا اليَوم؟
مَا إِن نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلَى قَلبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، حَتَّى قَامَ مِن فَوْرِهِ يَبحَثُ عَن أُولَئِكَ الصَّحَابَةِ الفُقَرَاء؛ فَوَجَدَهُم فِي مُؤَخَّرَةِ المَسجِدِ يَذكُرُونَ اللهَ تَعَالَى -كَمَا عِندَ أَبِي دَاوُدَ وَابنِ مَاجَه وَالطَّبَرِيِّ-، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَلَسَ بَينَهُم وَأَلصَقَ رُكبَتَهُ الشَّرِيفَةَ بِرُكَبِهِم، وَقَالَ بَوَجهٍ مُشرِقٍ بِالبِشر: «الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَن أُمِرتُ أَن أَصبِرَ نَفسِي مَعَهُم»! وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَعدَ ذَلِكَ إِذَا جَلَسَ مَعَ فُقَرَاءِ الصَّحَابَةِ لَا يَقُومُ مِن مَجلِسِهِم أَبَدًا حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ أَوَّلًا!
فَمَاذَا نَتَعَلَّمُ نَحنُ اليَومَ مِن هَذَا الدَّرسِ القُرآنِيِّ العَظِيم؟
نَتَعَلَّمُ أَوَّلًا: أَن نَبحَثَ عَنِ الصُّحبَةِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تُذَكِّرُنَا بِاللهِ إِذَا نَسِينَا، وَتُعِينُنَا عَلَى الصَّلَاةِ وَالطَّاعَةِ إِذَا كَسِلنَا، وَأَن نَصْبِرَ أَنفُسَنَا مَعَ أَهلِ المَسَاجِدِ وَحَلَقَاتِ العِلمِ وَالقُرآنِ وَالذِّكر!
وَنَتَعَلَّمُ ثَانِيًا: أَن نُصَحِّحَ مِيزَانَ تَقيِيمِ النَّاسِ فِي أَعيُنِنَا؛ فَلَا نَنبَهِرَ بِمَشَاهِيرِ التَّفَاهَةِ وَأَربَابِ الأَموَالِ وَالمَظَاهِرِ الفَارِغَةِ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ وَالمُجتَمَع، وَلَا نَزدَرِيَ مُؤمِنًا فَقِيرًا بَسِيطَ الثَّوبِ رَثَّ الهَيئَةِ؛ فَلَرُبَّ أَشعَثَ أَغبَرَ مَدفُوعٍ بِالأَبوَابِ لَو أَقسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّه!
وَنَتَعَلَّمُ ثَالِثًا: أَن نَحذَرَ أَشدَّ الحَذَرِ مِن طَاعَةِ الغَافِلِينَ أَتبَاعِ الأَهوَاءِ أَوِ التَّشَبُّهِ بِهِم فِي أَفكَارِهِم وَسُلُوكِهِم؛ فَمَن أَطَاعَ الغَافِلَ المُنفَرِطَ الأَمرِ انفرَطَ عَلَيهِ دِينُهُ وَدُنيَاه!
وَنَتَعَلَّمُ رَابِعًا: أَن نَحفَظَ قُلُوبَنَا مِنَ الغَفلَةِ بِمُلَازَمَةِ ذِكرِ اللهِ فِي الغَدَاةِ وَالعَشِيّ؛ بِأَدَاءِ صَلَاتَيِ الفَجرِ وَالعَصرِ فِي جَمَاعَة، وَالمُحَافَظَةِ عَلَى أَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ بِقُلُوبٍ حَاضِرَةٍ تُرِيدُ وَجهَ اللهِ وَحدَه! وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِل:
صَاحِب أُولِي التَّقوَى تَفُز بِجِوَارِهِم ... وَاصبِر فُؤَادَكَ مَعْ أَهلِ الإِيمَانِ
وَدَعِ الغَوَايَةَ وَالأُلَى قَد أُغفِلَت ... مِنهُم قُلُوبٌ عَن هُدَى الرَّحمَنِ
فَنَسأَلُ اللهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرشِ الكَرِيمِ أَن يَرزُقَنَا صُحبَةَ الأَبرَارِ الصَّادِقِين، وَأَن يَجمَعَنَا بِهِم فِي الدُّنيَا عَلَى طَاعَتِهِ وَفِي الآخِرَةِ فِي مُستَقَرِّ رَحمَتِهِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين.
اللَّهُمَّ أَيقِظ قُلُوبَنَا مِن رَقدَةِ الغَفلَة، وَأَعِذنَا مِنِ اتِّبَاعِ الهَوَى وَانفِرَاطِ الأَمر، وَاجعَلنَا مِنَ الَّذِينَ يَدعُونَكَ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَكَ الكَرِيم! اللَّهُمَّ لَا تَجعَل الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبلَغَ عِلمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا، وَاجعَلِ الجَنَّةَ هِيَ دَارَنَا وَقَرَارَنَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين، وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه.
من مكتبة مِداد الخطيب
تَفسِيرُ وَتَدَبُّرُ آيَةِ الصَّبرِ مَعَ الصَّالِحِينَ فِي سُورَةِ الكَهفِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.